الدليل الثالث:
أن هذا العقد يجب أن يمنع من باب سد الذرائع؛ لئلا يتخذ ذلك حيلة على الربا الصريح، كما باع مائة درهم في قرطاس، بمائتي درهم باعتبار أن المائة الزائدة في مقابلة القرطاس، مع أنه قد لا يساوي فلسًا.
وأجيب:
بأننا إذا قيدنا الجواز بأن يكون ما مع الربوي له قيمة حقيقية، وأن يكون ما بقي من الفرد مساويًا في القيمة لما ضم إلى الربوي فقد منعنا اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
أرى أن مذهب الإمام أحمد والذي اختاره ابن تيمية أقوى، وأصلح للناس، فإن فتح الباب بالجواز مطلقًا فيه فتح لباب الربا، وإغلاق الباب مطلقًا فيه تضييق، وإباحته بشروط، وهو أن لا يكون في ذلك حيلة على الربا، فيه تيسير على الناس مع سد باب المفسدة، والله أعلم.
* * *
стр. 5217
المبحث الثاني
في اجتماع عقد البيع مع عقد القرض
صورته: أقرض رجل آخر عشرة آلاف ريال وباع عليه بيتًا بمائة ألف.
علاقته بمسألة (مد عجوة ودرهم) صورة المسألة: أنه أبدل ربويًا بآخر، ومع أحدهما من غير جنسه.
حيث أبدل (عشرة الآف ريال وبيتًا بمائة وعشرة) وجعل العشرة في مقابل العشرة، والمائة في مقابل البيت.
وقد نص ابن تيمية في مجموع الفتاوى على أن هذه المسألة داخلة في مسألة (مد عجوة ودرهم).
قال ﵀: «فإن من أقرض رجلًا ألف درهم، وباعه سلعة تساوى خمسمائة بألف لم يرض بالإقراض إلا بالثمن الزائد للسلعة، والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التي اقترضها، فلا هذا باع بيعا بألف ولا هذا أقرض قرضًا محضًا بل الحقيقة أنه أعطاه الألف والسلعة بألفين، فهي مسألة مد عجوة» (١).
والمسألة لها صورتان:
الأولى: أن يكون اجتماع البيع والقرض مشروطًا.
الثانية: أن يكون اجتماعهما من غير شرط.
وسوف نبحث إن شاء الله تعالى كل مسألة على حدة، ونبين كلام أهل العلم فيها، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 5218
الفرع الأول
أن يكون القرض مشروطًا في عقد البيع
قال القرافي: «إجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (١).
[م-١١٩١] اتفق العلماء في الجملة على أنه لا يجوز اشتراط عقد البيع في عقد القرض، كأن يقول رجل لآخر: أقرضك بشرط أن تبيعني بيتك بكذا وكذا، فهذا الشرط جرى صريحًا في العقد. وقد يكون الشرط حكمًا دون أن ينصا عليه في العقد كما لو كان الشرط جرى به عرف، فلا فرق، فالمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
دليل القول بالتحريم:
الدليل الأول:
(ح-٧٨٩) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع) والمراد بالسلف: هو القرض في لغة
стр. 5219
الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإن كان كل واحد منهما صحيحًا بانفراده؛ لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعًا للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع، وإذا كان هذا حكم الشرع بالفائدة المستترة فكيف بالفائدة الظاهرة المشروطة.
قال ابن تيمية: «نهى - يعني النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح وإنما ذاك ; لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا، ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفًا، وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا» (١).
وقال ابن القيم: «وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك» (٢).
الدليل الثاني:
حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض.
قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (٣).
стр. 5220
قال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (١).
وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (٢).
وقال الزركشي في البحر المحيط: «وبالإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين للذريعة إليها» (٣).
كما حكى الإجماع على التحريم ابن قدامة في المغني (٤) وغيرهم.
الدليل الثالث:
أن اشتراط البيع في عقد القرض، أو العكس كاشتراط القرض في عقد البيع يخرج القرض عن موضوعه، وذلك أن القرض من عقود الإحسان والإرفاق، يجوز فيه ما لا يجوز في البيع من مبادلة الربوي بمثله مع عدم التقابض، فإذا ارتبط بعقد البيع عن طريق الشرط أصبح له حصة من العوض، فحصلت بذلك مفسدتان:
المفسدة الأولى: إخراج عقد القرض عن موضوعه ومقتضاه، وهو الإرفاق والإحسان، وهذا يؤدي إلى بطلانه، وبطلان عقد البيع.
стр. 5221
المفسدة الثانية: أن القرض إذا أصبح له حصة من العوض أفضى ذلك إلى جهالة الثمن، وذلك لأن مقدار هذه الحصة مجهولة، فتعود بالجهالة على الثمن كله.
* * *
стр. 5222
الفرع الثاني
أن يكون اجتماع البيع والقرض بدون شرط
[م-١١٩٢] إذا اجتمع البيع والقرض من دون شرط، لا صريحًا، ولا حكمًا، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة.
فقيل: يجوز مع الكراهة. اختاره بعض الحنفية، وقيد بعضهم الكراهة فيما لو كان العقدان في مجلس واحد، وإلا فلا بأس به (١).
وهذا هو المفهوم من اجتماع البيع والقرض.
وقيل: يحرم، اختاره الحلواني من الحنفية (٢)، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 5223
وقيل: لا بأس به، اختاره محمد بن الحسن، والكرخي من الحنفية (١)، وهو المعتمد عند المالكية (٢)،
ومذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: إن كان فيه محاباة في الثمن فيمنع، وهذه إحدى الصور الممنوعة عند المالكية (٥).
стр. 5224
دليل من قال: لا يجوز جمع البيع مع القرض ولو بدون شرط:
(ح-٧٩٠) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ نهى عن سلف وبيع، فالحديث بإطلاقه يدل على النهي عن مطلق الجمع بين سلف وبيع، سواء كان ذلك بالشرط أو بدون شرط، فالنفس مجبولة على محاباة من أحسن إليها.
الدليل الثاني:
(ث-١٣٦) روى البخاري من طريق شعبة، عن سعيد بن أبي بردة.
عن أبيه، أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا ..... ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا (٣).
وجه الاستدلال:
فإذا كانت المحاباة قد توجد فيما سبيله التبرع، ولو كانت بدون شرط، ولم تجتمع مع القرض بعقد واحد، فما بالك بالمحاباة بالمعاوضة ببعض الثمن،
стр. 5225
وليس بكل الثمن، وقد اجتمع عقد البيع وعقد القرض بصفقة واحدة، والتي قد يراعي فيها البائع صاحب الإحسان عليه، فتعود المسألة إلى قرض جر نفعًا.
دليل من قال يجوز إذا كان بغير شرط:
المحذور من اجتماع البيع والقرض بالشرط أن تكون هناك منفعة مشروطة في القرض استترت بعقد البيع، فإذا لم يكن هناك شرط فالمنفعة التي قد تأتي بسبب القرض ليست حرامًا، أرأيت لو أنه أقرضه بشرط أن يقضيه خيرًا مما أعطاه حرم بالاتفاق، ولو قضاه خيرًا مما أعطاه بلا شرط لم يحرم على الصحيح.
(ح-٧٩١) يدل لذلك ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار.
عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء (١).
قال ابن عبد البر: «في حديث أبي رافع هذا ما يدل على أن المقرض إن أعطاه المستقرض أفضل مما أقرضه جنسًا، أو كيلًا، أو وزنًا، أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه ﷺ أثنى فيه على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك، ولم يقيده بصفة» (٢).
قال الصنعاني: «ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعًا؛ لأنه لم يكن مشروطا من المقرض وإنما ذلك تبرع من المستقرض ... » (٣).
стр. 5226
دليل من قال: يجوز إذا لم يكن فيه محاباة لانتفاء التهمة:
صاحب هذا القول ربما نظر إلى المعنى الذي من أجله نهى الشارع عن سلف وبيع، وهو خوف أن يكون هناك منفعة بسبب القرض مستترة بعقد البيع، فإذا لم يكن هناك محاباة لم يكن هناك حيلة ليتوصل إلى المنفعة بسبب القرض، وكانت التهمة بعيدة، أما إذا حاباه فإن التهمة قائمة، والخوف من اتخاذ ذلك ذريعة إلى الحرام موجود، فيسد الباب.
الراجح:
أميل إلى القول بالتحريم، والقياس على المنفعة الحاصلة بالقرض إذا لم تكن مشروطة قياس مع الفارق، فإن المنفعة التي أجازها جمهور الفقهاء إنما أجازوها عند السداد،، ومنعوها وقت القرض، أو بعده وقبل السداد، بينما مسألتنا هذه يجتمع البيع والقرض وقت العقد، وكان يمكنه أن يجعل كل واحد في عقد مستقل، ويكون القرض قبل البيع، وفي مجلس آخر أبعد للتهمة. والله أعلم.
* * *
стр. 5227
المبحث الثالث
بيع أسهم الشركات إذا كانت تمثل عروضًا ونقودًا
[م-١١٩٣] هذه المسألة لها علاقة وثيقة في المسائل السابقة، وهي مسألة (مد عجوة ودرهم).
فالسهم في مسألتنا: يتكون من نقود وعروض، والثمن نقود، فصار كأنه باع ربويًا بربوي من جنسه، ومع أحدهما من غير جنسه.
إلا أن هذا التكييف ليس محل وفاق بين الباحثين والفقهاء المعاصرين نظرًا لاختلافهم في تكييف السهم.
فهناك من يكيف السهم على أنه عروض مطلقًا بصرف النظر عما يمثله من موجودات الشركة.
وبناء على هذا التكييف لا يدخل في مسألة (مد عجوة ودرهم)؛ لأن المقابلة ستكون بين عروض ودراهم.
وهناك من يرى أن للسهم حكم ما يمثله من موجودات الشركة أيًا كانت تلك الموجودات.
وبناء على هذا التكييف يكون بيع السهم إذا كان يمثل نقودًا وعروضًا صورة من صور (مد عجوة ودرهم).
ومثل أسهم الشركات المساهمة بيع الأسهم العقارية إذا كانت تمثل نقودًا وعقارًا، وبيع الوحدات الاستثمارية إذا كانت موجوداتها عروضًا ونقودًا.
وسوف أفرد إن شاء الله تعالى مباحث خاصة للأسهم، أتعرض فيها إن
стр. 5228
شاء الله تعالى إلى كلام الباحثين والفقهاء المعاصرين، وبيان أدلتهم ومناقشتها، وبيان الراجح، وإنما أردت هنا فقط الإشارة إلى علاقة مثل هذه المسائل بمسألة (مد عجوة ودرهم)، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 5229
الفصل الرابع
في بيع حق التقدم العقاري
[م-١١٩٤] تمنح الحكومات العربية الغنية، ومنها البلاد السعودية لكل مواطن قرضًا ماليًا لبناء سكن له، بشروط خاصة، ولكثرة المتقدمين لطلب الحصول على حقهم ينتظر المتقدم سنوات تصل أحيانًا إلى أكثر من خمس عشرة سنة ليحصل على هذا الحق، وربما استغنى المتقدم للحصول على هذا الحق قبل الحصول على حقه، وربما احتاج فباع الأرض التي يملكها، والتي بموجبها منح هذا القرض، فيأتي رجل تنطبق عليه شروط الاستحقاق إلا أن ترتيبه لازال متأخرًا، فيشتري من هذا الرجل حق التقدم ليأخذ محله في الترتيب بدلًا من انتظاره سنوات كثيرة حتى يصله الاستحقاق، فما حكم أخذ العوض على هذا؟ وهل يعتبر باع عليه دراهم (وهي قيمة القرض) بدراهم، أو باع عليه حق التقدم فقط، في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم.
فقيل: لا يجوز، وهذا قول شيخنا ابن عثيمين ﵀ (١)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢).
ويمكن أن يخرج هذا القول على مذهب الحنفية القائلين بأن المال هو ما يمكن حيازته وادخاره وتموله، وحق الترتيب لا يمكن حيازته وتموله وادخاره فلا يكون مالًا عند الحنفية، وبالتالي لا تجوز المعاوضة عليه، بناء على مذهبهم بأن المنافع لا تعد مالًا.
стр. 5230
وقد ناقشت أدلة الحنفية في عدم اعتبارهم المنافع أموالًا، فأغنى عن إعادته هنا، وسنذكر أدلة شيخنا ﵀، وأدلة اللجنة الدائمة وفقها الله فيما ذهبوا إليه عند الكلام على ذكر الأدلة.
وقيل: يجوز أن يبيع حق التقدم في البنك العقاري، وإلى هذا ذهب مجموعة من طلبة العلم منهم فضيلة الشيخ خالد بن علي المشيقح (١)، وفضيلة الشيخ سعود بن عبد الله الفنيسان، عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام سابقًا (٢).
حجة من منع بيع حق التقديم:
الدليل الأول:
(ح-٧٩٢) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن يسار.
عن أبي هريرة أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا؟ فقال مروان: ما فعلت. فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى. قال: فخطب مروان الناس، فنهى عن بيعها.
قال سليمان: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس (٣).
فالمراد بالصكاك هنا ورقة تخرج من ولي الأمر بالرزق لمستحقه، بأن يكتب فيها للإنسان كذا وكذا من طعام أو غيره، فيبيع صاحبها ذلك لإنسان قبل أن يقبضه. فإذا كانت هذه الصكاك قد أخذت حكم الطعام؛ لأنها نابت عن
стр. 5231
الطعام، ولم يخرج هذا البيع بأنه باع حق تقدمه في هذا الاستحقاق، فكذلك بيع هذا الاستحقاق لا يخرج عن بيع الصكاك.
ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين بيع حق الترتيب في استحقاق مالي، وبين بيع المال نفسه، فالصك في حديث أبي هريرة عبارة عن ورقة بدين يثبت أن لصاحب السند حقًا ماليًا معلومًا، فإذا باعه الإنسان فقد صدق عليه أنه باع دينًا له على بيت مال المسلمين، فيصدق عليه أنه باع طعامًا قبل قبضه، وهو منهي عنه بالإجماع بخلاف حق الترتيب فإنه باع حق التقدم بدليل:
أولًا: أن المال الذي يأخذه المشتري من البنك العقاري يأخذه باسمه هو، لا باسم البائع، ويسقط بذلك حقه في هذا الاستحقاق، فلا يحق له المطالبة بقرض آخر باعتبار أنه استخدم حقه، ولو كانت المعاوضة على المال لكان حق المشتري باقيًا؛ لأن القرض كان باسم البائع.
ثانيًا: أن من شروط صحة المعاوضة أن يكون المشتري لم يسبق له أن منح قرضًا عقاريًا، فلا يقبل النظام أن يكون المشتري سبق له أن استخدم هذا الحق، مما يدل على أن المعاوضة لم تكن على الحق المالي، وإنما على حق الترتيب.
الدليل الثاني:
أن ذلك من باب بيع ما لا يملك الإنسان، لأن المال المباع هو عند الدولة، وقد ثبت النهي عن بيع ما ليس عند البائع كما في حديث عبد الله بن عمرو
(ح-٧٩٣) فقد روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ -
стр. 5232
عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (وعن بيع ما ليس عندك)، وبيع الحق الذي لك عند الدولة هو بيع ما ليس عندك.
ويجاب على هذا بما أجيب به على الدليل السابق:
أن المعاوضة ليست على الحق المالي، لأن الحق المالي سيأخذه المشتري باسمه هو، وهو مستحق له بموجب النظام، وإنما المعاوضة على حق التقدم، والذي يملكه البائع بموجب عمله، ومبادرته بالتسجيل.
الدليل الثالث:
أن ذلك يوقع في ربا الفضل والنسيئة، فالقرض الممنوح من بيت مال المسلمين مقداره ثلاثمائة ألف ريال، يتنازل عنه مقابل خمسين ألف ريال، فصار الشأن مبادلة دراهم بدراهم مع التفاضل والنساء، وهذا لا يجوز.
ويناقش:
ما قيل في الجواب عن الدليلين السابقين يقال هنا، وأن حقيقة المعاوضة ليست دراهم بدراهم، وإنما دراهم في مقابل التنازل عن حقه في الترتيب.
الدليل الرابع:
أن المعاملة لا تسلم من الغرر؛ لأن الاستحقاق قد يخرج وقد لا يخرج، فقد
стр. 5233
تعطيه الدولة، وقد تمنعه، فهذه جهالة، وإن أعطته الدولة فربما تعطيه الدولة في الوقت المقدر، وقد يتأخر، وجهالة الأجل جهالة أخرى، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر كما في حديث أبي هريرة في مسلم.
وما قيل في الجواب عن الأدلة السابقة يقال هنا، فالمعاوضة ليست على القرض حتى يقال: إن في ذلك غررًا، وإنما المعاوضة على حق الترتيب، وقد استحقه فعلًا، بمجرد المعاوضة عليه، فلا غرر فيه.
الدليل الخامس:
أن في المعاوضة اعتداء على حق الغير، وذلك أنه يأتي المعاوض المتأخر ترتيبًا ليتقدم على غيره ممن سبقه سنوات.
ويجاب عن ذلك:
بأن الترتيب لم يتغير، فكل باق على ترتيبه، وإنما نزل حق شخص ليقوم مكانه آخر، والباقون ما زالوا على ترتيبهم، فلم يتقدم أحد على أحد.
هذه أهم الأدلة تقريبًا الذي استدل بها من يرى تحريم هذه المعاملة.
وأما حجة من قال بالجواز فهو مبني على أمور:
أولًا: أن حقيقة المعاوضة ليست على المال المدفوع، وإنما المدفوع عن حق التقدم، فهو أخذ عوض عن اختصاص اختص به شخص ما، فالمشتري سيأخذ هذا المال بصفته مستحقًا لهذا المال بشخصه، لكون الشروط منطبقة عليه، وليس لكونه اكتسبه عن طريق الشراء، وبهذا يتبين أن العقد كان منصبًا على تمكنه من الانتظام في سلم أعداد المتقدمين، والتمكن من هذا الحق، عن طريق شراء اسم المتقدم الأول.
ثانيًا: أن حق التقدم يمكن تكييفه على أنه مال؛ لأن استحقاقه مبني على عمل
стр. 5234
عمله صاحب الحق في سعيه ومبادرته في التسجيل في طلب الاستحقاق، وقيامه بجميع الشروط المطلوبة لقبوله ضمن أعداد المنتظرين، ومنها امتلاكه أرضًا بمواصفات معينة. وهذه حقيقة المال.
ثالثًا: أن التمول يثبت بتمول الناس له، قال ابن عابدين: «والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم» (١).
رابعًا: وأن مرد التمول إلى العرف. قال المرداوي في الإنصاف: «لا ربا في الماء مطلقًا على الصحيح من المذهب؛ لإباحته أصلًا، وعدم تموله عادة» (٢).
وقال في موضع آخر: «إن لم يتمول عادة كماء وكلأ محرز فلا قطع - يعني على سارقه - في إحدى الروايتين» (٣).
وقال في كشاف القناع: «ويلزمه قبول الماء إذا بذل له هبة؛ لسهولة المنة فيه، لعدم تموله عادة» (٤).
فإذا ثبت هذا فإنه يمكن القول بأنه قد جرت أعراف الناس بتمول هذا الحق، والمعاوضة عليه، وأصبح لهذا الحق قيمة مادية عندهم، يجوز بمقتضاه بذل المال لتحصيله.
خامسًا: قد أجاز بعض الفقهاء النزول عن حق الوظيفة بعوض.
стр. 5235
جاء في مجمع الضمانات: «قد تعارف الفقهاء بالقاهرة النزول عن الوظائف بمال يعطى لصاحبها، وتعارفوا على ذلك، فينبغي الجواز، وأنه لو نزل له وقبض منه المبلغ، ثم أراد الرجوع عليه لا يملك ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (١).
قال الشيخ خالد بن علي المشيقح: هذا الحق يمكن تصنيفه ضمن الحقوق غير المجردة (المتقررة)؛ لأنه يتعلق بعين مادية قائمة، وهي الأرض التي تقدم صاحب الطلب بتقديم اسمه عليها، والحقوق المقررة تجوز المعاوضة عنها إما ببيعها، أو المصالحة عنها، مثل: حق أولياء المجني عليه في رقبة الجاني وغيرها من الحقوق.
ثم على القول بأن هذا من الحقوق التي هي في واقعها مصالح أو اختصاصات، أباح الشارع للمكلفين الاحتفاظ بها أو عدمه، وهو أمر موكول إلى رغباتهم، وأنه يجوز حمل المكلف الذي وقعت من نصيبه على التنازل عنها بمبلغ مالي، على القول بأنها من هذا النوع فإنه تجوز المعاوضة عنها، وتكيف على أنها مصالحة عن حق بمبلغ مالي حملًا لصاحبه على التنازل عنه» (٢).
وهذا القول هو الراجح، لقوة أدلته، إلا أنه ينبغي أن يقيد الجواز بأن تكون الأنظمة في البلاد المانحة لمثل هذه الحقوق لا تمانع من نقل الحق من شخص لآخر، وأن يطلع البنك على نقل هذا الحق من شخص لآخر، فإن كانت الدولة المانحة لهذا الحق تمنع من الانتقال منع احترامًا للشروط بين المتعاقدين، ولأن
стр. 5236
الغالب أن مثل هذه الأنظمة لم توضع إلا مراعاة لمصلحة الناس، فيجب التقيد بها ما دامت لا تعارض نصًا، والله أعلم.
* * *
стр. 5237
الباب الخامس
في بعض البيوع المختلف فيها
الفصل الأول
في بيع العينة
المبحث الأول
في تعريف العينة وبيان صورها
تعريف العينة لغة واصطلاحًا (١):
عرف الفقهاء العينة بتعريفات عدة يختلف كل تعريف منها عن الآخر لاختلاف صور العينة لدى الفقهاء.
стр. 5238
قال ابن رشد الجد: «العينة منها ما يجوز الاتجار بها، ومنها ما يكره أو يحرم» (١).
وقال القرافي: «والعينة ثلاثة أقسام: جائزة، ومكروهة، ومحظورة» (٢).
ونستطيع إن شاء الله تعالى أن نذكر أهم هذه الصور:
الصورة الأولى:
وهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، أو بثمن لم يقبضه ثم يشتريها نفسها ممن باعها عليه نقدًا بثمن أقل من جنس الثمن الذي باعها به قبل حلول الأجل، والفرق بين الثمنين يعتبر ربا للبائع الأول. وتئول العملية إلى قرض عشرة ليرد خمسة عشر والبيع وسيلة صورية إلى الربا.
وهذه الصورة هي أشهر صور العينة، وهي التي تتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، وهي التي نص عليها جماهير أهل العلم، ورتب عليها الحكم (٣).
стр. 5239
الصورة الثانية:
أن يبيعه بثمن مؤجل، ثم يشتريها منه بأكثر من ذلك الثمن إلى أجل أبعد من الأجل الأول.
نص المالكية على هذه الصورة، وهي عندهم من صور العينة المحرمة (١).
«قال مالك في الرجل يبيع من الرجل الجارية بمائة دينار إلى أجل ثم يشتريها بأكثر من ذلك الثمن الذي باعها به إلى أبعد من ذلك الأجل الذي باعها إليه: إن ذلك لا يصلح وتفسير ما كره من ذلك أن يبيع الرجل الجارية إلى أجل ثم يبتاعها إلى أجل أبعد منه يبيعها بثلاثين دينارًا إلى شهر ثم يبتاعها بستين دينارا إلى سنة أو إلى نصف سنة، فصار إن رجعت إليه سلعته بعينها، وأعطاه صاحبه ثلاثين دينارًا إلى أشهر بستين دينارًا إلى سنة أو إلى نصف سنة فهذا لا ينبغي» (٢).
قال الباجي: «وهذا كما قال مالك ﵀: إن من باع جارية بثلاثين إلى أجل، فإنه لا يجوز أن يشتريها بأكثر من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل، إذا كان على وجه غير المقاصة; لأنه يقبض عنه عند الأجل الأول ثلاثين، ويدفع إليه عند الأجل ستين، وما تقدم من بيع الجارية وابتياعها لغو توصلا به إلى بيع ثلاثين دينارًا بستين دينارًا وذلك ممنوع. وبهذا قال أبو حنيفة، والثوري والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وطاوس، وسعيد بن جبير» (٣).
стр. 5240
الصورة الثالثة:
عكس العينة: وهو أن يبيع سلعة بنقد، ثم يشتريها بأكثر منه نسيئة (١).
وقد نص أحمد في رواية حرب على أن هذه الصورة لا تجوز إلا أن تتغير السلعة، فهي كمسألة العينة سواء وهي عكسها صورةً، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته قال ابن القيم: لا فرق بينهما ..... وليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة (٢).
الصورة الرابعة:
إطلاق العينة على التورق: وهو أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر، ويستقرضه عشرة دراهم، ولا يرغب المقرض في الإقراض طمعًا في فضل لا يناله بالقرض، فيقول: أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهمًا نسيئة، وقيمته في السوق عشرة، ليبيعه في السوق بعشرة حالة.
وهذه مسألة التورق، وقد ذكر بعض الحنفية هذه الصورة في معرض تفسير العينة (٣). وقد نص الإمام أحمد في رواية أبي داود على أنها العينة، وأطلق عليها اسمها (٤).
وانتقد بعض الحنفية إطلاق العينة على التورق.
стр. 5241
لأن العينة مأخوذة من العين المسترجعة، لا العين مطلقًا، وما لم ترجع إليه العين التي خرجت منه لا يسمى بيع العينة، وإلا فكل بيع بيع العينة، وفي التورق لا ترجع العين إلى بائعها الأول (١).
الصورة الخامسة:
أن يدخل المتعاقدان بينهما ثالثًا، كأن يبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثني عشر درهمًا نسيئة، ويسلمه إليه، ثم يبيع المستقرض من الثالث بعشرة، ويسلمه إليه، ثم يبيعه الثالث إلى صاحبه المستقرض بعشرة، ويسلمه إليه، ويأخذ منه العشرة، ويدفعها للمستقرض، فيحصل للمستقرض عشرة، ولصاحب الثوب اثنا عشر درهمًا (٢).
الصورة السادسة:
جاء في الشرح الكبير: «وأهل العينة قوم نصبوا أنفسهم لطلب شراء السلع منهم وليست عندهم، فيذهبون إلى التجار فيشترونها منهم ليبيعوها لمن طلبها منهم، فهي بيع من طلبت منه سلعة قبل ملكه إياها لطالبها بعد شرائها، سميت بذلك لاستعانة البائع بالمشتري على تحصيل مقصده من دفع قليل ليأخذ عنه كثيرًا، وهي ثلاثة أقسام: جائز، ومكروه، وممنوع» (٣).
فالجائز منها عندهم: أن يسأله عن السلعة، فيقول: ليست عندي، ثم يذهب، فيشتريها بغير أمره، ثم يخبره بأنه قد اشتراها، فيجوز أن يبيعها عليه
стр. 5242
نقدًا أو نسيئة، بمثل ما اشتراها به، أو أقل، أو أكثر. هذه هي الصورة الجائزة.
وأما الصورة المحرمة: أن يقول له: اشتر سلعة كذا بعشرة، وأربحك فيها خمسة إلى أجل. فكأن هذا الرجل أعطى عشرة دنانير، وأخذ منه خمسة عشر إلى أجل، والسلعة واسطة ملغاة.
وأما الصورة المكروهة: أن يقول له: اشتر لي سلعة كذا، وأنا أربحك فيها، من غير تعيين لمقدار الربح (١).
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذه الصور في باب المواعدة على الشراء، وحكم الإلزام به عند الكلام على المعاملات المصرفية، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
هذه بعض صور العينة، وهذه الصور ليست محل اتفاق بين المذاهب، وليست في حكم واحد، فمنها ما هو محرم على الصحيح، ومنها ما هو جائز، والصورة الأولى تكاد تكون أشهر صور العينة، وهي التي تعنينا في هذا الباب، وهو في حقيقته قرض دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل استتر بعقد بيع، عن طريق جعل سلعة بينهما محللة سواء كان هذا بقصد أو هذا ما يؤول إليه الحال، ولو بغير قصد. كما قال ابن عباس: دراهم بدراهم بينهما حريرة (٢).
وسوف نجعل كلامنا مقتصرًا على هذه الصورة، أما صور المواعدة على الشراء، أو التورق، فهي أنواع أخرى من البيوع لها أحكام تخصها، سوف نعرض لها إن شاء الله تعالى في بابها من هذا الكتاب.
* * *
стр. 5243
المبحث الثاني
في حكم بيع العينة
قال ابن تيمية ﵀: «الذرائع حرمها الشارع وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع، وبهذا التحرير يظهر علة التحريم في مسائل العينة وأمثالها وإن لم يقصد البائع الربا» (١).
قال البهوتي: «إنما حرم الله تعالى المحرمات لمفسدتها، والضرر الحاصل منها، ولا يزول ذلك مع بقاء معناها» (٢).
ويقول الدكتور حسن حامد حسان: «المعمول عليه في سد الذرائع ليس هو النية، أو القصد إلى المفسدة الممنوعة، ولكن ما يترتب على الفعل من المفاسد .... وإن لم يثبت قصد خاص للفاعل بل وإن ثبت القصد الحسن والنية الخالصة» (٣).
وقال ابن قدامة: «الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا مخادعة وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته ... قال أيوب السختياني: إنهم ليخادعون الله كأنما يخادعون صبيًا لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل عليَّ» (٤).
стр. 5244
[م-١١٩٥] الخلاف في حكم العينة إنما هو بحسب الصورة المشهورة، وهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، أو بثمن لم يقبضه ثم يشتريها نفسها ممن باعها عليه نقدًا بثمن أقل من جنس الثمن الذي باعها به قبل حلول الأجل.
فإن اشتراها بمثل الثمن، جاز؛ لأنه لا ربا مع التماثل، وكذا من باب أولى إن اشتراها بأكثر مما باعها به، لأنه لا أحد يؤخذ منه دراهم ليعطي أكثر منها.
قال الجصاص: «لا خلاف أن شراءه بمثله، أو أكثر منه جائز» (١).
وعلل الباجي ذلك بأنه إذا دفع أكثر من الثمن أو مثله لم يتهم أحد (٢).
كما اتفق الفقهاء ﵏ على المنع من بيع العينة إذا كان البيع الثاني مشروطًا في العقد الأول نصًا (٣).
стр. 5245
وأما إن كان العقد الثاني غير منصوص على اشتراطه في العقد الأول، فقد اختلف العلماء في حكمه.
فقيل: لا يجوز، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وقد روي ذلك عن بعض الصحابة كابن عباس وابن عمر وأنس، وعائشة (٤).
وقيل: يجوز البيع. وهذا مذهب الشافعية (٥)، واختيار ابن حزم الظاهري (٦).
وقيل: يكره، كراهة تنزيهية، اختاره بعض الشافعية (٧).
دليل القائلين بالتحريم:
الدليل الأول:
(ح-٧٩٤) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح.
عن ابن عمر، قال: سمعت
стр. 5246
رسول الله ﷺ يقول: إذا - يعني ضن الناس بالدينار والدرهم - تبايعوا بالعين، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء لم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم.
[روي من طرق كلها ضعيفة، وهل يتقوى بالمجموع فيه بحث] (١).
واعترض على هذا الحديث رواية ودراية:
أما الرواية فإن الحديث قد انفرد به الضعفاء، وهذه علة توجب ضعفه.
وأما من جهة الدراية، فإن دلالة الحديث على التحريم غير واضحة؛ لأن العينة قرنت بالأخذ بأذناب البقر، والاشتغال بالزرع، وهذه غير محرمة، وتوعده على ذلك بالذل لا يدل على التحريم.
وأجيب:
أما القول بأن الحديث قد انفرد به الضعفاء، فإن من يحتج به يذهب إلى أن كثرة طرقه تدل على أن لهذا الحديث أصلًا. فالطرق الضعيفة إذا كثرت شد بعضها بعضًا. والحديث قد صححه ابن القطان الفاسي، في بيان الوهم والإيهام (١). وابن عبد الهادي في المحرر (٢)، وقوى إسناده ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، والشوكاني (٥)، وغيرهم، هذا هو الجواب عن ضعف الحديث رواية.
وأما الجواب عن ضعف الحديث من حيث الدلالة:
الاعتراض على تحريم العينة لكونها قرنت بما ليس بمحرم بالاتفاق كالأخذ بأذناب البقر، والاشتغال بالزرع، فيقال في الجواب عنه: بأن الاشتغال بالمباح عن الواجب يجعل المباح محرمًا، والحديث - إن صح - يعتبر من دلائل نبوته
стр. 5253
عليه الصلاة والسلام، حيث ربط الذل بترك الجهاد، فهو لم يذم الاشتغال بالأرض مطلقًا، وإنما ذم الاشتغال بالزرع إذا شغل عن واجب، وهذا محل وفاق، يقول الشوكاني: «وقد حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد» (١).
وعلى التسليم بأنه قرن بما ليس بمحرم، فإن هذا لا يدل على أن العينة ليست حرامًا؛ لأن دلالة الاقتران دلالة ضعيفة، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] والإتيان: واجب، والأكل ليس بواجب.
(ح-٧٩٥) ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني إبراهيم بن قارظ، عن السائب بن يزيد.
حدثني رافع بن خديج عن رسول الله ﷺ قال ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث (٢).
ومهر البغي حرام بالإجماع، وأجرة الحجام ليست حرامًا بدليل أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه.
(ح-٧٩٦) وروى البخاري من طريق عمرو بن سليم الأنصاري، قال:
أشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد.
قال عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا (٣).
стр. 5254
فغسل الجمعة واجب على الصحيح من أقوال أهل العلم، وشهد بذلك الراوي عن أبي سعيد عمرو بن سليم الأنصاري. وأما الاستنان والطيب فهما مسنونان. وقد قرنهما الرسول ﷺ في الحديث.
وأما القول بأن التوعد بالذل لا يدل على التحريم:
فالجواب بأن التوعد بضرب الذل على مجموع الأمة عقوبة إلهية تدل على أن الذنب يلحق بالكبائر، وليس بصغائر الذنوب، كما قال تعالى عن بني إسرائيل لما عتوا ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة:٦١].
وقال تعالى ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
ويقول الشوكاني: «لا نسلم أن التوعد بالذل لا يدل على التحريم؛ لأن طلب أسباب العزة الدينية، وتجنب أسباب الذلة المنافية للدين واجبان على كل مؤمن، وقد توعد على ذلك بإنزال البلاء، وهو لا يكون إلا لذنب شديد، وجعل الفاعل لذلك بمنزلة الخارج من الدين ا لمرتد على عقبه» (١).
الدليل الثاني:
(ح-٧٩٧) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر والثوري، عن أبي إسحاق،
عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة، فقالت: يا أم المؤمنين: كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بستمائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمانمائة، فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريت، وبئس والله ما اشترى، أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن
стр. 5255
أخذت رأس مالي، ورددت عليه الفضل، قالت: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى﴾ [البقرة:٢٧٥] أو قالت: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] (١).
ونوقش هذا الحديث:
بأن الحديث ضعيف من جهة الإسناد (٢).