واعترض على هذا الحديث رواية ودراية:
أما الرواية فإن الحديث قد انفرد به الضعفاء، وهذه علة توجب ضعفه.
وأما من جهة الدراية، فإن دلالة الحديث على التحريم غير واضحة؛ لأن العينة قرنت بالأخذ بأذناب البقر، والاشتغال بالزرع، وهذه غير محرمة، وتوعده على ذلك بالذل لا يدل على التحريم.
وأجيب:
أما القول بأن الحديث قد انفرد به الضعفاء، فإن من يحتج به يذهب إلى أن كثرة طرقه تدل على أن لهذا الحديث أصلًا. فالطرق الضعيفة إذا كثرت شد بعضها بعضًا. والحديث قد صححه ابن القطان الفاسي، في بيان الوهم والإيهام (١). وابن عبد الهادي في المحرر (٢)، وقوى إسناده ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، والشوكاني (٥)، وغيرهم، هذا هو الجواب عن ضعف الحديث رواية.
وأما الجواب عن ضعف الحديث من حيث الدلالة:
الاعتراض على تحريم العينة لكونها قرنت بما ليس بمحرم بالاتفاق كالأخذ بأذناب البقر، والاشتغال بالزرع، فيقال في الجواب عنه: بأن الاشتغال بالمباح عن الواجب يجعل المباح محرمًا، والحديث - إن صح - يعتبر من دلائل نبوته
стр. 5253
عليه الصلاة والسلام، حيث ربط الذل بترك الجهاد، فهو لم يذم الاشتغال بالأرض مطلقًا، وإنما ذم الاشتغال بالزرع إذا شغل عن واجب، وهذا محل وفاق، يقول الشوكاني: «وقد حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد» (١).
وعلى التسليم بأنه قرن بما ليس بمحرم، فإن هذا لا يدل على أن العينة ليست حرامًا؛ لأن دلالة الاقتران دلالة ضعيفة، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] والإتيان: واجب، والأكل ليس بواجب.
(ح-٧٩٥) ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني إبراهيم بن قارظ، عن السائب بن يزيد.
حدثني رافع بن خديج عن رسول الله ﷺ قال ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث (٢).
ومهر البغي حرام بالإجماع، وأجرة الحجام ليست حرامًا بدليل أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه.
(ح-٧٩٦) وروى البخاري من طريق عمرو بن سليم الأنصاري، قال:
أشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد.
قال عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا (٣).
стр. 5254
فغسل الجمعة واجب على الصحيح من أقوال أهل العلم، وشهد بذلك الراوي عن أبي سعيد عمرو بن سليم الأنصاري. وأما الاستنان والطيب فهما مسنونان. وقد قرنهما الرسول ﷺ في الحديث.
وأما القول بأن التوعد بالذل لا يدل على التحريم:
فالجواب بأن التوعد بضرب الذل على مجموع الأمة عقوبة إلهية تدل على أن الذنب يلحق بالكبائر، وليس بصغائر الذنوب، كما قال تعالى عن بني إسرائيل لما عتوا ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة:٦١].
وقال تعالى ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
ويقول الشوكاني: «لا نسلم أن التوعد بالذل لا يدل على التحريم؛ لأن طلب أسباب العزة الدينية، وتجنب أسباب الذلة المنافية للدين واجبان على كل مؤمن، وقد توعد على ذلك بإنزال البلاء، وهو لا يكون إلا لذنب شديد، وجعل الفاعل لذلك بمنزلة الخارج من الدين ا لمرتد على عقبه» (١).
الدليل الثاني:
(ح-٧٩٧) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر والثوري، عن أبي إسحاق،
عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة، فقالت: يا أم المؤمنين: كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بستمائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمانمائة، فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريت، وبئس والله ما اشترى، أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن
стр. 5255
أخذت رأس مالي، ورددت عليه الفضل، قالت: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى﴾ [البقرة:٢٧٥] أو قالت: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] (١).
ونوقش هذا الحديث:
بأن الحديث ضعيف من جهة الإسناد (٢).
ومنكر من جهة المتن؛ وذلك أن الأعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد، وإنما يحبطها الارتداد، ومحال أن تلزم عائشة زيدًا التوبة برأيها واجتهادها، فهذا ما لا ينبغي أن يظن بها، ولا يقبل منها (١).
وما ذكرته عائشة قد خالفها فيه صحابي آخر، وهو زيد بن أرقم، وإذا اختلف الصحابيان فلا حجة في قول أحدهما على الآخر.
وأجيب عن هذا:
أما الجواب عن ضعف الحديث، فقد علمت الجواب عنه بما نقلته من كلام ابن الجوزي وابن عبد الهادي أثناء التخريج في امرأة أبي إسحاق، وعندي أن كلام الدارقطني والشافعي وابن عبد البر وابن حزم أقوى من كلامهما، وأن جهالة الحال لم ترتفع بكون ابن سعد ذكرها في طبقاته، أو أن ابن حبان قد ذكرها في ثقاته.
وأما الجواب عن نكارة المتن:
فيقال: نعم «ليس في حديث الباب ما يدل على أن النبي ﷺ نهى عن هذا
стр. 5259
البيع، ولكن تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله ﷺ يدل على أنها قد علمت تحريم ذلك بنص من الشارع، إما على جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة، أو على جهة الخصوص .... ولا ينبغي أن يظن بها أنها قالت هذه المقالة من دون أن تعلم بدليل يدل على التحريم؛ لأن مخالفة الصحابي لرأي صحابي آخر لا يكون من الموجبات للإحباط» (١).
وكون العمل يبطل الجهاد لا يمكن إدراكه بالاجتهاد (٢).
ولا يمكن أيضًا أن يقال: إن زيدًا خالف عائشة أم المؤمنين ﵂؛ لأن زيدًا لم يقل: هذا حلال، بل فعله، وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو، أو غفلة، أو تأويل، أو رجوع ونحوه، وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء، ولا يعلم مفسدته فإذا نبه له انتبه، ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك (٣).
وأما الجواب عن كون الإحباط لا يكون إلا بالشرك، فـ «جوابه: أن الإحباط إحباطان، إحباط إسقاط: وهو إحباط الكفر للأعمال الصالحة فلا يفيد شيء منها معه.
وإحباط موازنة: وهو وزن العمل الصالح بالسيئ، فإن رجح السيئ فأمه هاوية، والصالح فهو في عيشة راضية كلاهما معتبر غير أنه يعتبر أحدهما بالآخر ومع الكفر لا عبرة البتة فالإحباط في الأثر إحباط موازنة بقي كيف يحبط هذا الفعل جملة ثواب الجهاد قلت له معنيان:
стр. 5260
أحدهما: أن المراد المبالغة في الإنكار لا التحقيق.
وثانيها: أن مجموع الثواب المتحصل من الجهاد ليس باقيًا بعد هذه السببية بل بعضه فيكون الإحباط في المجموع من حيث هو مجموع وظاهر الإحباط والتوبة أنه معصية إما بترك التعلم لحال هذا العقد قبل الإقدام عليه ; لأنه اجتهد فيه، ورأت أن اجتهاده مما يجب نقضه، وعدم إقراره، فلا يكون حجة له، أو هو ممن يقتدى به، فخشيت أن يقتدي به الناس، فينفتح باب الربا بسببه فيكون ذلك في صحيفته، فيعظم الإحباط في حقه، ومن هذا الباب في الإحباط قوله ﵇: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) أي بالموازنة (١).
الدليل الثالث:
(ح-٧٩٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا محمد ابن عمرو، ثنا أبو سلمة.
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (٢).
ورواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو به، بلفظ:
من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا.
[إسناده حسن إلا قوله فله أو كسهما أو الربا فهي زيادة شاذة] (٣).
стр. 5261
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ (نهى عن بيعتين في بيعة) ومعناه «أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة، على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: فله أوكسهما أو الربا، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة، ومبيع واحد، وهو قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين فإن أبي إلا الأكثر، كان قد أخذ الربا ... » (١).
ونوقش هذا الحديث من وجوه:
الأول: أن كلمة (فله أوكسهما أو الربا) ليست محفوظة في الحديث كما تبين من التخريج.
وقد قال الخطابي في معالم السنن: «لا أعلم أحدًا قال بظاهر هذا الحديث، وصحح البيع بأوكس الثمنين، إلا شيء يحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، وذلك لما تتضمنه هذه العقدة من الغرر والجهل» (٢). اهـ
стр. 5262
قلت: صح القول كذلك عن شريح.
(ث-١٣٧) فقد روى عبد الرزاق في المصنف أخبرنا معمر والثوري، عن أيوب، عن ابن سيرين.
عن شريح، قال: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (١).
[وسنده صحيح].
وقال بذلك ابن تيمية وابن القيم (٢).
وإن لم تثبت لفظة (فله أوكسهما أو الربا) فقد ثبت النهي عن بيعتين في بيعة، وهو موضع الاحتجاج.
الوجه الثاني:
أن النهي عن بيعتين في بيعة، وإن كان محفوظًا إلا أنه لم يرد في الشرع ما يفسر معنى الحديث، وليس هناك في اللغة أو في العرف تفسير له يمكن التحاكم إليه، وقد اختلف العلماء في تفسيرها على أقوال كثيرة، وصلت إلى أكثر من ستة أقوال، واختلافهم يدل على أنه ليس في المسألة نص عن الشارع، وتفسير السلف، والذي عليه جماهير أهل العلم لم يفسروها بالعينة، وحملها على العينة إنما جاء متأخرًا عن بعض متأخري المالكية، وعن بعض متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم، وإليك الأقوال في معنى بيعتين في بيعة.
فقيل: هو أن يبيع الرجل السلعة بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، فيفترق المتبايعان دون تعيين أحد الثمنين.
وبهذا فسره السلف، وأكثر أهل العلم، ونقل ذلك الترمذي في سننه (٣)، وهي
стр. 5263
صورة من صور بيعتين في بيعة عند الحنفية (١)، وهو أشهر التأويلين في مذهب الشافعية (٢)،
وقول طاووس والثوري وإسحاق (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
(ث-١٣٨) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا وكيع، أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله.
عن أبيه: صفقتان في صفقة
стр. 5264
ربا، أن يقول الرجل: إن كان بنقد فبكذا، وإن كان بنسيئة فبكذا (١). ورجاله ثقات.
(ث-١٣٩) وبهذا أيضًا فسره سماك بن حرب، رواه أحمد من طريق شريك.
عن سماك بن حرب، قال: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنسأ بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا (٢).
[وشريك سيء الحفظ].
(ث-١٤٠) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا الثقفي، عن أيوب.
عن محمد أنه كان يكره أن يستام الرجل السلعة يقول: هي بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا (٣).
وسنده صحيح.
وقال النسائي في المجتبى: شرطان في بيع: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة إلى شهر بكذا، وإلى شهرين بكذا.
وقال أيضًا: بيعتين في بيعة: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقدًا، وبمائتي درهم نسيئة (٤).
стр. 5265
وقد قال الحكم، وحماد، وإبراهيم النخعي حين سئلوا عن الرجل يشتري الشيء بكذا نقد، وإن كان إلى أجل فبكذا، قالوا: لا بأس إذا تفرقا على أحدهما. والإسناد إليهم صحيح (١)، وكذا رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن الزهري وقتادة (٢).
قال ابن القيم: «وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين» (٣).
وقد ناقشت هذه المسألة في أكثر من عنوان من ذلك مبحث: (إبهام الثمن على وجه التخيير)، ومبحث: (الزيادة في الثمن مقابل التأجيل) فأغنى عن إعادتها هنا.
وقيل: بيعتين في بيعة: أن يقول الرجل: هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، ويكون البيع لازمًا بأحد الثمنين، فإن وقع على وجه التخيير فلا حرج، وهذا قول مالك (٤)،
وربيعة، ويحيى بن سعيد (٥).
стр. 5266
وقيل: بيعتان في بيعة هو أن يبيعه الشيء ويشترط عليه عقدًا آخر من بيع أو سلف، أو قرض، أو صرف، أو إجارة، أو شركة، وكذا كل ما كان في معنى ذلك، مثل أن يقول: بعتك داري بكذا على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك ابنتي، وكذا على أن تنفق على عبدي، أو دابتي، ونحو ذلك، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، وقول للشافعي (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)، وقول لابن حزم (٤).
وقيل: معنى بيعتين في بيعة أن يبيعه إحدى سلعتين مختلفتين بثمن واحد، كثوب وشاة بدينار على اللزوم، فشرط المنع كون البيع على اللزوم للمتبايعين أو
стр. 5267
لأحدهما للغرر، إذ لا يدري البائع بم باع، ولا المشتري بم اشترى، فإن لم يكن على اللزوم جاز (١).
وقيل: معنى بيعتين في بيعة أن يقول رجل لآخر: اشتر لي هذه السلعة التي بعتها له بخمسة عشر لأجل بعشرة نقدًا، وأنا أخذها منك بها، أو بربح دينار. وهذا التفسير صورة من صور بيع العينة، وهو قول عند المالكية (٢).
والذي أرى أن البيعتين في بيعة ليست محصورة في صورة واحدة، بل يدخل في ذلك: كل عقدين جمعا في عقد واحد وترتب على جمعهما محذور شرعي، ومنه ما ذكره ابن تيمية وابن القيم في صورة بيع العينة، ومنه لو باع عليه ذهبًا، واشترط عليه أن يشتري منه بثمنه ذهبًا آخر، فإنه حيلة لمبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، ومنه كذلك لو باع عليه سلعة بشرط أن يقرضه، فإنه يدخل في القرض إذا جر نفعًا، وهكذا، ولا يدخل في ذلك العقدان الذي لم يترتب على جمعهما محذور شرعي، كما لو باعه سيارته بشرط أن يبيعه داره، لأنه لا مفسدة ولا محذور في جمع العقدين في عقد واحد، كما لا يدخل في ذلك إذا عرض عليه السلعة بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا، لأن العقد في الحقيقة واحد، والله أعلم.
فحديث النهي عن بيعتين في بيعة صالح للحجة في منع بيع العينة، كما هو صالح في منع كل عقدين جمعا في عقد واحد وترتب على جمعهما محذور شرعي.
الدليل الرابع:
(ث-١٤١) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون، قال:
стр. 5268
ذكروا عند محمد العينة، فقال:
نبئت أن ابن عباس كان يقول: دراهم بدراهم بينهما حريرة.
[صحيح عن ابن عباس وإن كان في هذا الإسناد من لم يُسَمَّ] (١).
стр. 5269
الدليل الخامس:
أن العقود بمقاصدها، وليست بألفاظها. والربا لم يحرم لمجرد صورته ولفظه، وإنما حرم لحقيقته ومعناه،
(ح-٧٩٩) وقد روى البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... الحديث متفق عليه.
وقد ترجم له البخاري: باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها (١).
«قال ابن المنير: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، وتبع مالكًا في القول بسد الذرائع، واعتبار المقاصد، فلو فسد اللفظ وصح القصد ألغي اللفظ وأعمل القصد تصحيحًا وإبطالًا قال: والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة .... » (٢).
стр. 5270
وفي هذا يقول ابن القيم: «إذا حرم الرب تعالى شيئًا، وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعمله يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته، أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذارئع الموصولة إليه وإلا فسد عليهم ما يرمون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال» (١).
ويقول ابن تيمية: «يا سبحان الله العظيم، أيعود الربا الذي قد عظم الله شأنه في القرآن، وأوجب محاربة مستحله ولعن أهل الكتاب بأخذه ولعن آكله وموكله وشاهديه وكاتبه وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره إلى أن يستحل جميعه بأدنى سعي من غير كلفة أصلًا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها، ويستهزئ بها؟ أم يستحسن مؤمن أن ينسب نبيًا من الأنبياء فضلًا عن سيد المرسلين. بل أن ينسب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحارم العظيمة ثم يبيحها بضرب من العبث والهزل الذي لم يقصد ولم يكن له حقيقة وليس فيه مقصود المتعاقدين قط» (٢).
والمتعامل بالعينة قد توصل إلى أخذ دراهم بدارهم إلى أجل مع التفاضل، والسلعة كانت واسطة للتوصل إلى المعاملة المحرمة، والوسيلة إلى الحرام حرام.
стр. 5271
واعترض على هذا الاستدلال:
بأن الأحكام لا تناط بالمقاصد، بل يجب ربط الأحكام بمظان ظاهرة، فقد يوجد القصد الفاسد في عقد يتفق الفقهاء على صحته، وقد يعدم القصد الفاسد في عقد يتفق الفقهاء على فساده، فلا نحتكم إلى المقاصد ا لخفية، بل يجب الاعتماد على ظواهر العقود الشرعية (١).
ويجاب عن هذا:
أولًا: لا نسلم أن الأحكام لا تناط بالمقاصد، فالمقاصد والنيات معتبرة في التحليل والتحريم، مقدمة على ظواهر الألفاظ، فإذا كان قصده من هذا العقد محرمًا حرم عليه العقد، وإن كان ظاهر العقد السلامة والصحة.
يقول ابن القيم في ذلك: «هل الاعتبار بظواهر الألفاظ والعقود، وإن ظهرت المقاصد والنيات بخلافها، أم للقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها؟
وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده وفي حله وحرمته بل أبلغ من ذلك وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد تحليلا وتحريمًا، فيصير حلالًا تارة، وحرامًا تارة باختلاف النية والقصد كما يصير صحيحًا تارة، وفاسدًا تارة باختلافها وهذا كالذبح فإن الحيوان يحل إذا ذبح لأجل الأكل، ويحرم إذا ذبح لغير الله وكذلك الحلال يصيد الصيد للمحرم فيحرم عليه، ويصيده للحلال فلا يحرم على المحرم وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكله فتحرم على المشتري، وينوي أنها له فتحل له وصورة العقد واحدة وإنما اختلفت النية
стр. 5272
والقصد وكذلك صورة القرض وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجل صورتهما واحدة وهذا قربة صحيحة وهذا معصية باطلة بالقصد وكذلك عصر العنب بنية أن يكون خمرًا معصية ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ وعصره بنية أن يكون خلًا أو دبسًا جائز، وصورة الفعل واحدة وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلمًا حرام باطل؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله، فهو طاعة وقربة ...... وكذلك ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها ينوي بها الطلاق فيكون ما نواه وينوي به غيره فلا تطلق وكذلك قوله: «أنت عندي مثل أمي» ينوي بها الظهار فتحرم عليه وينوي به أنها مثلها في الكرامة فلا تحرم عليه وكذلك من أدى عن غيره واجبًا ينوي به الرجوع ملكه، وإن نوى به التبرع لم يرجع.
وهذا كما أنها أحكام الرب تعالى في العقود فهي أحكامه تعالى في العبادات والمثوبات والعقوبات; فقد اطردت سنته بذلك في شرعه وقدره أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره; فإن القربات كلها مبناها على النيات ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل، أو دخل الحمام للتنظيف أو سبح للتبرد لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له وإنما لامرئ ما نوى ولو أمسك عن المفطرات عادةً واشتغالًا، ولم ينو القربة لم يكن صائمًا ولو دار حول البيت يلتمس شيئا سقط منه لم يكن طائفًا ولو أعطى الفقير هبة أو هدية، ولم ينو الزكاة لم يحسب زكاة ولو جلس في المسجد ولم ينو الاعتكاف لم يحصل له. وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب ; ولهذا لو جامع أجنبية يظنها زوجته أو أمته لم يأثم بذلك وقد يثاب بنيته ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية فبانت زوجته أو أمته أثم على ذلك بقصده ونيته
стр. 5273
للحرام ولو أكل طعامًا حرامًا يظنه حلالًا لم يأثم به ولو أكله وهو حلال يظنه حرامًا وقد أقدم عليه أثم بنيته .... » (١).
وجاء في القواعد لابن رجب: «تعتبر الأسباب في عقود التمليكات، كما تعتبر في الأيمان، ويتخرج على هذا مسائل متعددة، ذكر منها:
هبة المرأة زوجها صداقها إذا سألها ذلك، فإن سببها طلب استدامة النكاح، فإن طلقها فلها الرجوع فيها نص عليه أحمد في رواية عبد الله ....
ومنها ما نص عليه أحمد في رواية ابن ماهان فيمن اشترى لحمًا، ثم استزاده البائع، فزاده، ثم رد اللحم بعيب، فالزيادة لصاحب اللحم؛ لأنها أخذت بسبب اللحم، فجعلها تابعة للعقد في الرد؛ لأنها مأخوذة بسببه، وإن كانت غير لاحقة به» (٢).
ثانيًا: بأنه وإن كان هناك خلاف معتبر بين الفقهاء في قاعدة اعتبار المقاصد في الحكم على المعاملات، وقد ناقشت ذلك في مسألة بيع السلاح في الفتنة، والعصير لمن يتخذه خمرًا، فإن مسألتنا هنا قد جاء النص على اعتبار القصد فيها، بالنهي عن بيع العينة، وما جاء النص فيه لا ينبغي إدخاله في مسائل اختلاف الفقهاء في اعتبار المقاصد.
ثالثًا: على التسليم أن الحكم لا يناط بمجرد القصد، فإن الحكم هنا قد أنيط بالقرائن والدلائل الظاهرة، فإن أحدًا لا يبيع العين نسيئة بثمن، ثم يشتري العين نفسها بأقل نقدًا إلا وهو يريد التوصل إلى مبادلة الدراهم بالدراهم، لأن بيعه العين ثم استرجاعها دل على أن بيع العين لم يكن مقصودًا.
стр. 5274
يقول ابن العربي: «فإن قيل: إنما حرمت هذا خوفًا من القصد، وأنت لم تعلم قصده؟ قلنا: هذه نكتة المسألة وسرها الأعظم، وذلك أنه لما كان هذا أمرًا مخوفًا حسم الباب فيه، ومنع من صورته لتعذر الوقوف على القصد فيه، والشريعة إذا علقت الأحكام بالأسباب الباطنة أقامت الظاهر مقامه كالمشقة في السفر التي علقت عليه الرخص لما لم تنضبط علقت على صورة السفر، والعدة لما وضعت لبراءة الرحم علقت على وجود الوفاة والطلاق، ولم يعتبر بصورة الزوجة في إمكان الوطء وعدمه وخوف الحمل والأمن منه؛ لأن ذلك ما لا يتحصل للخلق» (١).
رابعًا: وهو أهمها أن الذرائع إلى الحرام حرمها ا لشارع وإن لم يقصد بها الفاعل الحرام خشية أن تفضي إلى المحرم، فإن انضم إلى ذلك قصد الحرام كان ذلك أولى بالتحريم.
يقول في هذا ابن تيمية: «الذرائع حرمها الشارع وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع وبهذا التحرير يظهر علة التحريم في مسائل العينة وأمثالها وإن لم يقصد البائع الربا ; لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا فيصير ذريعة فيسد هذا الباب لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا» (٢).
خامسًا: لا يحل لمسلم أن يعتقد أن زيد بن أرقم قد واطأ أم ولده على شراء الذهب بالذهب متفاضلًا إلى أجل، فإنكار عائشة له يدل على أن البيع محرم، سواء اتخذ ذلك حيلة إلى مبادلة الربوي بالربوي مع التفاضل والنسأ، أو لم يقصد التحايل.
стр. 5275
دليل من أباح بيع العينة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
وجه الاستدلال: أن (الألف واللام) في البيع للجنس، لا للعهد إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١، ٢] فإذا ثبت أن البيع عام، فهو يشمل جميع أنواع البيوع، ومنها بيع العينة.
ويناقش:
بأن الألفاظ العامة يدخلها التخصيص، فإذا كان بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام قد خصت من هذا العموم بالإجماع، فكذلك بيع العينة قد خص من هذا العموم بالنصوص الواردة بالنهي عنها.
قال الجصاص في أحكام القرآن: «لا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد به الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو بيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان، وبيع الغرر، والمجاهيل، وعقد البيع على المحرمات من الأشياء» (١).
ويحتمل أن يكون قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] من المجمل الذي لا يعقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان النبي ﷺ (٢). والأول أقوى.
ويحتمل أن تكون الآية جوابًا للكفار حين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥] فلا يكون فيها العموم المراد. وأيًا كان معنى الآية فإن بيع العينة
стр. 5276
قد خرج من هذا النص إما بتخصيص إن قلنا: إنها عامة، وهو الصحيح، أو بتفسير إن قلنا: إنها مجملة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٨٠٠) ما رواه البخاري، حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب.
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وقال في الميزان مثل ذلك (١).
وجه الاستدلال:
قال النووي: «وموضع الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ قال له: بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري، أو من غيره، فدل على أنه لا فرق، وهذا كله ليس بحرام» (٢).
فلو كان الابتياع من المشتري حرامًا لنهى عنه.
وأجيب:
بأن مقصوده ﷺ إنما كان بيان الطريق التي بها يحصل شراء التمر الجيد لمن عنده رديء وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدًا. ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه؛ لأن المقصود ذكر الحكم على وجه الجملة.
стр. 5277
أو لأن المخاطب يفهم البيع الصحيح فلا يحتاج إلى بيان، فلا معنى للاحتجاج بهذا الحديث على نفي شرط مخصوص، كما لا يحتج به على نفي سائر الشروط.
فقوله ﷺ : (بع الجمع بالدراهم) إنما يفهم منه البيع المقصود الخالي عن شرط يمنع كونه مقصودًا بخلاف البيع الذي لا يقصد والدليل عليه أنه لو قال: بع هذا الثوب لم يفهم منه بيع المكره، ولا بيع الهازل، وإنما يفهم منه البيع الذي قصد به نقل الملك فإذا جاء إلى تمار فقال: أريد أن أشتري منك بالتمر الرديء تمرًا جيدًا، فيشتريه منه بكذا درهمًا ويعني بالدراهم كذا تمرًا جيدًا لم يكن قصده ملك الثمن الذي هو الدراهم البتة وإنما القصد بيع تمر بتمر، فلا يدخل في الحديث.
يبين هذا: أن مثل هذين قد يتراضيان أولًا على بيع التمر بالتمر ثم يجعلان الدراهم محللًا.
ولأن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة ومتى تواطأ على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة فلا يكون داخلًا في الحديث.
يبين ذلك أنه ﷺ قال: بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا وهذا يقتضي بيعًا ينشئوه ويبتديه بعد انقضاء البيع الأول. ومتى واطأه من أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقنا على العقدين معًا فلا يكون داخلا في حديث الأمر بل في حديث النهي ... اهـ ملخصًا من كلام ابن تيمية (١).
والبيع إذا كان فيه مشارطة ومواطأة على عود السلعة إلى البائع ليس في تحريمه نزاع، وقد نقلنا الإجماع على التحريم في صدر هذه المسألة، وإنما نزاع
стр. 5278
الشافعية مع الجمهور إذا تم ذلك بدون مشارطة ولا مواطأة، فهل يمنع مثل هذا سدًا للذرائع المفضية إلى الحرام، أو لا يمنع.
يقول ا بن القيم: «في مسألة العينة إنما جوز الشافعي أن يبيع السلعة ممن اشتراها منه جريًا على ظاهر عقود المسلمين، وسلامتها من المكر والخداع، ولو قيل للشافعي: إن المتعاقدين قد تواطئا على ألف بألف ومائتين وتراوضا على ذلك، وجعلا السلعة محللا للربا لم يجوز ذلك ولأنكره غاية الإنكار» (١).
وقال الزرقاني: «الحديث مطلق لا يشمل ما ذكر، فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به فيما عداها بإجماع الأصوليين، وبأنه ﷺ لم يقل: وابتع ممن اشترى الجمع، بل خرج الكلام غير متعرض لعين البائع من هو؟ فلا يدل على المدعى» (٢).
وقال ابن عبد البر: «بيع التمر الجمع بالدراهم وشراء الجنيب بها من رجل واحد يدخله ما يدخل الصرف في بيع الذهب بدراهم والشراء بتلك الدراهم ذهبًا من رجل واحد في وقت واحد، والمراعاة في ذلك كله واحدة، فمالك يكره ذلك على أصله، وكل من قال بالذرائع كذلك، وغيره يراعي السلامة في ذلك لا يفسخ بيعًا قد انعقد إلا بيقين وقصد، وبالله التوفيق» (٣).
الدليل الثالث:
(ث-١٤٢) ما رواه عبد الرزاق من طريق ليث، عن مجاهد قال:
سئل
стр. 5279
ابن عمر عن رجل باع سرجًا بنقد، ثم أراد أن يبتاعه بدون ما باعه، قبل أن ينتقد، قال: لعله لو باعه من غيره باعه بدون ذلك، فلم ير به بأسًا (١).
[إسناده ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم].
وهو مخالف لما روي مرفوعًا عن النبي ﷺ ، ومخالف لما روي عن ابن عباس ﵄، وهو أصح منه سندًا.
الدليل الرابع:
«واستدل - يعني على جواز بيع العينة - بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها ممن اشتراها منه بعد مدة، فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل، فدل على أن المعتبر في ذلك وجود الشرط في أصل العقد وعدمه، فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد فهو باطل» (٢) وإن لم يتشارطا لم يبطل.
ويجاب:
بأن شراءه إياها بعد مدة يبعد التهمة بأن المقصود مبادلة ربوي بمثله مع التفاضل، والدراهم حيلة.
الدليل الخامس:
إذا جاز بيع السلعة على من باعها بعد قبض الثمن بالإجماع، جاز ذلك قبل قبض الثمن بالقياس عليه.
وأجيب:
بأن هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة النص، ولأننا منعنا ذلك قبل قبض الثمن لوجود شبهة الربا، بخلاف ما إذا قبض الثمن.
стр. 5280
دليل من قال: يكره بيع العينة .
استدلوا بأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد، يكره أن يدخلا عليه (١).
ولعلهم كرهوا ذلك أيضًا لأنه لا يؤمن من وقوع المواطأة، فكرهت خوفًا من وقوعها، ولمضارعتها للربا، وخروجًا من خلاف العلماء، ولأن الآثار المرفوعة لا تخلو من كلام، فلم نبلغ بها التحريم.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال أجد أن الآثار المرفوعة لا تقوى على تحريم بيع العينة، ويكفي في التحريم دليلان:
الأول: ما صح عن ابن عباس ﵁.
الثاني: يكفي في التحريم النظر الصحيح، فإن العقد لا يشك أحد بكونه ذريعة للوصول إلى الربا المحرم، والله أعلم.
* * *
стр. 5281
المبحث الثالث
في حكم العقد الأول من عقدي العينة
[م-١١٩٦] لم يختلف القائلون بتحريم بيع العينة بأن العقد الثاني بيع فاسد.
قال الحطاب في مواهب الجليل: «أما فسخ الثانية فباتفاق على ما قاله ابن الحاجب وغيره وحكى اللخمي فيه خلافًا ضعيفًا» (١).
إلا أن الحنفية يختلفون مع الجمهور في حكم العقد الفاسد تفريقًا بينه وبين العقد الباطل، فالجمهور يرون أن العقد الفاسد مرادف للباطل.
وأما الحنفية فيرون أن العقد الباطل: ما لم يشرع بأصله، ولا بوصفه، وذلك كبيع الميتة، والخمر، والخنزير. أو ما تطرق الخلل فيه إلى ركن البيع، كبيع المجنون، والصبي غير المميز.
والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه، أو ما كان الخلل فيه لم يتطرق إلى ركن البيع، وإنما اقترن بوصف منهي عنه شرعًا (٢).
стр. 5282
وعقد الربا هو عقد مشروع بأصله، وهو البيع، دون وصفه، وهو الزيادة أو التأجيل (١).
قال ابن نجيم: «الربا وسائر البيوع الفاسدة من قبيل ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه» (٢).
جاء في العناية: «من اشترى شيئًا بألف درهم حالة أو نسيئة، فقبضه، ثم باعه من البائع بخمسمائة قبل نقد الثمن، فالبيع الثاني فاسد» (٣).
فقوله (فاسد) إشارة إلى أنه ليس بالباطل.
وقد بحثت هذه المسألة في مبحث خاص تحت عنوان: هل عقد الربا عقد باطل، أو عقد فاسد يمكن تصحيحه، وذكرت دليل الحنفية، فأغنى عن إعادته هنا.
[م-١١٩٧] واختلفوا في العقد الأول من حيث الصحة والبطلان.
فقيل: العقد الأول صحيح، وهو مذهب الحنفية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: يصح العقد الأول ما دامت السلعة قائمة عند البائع الأول، وهو المشتري الثاني، فإن فاتت بيده فسخ العقدان جميعًا.
стр. 5283
وعليه جماهير المالكية (١).
وقيل: العقد الأول باطل، اختاره ابن الماجشون من المالكية، ورجحه ابن رشد في المقدمات (٢)، وقال به بعض الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٣)، وقال ابن القيم: وهو الصحيح من المذهب (٤).
وقيل: يصح البيع الأول إن كان بلا مواطأة، فإن كان ا لبيع عن اشتراط أو مواطأة مسبقة فيبطل العقدان جميعًا وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٥)، واختاره ابن القاسم من المالكية (٦)، وصححه الحطاب في مواهب الجليل (٧).
وجه من قال: يصح البيع الأول:
أن العقد الأول لم يتطرق إليه الفساد، فيكون صحيحًا، لأنه عقد قد تم أركانه وتوفرت شروطه، وتفسخ البيعة الثانية؛ لأن الفساد إنما جاء منها، وهو دائر معها.
وضعفه ابن القيم بقوله: «وهذا ضعيف؛ فإنه لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرم، فكيف يحكم بصحته» (٨).
стр. 5284
ويجاب:
بأنه لا يكون وسيلة إلى الربا إلا إذا كان هناك مواطأة واتفاق، فإن لم يكن هناك مواطأة واتفاق فالعقد لم يكن وسيلة إلى الربا.
وجه من قال: ببطلان العقد الأول:
قول عائشة ﵂ لأم ولد زيد بن أرقم: (بئس ما شريت، وبئسما اشتريت).
فهذا دليل على بطلان العقدين معًا ...
[وسبق تخريجه وأنه ضعيف الإسناد].
ولأن الثاني عقد ربا، والأول وسيلة إليه.
ولأن البيعتين لما ارتبطت إحداهما بالأخرى صارا في معنى العقد الواحد، فصار فساد أحدهما يسري إلى الأخرى.
وأجيب:
بأن قول عائشة من باب التوكيد، وقد ورد في بعض روايات الحديث: (بئس ما اشتريت أو بئس ما اشترى) على الشك.
وجه من قال: يصح العقد الأول ما دامت السلعة قائمة:
قالوا: إن بيوع الآجال إذا وقعت على الوجه الممنوع كما لو باعه سلعة إلى شهر ثم اشتراها بثمانية نقدًا فإن اطلع على ذلك والسلعة قائمة لم يفت فإن البيعة الأولى صحيحة، وتفسخ الثانية؛ لأن الفساد إنما جاء منها وهو دائر معها ....
فإن فاتت السلعة بحوالة سوق أو غيرها فتفسخ البيعتان معًا، ويكون للبائع على المشتري الثمن الذي دفعه إليه، كما في البيع الفاسد، وعللوا فساد البيع الأول في حال فوات السلعة بعدم إمكان فسخ الثاني وحده، وحينئذ لا مطالبة
стр. 5285
لواحد منهما على الآخر بشيء؛ لأن المبيع فاسد قد رجع لبائعه، فضمانه منه وسقط الثمن عن ذمة المشتري الأول برجوع المبيع لبائعه، وسقط الثمن الثاني عن المشتري الثاني لفساد شرائه باتفاق (١).
وجه من قال: يبطل الأول إن كان هناك مواطأة:
أن العقد الأول إن كان مقصودًا لذاته، ولم يكن هناك مواطأة ولا احتيال فهو عقد صحيح. وطريان العقد الثاني لا يبطله؛ لأن النهي كان في العقد الثاني لكونه يفضي إلى الربا أو ذريعة إليه، وسد ذريعة الربا متحقق في إبطال العقد الثاني. وإن كان العقد الأول حيلة إلى الربا، بأن كان غير مقصود لذاته، فهو باطل، يفسخ كما يفسخ العقد الثاني.
وهذا القول هو أقرب الأقوال. والله أعلم.
стр. 5286
المبحث الرابع
في شروط تحريم العينة
الشرط الأول
أن يكون المشتري الثاني هو البائع الأول
والبائع الثاني هو المشتري الأول
[م-١١٩٨] يشترط في تحريم العينة أن يبيع المشتري السلعة على بائعها الأول.
فإن باعها المشتري على أجنبي، واشتراها البائع الأول منه صح البيع؛ لانتفاء علة المنع؛ لأن منع البائع الأول من شرائها إنما كان ذلك سدًا لذريعة الربا، وهو منتف في هذه الحال.
[م-١١٩٩] أما إذا باعها المشتري على وكيل البائع الأول، فهل يأخذ حكم البائع الأول، أو يأخذ حكم الأجنبي في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: إذا اشتراها وكيل البائع الأول صح البيع، وهذا قول أبي حنيفة (١).
وقيل: لا يصح، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 5287
وجه قول أبي حنيفة:
أن تصرف الوكيل عند أبي حنيفة يقع لنفسه، ثم ينتقل الملك إلى الموكل حكمًا كانتقاله بالإرث؛ ولهذا يجوز عند أبي حنيفة أن يوكل ذميًا بشراء خمر، وبيعها (١).
وجه قول الجمهور:
أن الوكيل قائم مقام الموكل، نائب عنه، فهو بمنزلته.
ولأن عائشة ﵂ لم تستفصل عن حال أم ولد زيد بن أرقم، أهي مالكة، أو وكيلة، ولو كان الحكم يختلف لاستفسرت، والقاعدة الأصولية تقول: إن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
الراجح:
الراجح من الخلاف هو قول الجمهور؛ لأن الوكيل قائم مقام الموكل، ولكن هل يحرم مطلقًا أن يشتريها البائع الأول، أو يمكن أن نقول: إذا وجد البائع الأول السلعة معروضة للبيع على الناس، ولم تعرض عليه قصدًا، ودخل هو كغيره في شراء السلعة أن ذلك جائز لبعد التهمة عن الربا، ولأن الأصل حل البيع، ولأنها إذا عرضت على عموم الناس أصبح البائع كأنه اشتراها من أجنبي، إذا روعيت هذه القيود لعل القول بالجواز ليس ببعيد، والله أعلم.
* * *
стр. 5288
الفرع الأول
إذا اشترى السلعة من لا تجوز شهادته للبائع الأول كابنه وأبيه
[م-١٢٠٠] علمنا في المسألة السابقة أنه يشترط في تحريم بيع العينة أن يشتريها البائع الأول أو وكيله على الصحيح، فهل يختلف الحكم لو اشتراها لنفسه أبو البائع الأول، أو ابنه، أو زوجته، أو من لا تقبل شهادته له؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: لا يجوز، وهذا قول أبي حنيفة (١). تنزيلًا لهؤلاء منزلة البائع؛ لأن أملاكهم كالملك الواحد من جهة المعنى، فكان عقد الواحد لنفسه كعقده لأبيه أو لابنه، ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر.
وقيل: يجوز، واختار ذلك صاحبا أبي حنيفة (٢)؛ لأن كل واحد منهما أجنبي عن ملك صاحبه لتمايز الأملاك.
وقيل: يكره إن كان ابنه صغيرًا، وإن كان كبيرًا فيجوز؛ لأنه بمنزلة الأجنبي، وهذا مذهب المالكية (٣).
стр. 5289
ولعل وجه الكراهة:
أن الابن الصغير لا يستقل بالتصرف، فصار تصرف الأب فيه شبه بتصرفه لنفسه.
وقيل: يجوز بشرط ألا يكون ذلك حيلة، وهذا هو مذهب الحنابلة (١)، وهذا أقوى الأقوال؛ لأن الأصل أن تصرف الأب أو الابن تصرفه لنفسه على وجه الاستقلال، فإذا كان حيلة منع كما تمنع العينة إذا كانت ثلاثية ولو من أجنبي إذا كان عن مواطأة واتفاق.
* * *
стр. 5290
الفرع الثاني
في بيع وارث المشتري على البائع الأول
[م-١٢٠١] علمنا في الشرط السابق أنه يشترط في تحريم العينة أن يكون البائع الثاني هو المشتري الأول أو وكيله، فإذا اشتراها البائع الأول من وارث المشتري، فهل يعتبر الوارث بمنزلة المورث، فيحرم، أو يعتبر بمنزلة الأجنبي فيصح؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: لا يجوز أن يشتريها البائع من وارث المشتري، وهذا مذهب الحنفية (١).
وجه قول الحنفية:
أن الملك لم يختلف، وإنما قام الوارث مقام مورثه، وهو المشتري، بدليل أن حقوقه ثابتة للوارث كثبوتها للمورث، فله ا لرجوع على البائع في خيار العيب، وظهور استحقاق المبيع.
وقيل: يجوز أن يشتريها من الوارث، وهو مذهب المالكية (٢)،