← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك. فبلغ عبادة بن الصامت فقام، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية - أو قال: وإن رغم - ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء. وجه الاستدلال: احتج عبادة في المنع من بيع الآنية من الفضة بالفضة متماثلًا من نهي الرسول ﷺ عن بيع الفضة بالفضة إلا مثلًا بمثل. ولم ير ﵁ إلى أن الآنية من الفضة قد خرجت بالصنعة من كونها مالًا ربويًا، وفهم الصحابي أولى من فهم غيره، كيف وقد وافقه غيره من الصحابة كما سيأتي عن ابن عمر ﵄، وأبي الدرداء. وأما رأي معاوية فهو لم يحتج لقوله إلا أنه لم يسمع من رسول الله ﷺ شيئًا في النهي، كما قال: (ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده، ونصحبه فلم نسمعها منه)، وكونه لم يسمع ليس حجة على من حفظ وسمع، وعمر وأبو بكر قد تغيب عنهم سنة، ويحفظها غيرهم ممن هو دونهم فكيف بمعاوية رضي الله عن الجميع، فكيف إذا كان معاوية إنما قال ذلك برأيه واجتهاده، وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء كما سيأتي احتجا عليه بالسنة المرفوعة، ولذلك أغلظا له في الإنكار، وليس رأي معاوية صريحًا في أنه يرى أن الفضة تخرج بالصنعة من كونها مالًا ربويًا. فقد يكون رأي معاوية من رأي ابن عباس في أن الربا لا يجري إلا في النسيئة، ولذلك أجاز بيع الآنية من الفضة بأكثر من وزنها يدًا بيد. ويحتاج من يريد أن يجعل رأي معاوية في الحلية إلى كلام صريح من معاوية ﵁ في المسألة، فالقصة ليست صريحة في الباب. (ح-٧٦٨) يؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، حدثنا يحيى ابن حمزة، حدثني برد بن سنان، عن إسحاق بن قبيصة، عن أبيه، عن عبادة ابن الصامت بنحوه. وفيه قال معاوية: يا أبا الوليد ما أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة (١).

стр. 5147

[منقطع قبيصة لم يلق عبادة] (١). وأجيب عن هذا الحديث: حمل ابن تيمية وابن القيم بأن إنكار عبادة على معاوية إنما هو لبيعه الآنية من الفضة، فهي صياغة محرمة، والصياغة المحرمة يحرم بيعها بجنسها أو بغير جنسها (٢). ويرد على هذا الاعتراض: بأن عبادة لم يحتج على معاوية بأحاديث النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وإنما احتج عليه بالنهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلًا، فهو يقول في معرض إنكاره على معاوية كما في صحيح مسلم:

стр. 5148

سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ..... إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فالكلام كله في إنكار بيع الفضة بجنسها متفاضلًا، وليس في بيع آنية محرمة، يُنْهَى عن بيعها مطلقًا كيفما بيعت، وبصرف النظر عن الثمن الذي بيعت به، وقد كان بعض الصحابة ربما اتخذ آنية الذهب والفضة، ولم يأكل بها، والنص إنما ورد في النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة، فقد جاء في الصحيحين أن الصحابي حذيفة ﵁ اقتنى آنية من فضة مع كونه يرى تحريم الشرب فيها. (ح-٧٦٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة، ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (١). ففي هذا الحديث دليل على اقتناء حذيفة لإناء الفضة (٢). ومن الأحاديث التي احتج بها الجمهور، والتي تعتبر نصًا في الموضوع، (ح-٧٧٠) ما رواه مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار. أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلًا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى

стр. 5149

بمثل هذا بأسًا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ، ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلا مثلًا بمثل، وزنًا بوزن (١). [منقطع عطاء بن يسار يروي القصة، وهي قد حدثت زمن عمر ولم يدرك في ذلك الوقت] (٢).

стр. 5150

ومن الأحاديث التي احتج بها الجمهور، والتي تعتبر نصًا في الموضوع (ح-٧٧١) ما رواه مالك في الموطأ، عن حميد بن قيس المكي. عن مجاهد، أنه قال: كنت مع عبد الله بن عمر، فجاءه صانع، فقال له: يا أبا عبد الرحمن إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة، وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم (١). [سنده صحيح] (٢).

стр. 5151

(ح-٧٧٢) ومنها ما رواه أبو داود من طريق أبي الخليل (صالح بن أبي مريم) عن مسلم بن يسار المكي، عن أبي الأشعث الصنعاني. عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها ... فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا ... الحديث. [الحديث رجاله ثقات، وهو في مسلم وليس فيه زيادة تبرها وعينها] (١). فالعين من الذهب: ذهب مسكوك (دراهم ودنانير)، والسكة نوع من الصنعة، وهي عمل آدمي، ولو أعطيت ذهبك وفضتك لرجل يضربها دراهم ودنانير لم

стр. 5152

يضربها إلا بالأجرة، فإذا كانت الدراهم والدنانير لا تقوَّم فيها الصنعة بالإجماع، وهي من عمل الإنسان وكسبه، فالحلي مثلها. والله أعلم. ومن الآثار التي احتج بها الجمهور، وتعتبر نصًا في الموضوع: (ث-١٣٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا نصرابن عائذ الجهضمي (١)، عن قيس بن رباح الحداني. عن مليكة بنت هانئ (٢)، قالت: دخلت على عائشة، وعلي سواران من فضة، فقلت: يا أم المؤمنين، أبيعها بدراهم؟ فقالت: الفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلًا بمثل (٣). [ضعيف] (٤). الدليل الثالث: من الإجماع. فقد ساق الإجماع طائفة من العلماء: قال القاضي عياض: «قوله: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق

стр. 5153

بالورق ... ) الحديث عام في جميع أجناسها من مشكول، ومصنوع، وتبر، وجيد، ورديء، ولا خلاف في هذا» (١). قال النووي: «قوله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا سواء بسواء). قال العلماء: هذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق من جيد ورديء، وصحيح ومكسور، وحلي وتبر، وغير ذلك، وسواء الخالص والمخلوط بغيره، وهذا كله مجمع عليه» (٢). قال ابن عبد البر: «والسنة المجتمع عليها أنه لا يباع شيء من الذهب عينًا كان أو تبرًا، أو مصوغًا، أو نقرًا، أو جيدًا، أو رديئًا بشيء من الذهب إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، وكذلك الفضة: عينها، ومصوغها، وتبرها، والسوداء منها والبيضاء، والجيدة والرديئة سواء، لا يباع بعضها ببعض إلا مثلًا بمثل يدًا بيد، من زاد أو نقص في شيء من ذلك كله، أو أدخله نظرة فقد أكل الربا» (٣). وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الذهب تبره وعينه سواء لا يجوز التفاضل في شيء منه، وكذلك الفضة بالفضة تبرها وعينها، ومصنوع ذلك كله ومضروبه لا يحل التفاضل في شيء منه، وعلى ذلك مضى السلف من العلماء والخلف إلا شيئًا يسيرًا يروى عن معاوية من وجوه، أنه كان لا يرى الربا في بيع العين بالتبر، ولا بالمصنوع وكان يجيز في ذلك التفاضل، ويذهب إلى أن الربا

стр. 5154

لا يكون في التفاضل إلا في التبر بالتبر، وفي المصنوع بالمصنوع، وفي العين بالعين» (١). وقال ابن هبيرة: «أجمع المسلمون على أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب منفردًا، والورق بالورق منفردًا، تبرها، ومضروبها، وحليها، إلا مثلًا بمثل، وزنًا بوزن، يدًا بيد، وأنه لا يباع شيء منها غائب بناجز» (٢). كما حكى الإجماع ابن حجر في الفتح (٣). ولا تسلم دعوى الإجماع مع خلاف معاوية ﵁، وخلاف ابن تيمية وابن القيم، ومن أخذ بقولهم إلا أن يستفاد من حكاية الإجماع أن القول بالتحريم هو قول العامة مؤيدًا بنصوص عامة وخاصة. الدليل الرابع: أن النبي ﷺ منع من التفاضل مع اختلاف الصفة كما في مبادلة الجيد بالرديء، فالصنعة صفة أيضًا إلا أنها من صنع الآدمي. (ح-٧٧٣) فقد روى البخاري من طريق عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب. عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وقال في الميزان مثل ذلك (٤).

стр. 5155

جواب ابن تيمية وابن القيم: أجاب ابن تيمية وابن القيم في التفريق بين الجودة والصنعة أن الجودة من خلق الله تعالى، فأمر ببذلها بدون مقابل، وأما الصنعة فهي من فعل الآدمي، فيعتبر من الظلم أن يقال: بعها واخسر الأجرة (١). وهذا التفريق غير دقيق لثلاثة أوجه: أحدهما: أن الجودة والصنعة كلها ملك لآدمي معصوم، وهي بالإتلاف متقومة، ولم تلغ بحجة أنها من خلق الله، فأموالنا كلها من خلق الله، ونحن مستخلفون فيها، فإذا أهدرت الجودة في الربويات مع كونها مالًا متقومًا مقصودًا، أهدرت الأخرى؛ لأن المعيار هو التماثل في المعيار الشرعي، وهو الكيل. ثم إن هذا قد ينتقض إذا ملكت الجودة والصنعة عن طريق المعاوضة بالأوراق النقدية، فكيف يقال للأول: لا مقابل لما اشتريت إذا بعته بجنسه وإن كنت قد دفعت مالًا كثيرًا قيمة للجودة، ويقال للثاني: لا نضيع عليك الصنعة إذا بعته بجنسه، وكلاهما قد دفع عوضًا ماليًا سواء للجودة أو للصنعة. الثاني: أن مبادلة الدراهم والدنانير بالسبائك من مثلها لا يجوز فيه التفاضل مع أن ضرب الدراهم أو الدنانير صنعة، وهو من عمل آدمي، ولا يعمل إلا بأجرة، ومع ذلك ألغي حين تبادل الذهب بمثله، فكذلك الحلي. الثالث: أن الجودة وإن كانت من صنع الله إلا أنها تتفاوت تفاوتًا كبيرًا بحسب جهد الآدمي وتعاهده لما زرع، وقيامه على مصالحه بقطع ما يضره، وتزويده ما ينفعه من سماد ونحوه، فالمزارع يصرف الأموال الطائلة في إصلاح الثمار تخلية وتحلية، فالآدمي له كسب مؤثر في جودتها، وهذا لا يعرفه إلا من

стр. 5156

اشتغل بالزراعة، بل ربما ما يصرفه المزارع من جهد ومال يفوق بكثير ما يصرفه الصائغ على ذهبه وفضته، فالمزارع يذهب عليه فصل كامل من السنة أو أكثر، وهو يشتغل على ثماره من قبل ظهورها إلى أوان جذاذها، فإذا قيل للمزارع بالإجماع: بع الثمار بمثلها، واخسر جهدك ومالك، فيجب أن يقال له: إذا بعت الحلي من الذهب بالذهب، فاخسر جهدك. وإذا أراد المزارع أن يأخذ قيمة الجودة، فلا يقبل مبادلة الجيد بتمر رديء، بل يبيع صاحب التمر الرديء تمره بالدراهم ويشتري بقيمته تمرًا جيدًا، وإذا أراد الصائغ أن يأخذ قيمة الصنعة، فلا يبيع الحلي من الذهب بالذهب، بل يبيع الحلي من الذهب بالدراهم، والحلي من الفضة بالدنانير، أو يبيعهما بالأوراق النقدية. هذا هو سبيل الفكاك من الوقوع في الربا، وهو مطلب يسير غير متعذر. هذه تقريبًا أهم الأدلة التي استدل بها الجمهور في تحريم ببيع الحلي بالذهب متفاضلًا. دليل من قال: يجوز بيع الحلي بالذهب متفاضلًا: الدليل الأول: أن علة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية، فإذا كانا حليًا فقد أصبحا مجرد سلعة كسائر السلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لا تجب فيهما الزكاة، ولا يحرم بيعهما بالدنانير والدراهم مع التفاضل. ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن جريان الربا في الذهب والفضة ثابت بالنص، وكون العلة فيهما هي الثمنية أمر مستنبط مختلف فيه، وقد نص العلماء على أن العلة المستنبطة لا يمكن أن

стр. 5157

تعود على الحكم بالإبطال، لأن النص دلالته قطعية وهي دلالتها ظنية، والله أعلم. الوجه الثاني: أن الربا يجري في سبائك الذهب والفضة مع أنهما في حال كونهما سبائك لا تعتبر من الأثمان (١). وهذا دليل على أن الثمنية موغلة في الذهب والفضة لا تنفك عنهما، وليست طارئة عليهما، سواء كانت تبرًا، أو عينًا، أو مصوغًا. الوجه الثالث: القول بأن الحلي لم تدخل في نصوص الربا، لأنها من جنس السلع، وليست من جنس الأثمان، ولهذا لم يجب فيها الزكاة. فيقال في الجواب: أولًا: ليس هناك علاقة بين الزكاة وبين الربا، فالثمنية التي هي العلة في الذهب والفضة، ليست هي العلة في غيرها من الأموال الربوية، وليست هي العلة في وجوب الزكاة في الأموال الزكوية، فلا تلازم بين الزكاة وبين الربا، حتى يمكن أن يقال: ما لم تجب فيه الزكاة لم يجر فيه الربا. وما جرى فيه الربا وجبت فيه الزكاة، فالبيوع باب، والصدقة باب آخر. وعدم وجوب الزكاة في الحلي ليس راجعًا لكونها بالصناعة خرجت عن جنس الأثمان، بل لأن من شروط الزكاة أن يكون ملك النصاب خاليًا من الحوائج الأصلية، والحلية تعتبر من الحاجات الأصلية للنساء (٢).

стр. 5158

يقول أبو عبيد القاسم بن سلام: «اختلف في هذا الباب صدر هذه الأمة وتابعوها ومن بعدهم - يعني في وجوب الزكاة في الحلي - فلما جاء هذا الاختلاف أمكن النظر فيه والتدبر لما تدل عليه السنة، فوجدنا النبي ﷺ قد سن في الذهب والفضة سنتين: إحداهما في البيوع، والأخرى في الصدقة. فسنته في البيوع قوله: الفضة بالفضة مثلًا بمثل، فكان لفظه بالفضة مستوعبًا لكل ما كان من جنسها مصوغًا وغير مصوغ، فاستوت في المبايعة ورقها، وحليها، ونقرها. وكذلك قوله الذهب بالذهب مثلًا بمثل فاستوت فيه دنانيره وحليه وتبره. وأما سنته في الصدقة فقوله إذا بلغت الرقة خمس أواقي ففيها ربع العشر فخص رسول الله بالصدقة الرقة من بين الفضة وأعرض عن ذكر سواها، فلم يقل: إذا بلغت الفضة كذا ففيها كذا، ولكنه اشترط الرقة من بينها، ولا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب يقع إلا على الورق المنقوشة ذات السكة السائرة في الناس، وكذلك الأواقي ليس معناها إلا الدراهم، كل أوقية أربعون درهمًا، ثم أجمع المسلمون على الدنانير المضروبة أن الزكاة واجبة عليه كالدراهم وقد ذكر الدنانير أيضا في بعض الحديث المرفوع يحدثونه عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة، فلم يختلف المسلمون فيهما، واختلفوا في الحلي، وذلك أنه يستمتع به ويكون جمالًا وأن العين والورق لا يصلحان لشيء من الأشياء إلا أن يكونا ثمنًا لها، ولا ينتفع منهما بأكثر من الإنفاق لهما، فبهذا بان حكمهما من حكم الحلي الذي يكون زينة ومتاعًا فصار ههنا كسائر الأثاث والأمتعة، فلهذا أسقط الزكاة

стр. 5159

عنه من أسقطها، ولهذا المعنى قال أهل العراق: لا صدقة في الإبل والبقر العوامل؛ لأنها شبهت بالمماليك والأمتعة، ثم أوجبوا الصدقة في الحلي. وأوجب أهل الحجاز الصدقة في الإبل والبقر العوامل، وأسقطوها من الحلي، وكلا الفريقين قد كان يلزمه في مذهبه أن يجعلها واحدًا: إما إسقاط الصدقة عنهما جميعًا، وإما إيجابها بهما جميعًا، وكذلك هما عندنا سبيلهما واحد لا تجب الصدقة عليهما لما قصصنا من أمرهما» (١). الدليل الثاني: أن العاقل لا يمكن أن يبيع الصياغة بوزنها فإن هذا سفه وإضاعة للصنعة، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها البتة بل يبيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تتقيه الشريعة، فإن أكثر الناس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب، وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر، والحيل باطلة في الشرع، فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع، فلو لم يجز بيعه بالدراهم فسدت مصالح الناس». ويناقش: الفرق بين جيد التمر ورديئه في القيمة بون شاسع في عصرنا، فتجد السطل من التمر الردئ بعشرة ريالات، بينما تجده من التمر السكري الجيد بمائتي ريال. وهو هكذا في عصر النبوة حيث قال: نأخذ الصاع بالصاعين، فمعنى

стр. 5160

ذلك أن الزيادة بلغت مائة بالمائة، ولم يكن ذلك مسوغًا لأخذ الزيادة، ولم يقل أحد: إن ذلك سفه، والشريعة لا تأتي به، ولم يقل أحد: لماذا نأمره أن يبيع التمر الرديء، وهو لا يريد الدراهم، أليس في ذلك حرج ومشقة عليه، وهو سوف يشتري بقيمته من التمر الجيد، فهذا هو أمر الشارع، حيث أراد بحكمته عند اشتراط التماثل إلى تضييق المقاصة في بيع الربوي بجنسه. ونحن لا نقول: لزامًا عليك أن تبيعها بمثلها من الذهب وأن تخسر جهدك، بل نقول له: لك أن تبيع الحلية من الذهب بالدراهم، والحلية من الفضة بالدنانير، فهل في إيجاب ذلك حرج ومشقة وعسر لا يمكن أن تأتي به الشريعة، أليس هذا من باب التهويل والمبالغة. وقد يقبل كلام ابن القيم في عصره عندما كان تعامل الناس في النقدين (الدراهم والدنانير) أما اليوم فإن تعامل عامة الناس بالأوراق النقدية، وهي أثمان الناس اليوم، وليس هناك أثمان غيرها، فلك أن تشتري بها ما شئت من حلي الذهب والفضة، فمن كان معه قلادة استغنى عنها، وأراد أن يبيعها فلا يبعها بقلادة أخرى مع التفاضل، بل يبيع القلادة بالريالات، ولا يشترط في ذلك إلا التقابض، ويشتري بالريالات القلادة التي يريد، وليس في ذلك سفه، ولا عنت، وعمل عامة الناس عليه في بلادنا. وقول ابن تيمية وابن القيم: إن العاقل لا يمكن أن يبيع الصياغة بوزنها فإن هذا سفه وإضاعة للصنعة، ممكن أن يقال لهم أيضًا لو فتح باب الاعتراض العقلي أن يقال: إن العاقل لا يمكن أن يبيع الذهب، ولو لم يكن حليًا بمثله وزنًا بوزن، لأن البائع حين يبيع يبحث عن مقدار من الربح، ولو كان يسيرًا، فأي ربح في بيع الذهب بمثله بلا فضل، بل يمكن أن يقال أشد من هذا: هل

стр. 5161

يمكن لعاقل أن يبيع التمر الجيد بتمر رديء إلا إذا خرج الموضوع من باب المعاوضات إلى باب الهبات. الدليل الثالث: أن ربا الفضل يباح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا حيث جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه بجنسه متفاضلًا؟ ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن الناس في عصر الصحابة أحوج إلى بيع الرطب بالتمر منهم إلى بيع الحلي بالذهب، وذلك أن مجتمع الصحابة في عصر النبوة كان أغلبهم من الفقراء، وكان طعامهم الأسودين التمر والماء، بخلاف الحلي والذي لا يستعمله إلا بعض النساء الميسورات، فكيف يقال: أين بيع الرطب بالتمر من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه. (ح-٧٧٤) فقد روى الشيخان من طريق عروة. عن عائشة ﵂، أنها قالت لعروة: ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء .. الحديث (١). (ح-٧٧٥) وروى أحمد من طريق داود بن فراهيج، قال: سمعت أبا هريرة قال: ما كان لنا على عهد رسول الله ﷺ طعام إلا الأسودان، التمر والماء.

стр. 5162

[وإسناده حسن] (١). فالرخصة في العرايا وردت في قوت الناس وطعامهم، وهي عامة لجميع الناس، ينتفع منها كافتهم، بخلاف الحلي، فهو ليس من حاجات الناس الضرورية، ولا ينتفع منها إلا خاصتهم. الوجه الثاني: لا يسوغ شرعًا أن نحتج بالقياس على جواز بيع الحلي بجنسه مع التفاضل وقد ورد النص الخاص في المنع من ذلك، فهذا ابن عمر يقول بالحديث الصحيح للصائغ (هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم). وحديث فضالة في القلادة نص في الموضوع، وحديث عبادة وإنكاره على معاوية، وهو في صحيح مسلم حيث احتج على معاوية بالعموم من النهي عن بيع الذهب بالذهب مع التفاضل، ولم يخالف أحد من الصحابة إلا ما ورد عن معاوية، وهو ليس صريحًا في الباب. الوجه الثالث: أن العرايا قد نص على أنه لا يقاس عليها، وأنه لم يرخص في غيرها، فتعميم الرخصة مخالف للنص الشرعي. (ح-٧٧٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر. عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك - أي بعد نهيه عن بيع الرطب بالتمر - في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره (٢).

стр. 5163

فقوله (ولم يرخص في غيره) دليل على قصر الرخصة على العرايا خاصة، ومما يدل على قصر الرخصة في العرايا نهيه ﷺ عن المحاقلة والمزابنة. الوجه الرابع: أنه لو لم ينص على أن العرايا لم يرخص في غيرها، فإنه لا ينبغي القياس عليها، لأن العرية رخصة، والرخص يأتي استثناؤها بدليل خاص بما يخالف الأصل والحكم العام، فالأصل أن الشارع نهى عن بيع الرطب بالتمر، خالفنا ذلك في العرايا بدليل خاص، وبقي ما عداها على المنع. (ح-٧٧٧) فقد روى البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار. عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرية ... (١). فإذا جعلنا العرية أصلًا يقاس عليه لم تكن العرية رخصة. وقد ذهب عامة الحنفية، وهو مذهب المالكية، ونص الشافعي في الرسالة إلى أن الرخص لا يقاس عليها. قال الشافعي في الرسالة: «فما الخبر الذي لا يقاس عليه؟ قلت: ما كان لله فيه حكم منصوص، ثم كانت لرسول الله ﷺ سنة بتخفيف في بعض الفرض دون بعض، عمل بالرخصة فيما رخص فيه رسول الله ﷺ دون

стр. 5164

ما سواها، ولم يقس ما سواها عليها، وهكذا ما كان لرسول الله ﷺ من حكم عام بشيء، ثم سن فيه سنة تفارق حكم العام» (١). وقال أيضًا: «فما مثل هذا في السنة؟ قلت: نهى رسول الله عن بيع التمر بالتمر إلا مثلًا بمثل، وسئل عن الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقيل: نعم فنهى عنه، ونهى عن المزابنة وهي كل ما عرف كيله مما فيه الربا من الجنس الواحد بجزاف لا يعرف كيله منه، وهذا كله مجتمع المعاني ورخص أن تباع العرايا بخرصها تمرا يأكلها أهلها رطبًا، فرخصنا بالعرايا بإرخاصه ... فأثبتنا التحريم محرمًا عامًا في كل شيء من صنف واحد مأكول، بعضه جزاف، وبعضه بكيل للمزابنة، وأحللنا العرايا خاصة بإحلاله من الجملة التي حرم، ولم نبطل أحد الخبرين بالآخر، ولم نجعله قياسًا عليه» (٢). الوجه الخامس: أن الشارع لم يأذن بالفاضل المتيقن في العرايا، وإنما سوغ الشارع المساواة بالخرص من أهل الخبرة بالخرص في مقدار قليل تدعو إليه الحاجة، وهو قدر النصاب خمسة أوسق فما دون، والخرص معيار شرعي للتقدير في أمور كثيرة منها الزكاة، بينما أنتم في بيع الحلي بجنسه متفاضلًا قد أذنتم بيقين التفاضل مطلقًا لجميع الناس، وفي القليل والكثير، ومع الحاجة وبدونها، فاختلف حكم المقيس عن حكم المقيس عليه، فلم يصح القياس.

стр. 5165

الدليل الرابع: أن الناس على عهد النبي ﷺ كانوا يتخذون الحلية وكان النساء يلبسنها، وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها، والمعلوم بالضرورة أنه كان يعطيها للمحاويج، ويعلم أنهم يبيعونها، ومعلوم قطعًا أنها لا تباع بوزنها، فإنه سفه، ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي دينارًا، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله وأفقه في دينه وأعلم بمقاصد رسوله من أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها للناس. ويناقش: القول بأنه لا يمكن أن تباع بوزنها، وأن مثل الحلقة لا تساوي دينارًا، فيقال: هناك ما هو أقل من الدينار عند الصحابة، هو القيراط، والدرهم. (ح-٧٧٨) فقد روى البخاري ومسلم في صحيحه قصة شراء النبي ﷺ جمل جابر. وفي رواية، قال رسول الله ﷺ لبلال: أعطه أوقية من ذهب، وزده، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا (١). والقيراط: هو جزء من أجزاء الدينار وكانت الفلوس موجودة في الصدر الأول. (ث-١٣٤) فقد روى الإمام أحمد حدثنا يزيد، أخبرنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن. عن عبد الله بن الصامت، قال: كنت مع أبي ذر، وقد خرج عطاؤه معه، ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه، وقال مرة: نقضي.

стр. 5166

قال: ففضل معه فضل، قال: أحسبه، قال: سبع، قال: فأمرها أن تشتري بها فلوسًا .... (١). [إسناده صحيح] (٢). وأما الدليل على وجود الفلوس في زمن التابعين. (ح-٧٧٩) ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب. عن مرثد بن عبد الله المزني، قال: كان أول أهل مصر يروح إلى المسجد، وما رأيته داخلًا المسجد قط إلا وفي كمه صدقة، إما فلوس، وإما خبز، وإما قمح، حتى ربما رأيت البصل يحمله، قال: فأقول يا أبا الخير إن هذا ينتن ثيابك، فقال فيقول: يا ابن حبيب، إما أني لم أجد في البيت شيئًا أتصدق به غيره، إنه حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: ظل المؤمن يوم القيامة صدقته (٣). [إسناده حسن] (٤).

стр. 5167

(ث -١٣٥) وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق جعفر ابن برقان، قال: سألت الزهري عن رجل يشتري الفلوس بالدراهم، هل هو صرف؟ قال: نعم، فلا تفارقه حتى تستوفيه. [إسناده صحيح] (١). وعلى فرض أن تكون الفلوس غير موجودة، فإنه يمكن أن تشترى حلية الذهب بالدراهم، وحلية الفضة بالدينار، فإن لم يكن اشتريت بالعروض، وهل يعقل أن تكون المسألة بهذه العسر، وابن عمر ﵁ يقول للصائغ: (هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم). الدليل الخامس: قال ابن تيمية: «لا يعرف عن الصحابة أنهم أمروا في مثل هذا أن يباع بوزنه،

стр. 5168

وإنما كان النزاع في الصرف، والدرهم بالدرهمين، فكان ابن عباس يبيح ذلك، وأنكره عليه أبو سعيد وغيره، والمنقول عن عمر إنما هو في الصرف» (١). ويناقش: هذا القول مردود بالأحاديث الخاصة، والتي هي نص في الموضوع، فحديث القلادة لم يضعفه ابن تيمية وابن القيم، ولم يخرجا منه بجواب مقنع، بل كان جوابهما حجة عليهما حيث اعتبروا ما في القلادة مالًا ربويًا مع أنهم يرون أن الحلية سلعة من السلع. وحديث ابن عمر في موطأ مالك، وسنن النسائي صريح في الباب، لأن السائل كان من الصاغة، وهو مرفوع، وليس موقوفًا على ابن عمر حتى يعارض برأي معاوية. وحديث عبادة وإنكاره على معاوية في صحيح مسلم. وحكي الإجماع عليه إلا خلافًا يروى عن معاوية، وليس صريحًا في الباب، فكيف يقال بعد ذلك إن المسألة لا تعرف عن الصحابة. الدليل السادس: قال ابن تيمية: «تحريم ربا الفضل إنما كان لسد الذريعة، وما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كالصلاة بعد الفجر والعصر لما نهي عنها لئلا يتشبه بالكفار الذي يعبدون الشمس، ويسجدون للشيطان أبيح للمصلحة الراجحة، فأبيح صلاة الجنازة، والإعادة مع الإمام .... وكذلك ركعتا الطواف، وكذلك على الصحيح ذوات الأسباب .... وكذلك النظر للأجنبية لما حرم سدًا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيح للخطاب وغيره، وكذلك

стр. 5169

بيع الربوي بجنسه لما أمر فيه بالكيل والوزن لسد الذريعة أبيح بالخرص عند الحاجة، وغير ذلك كثير في الشريعة. كذلك هنا: بيع الفضة بالفضة متفاضلًا لما نهي عنه في الأثمان لئلا يفضي إلى ربا النساء الذي هو الربا، فنهي عنه لسد الذريعة، كان مباحًا إذا احتيج إليه للمصلحة الراجحة، وبيع المصوغ مما يحتاج إليه، ولا يمكن بيعه بوزنه من الأثمان، فوجب أن يجوز بيعه بما يقوم به من الأثمان، وإن كان الثمن أكثر منه تكون الزيادة في مقابلة الصنعة» (١). ويناقش: مدار هذا الدليل على أن تحريم ربا الفضل إنما كان لسد الذريعة، وما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة. هذا القول قاله ابن تيمية عليه رحمة الله تفقهًا وفهمًا، وليس هناك نص من الشارع بأن ربا الفضل تحريمه من باب تحريم الوسائل، وسد الذرائع، ولو تأمل الباحث في النصوص الواردة في ربا الفضل لم يجد ما يدعم هذا الفهم. والفهم غير معصوم، فإذا جاء النص من الشارع على أن المنع إنما كان من باب سد الذرائع سلم الباحث ذلك بلا نزاع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. فهنا نص الشارع على أن النهي عن سب الأصنام حتى لا يفضي ذلك إلى مفسدة أكبر، وهي سب الذات الإلهية تنزه ربنا وتقدس. فإذا تأملت نصوص ربا الفضل وجدت أن تحريمه تحريم مقاصد، وأنه محرم تحريم أصالة، وليس محرمًا لغيره.

стр. 5170

(ح-٧٨٠) لما رواه البخاري، ومسلم من طريق معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سمعت عقبة بن عبد الغافر. أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁، قال: جاء بلال بتمر برني، فقال له النبي ﷺ : من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر ردي، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ عند ذلك: أوه أوه عين الربا عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتره به (١). فقوله ﷺ : (عين الربا) وتكرار ذلك، وقوله (لا تفعل) كل ذلك يدل صراحة على أن ربا الفضل تحريمه تحريم مقاصد، وليس تحريمه من باب الوسائل، كما قال بعض أهل العلم والفضل. قال القاضي عياض في إكمال المعلم: «قوله (عين الربا) أي هو الربا المحرم نفسه من الزيادة، لا ما يشبهه ويغامر عليه» (٢). وقال الحافظ في الفتح: «مراده بعين الربا: نفسه» (٣). وقال العيني في عمدة القارئ: «أي هذا البيع نفس الربا حقيقة» (٤). وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: «أوه عين الربا. قال أهل اللغة: هي كلمة توجع وتحزن، ومعنى عين الربا: أنه حقيقة الربا المحرم» (٥).

стр. 5171

وفي حاشية السندي على النسائي: «أي هذا العقد نفس الربا الممنوعة، لا نظيرها وما فيه شبهتها» (١). وقال ﷺ عن ربا الفضل كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: (ويلك أربيت) (٢). وقال ﷺ أيضًا كما في حديث أبي هريرة في مسلم (من زاد أو استزاد فقد أربى) (٣). ومن حديث أبي سعيد الخدري في مسلم: من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (٤). فإذا كان ربا الفضل هو عين الربا، ومن وقع فيه فقد أربى، والربا له حقيقة شرعية، فإذا قيل: هذا عين الربا لم يكن لمسلم أن يقول: إن ربا الفضل ليس تحريمه تحريم مقاصد. وكون ربا النسيئة أشد تحريما من ربا الفضل لا يعني أن ربا الفضل ليس من الكبائر، فإنه داخل في جنس الربا وعمومه، ولا يعني أيضًا أن تحريمه من باب سد الذرائع، وآيات وأحاديث الوعيد التي وردت في الربا تصدق على ربا الفضل كما تصدق على ربا النسيئة، لأن الشرع أطلق عليه أنه ربا، وأنه عينه وذاته ونفسه. وكون العرايا استثنيت منه فلا يعني ذلك أبدًا أن تحريمه من باب تحريم

стр. 5172

الوسائل؛ لأن إباحة بيع الرطب بالتمر إنما خص ذلك بالرطب لكونه قوت الناس وطعامهم، والشارع لم يأذن بالفاضل المتيقن في العرايا، وإنما سوغ الشارع المساواة بالخرص من أهل الخبرة بالخرص في مقدار قليل تدعو إليه الحاجة، وهو قدر النصاب خمسة أوسق فما دون، والخرص معيار شرعي للتقدير في أمور كثيرة منها الزكاة، والمالكية يجيزون العمل بالتحري في بيع كثير من الأموال الربوية بعضها ببعض حتى ولو لم تكن من العرايا. قال الباجي: «وبدل الدنانير بالدنانير، والدراهم بالدراهم على وجهين: أحدهما وزنًا، والثاني: عددًا. فأما الوزن فلا يجوز فيه إلا التساوي، ولا يجوز فيه زيادة على وجه معروف، ولا بمسامحة ..... وأما المبادلة بالعدد فإنه يجوز ذلك وإن كان بعضها أوزن من بعض في الدينار والدينارين على سبيل المعروف والتفضل، وليس ذلك من التفاضل؛ لأنهما لم يبنيا على الوزن، ولهذا النوع من المال تقديران: الوزن والعدد، فإن كان الوزن أخص به، أولى فيه إلا أن العدد معروف، فإذا عمل به على العدد جوز يسير الوزن زيادة على سبيل المعروف ما لم يكن في ذلك وجه من المكايسة والمغابنة، فيمنع منه. وهذا عندنا مبني على مسألة العرية، وذلك أن العرية لما كان للثمرة تقديران: أحدهما: الكيل، والآخر الخرص، والتحري، جاز العدول عن أولهما إلى الثاني للضرورة على وجه المعروف، فكذلك الدنانير والدراهم» (١). والاستثناء من المحرم لا يعني أبدًا أن تحريمه ليس تحريم مقاصد، فالشرك أعظم المحرمات، ومع ذلك يباح إذا خاف الإنسان على نفسه.

стр. 5173

واستدل بعضهم على أن ربا الفضل من باب المحرمات لغيره (ح-٧٨١) بما رواه أحمد من طريق أبي جناب عن أبيه. عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ قال: لا بأس إذا كان يدًا بيد (١). [ضعيف، ولفظة (إني أخاف عليكم الرماء) رواها ابن عمر تارة موقوفة عليه، وتارة عن عمر موقوفًا عليه] (٢). وجه الاستدلال: أخذ بعض أهل العلم من قوله ﷺ (إني أخاف عليكم الرماء) أن تحريمه من باب تحريم الوسائل، لكونه يفضي إلى ربا النسيئة. ويجاب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن قوله: (إني أخاف عليكم الرماء أي (الربا) دليل على أن من فعل ذلك وقع في الربا لا أن من فعل ذلك يخاف عليه أن يقع في الربا. الوجه الثاني: أن الحديث ضعيف، ولفظة (إني أخاف عليكم الرماء) الصحيح أنها لا تثبت مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وإنما هي موقوفة على عمر بن الخطاب ﵁، وقد سبق تخريج هذا الأثر ولله الحمد.

стр. 5174

الوجه الثالث: على القول بأن كلام عمر ﵁ حجة، فإنه لا يعارض به كلام النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ قال: من زاد أو استزاد فقد أربى، وقال: ويلك أربيت، وتوجع النبي ﷺ من هذا الفعل قائلًا: أوه أوه عين الربا. وكل هذه الألفاظ في الصحيح، وقد سبق تخريجها قبل قليل، فكيف تعارض هذه الأحاديث بكلمة ليست صريحة من عمر ﵁. الدليل السابع: المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمومة إلى غير أصلها وجوهرها، ولا فرق بينهما في ذلك (١). فإذا كان يسوغ لصاحب الذهب أن يذهب إلى الصائغ، ويستأجره على الصياغة منفردة، ويعطيه أجره على عمله، جاز أن تكون أجرة الصياغة مضمومة إلى مبادلة الذهب بالذهب. المناقشة: ليس كل عقد جاز منفردًا جاز مضمومًا إلى غيره، فهذا عقد القرض جائز بالإجماع، وعقد البيع جائز بالإجماع، وإذا باعه بشرط أن يقرضه حرم ذلك بالإجماع. (ح-٧٨٢) لما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).

стр. 5175

[إسناده حسن] (١). والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض وإن كان كل واحد منهما صحيحًا بانفراده لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعًا للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع. قال ابن تيمية: «نهى - يعني النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح وإنما ذاك ; لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا، ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفًا، وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا» (٢). وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض. قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (٣). قال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (٤).

стр. 5176

وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (١). وقال الزركشي في البحر المحيط: «وبالإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين للذريعة إليها» (٢). كما حكى الإجماع على التحريم ابن قدامة في المغني (٣) وغيرهم. الدليل الثامن: الذهب والفضة في هذا العصر لم يعودا أثمانًا، ولا علاقة لهما بالنقود، فعلة الثمنية قد زالت عنهما، وصارا سلعة كباقي السلع، لا يجري فيهما أحكام الربا؛ لأن العلة هي مناط الحكم، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا (٤). ويناقش: بأن صاحب هذا القول يريد أن يذهب إلى أوسع من مبادلة الحلي بجنسه متفاضلًا، بل يريد أن يذهب إلى جواز مبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، ومبادلة الفضة بالفضة مع التفاضل. وقد بينت فيما سبق أن جريان الربا في الذهب والفضة ثابت بالنص، وكون العلة فيهما هي الثمنية أمر مستنبط مختلف فيه، وقد نص العلماء على أن العلة المستنبطة لا يمكن أن تعود على الحكم بالإبطال، لأن النص دلالته قطعية وهي دلالتها ظنية، والله أعلم.

стр. 5177

ولأن الربا يجري في سبائك الذهب والفضة مع أنهما في حال كونهما سبائك لا تعتبر من الأثمان. الدليل التاسع: إذا كان أرباب الحيل يجيزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلسًا، فيجعلون العشرة دراهم في مقابل العشرة، ويقولون الخمسة في مقابلة الخرقة، فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة، وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلا ورحمة وجلالة بإباحة هذا وتحريم ذلك وهل هذا إلا عكس للمعقول والفطر (١). ويناقش: بأن هذا القول قد قال به أبو حنيفة، وضعفه ظاهر، وهو يفتح باب التحايل على الربا، ولكن هذا القول الضعيف ليس مسوغًا للقول بجواز بيع الحلي بجنسه متفاضلًا. ولم يكن من أدلة الشرع أبدًا لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها أن نبحث عن الأقوال الأشد ضعفًا ونسوقها كأدلة على مسألة أخرى هي أخف ضعفًا، وهذا الأسلوب كثيرًا ما يصنعه ابن حزم، عفا الله عن الجميع. بل يسعنا أن نقول بتحريم التحايل على الربا في مسألة مد عجوة ودرهم، وفي الوقت نفسه نقول بتحريم بيع الحلي بجنسه متفاضلًا لمخالفته الأدلة الصحيحة الصريحة. الدليل العاشر: الصياغة لها قيمة مالية مقصودة في حكم الشرع، وهي متقومة في حال التلف وغيره، فإذا أتلف إنسان بتعد منه أو تفريط حليًا ضمنه بوزنه مع قيمة صياغته،

стр. 5178

فإذا جاز ذلك في باب الضمان جاز ذلك في بيعه بجنسه مضافًا له قيمة الصياغة (١). ويناقش: لا يلزم من القول بجواز الضمان القول بجواز البيع، فمن أتلف حرًا أو أتلف منافعه لزمه ديته وقيمة تلك المنافع، ولو باع حرًا لم يصح البيع، بل ربما صح اعتبار قيمة الشيء في البيع، ولم يصح اعتبار تلك القيمة في المبادلات الربوية، فهذا التمر الجيد إذا باعه بالأثمان، وأخذ قيمة الجودة جاز ذلك بلا نزاع، وإذا بادل التمر الجيد بالرديء حرم بالإجماع أخذ قيمة الجودة. الترجيح: بعد استعراض الأقوال والأدلة أجد أن القول بجواز بيع الحلي بجنسه متفاضلًا هو قول ضعيف، ولكن استتر ضعفه حين تبنى هذا القول رجل بقوة ابن تيمية وابن القيم، ولذلك تجد القول القوي يضعف حين يحتج له رجل ضعيف علميًا بينما تجد القول الضعيف يستتر ضعفه إذا تبناه رجل بمثل ابن تيمية وابن القيم، وقد رزقهما الله قوة في الحجة والبيان، وأرجو أن أكون قد وفقت في كشف غموض هذه المسألة والتي اختلف فيها بعض أهل العلم في عصرنا بين مجيز ومانع، والله أسأل أن يجعل العمل خالصًا لوجهه، على سنة رسول ﷺ . * * *

стр. 5179

الباب الرابع في اجتماع الربوي مع غيره في اجتماع الربوي مع غيره له صور كثيرة، ويدخل بعض مسائله فيما يعرف عند الفقهاء بمد عجوة ودرهم، وسوف نختار أهم الصور، ونناقشها، وسوف أستبعد بعض الصور اقتصارًا واختصارًا حتى لا يطول البحث، وتتشعب المسائل على القارئ. * * *

стр. 5180

الفصل الأول بيع الربوي بغير جنسه ومعه من جنس ما بيع به المبحث الأول كون الربوي تابعًا غير مقصود معنى كون الربوي تابعًا غير مقصود: أي غير مقصود بالأصالة، وإنما مقصود بالتبع. مثاله: ورد النهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وجاز بيع الشجر، وعليه ثمر لم يبد صلاحه، وقد عللوا ذلك بأن الثمر غير مقصود بالأصالة، وإنما المقصود في الأصل الشجر، والثمر مقصود تبعًا، ولذلك كان له وقع في الثمن. ومثله: بيع الشاة الحامل، فالحمل وحده لا يجوز بيعه منفردًا بالإجماع، وسبق بحثه، ويجوز بيع الشاة الحامل، والحمل تبع، ويكون المقصود بالأصالة هو الشاة، والحمل مقصود تبعًا، وليس أصالة، ولذلك كان له وقع في الثمن (١). وهذه المسألة: أعني كون الربوي تابعًا غير مقصود تنقسم إلى أقسام، وسوف نتعرض إن شاء الله تعالى إلى حكم كل مسألة على انفراد، أسأل الله عونه وتوفيقه.

стр. 5181

الفرع الأول كون الربوي التابع غير المقصود لا يباع مفردًا المسألة الأولى بيع السيف المموه بالذهب بذهب وقال ابن رجب: «ما لا يقصد عادة، ولا يباع مفردًا .... فلا يمنع من البيع بجنسه بالاتفاق» (١). [م-١١٨٧] إذا باع سيفًا مموهًا بذهب بذهب، أو اشترى دارًا مموهة بفضة، بفضة فهذا يجوز بيعه، وحكي فيه الإجماع. جاء في المبسوط: «وإذا اشترى لجامًا مموهًا بفضة بدراهم، بأقل مما فيه، أو أكثر فهو جائز ; لأن التمويه لون الفضة، وليس بعين الفضة ألا ترى أنه لا يتخلص منه شيء، فلا يجري الربا باعتباره. وعلى هذا لو اشترى دارًا مموهة بالذهب بثمن مؤجل فإنه يجوز وإن كان بسقوفها من التمويه بالذهب أكثر من الفضة أو الذهب; لأنه لا يتخلص منه شيء فلا يعتبر ذلك في حكم الربا ولا في وجوب التقابض في المجلس» (٢). وقال ابن قدامة: «وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به، إلا أنه غير مقصود كدار مموه سقفها بالذهب، جاز لا أعلم فيه خلافًا. وكذلك لو باع دارا بدار مموه سقف كل واحدة منها بذهب أو فضة جاز؛ لأن

стр. 5182

ما فيه الربا غير مقصود بالبيع» (١). وقال ابن رجب: «ما لا يقصد عادة، ولا يباع مفردًا، كتزويق الدار، ونحوه فلا يمنع من البيع بجنسه بالاتفاق» (٢). وهذا إنما يجوز بشرط أن يكون الذهب أو الفضة في المبيع مجرد تمويه، ليس له عين قائمة بذاته (٣)، وهذا ما عبر عنه السرخسي في الكلام السابق بقوله: «ألا ترى أنه لا يتخلص منه شيء». وأصرح منه عبارة ابن عابدين: «يجب تقييد المسألة بما إذا لم تكثر الفضة أو الذهب المموه أما إذا كثر بحيث يحصل منه شيء يدخل في الميزان بالعرض على النار يجب حينئذ اعتباره، ولم أره لأصحابنا لكن رأيته للشافعية، وقواعدنا شاهدة به فتأمل» (٤). وقال الخرشي: «فإن كان لا يخرج منه شيء إن سبك فإنه لا عبرة بما فيه من الحلية، ويكون كالمجرد منها» (٥). وجاء في حاشية قليوبي: « ... ما لو باع بناء دار مموه بذهب لا يحصل منه شيء بالعرض على النار بذهب، فإنه صحيح، فإن حصل فباطل» (٦). وقال في أسنى المطالب: «إن اشترى دارًا موهت: أي مموهة بذهب تمويهًا

стр. 5183

يتحصل منه شيء بذهب، فلا يصح للربا» (١). فإن كان السيف محلى بذهب، وليس مموهًا: فقيل: لا يجوز مطلقًا. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣). وبه قال ابن سيرين (٤). وقيل: يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، وهذا مذهب

стр. 5184

الحنفية، ورواية عن أحمد (١). وقيل: يجوز مطلقًا. وبه قال ابن عباس (٢)، وطارق بن شهاب (٣)، والحسن، والشعبي، والنخعي (٤). وقيل: يجوز بشروط: أن تكون الحلية مباحة، كتحلية في سيف، أو مصحف، أو عبد له أنف أو سن من أحد النقدين. فإن كانت الحلية محرمة فلا يجوز بيع ما هي فيه لا بجنس ما حلي فيه، ولا بغيره، بل بالعروض إلا أن تقل عن صرف دينار كاجتماع البيع والصرف (٥). مثال التحلية المحرمة: كما لو كانت التحلية في دواة، وسكين، وثوب رجل. وأن لا يمكن نزع الحلية. أو يمكن نزعها، ولكن ينتج عن نزعها فساد أو غرم.

стр. 5185

وأن يعجل الثمن والمثمن، فلا يجوز أن يكون البيع إلى أجل. وأن يكون ما فيه من الفضة تبعًا، كالثلث فأدنى، واختلف المالكية في تقدير الثلث: هل يكون بالقيمة، فتكون الحلية ثلث قيمة المحلى بحليته، وهو المعتمد، أو يقدر الثلث بالوزن. هذا مذهب المالكية (١). جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن اشتريت سيفًا محلى بفضة، حليته أقل من ثلث السيف، بفضة إلى أجل، أو بذهب إلى أجل، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا يجوز بيعه بفضة ولا بذهب إلى أجل. قلت: أفيبيعه بفضة أو بذهب نقدًا في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: لماذا جوزه مالك بالنقد بالفضة، لم يلتفت إلى الفضة التي في السيف وهي عنده ملغاة، وجعلها تبعا للسيف، فلم لا يجوزه بفضة إلى أجل، وقد جعل الفضة التي في السيف ملغاة، وجعلها تبعا للسيف، ولم لا يبيعه بفضة إلى أجل. قال: قال مالك: لأن هذا لم يجز إلا على وجه النقد» (٢). وقد انتقد ابن حزم مذهب المالكية بأمرين: الأمر الأول: جوازهم التفاضل في بيع المحلى بجنس حليته بحجة أن الحلية تبع، وتحريمهم النسيئة فيه، فإذا كانت الحلية ملغاة في جواز التفاضل فلماذا لا تكون الحلية ملغاة في جواز النسيئة أيضًا. الأمر الثاني: اعتبار الثلث فأدنى من الذهب والفضة يسيرًا. فقد تعجب منه ابن حزم، وقال: لا دليل على صحته من قرآن، ولا سنة، ولا رواية سقيمة، ولا
следующие страницы →