← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

الفرع الأول كون الربوي التابع غير المقصود لا يباع مفردًا المسألة الأولى بيع السيف المموه بالذهب بذهب وقال ابن رجب: «ما لا يقصد عادة، ولا يباع مفردًا .... فلا يمنع من البيع بجنسه بالاتفاق» (١). [م-١١٨٧] إذا باع سيفًا مموهًا بذهب بذهب، أو اشترى دارًا مموهة بفضة، بفضة فهذا يجوز بيعه، وحكي فيه الإجماع. جاء في المبسوط: «وإذا اشترى لجامًا مموهًا بفضة بدراهم، بأقل مما فيه، أو أكثر فهو جائز ; لأن التمويه لون الفضة، وليس بعين الفضة ألا ترى أنه لا يتخلص منه شيء، فلا يجري الربا باعتباره. وعلى هذا لو اشترى دارًا مموهة بالذهب بثمن مؤجل فإنه يجوز وإن كان بسقوفها من التمويه بالذهب أكثر من الفضة أو الذهب; لأنه لا يتخلص منه شيء فلا يعتبر ذلك في حكم الربا ولا في وجوب التقابض في المجلس» (٢). وقال ابن قدامة: «وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به، إلا أنه غير مقصود كدار مموه سقفها بالذهب، جاز لا أعلم فيه خلافًا. وكذلك لو باع دارا بدار مموه سقف كل واحدة منها بذهب أو فضة جاز؛ لأن

стр. 5182

ما فيه الربا غير مقصود بالبيع» (١). وقال ابن رجب: «ما لا يقصد عادة، ولا يباع مفردًا، كتزويق الدار، ونحوه فلا يمنع من البيع بجنسه بالاتفاق» (٢). وهذا إنما يجوز بشرط أن يكون الذهب أو الفضة في المبيع مجرد تمويه، ليس له عين قائمة بذاته (٣)، وهذا ما عبر عنه السرخسي في الكلام السابق بقوله: «ألا ترى أنه لا يتخلص منه شيء». وأصرح منه عبارة ابن عابدين: «يجب تقييد المسألة بما إذا لم تكثر الفضة أو الذهب المموه أما إذا كثر بحيث يحصل منه شيء يدخل في الميزان بالعرض على النار يجب حينئذ اعتباره، ولم أره لأصحابنا لكن رأيته للشافعية، وقواعدنا شاهدة به فتأمل» (٤). وقال الخرشي: «فإن كان لا يخرج منه شيء إن سبك فإنه لا عبرة بما فيه من الحلية، ويكون كالمجرد منها» (٥). وجاء في حاشية قليوبي: « ... ما لو باع بناء دار مموه بذهب لا يحصل منه شيء بالعرض على النار بذهب، فإنه صحيح، فإن حصل فباطل» (٦). وقال في أسنى المطالب: «إن اشترى دارًا موهت: أي مموهة بذهب تمويهًا

стр. 5183

يتحصل منه شيء بذهب، فلا يصح للربا» (١). فإن كان السيف محلى بذهب، وليس مموهًا: فقيل: لا يجوز مطلقًا. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣). وبه قال ابن سيرين (٤). وقيل: يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، وهذا مذهب

стр. 5184

الحنفية، ورواية عن أحمد (١). وقيل: يجوز مطلقًا. وبه قال ابن عباس (٢)، وطارق بن شهاب (٣)، والحسن، والشعبي، والنخعي (٤). وقيل: يجوز بشروط: أن تكون الحلية مباحة، كتحلية في سيف، أو مصحف، أو عبد له أنف أو سن من أحد النقدين. فإن كانت الحلية محرمة فلا يجوز بيع ما هي فيه لا بجنس ما حلي فيه، ولا بغيره، بل بالعروض إلا أن تقل عن صرف دينار كاجتماع البيع والصرف (٥). مثال التحلية المحرمة: كما لو كانت التحلية في دواة، وسكين، وثوب رجل. وأن لا يمكن نزع الحلية. أو يمكن نزعها، ولكن ينتج عن نزعها فساد أو غرم.

стр. 5185

وأن يعجل الثمن والمثمن، فلا يجوز أن يكون البيع إلى أجل. وأن يكون ما فيه من الفضة تبعًا، كالثلث فأدنى، واختلف المالكية في تقدير الثلث: هل يكون بالقيمة، فتكون الحلية ثلث قيمة المحلى بحليته، وهو المعتمد، أو يقدر الثلث بالوزن. هذا مذهب المالكية (١). جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن اشتريت سيفًا محلى بفضة، حليته أقل من ثلث السيف، بفضة إلى أجل، أو بذهب إلى أجل، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا يجوز بيعه بفضة ولا بذهب إلى أجل. قلت: أفيبيعه بفضة أو بذهب نقدًا في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: لماذا جوزه مالك بالنقد بالفضة، لم يلتفت إلى الفضة التي في السيف وهي عنده ملغاة، وجعلها تبعا للسيف، فلم لا يجوزه بفضة إلى أجل، وقد جعل الفضة التي في السيف ملغاة، وجعلها تبعا للسيف، ولم لا يبيعه بفضة إلى أجل. قال: قال مالك: لأن هذا لم يجز إلا على وجه النقد» (٢). وقد انتقد ابن حزم مذهب المالكية بأمرين: الأمر الأول: جوازهم التفاضل في بيع المحلى بجنس حليته بحجة أن الحلية تبع، وتحريمهم النسيئة فيه، فإذا كانت الحلية ملغاة في جواز التفاضل فلماذا لا تكون الحلية ملغاة في جواز النسيئة أيضًا. الأمر الثاني: اعتبار الثلث فأدنى من الذهب والفضة يسيرًا. فقد تعجب منه ابن حزم، وقال: لا دليل على صحته من قرآن، ولا سنة، ولا رواية سقيمة، ولا

стр. 5186

قول لأحد قبله نعلمه، ولا قياس، ولا رأي له وجه، ولا احتياط. وقال أيضًا: ما عقل قط أحد أن وزن عشرة أرطال فضة تكون ثلث قيمة ما هي فيه يكون قليلًا، ووزن درهم فضة، يكون نصف قيمة ما هي فيه يكون كثيرًا (١). فتبين من هذا أن هناك فرقًا بين السيف المموه بالذهب، وبين السيف المحلى بالذهب، فالأول يجوز بشرط أن يكون المموه لا يمكن أن يحصل منه شيء إذا عرض على النار. وهذا بالاتفاق. والثاني: وهو المحلى بالذهب فيه خلاف، وسوف نذكر أدلة هذه المسألة إن شاء الله تعالى، في مسألة مد عجوة ودرهم؛ لأن أدلة هذه المسألة هي عين أدلة مسألة (مد عجوة ودرهم) فخوفًا من تكرار الأدلة والمسألة أخرت ذكر الأدلة إلى هناك، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه، ويستحسن قراءة ما كتبه ابن عبد البر في الاستذكار، فإنه قد عرض خلاف العلماء في هذه المسألة مع بيان مذهب الإمام مالك (٢). * * *

стр. 5187

المسألة الثانية بيع شاة ذات لبن بلبن أو ذات صوف بصوف قال ابن قدامة: قد يدخل في البيع تبعًا ما لا يجوز إفراده (١). وقال السيوطي: يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها (٢). قال الزركشي: يغتفر في الشيء إذا كان تابعًا ما لا يغتفر إذا كان مقصودًا (٣). [م-١١٨٨] الفرق بينه وبين المسألة التي قبلها: تجتمع هذه المسألة والمسألة التي قبلها: أن كلًا من المال الربوي التابع متصلًا بالمبيع. ويفترقان: أن السيف المموه بالذهب إذا بيع بذهب أن التمويه لا يمكن أن يستخرج منه شيء من الذهب حتى ولو عرض على النار، أما الشاة ذات اللبن أو ذات الصوف فيمكن أن يستخرج اللبن، ويجز الصوف، ونحصل منهما على مال ربوي قائم بذاته. هذا وجه إفراد هذه المسألة عن التي قبلها، وأما حكم المسألة: فإذا باع رجل شاة لبونًا بلبن، أوباع شاة ذات صوف بصوف. فقيل: يجوز بشرط أن يكون اللبن المنفصل أكثر مما في الضرع، وأن يكون الصوف المجزوز أكثر مما على ظهر الشاة. وهذا مذهب الحنفية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة. وقيل: يجوز مطلقًا. وهو مذهب مالك (٥)، والمذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 5188

وقيل: لا يجوز، وهو مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). وجه من قال: يشترط أن يكون اللبن المفرد ونحوه أكثر أنظر أدلة الحنفية في المسألة التي بعد هذه، فقد ذكرته هناك، وناقشته، فيغنى عن إعادته هنا، والحمد لله. وجه من قال: يجوز مطلقًا: أن المقصود في العقد هو الشاة، وأن اللبن الذي في الشاة تابع غير مقصود، وقد تكلمنا على أثر القصد في التحليل والتحريم في المسألة التي قبل هذه.

стр. 5189

قال ابن رجب: «وقد حكي في المسألة روايتان عن أحمد، ولعل المنع يتنزل على ما إذا كان الربوي مقصودًا، والجواز على عدم القصد. وقد صرح باعتبار عدم القصد: ابن عقيل وغيره، ويشهد له تعليل الأصحاب كلهم الجواز بأنه تابع غير مقصود» (١). وقال ابن قدامة في الكافي: «ويجوز بيع شاة ذات صوف بمثلها، وجهًا واحدًا؛ لأن ذلك لو حرم لحرم بيع الغنم بالغنم» (٢). دليل من قال: لا يجوز: الدليل الأول: (ح-٧٨٣) ما رواه البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج. قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعَ تمرٍ، ورواه مسلم (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن اللبن في الضرع يدخل في البيع، ويقابله قسط من الثمن، والدليل عليه أن النبي ﷺ جعل في مقابلة لبن المصراة صاعًا من تمر، فلولا أن العقد يتناول الشاة ولبنها الذي في الضرع كما يتناوله إذا كان محلوبًا في إناء لأسقط ﵇ غرمه في استهلاكه مع قضائه أن الخراج بالضمان (٤).

стр. 5190

ويناقش: بأنه لا نقاش بأن له قسطًا من الثمن، ولكنه دخل في المبيع تبعًا، وليس عن طريق الأصالة، فلم يقصد بالبيع أصالة، كما أن العبد الذي له مال، قد يكون المال الذي معه ربويًا، ويباع بثمن من جنس هذا المال، ومع ذلك لا يطبق عليه أحكام الصرف فيما لو اشترطه المشتري؛ لأنه ليس مقصودًا في العقد، ويجوز بيع الشاة الحامل، ويكون الحمل له وقع في الثمن، ولو أفرد الحمل لما جاز بيعه، وإنما جاز تبعًا، وقد يقال: إن جزء الثمن الذي يقابل لبن الشاة إنما قدر بعد انفصاله، فصار عينًا مستقلة، أما ما دام متصلًا بالشاة فليس له حكم مستقل، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٧٨٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع. عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل اللبن في الضرع كاللبن في الإناء، فلما كان لبن الإناء مقصودًا يتقسط عليه الثمن، وجب أن يكون اللبن في الضرع كذلك. ويناقش: بأن النبي ﷺ شبه اللبن في الضرع باللبن في الإناء من جهة عصمته، وحرمة

стр. 5191

الاعتداء عليه إلا بإذن صاحبه، ولم يرد أن يجعل حكم المشبه حكم المشبه به في جميع صوره، بدليل أن اللبن في الضرع لا يجوز بيعه منفردًا بخلاف اللبن في الإناء. الراجح: الراجح فيما أرى، والله أعلم جواز بيع الشاة ذات اللبن بلبن، وبيع الشاة ذات الصوف بصوف، وبيع التمر فيه النوى بنوى؛ لقوة أدلته، والله أعلم. * * *

стр. 5192

الفرع الثاني كون الربوي التابع غير المقصود يمكن إفراده بالبيع مثاله: بيع نخلة عليها رطب برطب. مثال آخر: أن تضع بعض الشركات في بعض السلع حوافز تجارية (١)، على شكل نقود يسيرة، كما لو وضع خمس ريالات في سلعة قيمتها مائة ريال، فإن المشتري لن يقدم على شراء مثل هذه السلعة بقصد الحصول على مثل هذه الهدية اليسيرة. [م-١١٨٩] اختلف العلماء في حكم هذه المسألة: فقيل: يجوز البيع بشرط أن يكون الربوي المفرد أكثر من الربوي الذي مع العروض، وهذا مذهب أبي حنيفة (٢). وقيل: يجوز البيع بشرط أن يكون الربوي تابعًا غير مقصود بالنسبة للمبيع. وهو قياس مذهب الشافعية (٣).

стр. 5193

وقيل: يجوز مطلقًا، اختاره أبو بكر من الحنابلة (١)، وهو المشهور في المذهب عند المتأخرين (٢). وقيل: يحرم البيع، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٣).

стр. 5194

وجه من قال: يشترط أن يكون الربوي المفرد أكثر . أن الرطب يجعل بإزاء مثل وزنه، والزيادة التي في الرطب المفرد تكون بإزاء النخلة، بناء على قاعدة أصلية إجماعية، وهي أنه مهما أمكن أن يصحح تصرف المسلم العاقل فلا بد من تصحيحه. ترجيحًا لجهة الجواز على جهة الفساد؛ لإحسان الظن بالمسلم. ويجاب: بأن هذه الصورة لا يمكن أن تأخذ حكمًا واحدًا، فإن ما بقي من الرطب المفرد، قد يكون مساويًا في القيمة للنخلة، وقد يكون أقل من قيمة النخلة، وقد يكون أكثر. فإذا كان مساويًا بالقيمة للنخلة فإن القول بالجواز متوجه، ومثله لو باع صاعين من التمر بصاع ودرهم، والصاع الزائد يساوي فعلًا درهمًا، فهذا ليس فيه حيلة على الربا، والحاجة قد تدعو إلى ذلك، أما إذا كان أقل من قيمة النخلة أو أكثر لم يتوجه القول بالجواز، فقد يتخذ حيلة للوصول إلى الربا، فإنه لا يعجز أحد رغب في مبادلة ربوي بجنسه مع زيادة في أحدهما أن يضيف على القليل شيئًا يسيرًا يجعله في مقابلة الزيادة، فوجب سد الباب في هاتين الصورتين.

стр. 5195

والمشهور من مذهب أبي حنيفة عدم التفريق بين هذه الصور الثلاث (١). وأما جمهور أصحابه فقالوا: إن بلغت قيمة غير الجنس ما بقي من المفرد جاز من غير كراهة. وإن كان شيئًا قليلًا له قيمة، كفلس وجوزة، جاز مع الكراهة، ولو لم تبلغ قيمته قيمة ما بقي. وإن كان شيئًا لا قيمة له، ككف من تراب، لم يجز البيع؛ لأن الزيادة لا يقابلها عوض (٢). والتفريق بين أن يكون معه شيء قليل له قيمة حقيرة كفلس، وبين أن يكون معه شيء لا قيمة له ككف من تراب تفريق ضعيف، لأن ما فضل عن قيمة القليل مما بقي من المفرد زيادة لا يقابلها عوض أيضًا. وسوف يأتي مزيد بحث إن شاء الله تعالى في مسألة بيع الربوي ومعه أو معهما من غير جنسهما، فانظره هناك، غير مأمور. وجه من قال: يجوز إذا كان الربوي تابعًا غير مقصود: إذا باع نخلة عليها رطب، برطب كان الربوي الذي على النخلة تابعًا غير مقصود في البيع فصح البيع؛ لعدم توجه القصد إليه غالبًا، ولأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره. (ح-٧٨٥) لما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن

стр. 5196

يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (١). فجاز للمشتري أن يشتري الشجرة، وعليها ثمرة لم تؤبر، ومعلوم أنها قبل ذلك لم يبد صلاحها، وهو منهي عن بيعها حتى يبدو صلاحها، وإنما جاز بيع الثمر في مثل هذه الحالة لكونه تبعًا لغيره. كما جاز للمشتري أن يشترط الثمرة بعد أن تؤبر، وإن لم يبد صلاحها، وجاز له ذلك للعلة نفسها، وكذلك المال الذي في حوزة العبد قد يكون ذهبًا كما لو كان على الجارية حلي، وثمن العبد قد يكون ذهبًا أيضًا، فأجاز النبي ﷺ للمشتري أن يشترط المال دون مراعاة لقواعد الصرف، وإنما جاز ذلك؛ لأنه تابع غير مقصود (٢). دليل من قال: يجوز مطلقًا: لعل صاحب هذا القول قاس بيع النخلة عليها الرطب بالرطب، قاس ذلك على بيع العبد يكون له مال، ويشترطه المشتري، ويكون ثمنه من جنس المال الذي معه، فإن الحديث جعله للمشتري بالشرط مطلقًا، ولم يشترط في الحديث أن يكون مقصودًا أو غير مقصود (٣). دليل من قال: لا يجوز: أن الرطب القائم بالنخلة يعتبر مالًا مستقلًا بنفسه، فوجب اعتبار أحكامه بنفسه منفردًا عن حكم الأصل.

стр. 5197

الراجح: القول بالجواز، وأن الرطب على النخلة يعتبر تابعًا غير مقصود، وكما قيل في مال العبد إذا باعه صاحبه واشترط ماله المشتري جاز؛ لأنه تابع غير مقصود، فكذلك أقول هنا، والله أعلم. * * *

стр. 5198

الفصل الثاني بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه المبحث الأول إذا كان ما بيع مع الربوي مقصودًا وليس تابعًا قال ابن الهمام: التبع يقابله شيء إذا كان مقصودًا (١). العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس، وجب أن يقسط الثمن على قدر قيمتهما، فإن اختلفت القيمة أدى ذلك إما إلى يقين التفاضل وإما إلى الجهل بالتماثل، وكلاهما مبطل للعقد في أموال الربا (٢). [م-١١٩٠] بيع ربوي بنجسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه، تارة يكون هذا المضاف غير مقصود. مثاله: مبادلة الخبز بمثله، فالخبز مال ربوي، وقد ضم إلى كل واحد منهما ملح، والملح ربوي أيضًا ولكنه مستهلك، وليس له تأثير في كيل أو وزن. فهذه المبادلة جائزة عند من يجيز مبادلة الخبز بمثله، وقد سبق بحث هذه المسألة في بحث سابق، والذي منع هذه المسألة لم يمنعها بسبب وجود الملح، وإنما منعها لأن الخبز لا يمكن كيله. وتارة يباع الربوي بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه، ويكون كلاهما مقصودًا.

стр. 5199

مثاله: أن يبيع مدًا ودرهمًا بمد ودرهم، أو بمدين، أو بدرهمين. فهذه المسائل الثلاث ترجع إلى صورتين: الصورة الأولى: أن يكون المضاف ربويًا لطرفي العقد (مثل مد ودرهم بمد ودرهم). الصورة الثانية: أن يكون المضاف ربويًا لأحد طرفي العقد (مثل مد ودرهم بمدين، أو مد ودرهم بدرهمين). ويلحق بهذه الصور بعض الحوافز التجارية المقصودة، كما لو جعل التاجر هدية ذات قيمة مقصودة مع بعض السلع بأن وضع ما قيمته (ألف ريال) والسلعة قيمتها (٥٠٠) خمسمائة ريال مثلًا. ونحن هنا لا نتكلم عن حكم الحوافز التجارية من حيث الأصل، وإنما يعنينا عرض صور (مد عجوة ودرهم) القديم منها والمعاصر. ومثلها لو باع رجل محلًا تجاريًا يشتمل على عروض (سلع) ونقود في الخزانة، وديون على بعض العملاء تشكل مبلغًا مقصودًا بنقود من جنس الذي في الخزانة ومن جنس الديون المستحقة، فيكون باع ربويًا بجنسه، ومعهما من غير جنسه. وللجواب على حكم المسألة نقول: أما إذا كان الربويان مستويين في المقدار ومع أحدهما عين أخرى؛ كمد ودرهم بمد، فقد اتفق الجميع على المنع؛ لأنها تقابل من أحدهما جزءًا، فيبقى أحدهما أكثر من الآخر.

стр. 5200

قال القرافي في الفروق: «اتفق الجميع على المنع إذا كان الربويان مستويين في المقدار، ومع أحدهما عين أخرى؛ لأنها تقابل من أحدهما جزءًا، فيبقى أحدهما أكثر من الآخر بالضرورة» (١). أما إذا كان الربويان مختلفين في المقدار، وهذه الصور مشهورة بمسألة مد عجوة ودرهم، فقد اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز بيع الربوي بجنسه، ومعه أو معهما من غير جنسه بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل منهما من غير جنسه. وهذا مذهب الحنفية (٢). وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية بشرط أن يكون ما بقي من المفرد مساويًا بالقيمة لما أضيف من غير الجنس (٣). وقيل: لا يجوز بيع الربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما. اختاره الإمام زفر من الحنفية (٤)، وهو مذهب المالكية (٥)، ومذهب

стр. 5201

الشافعية (١)،

стр. 5202

والراجح في مذهب الحنابلة (١)، واختاره من الظاهربه ابن حزم (٢). وقيل: يجوز بشرط أن يكون الربوي تبعًا لغيره. وقد فصلت الخلاف في مسائل المال الربوي إذا كان تابعًا لغيره، كما في بيع السيف المحلى بثمن من جنس الحلية، والشاة ذات اللبن إذا بيعت بلبن، والنخلة عليها رطب إذا بيعت برطب، فلا حاجة في إعادة ذكر هذه المسائل، لأن البحث في هذه المسألة إنما هو في المال الربوي المقصود، وليس في التابع. وإنما أشرت إليه خوفًا من الاستدراك. دليل من اشترط أن يكون المفرد أكثر، أو يكون مع كل منهما من غير جنسه. الدليل الأول: (ح-٧٨٦) روى البخاري ومسلم من طريق سالم. عن ابن عمر: ﵁ قال:

стр. 5203

سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أجاز بيع العبد الذي معه مال إذا اشترطه المبتاع، مع احتمال أن يكون المال الذي مع العبد ربويًا من جنس الثمن الذي اشتري به، ومعلوم أن المال الذي مع العبد لا يمكن أن يبلغ الثمن الذي اشتري به، لأن الرجل حين يبذل سلعته يتطلع إلى أن يستفيد من الثمن الذي حصل عليه عوضًا عن سلعته، فإذا أعطى المشتري عبدًا ومالًا قدره ألف ريال مقابل مال أقل من المال الذي مع العبد كما لو كان الثمن (٩٠٠) ريال اعتبر ذلك سفهًا، لأن العبد سيأخذه المشتري بلا عوض، فعلم أن الثمن المبذول في مقابل العبد لا بد أن يكون أكثر من المال المصاحب للعبد. وأجيب: بأن النبي ﷺ أجاز إلحاق مال العبد بالعبد من باب التبع، فهو غير مقصود بالعقد، ولذلك صح اشتراطه ودخل في البيع تبعًا مع أن مال العبد قد يكون مجهولًا وقد يكون معلومًا، وقد يكون من جنس الثمن، وقد يكون من غيره، فلم يشترط الحديث شيئًا لكونه من التوابع غير المقصودة، وقد تكلمنا على مسألة ما إذا كان المال الربوي تابعًا غير مقصود، ومسألتنا هذه في المال المقصود.

стр. 5204

الدليل الثاني: أن المضاف إن كان ربويًا لأحد طرفي العقد (مثل مد ودرهم بمدين، أو مد ودرهم بدرهمين) فنجعل أحد الدرهمين في مقابلة الدرهم، والآخر في مقابلة المد. وإن كان المضاف ربويًا لطرفي العقد (مثل مد ودرهمين بمد ودرهم) فنجعل المد في مقابلة الدرهم، والدرهمين في مقابلة المد. وذلك لأن المقابلة المطلقة تحتمل مقابلة الجنس بالجنس على سبيل الشيوع من حيث القيمة، وتحتمل مقابلة الجنس بخلاف الجنس؛ لأن كل ذلك مقابلة للجملة بالجملة، وحمله على الاحتمال الأول يقتضي فساد العقد، وحمله على ا لثاني يقتضي صحته، فالحمل على ما فيه الصحة أولى، بناء على قاعدة أصلية إجماعية، وهي أنه مهما أمكن أن يصحح تصرف المسلم العاقل فلا بد من تصحيحه. ترجيحًا لجهة الجواز على جهة الفساد؛ لإحسان الظن بالمسلم. (١). ولأن المماثلة فيما يدخله الربا معتبرة في الكيل والوزن، فأما القيمة فلا اعتبار بها، يدل على ذلك أنه لو باع كيلة من حنطة تساوي عشرة دنانير بكيلة من حنطة تساوي عشرين دينارًا، فإن العقد يصح، ويبطل اعتبار القيمة. ويناقش: أما الجواب عن مبادلة الجنس بخلاف جنسه: فيقال: إن تصحيح العقد بمجرد صرف كل جنس إلى خلاف جنسه مطلقًا، بصرف النظر هل هذا الجنس مساو في القيمة لخلاف جنسه، أو أقل، أو أكثر فتح لباب الاحتيال على الربا الصريح، فإنه لا يعجز أحد رغب في مبادلة ربوي

стр. 5205

بجنسه مع زيادة في أحدهما أن يضيف على القليل شيئًا يسيرًا يجعله في مقابلة الزيادة، كبيع مائة درهم في كيس بمائتين جعلًا للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي الكيس فلسًا، والمشهور من مذهب أبي حنيفة جواز مثل هذه الصورة، حتى ولو كان المضاف لا قيمة له على الإطلاق (١). وأما جمهور أصحابه فقالوا: إن بلغت قيمة غير الجنس ما بقي من المفرد جاز من غير كراهة. وإن كان شيئًا قليلًا له قيمة، كفلس وجوزة، جاز مع الكراهة، ولو لم تبلغ قيمته قيمة ما بقي. وإن كان شيئًا لا قيمة له، ككف من تراب، لم يجز البيع؛ لأن الزيادة لا يقابلها عوض (٢). والتفريق بين أن يكون معه شيء قليل له قيمة حقيرة كفلس، وبين أن يكون معه شيء لا قيمة له ككف من تراب تفريق ضعيف؛ لأن ما فضل عن قيمة القليل مما بقي من المفرد زيادة لا يقابلها عوض أيضًا. وأما الجواب عن قولهم بأن المماثلة معتبرة في الكيل والوزن وليس بالقيمة. فيقال: نعم التماثل في القيمة غير معتبر فيما يدخله الربا إذا كانت من جنس واحد، وإنما تماثل القدر هو المعتبر، وأما في الأجناس المختلفة فلا يعرف تماثل القدر إلا في القيمة حتى لا يتخذ ذلك حيلة على الربا. وأما الجواب عن قولهم: يجب تصحيح تصرف المسلم العاقل ما أمكن.

стр. 5206

فيقال: ينتقض هذا القول بمسألة العينة، كما لو باع رجل سلعة إلى أجل، ثم اشتراها نقدًا بأقل من الثمن الأول، فإنه لا يجوز عند الحنفية، مع إمكان حمله على الصحة، وهما عقدان يجوز كل واحد منهما على الانفراد، ولم يجعلوا العقد الواحد هاهنا عقدين ليحملوه على الصحة، فكان هذا إفسادًا لقولهم، ولو كان هذا أصلا معتبرًا لكان بيع مد تمر بمدين جائزًا: ليكون تمر كل واحد منهما بنوى الآخر، حملًا للعقد على وجه يصح فيه، ولا يفسد ... » (١). ويمكن أن يدفع هذا الاعتراض بأن القصد إلى الربا جلي في مسألة العينة، فإن الرجل لما اشترى السلعة بثمن مؤجل، ثم باعها على نفس الرجل الذي باعها نقدًا بثمن أقل، كان ذلك حيلة ليتوصل إلى القرض بفائدة، بخلاف مسألتنا هذه، والله أعلم. ولذلك وافق الإمام أحمد الحنفية ولكن اشترط ألا يتخذ ذلك حيلة على الربا في بيع ربوي بجنسه متفاضلًا بحيث يكون ما ضم إلى أحدهما مساويًا في القيمة لما ضم إلى الآخر. قال ابن رجب: «ومن المتأخرين ... من شرط فيما إذا كان مع كل واحد من غير جنسه من الجانبين التساوي، جعلًا لكل جنس في مقابلة جنسه، وهو أولى من جعل الجنس في مقابلة غيره، لاسيما مع اختلافهما في القيمة، وعلى هذه الرواية فإنما يجوز ذلك ما لم يكن حيلة على الربا، وقد نص أحمد على هذا الشرط في رواية حرب، ولا بد منه» (٢).

стр. 5207

دليل الجمهور على المنع: الدليل الأول: (ح-٧٨٧) ما رواه مسلم من طريق أبي شجاع سعيد بن يزيد، عن خالد ابن أبي عمران، عن حنش الصنعاني. عن فضالة بن عبيد، قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل. [رواه حنش الصنعاني وعلي بن رباح اللخمي عن فضالة، والأول اختلف عليه، والثاني لم يختلف عليه في الحديث، فيقبل من رواية حنش ما وافق رواية علي، وما خالفها حكم بشذوذه] (١). وجه الاستدلال: قال النووي: «في هذا الحديث: أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى يفصل، فيباع الذهب بوزنه ذهبًا، ويباع الآخر بما زاد. وكذا لا تباع فضة مع غيرها بفضة، وكذا الحنطة مع غيرها بحنطة، والملح مع غيره بملح، وكذا سائر الربويات، بل لا بد من فصلها، وسواء كان الذهب في الصورة المذكورة أولًا قليلًا أو كثيرًا، وكذلك باقي الربويات» (٢). وقد اعترض على هذا الاستدلال باعتراضين: الاعتراض الأول: أن الحديث مضطرب.

стр. 5208

قال الطحاوي: «اضطرب هذا الحديث فلم يوقف على ما أريد منه فليس لأحد أن يحتج بمعنى من المعاني التي روي عليها إلا احتج مخالفه عليه بالمعنى الآخر» (١). قلت: من هذا الاضطراب: أن في بعض الروايات: قال فضالة: اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا. وفي بعضها: اشتراها رجل بسبعة أو تسعة دنانير، فذكر ذلك للنبي ﷺ وفي بعضها: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر، نبايع اليهود: الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن. وهذا ليس فيه أي إشارة للقلادة. وفي بعضها: عن حنش، أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة، فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورق، وجوهر، فأردت أن أشتريها، فسألت فضالة بن عبيد. ففي هذه الرواية ما يدل على أن القصة وقعت لتابعي، وفي غيرها أن القصة وقعت للصحابي. وفي بعضها: قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها ذهب وورق، وجوهر، وقد أجاب بعض أهل العلم عن دعوى الاضطراب بجوابين . أحدهما: القول بتعدد الأحاديث، ذهب إلى ذلك البيهقي، والسبكي، وابن حجر في أحد قوليه. قال البيهقي: «سياق هذه الأحاديث مع عدالة رواتها تدل على أنها كانت

стр. 5209

بيوعًا شهدها فضالة كلها، والنبي ﷺ ينهى عنها، فأداها كلها، وحنش الصنعاني أداها متفرقًا، والله أعلم» (١). وقال ابن حجر متعقبًا: «بل هما حديثان لا أكثر، رواهما جميعا حنش بألفاظ مختلفة، وروي عن علي بن رباح أحدهما» (٢)، ثم بين ابن حجر أن أحد الحديثين في قصة وقعت للصحابي، وحديث آخر في قصة وقعت للتابعي. فوضح أنهما حديثان لا أكثر. الجواب الثاني: ما اختاره ابن حجر في تلخيص الحبير، قال: «والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفًا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها، وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ فينبغي الترجيح بين رواتها، وإن كان الجميع ثقات، فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، ويكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة» (٣). وقال ابن حجر في النكت: «هذا كله (يعني الاختلاف في الحديث) لا ينافي المقصود من الحديث، فإن الروايات كلها متفقة على المنع من بيع الذهب بالذهب ومعه شيء آخر غيره، فلو لم يمكن الجمع لما ضر الاختلاف والله أعلم» (٤). وقد يقال: إن قول الحافظ: إن الروايات كلها متفقة على المنع من بيع

стр. 5210

الذهب بالذهب ومعه شيء آخر غيره، فلو لم يمكن الجمع لما ضر الاختلاف. هذا الإطلاق فيه نظر: فإن مسلمًا رواه من طريق الجلاح أبي كثير، عن حنش الصنعاني عن فضالة بن عبيد، قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر، نبايع اليهود: الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن. وهذه ليس فيه أي إشارة للقلادة، وأن المسألة في بيع الذهب بالذهب، وليس معه شيء آخر. وليس في النهي عن بيع ما لم يفصل، وقد رجحت في تخريج الحديث أن هذا الطريق شاذ، والله أعلم. ثانيًا: قول الحافظ ﵀: ينبغي الترجيح بين رواتها، وإن كان الجميع ثقات، فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، ويكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة. قد يقال: كيف يمكن الترجيح بين رواية ابن المبارك، ورواية الليث ابن سعد، وكلاهما إمام حافظ، وليس مع أحدهما ما يستوجب ترجيحه على الآخر من كثرة عدد، أو اختصاص بشيخ، وتغليط أحدهما بلا موجب مخالف للمنهج العلمي، إلا أن الخلاف بينهما يمكن حصره، فابن المبارك زاد في الحديث (إنما أردت الحجارة) ولم يذكرها الليث. والثمن عند ابن المبارك بالشك (سبعة أو تسعة) والثمن عند الليث بالجزم: اثنا عشر دينارًا. على أنه يمكن أخذ كلام ابن حجر وتطبيقه في المقارنة بين رواية حنش الصنعاني، وعلي بن رباح اللخمي، وكلاهما ثقة، وقد اختلف على الأول اختلافًا كثيرًا، ولم يختلف على الثاني، فكانت القواعد الحديثة تقضي بترجيح طريق من لم يختلف عليه في الحديث على طريق من اختلف عليه؛ ويقبل من رواية حنش ما وافق رواية علي بن رباح، وهما قد اتفقا على أن المبيع قلادة، وأن فيها خرزًا وذهبًا، وأن النبي ﷺ نهى أن تباع حتى تفصل، وما زاده حنش

стр. 5211

على هذا، أو انفرد به مما يخالفه فهو مختلف عليه فيه، فيحكم بشذوذه، هذا ما ترجح لي في حديث فضالة، والعلم عند الله الاعتراض الثاني على الاستدلال بحديث فضالة: يجوز أن يكون الرسول ﷺ إنما أمر بأن لا تباع القلادة حتى تفصل لإحاطة علمه أن تلك قلادة لا يوصل إلى علم ما فيها من الذهب ولا إلى مقداره إلا بعد أن يفصل منها، ويعلم مقداره، أو يكون ما في القلادة من الذهب أكثر من الثمن، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم، عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا. فتبين أنه لم يستطع أن يعلم ما فيها حتى فصلها، وأن ما فيها من الذهب كان أكثر من الثمن. والذهب إذا بيع بذهب لا بد من الوقوف على مقداره، فلو كان مقدار الذهب المفرد أكثر من الذهب الذي مع الخرز لجاز البيع (١). وقال ابن تيمية: «إذا لم يعلم مقدار الربوي بل يخرص خرصًا مثل القلادة التي بيعت يوم حنين، وفيها خرز معلق بذهب فقال النبي ﷺ : لا تباع حتى تفصل، فان تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد فنهى النبي ﷺ عن بيع هذا بهذا حتى تفصل؛ لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون، فيكون قد باع ذهبًا بذهب مثله، وزيادة خرز وهذا لا يجوز، وإذا علم المأخذ فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها وكان المفرد أكثر من المخلوط كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء إذ ليس

стр. 5212

المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك، فيجوز التفاوت» (١). ورد هذا الاعتراض: بأن قوله ﷺ : (لا تباع حتى تفصل) يدل على أن علة المنع: هي عدم الفصل، وعمومه يدل على عدم الفرق بين الأقل والأكثر والمساوي حيث أطلق النبي ﷺ الجواب من غير استفسار، فدل على عموم المنع؛ لأن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وهذا ما فهمه راوي الحديث صاحب القصة، فإنه لما سئل عن شراء قلادة فيها ذهب، وورق، وجوهر، قال: انزع ذهبها فاجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلًا بمثل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلًا بمثل. رواه مسلم. ويجاب على هذا الرد: قد يقال: إن قوله ﷺ : (لا تباع حتى تفصل) في حال كان الذهب الذي في القلادة لا يمكن الوصول إلى معرفة مقدراه إلا بالفصل ليتمكن من معرفة مقداره عن طريق الوزن، وإلا فإن الجزم بأن الذهب المفرد كان أقل من الذهب الذي معه القلادة إنما تفرد به الليث بن سعد، عن أبي شجاع سعيد بن يزيد، عن خالد أبي عمران، عن حنش، عن فضالة. وقد رواه ابن المبارك عن أبي شجاع، ولم يذكر هذه الزيادة، بل ذكر أن الثمن سبعة أو تسعة، وهي أقل من الذهب المفرد الذي اشتري به القلادة على رواية الليث.

стр. 5213

كما رواه جلاح أبو كثير، وعامر بن يحيى المعافري، عن حنش الصنعاني، ولم يذكرا هذه الزيادة. كما رواه من جود الحديث، وأتقنه، ولم يختلف عليه في لفظه علي بن رباح اللخمي، عن فضالة بن عبيد، ولم يذكر زيادة الليث، فلا يبعد أن تكون زيادة الليث بأن الذهب الذي في القلادة كان أكثر من الذهب المفرد زيادة شاذة، والله أعلم. ولكن إذا أخذنا الصور الثلاث في مقدار الذهب المفرد من الناحية الفقهية فإنها لا يمكن أن تأخذ حكمًا واحدًا. فإذا كان الذهب المفرد مساويًا للذهب الذي في القلادة، والقلادة فيها ذهب وخرز، فإن ذلك ممنوع؛ لأن الخرز سوف لا يقابله شيء، وقد ذكرنا في صدر هذه المسألة: بأنه إذا كان الربويان مستويين في المقدار ومع أحدهما عين أخرى؛ كمد ودرهم بمد، فقد اتفق الجميع على المنع؛ لأنها تقابل من أحدهما جزءًا، فيبقى أحدهما أكثر من الآخر (١)، فكيف يقال: يشترط أن يكون الذهب الذي في القلادة مساويًا للذهب الذي هو الثمن؟ ومن باب أولى إذا كان الذهب المفرد أقل من الذهب الذي مع الخرز. أما إذا كان الذهب المفرد أكثر من الذهب الذي مع القلادة، فإما أن يكون الذهب الباقي من الذهب المفرد مساويًا في القيمة للخرز الذي في القلادة، أو أقل منه، فإن لم يكن مساويًا جاز على مذهب الحنفية، وليس بجائز على مذهب أحمد واختيار ابن تيمية؛ لأن ذلك قد يتخذ حيلة على بيع الذهب بالذهب مع التفاضل، فإنه لا يعجز أحد رغب في مبادلة ربوي بجنسه مع زيادة في أحدهما أن يضيف على القليل شيئًا يسيرًا يجعله في مقابلة الزيادة.

стр. 5214

وإن كان الباقي من الذهب المفرد مساويًا في القيمة للخرز الذي في القلادة فإن القول بالجواز متجه، مثله تمامًا لو باع صاعين من التمر بصاع ودرهم، والصاع الزائد يساوي فعلًا درهمًا، فهذا ليس فيه حيلة على الربا، والحاجة قد تدعو إلى ذلك. الدليل الثاني: (ح-٧٨٨) ما رواه مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي. عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (١). وجه الاستدلال: أن الصفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة يقسط الثمن على قيمتهما، وهذا يؤدي في مسألة (مد عجوة) إما إلى يقين التفاضل، وإما إلى الجهل بالتساوي، وكلاهما مبطل للعقد في أموال الربا. وبيان ذلك: أنه إذا باع درهمًا ومدًا (يساوي درهمين) بمدين يساويان ثلاثة دراهم، فإن الدرهم يكون في مقابلة ثلثي مد، والمد الذي مع الدرهم في مقابلة مد وثلث، وهذا تفاضل متيقن. وأما إن فرض التساوي كمد ودرهم بمد ودرهم، والمد في كل من العوضين يساوي درهمًا، فإن التقويم ظن وتخمين لا تتيقن معه المساواة، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في باب الربا.

стр. 5215

ويدل لاعتبار القيمة في هذه الحال: أنها المرجع فيما إذا ظهر أحد جنسي الصفقة مستحقًا، أو رد بعيب، أو تلف عند البائع. مثال ذلك: أن من اشترى عبدًا وثوبًا بألف، ثم استحق الثوب، أو تلف، كان العبد مأخوذًا بحصته من الألف، ولا يكون مأخوذًا بنصف الألف (١). ويناقش: أن اختلاف القيمة غير مؤثر في باب الربا، فالمماثلة فيما يدخله الربا معتبرة في الكيل والوزن، فأما القيمة فلا اعتبار بها، يدل على ذلك أنه لو باع كيلة من حنطة تساوي عشرة دنانير بكيلة من حنطة تساوي عشرين دينارًا، فإن العقد يصح، ويبطل اعتبار القيمة. وأما الرجوع إلى القيمة عند التلف أو الاستحقاق فهذه حاجة، وليست هي الأصل، يدل على ذلك أن الجودة لا اعتبار لها في الأموال الربوية بالاتفاق، وتعتبر عند الإتلاف، فلا يجوز بيع صاع جيد بصاعين أقل جودة، بل يجب التساوي، أما لو أتلف صاعًا جيدًا لم يجزئه أن يدفع عنه رديئًا. قال ابن تيمية عن قولهم بأن الصفقة إذا اشتملت على عوضين مختلفين انقسم الثمن عليهما بالقيمة، قال: «هذه علة ضعيفة، فإن الانقسام إذا باع شقصًا مشفوعًا، وما ليس بمشفوع كالعبد والسيف والثوب .... فأما انقسام الثمن لغير حاجة فلا دليل عليه» (٢).

стр. 5216

الدليل الثالث: أن هذا العقد يجب أن يمنع من باب سد الذرائع؛ لئلا يتخذ ذلك حيلة على الربا الصريح، كما باع مائة درهم في قرطاس، بمائتي درهم باعتبار أن المائة الزائدة في مقابلة القرطاس، مع أنه قد لا يساوي فلسًا. وأجيب: بأننا إذا قيدنا الجواز بأن يكون ما مع الربوي له قيمة حقيقية، وأن يكون ما بقي من الفرد مساويًا في القيمة لما ضم إلى الربوي فقد منعنا اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح، والله أعلم. الراجح من الخلاف: أرى أن مذهب الإمام أحمد والذي اختاره ابن تيمية أقوى، وأصلح للناس، فإن فتح الباب بالجواز مطلقًا فيه فتح لباب الربا، وإغلاق الباب مطلقًا فيه تضييق، وإباحته بشروط، وهو أن لا يكون في ذلك حيلة على الربا، فيه تيسير على الناس مع سد باب المفسدة، والله أعلم. * * *

стр. 5217

المبحث الثاني في اجتماع عقد البيع مع عقد القرض صورته: أقرض رجل آخر عشرة آلاف ريال وباع عليه بيتًا بمائة ألف. علاقته بمسألة (مد عجوة ودرهم) صورة المسألة: أنه أبدل ربويًا بآخر، ومع أحدهما من غير جنسه. حيث أبدل (عشرة الآف ريال وبيتًا بمائة وعشرة) وجعل العشرة في مقابل العشرة، والمائة في مقابل البيت. وقد نص ابن تيمية في مجموع الفتاوى على أن هذه المسألة داخلة في مسألة (مد عجوة ودرهم). قال ﵀: «فإن من أقرض رجلًا ألف درهم، وباعه سلعة تساوى خمسمائة بألف لم يرض بالإقراض إلا بالثمن الزائد للسلعة، والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التي اقترضها، فلا هذا باع بيعا بألف ولا هذا أقرض قرضًا محضًا بل الحقيقة أنه أعطاه الألف والسلعة بألفين، فهي مسألة مد عجوة» (١). والمسألة لها صورتان: الأولى: أن يكون اجتماع البيع والقرض مشروطًا. الثانية: أن يكون اجتماعهما من غير شرط. وسوف نبحث إن شاء الله تعالى كل مسألة على حدة، ونبين كلام أهل العلم فيها، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 5218

الفرع الأول أن يكون القرض مشروطًا في عقد البيع قال القرافي: «إجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (١). [م-١١٩١] اتفق العلماء في الجملة على أنه لا يجوز اشتراط عقد البيع في عقد القرض، كأن يقول رجل لآخر: أقرضك بشرط أن تبيعني بيتك بكذا وكذا، فهذا الشرط جرى صريحًا في العقد. وقد يكون الشرط حكمًا دون أن ينصا عليه في العقد كما لو كان الشرط جرى به عرف، فلا فرق، فالمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. دليل القول بالتحريم: الدليل الأول: (ح-٧٨٩) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه. عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢). [إسناده حسن] (٣). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع) والمراد بالسلف: هو القرض في لغة

стр. 5219

الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإن كان كل واحد منهما صحيحًا بانفراده؛ لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعًا للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع، وإذا كان هذا حكم الشرع بالفائدة المستترة فكيف بالفائدة الظاهرة المشروطة. قال ابن تيمية: «نهى - يعني النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح وإنما ذاك ; لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا، ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفًا، وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا» (١). وقال ابن القيم: «وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك» (٢). الدليل الثاني: حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض. قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (٣).

стр. 5220

قال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (١). وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (٢). وقال الزركشي في البحر المحيط: «وبالإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين للذريعة إليها» (٣). كما حكى الإجماع على التحريم ابن قدامة في المغني (٤) وغيرهم. الدليل الثالث: أن اشتراط البيع في عقد القرض، أو العكس كاشتراط القرض في عقد البيع يخرج القرض عن موضوعه، وذلك أن القرض من عقود الإحسان والإرفاق، يجوز فيه ما لا يجوز في البيع من مبادلة الربوي بمثله مع عدم التقابض، فإذا ارتبط بعقد البيع عن طريق الشرط أصبح له حصة من العوض، فحصلت بذلك مفسدتان: المفسدة الأولى: إخراج عقد القرض عن موضوعه ومقتضاه، وهو الإرفاق والإحسان، وهذا يؤدي إلى بطلانه، وبطلان عقد البيع.
следующие страницы →