المبحث الرابع
في شروط تحريم العينة
الشرط الأول
أن يكون المشتري الثاني هو البائع الأول
والبائع الثاني هو المشتري الأول
[م-١١٩٨] يشترط في تحريم العينة أن يبيع المشتري السلعة على بائعها الأول.
فإن باعها المشتري على أجنبي، واشتراها البائع الأول منه صح البيع؛ لانتفاء علة المنع؛ لأن منع البائع الأول من شرائها إنما كان ذلك سدًا لذريعة الربا، وهو منتف في هذه الحال.
[م-١١٩٩] أما إذا باعها المشتري على وكيل البائع الأول، فهل يأخذ حكم البائع الأول، أو يأخذ حكم الأجنبي في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: إذا اشتراها وكيل البائع الأول صح البيع، وهذا قول أبي حنيفة (١).
وقيل: لا يصح، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 5287
وجه قول أبي حنيفة:
أن تصرف الوكيل عند أبي حنيفة يقع لنفسه، ثم ينتقل الملك إلى الموكل حكمًا كانتقاله بالإرث؛ ولهذا يجوز عند أبي حنيفة أن يوكل ذميًا بشراء خمر، وبيعها (١).
وجه قول الجمهور:
أن الوكيل قائم مقام الموكل، نائب عنه، فهو بمنزلته.
ولأن عائشة ﵂ لم تستفصل عن حال أم ولد زيد بن أرقم، أهي مالكة، أو وكيلة، ولو كان الحكم يختلف لاستفسرت، والقاعدة الأصولية تقول: إن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
الراجح:
الراجح من الخلاف هو قول الجمهور؛ لأن الوكيل قائم مقام الموكل، ولكن هل يحرم مطلقًا أن يشتريها البائع الأول، أو يمكن أن نقول: إذا وجد البائع الأول السلعة معروضة للبيع على الناس، ولم تعرض عليه قصدًا، ودخل هو كغيره في شراء السلعة أن ذلك جائز لبعد التهمة عن الربا، ولأن الأصل حل البيع، ولأنها إذا عرضت على عموم الناس أصبح البائع كأنه اشتراها من أجنبي، إذا روعيت هذه القيود لعل القول بالجواز ليس ببعيد، والله أعلم.
* * *
стр. 5288
الفرع الأول
إذا اشترى السلعة من لا تجوز شهادته للبائع الأول كابنه وأبيه
[م-١٢٠٠] علمنا في المسألة السابقة أنه يشترط في تحريم بيع العينة أن يشتريها البائع الأول أو وكيله على الصحيح، فهل يختلف الحكم لو اشتراها لنفسه أبو البائع الأول، أو ابنه، أو زوجته، أو من لا تقبل شهادته له؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: لا يجوز، وهذا قول أبي حنيفة (١). تنزيلًا لهؤلاء منزلة البائع؛ لأن أملاكهم كالملك الواحد من جهة المعنى، فكان عقد الواحد لنفسه كعقده لأبيه أو لابنه، ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر.
وقيل: يجوز، واختار ذلك صاحبا أبي حنيفة (٢)؛ لأن كل واحد منهما أجنبي عن ملك صاحبه لتمايز الأملاك.
وقيل: يكره إن كان ابنه صغيرًا، وإن كان كبيرًا فيجوز؛ لأنه بمنزلة الأجنبي، وهذا مذهب المالكية (٣).
стр. 5289
ولعل وجه الكراهة:
أن الابن الصغير لا يستقل بالتصرف، فصار تصرف الأب فيه شبه بتصرفه لنفسه.
وقيل: يجوز بشرط ألا يكون ذلك حيلة، وهذا هو مذهب الحنابلة (١)، وهذا أقوى الأقوال؛ لأن الأصل أن تصرف الأب أو الابن تصرفه لنفسه على وجه الاستقلال، فإذا كان حيلة منع كما تمنع العينة إذا كانت ثلاثية ولو من أجنبي إذا كان عن مواطأة واتفاق.
* * *
стр. 5290
الفرع الثاني
في بيع وارث المشتري على البائع الأول
[م-١٢٠١] علمنا في الشرط السابق أنه يشترط في تحريم العينة أن يكون البائع الثاني هو المشتري الأول أو وكيله، فإذا اشتراها البائع الأول من وارث المشتري، فهل يعتبر الوارث بمنزلة المورث، فيحرم، أو يعتبر بمنزلة الأجنبي فيصح؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: لا يجوز أن يشتريها البائع من وارث المشتري، وهذا مذهب الحنفية (١).
وجه قول الحنفية:
أن الملك لم يختلف، وإنما قام الوارث مقام مورثه، وهو المشتري، بدليل أن حقوقه ثابتة للوارث كثبوتها للمورث، فله ا لرجوع على البائع في خيار العيب، وظهور استحقاق المبيع.
وقيل: يجوز أن يشتريها من الوارث، وهو مذهب المالكية (٢)،
стр. 5291
والحنابلة (١).
وجهه: أن الوارث بمنزلة الأجنبي لمباينة ملكه لملك مورثه، فيكون اختلاف سبب الملك كاختلاف الملك.
الراجح:
النفس تميل إلى القول بالجواز، خاصة أن التحريم كان من باب سد الذرائع، وقد انتقل الملك إلى آخر كما لو انتقل إلى أجنبي، والله أعلم.
* * *
стр. 5292
الشرط الثاني
أن يشتري ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن
[م-١٢٠٢] هذا الشرط متكون من شرطين:
الأول: أن يشتري البائع ما باعه بأقل مما باعه.
الثاني: أن يكون ذلك قبل نقد الثمن.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «ولو اشترى ما باع بمثل ما باع قبل نقد الثمن جاز بالإجماع؛ لانعدام الشبهة - يعني شبهة الربا- وكذا لو اشتراه بأكثر مما باع قبل نقد الثمن؛ ولأن فساد العقد معدول به عن القياس، وإنما عرفناه بالأثر، والأثر جاء في الشراء بأقل من الثمن الأول، فبقي ما وراءه على أصل القياس (١).
وذكر الحنفية صورتين تلحق بالشراء بأقل.
الصورة الأولى:
قال في الهداية: «ومن اشترى جارية بخمسمائة، ثم باعها وأخرى معها من
стр. 5293
البائع قبل أن ينقد الثمن بخمسمائة فالبيع جائز في التي لم يشترها من البائع، ويبطل في الأخرى؛ لأنه لا بد أن يجعل بعض الثمن بمقابلة التي لم يشترها منه، فيكون مشتريًا للأخرى بأقل مما باع، وهو فاسد عندنا، ولم يوجد هذا المعنى في صاحبتها ولا يشيع الفساد؛ لأنه ضعيف فيها لكونه مجتهدًا فيه، أو لأنه باعتبار شبهة الربا، أو لأنه طارئ؛ لأنه يظهر بانقسام الثمن أو المقاصة فلا يسري إلى غيرها» (١).
ولسنا بصدد مناقشة تفريق الصفقة، المهم في هذه المسألة أن صورة الثمن كأنه اشتراها بمثل الثمن الذي باعها به، وهو في الحقيقة قد اشتراها بأقل مما باعها، هذا الذي يعنينا في هذا البحث.
الصورة الثانية:
قال الكاساني: «ولو باع بألف دراهم حالة، ثم اشتراه بألف دراهم مؤجلة فالشراء فاسد؛ لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع من حيث المعنى؛ لأن الحالة خير من المؤجلة» (٢).
وهذا بعيد جدًا.
كما يشترط لتحريم البيع في العينة أن يكون الثمن إما مؤجلًا، أو يكون البيع الثاني قبل قبض ثمن البيع الأول.
فإن اشترى ما باع بأقل مما باعه به بعد نقد الثمن، فإن البيع جائز بالإجماع (٣).
стр. 5294
لأن التحريم إنما هو لسد ذريعة الربا، فإذا كان الثمن في البيع الأول مؤجلًا يصير الثمن الثاني قصاصًا بالثمن الأول، فيبقى من الثمن الأول زيادة لا يقابلها عوض في عقد المعاوضة، وهو تفسير الربا، إلا أن الزيادة ثبتت بمجموع العقدين، فكان الثابت بأحدهما شبهة الربا، والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة بخلاف ما إذا نقد الثمن؛ لأن المقاصة لا تتحقق بعد نقد الثمن (١).
* * *
стр. 5295
الشرط الثالث
أن يشتريها بجنس الثمن الأول
[م-١٢٠٣] قال ابن قدامة في المغني: «وإن اشتراها بعرض، أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد جاز، وبه قال أبو حنيفة، ولا نعلم فيه خلافًا» (١).
وظاهر كلام ابن قدامة أن الجواز مقيد بما إذا كان أحد الثمنين من العروض والآخر من النقد، أما إذا باعها بنقد، واشتراها بنقد، ولو كان مختلفًا كما لو باعها بدراهم واشتراها بدنانير، فإن ظاهر كلام ابن قدامة أن ذلك لا يجوز. وهذا الشرط صريح عند الحنفية.
قال ابن نجيم: «ولا بد من اتحاد جنس الثمنين؛ لأنه حينئذ يظهر النقصان، فإن اختلف الجنس جاز مطلقًا، والدراهم، والدنانير هنا جنس واحد احتياطًا، وقدمنا أنهما جنسان إلا في ثمانية في أول البيوع» (٢).
وقال الكاساني: «فإن اشتراه بخلاف الجنس جاز؛ لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس إلا في الدراهم، والدنانير خاصة استحسانا، والقياس أن يجوز؛ لأنهما جنسان مختلفان حقيقة، فالتحقا بسائر الأجناس المختلفة.
وجه الاستحسان: أنهما في الثمنية كجنس واحد، فيتحقق الربا بمجموع العقدين، فكان في العقد الثاني شبهة الربا، وهي الربا من وجه» (٣).
وأما مذهب المالكية فلهم تفصيل في هذا ملخصه، إن باع السلعة بنقد مؤجل، ثم اشتراها بنقد آخر مختلف:
стр. 5296
فإن كان النقدان إلى أجل لم يجز قولًا واحدًا، كما لو باعه سلعة بدراهم مؤجلة، واشتراها بدنانير مؤجلة.
وكذا إن كان أحدهما معجلًا، والآخر مؤجلًا، والمعجل أقل من صرف المؤخر. وإن كان مثله أو أكثر فقولان:
قال أشهب: لا يجوز مطلقًا.
ومذهب ابن القاسم أنه إن كان مثل المؤخر، أو أكثر بشيء قليل لم يجز، وإن كان أكثر بشيء كثير جاز (١).
كما لو كان المعجل يزيد على المؤخر بقدر نصف المؤخر؛ لإبعاد التحايل على الصرف.
وإن باع شيئًا بنقد أو عرض لأجل، ثم اشتراه بعرض مخالف ثمنه امتنع فقط ما أجل فيه الثمنان؛ لأنه بيع دين بدين، وأما إذا نقد الثمن فإنه يجوز سواء كانت قيمة العرض الثاني مساوية لقيمة المبيع الأول، أو أقل، أو أكثر. هذا ملخص مذهب المالكية (٢).
وفي التأمل أن تحريم العينة لخوف الوقوع في الربا، فإذا كان الثمن الأول والثمن الثاني يجري بينهما ربا النسأ أو ربا الفضل لم يجز ذلك، خشية أن تكون السلعة حيلة في مبادلة الربوي بمثله مع التفاضل، إن كان الجنس واحدًا، أو مع النسأ، إن كان الجنس مختلفًا، والعلة واحدة، أما إذا كان الثمن الأول والثاني لا يجري بينهما الربا مطلقًا، لا ربا الفضل، ولا ربا النسيئة، كما لو كان أحدهما من العروض، والآخر من النقد، جاز ذلك كما قال ابن قدامة بالإجماع، لانتفاء شبهة الربا، والله أعلم.
* * *
стр. 5297
الشرط الرابع
ألا يتغير المبيع بنقص أو عيب
[م-١٢٠٤] يشترط في تحريم العينة ألا تتغير السلعة تغيرًا مؤثرًا في قيمتها، فإن تغيرت السلعة بنقص أو عيب، فاشتراها البائع بأقل مما باعها به فلا بأس بذلك.
قال في تبيين الحقائق: «وشرطنا أن يكون المبيع على حاله لم ينتقص ; لأنه إذا تعيب في يد المشتري، فباعه من البائع بأقل من الثمن الأول جاز ; لأن المانع ربح ما لم يضمن. وإنما يظهر الربح إذا صار إليه المبيع كما خرج عن ملكه فإذا لم يعد إليه كما خرج عن ملكه جعل النقصان بمقابلة العيب الحادث عند المشتري فكان مشتريًا ما باع بمثل الثمن الأول معنى. وشرطنا أن يكون النقصان من حيث الذات ; لأنه لو نقصت قيمته بتغير السعر لم يجز شراؤه بأقل مما باع ; لأن تغير السعر غير معتبر في حق الأحكام كما في حق الغاصب وغيره، فعاد إليه المبيع كما خرج عن ملكه فيظهر الربح» (١).
وقال ابن رشد: «وأما إذا حدث بالمبيع نقص عند المشتري الأول، فإن الثوري وجماعة من الكوفيين أجازوا لبائعه بالنظرة أن يشتريه نقدًا بأقل من ذلك الثمن، وعن مالك في ذلك روايتان» (٢).
وقال ابن قدامة: «فإن نقصت - يعني السلعة - مثل أن هزل العبد، أو نسي صناعةـ أو تخرق الثوب، أو بلي جاز له شراؤها بما شاء؛ لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا» (٣).
стр. 5298
وجه الجواز:
أن نقص الثمن ليس في مقابل الأجل، وإنما هو في مقابل تغير صفة المبيع، فلا يتحقق فيه ربح ما لم يضمن، ولأن نقصان الثمن يكون بمقابلة نقصان العيب فيلتحق النقصان بالعدم، كأنه باعه بمثل ما اشتراه به، فلا تتحقق شبهة الربا.
واشترط شيخنا ابن عثيمين أن يكون الفرق بين الثمنين: هو ما نقصت به العين بسبب التغير، لا من أجل التأجيل والنقد، فلا بد أن يكون نقص الثمن بمقدار نقص الصفة (١).
وإن كان قد يعسر ضبط ذلك، المهم ألا يتخذ ذلك حيلة على الربا ليتوصل إلى أخذ زيادة مقابل الأجل.
стр. 5299
المبحث الخامس
في عكس مسألة العينة
قال ابن رشد: الربا أحق ما حميت مراتعه ومنع منها؛ لئلا يستباح الربا بالذرائع (١).
[م-١٢٠٥] اختلف العلماء القائلون بتحريم العينة في عكس مسألة العينة المشهورة: وهو أن يبيع السلعة بثمن حال، ثم يشتريها ممن باعها عليه بأكثر منه إلى أجل.
فقيل: يجوز، وهو مذهب الحنفية.
قال الكاساني: «ولو باع بألف دراهم حالة، ثم اشتراه بألف دراهم مؤجلة فالشراء فاسد؛ لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع من حيث المعنى؛ لأن الحالة خير من المؤجلة» (٢). وهذا يعني جوازه إن اشتراه بأكثر مؤجلًا.
وقيل: لا يجوز، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤)، رجحه ابن تيمية وابن القيم (٥).
стр. 5300
وقيل: يجوز ما لم يكن العاقدان أو أحدهما من أهل العينة، فيتهمان لذلك، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (١).
وقيل: يجوز إذا لم يتخذ حيلة، وهو رواية أبي داود عن أحمد (٢).
ولم نتعرض لمذهب الشافعية لأنهم يقولون بجواز العينة مطلقًا.
دليل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
الأصل حل البيع، وإنما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيها، وليس هذا في معناها.
ونوقش:
أن أحاديث المنع مطلقة لم تقيد بصورة معينة، قال ابن القيم: «ليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة» (٣).
الدليل الثاني:
أن قياس مسألة عكس العينة على مسألة العينة قياس مع الفارق، وذلك لأن التوسل بالعينة إلى الربا أكثر فلا يلحق بها ما دونها.
стр. 5301
ويناقش:
بأن المعيار في التحريم ليس الكثرة أو القلة، وإنما المعتبر هو إفضاؤها إلى الوقوع في الحرام من مبادل دراهم بدراهم مع التفاضل والنسأ، والسلعة ملغاة.
دليل من قال: تجوز إن لم تكن حيلة:
استدلوا بأدلة القول السابق القائل بالجواز مطلقًا إلا أنهم قيدوا ذلك بأن لا يتخذ حيلة، فإن اتخذ حيلة، وكان المقصود مبادلة دراهم بدراهم مع التفاضل، وأدخلوا السلعة للتحايل على ذلك كان ذلك حرامًا.
ويناقش:
بأنكم إذا قيدتم المنع في هذه المسألة بتوفر القصد إلى التحايل لزمكم طرد ذلك في الصورة المشهورة في بيع العينة، حيث لا فرق بين المسألتين، وأنتم لا تلتزمون ذلك في الصورة المشهورة.
يقول ابن القيم: «المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه» (١).
دليل من قال: يحرم إن كان العاقدان أو أحدهما من أهل العينة:
قال ابن رشد الجد: «أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة لعلمهم بالمكروه» (٢).
стр. 5302
وقال ابن رشد الحفيد: «إن كان البيع الأول نقدًا فلا خلاف في جواز ذلك؛ لأنه ليس يدخله بيع ذهب بذهب نسيئة، إلا أن مالكا كره ذلك لمن هو من أهل العينة، أعني الذي يداين الناس؛ لأنه عنده ذريعة لسلف في أكثر منه يتوصلان إليه بما أظهر من البيع من غير أن تكون له حقيقة» (١).
دليل من قال بالتحريم:
أدلته هي نفس الأدلة التي ساقها على تحريم العينة في الصورة المشهورة، وعمدته في ذلك أن العينة لم يأت في الشرع لها حقيقة واحدة حتى يصار إلى منعها، وإباحة الباقي، بل كل ما يؤدي إلى الربا، ويكون وسيلة إليه فتلحق به.
يقول ابن القيم: «نص أحمد في رواية حرب على أن هذه الصورة لا تجوز إلا أن تتغير السلعة، فهي كمسألة العينة سواء وهي عكسها صورةً، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته قال ابن القيم: لا فرق بينهما ..... وليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة (٢).
الترجيح:
إن نظرنا إلى أن البيع الثاني كان بعد انتهاء علاقة البيعة الأولى، حيث نقد الثمن فيها قلنا بالجواز مطلقًا. ولأن صورة العينة المشهورة يشترطون للتحريم أن تكون البيعة الثانية قبل نقد الثمن، وهذه قد نقد الثمن في البيعة الأولى، فكان القياس جوازها.
стр. 5303
ولأن الثمن في البيع الأول إذا كان مؤجلًا يصير الثمن الثاني قصاصًا بالثمن الأول، فيبقى من الثمن الأول زيادة لا يقابلها عوض في عقد المعاوضة، وهو تفسير الربا، بخلاف ما إذا نقد الثمن؛ لأن المقاصة لا تتحقق بعد نقد الثمن (١).
وإذا نظرنا إلى المعنى وجدنا أن الصورتين فيهما مبادلة مال ربوي بمثله مع التفاضل والنسأ، وبينهما سلعة، فإذا كانت السلعة ملغاة في الصورة المشهورة، كانت السلعة ملغاة هنا، وإذا ألغيت السلعة كان الربا ظاهرًا كل ما هنالك أن في مسألة العينة: المشتري هو الغارم. وفي عكسها: البائع هو الغارم، وهذا لا تأثير له في محل النزاع.
فالصورة تجمعهما أن النقد أقل من النسيئة، والمبيع في البيعتين واحد، والسلعة عادت إلى صاحبها.
وأما تقييد ذلك بالقصد، واتخاذ ذلك حيلة إلى الربا، فمن المعلوم أن صورة العينة المشهورة النزاع فيها فيما إذا لم يكن هناك مواطأة واشتراط، أما في حال المواطأة فإن التحريم بالإجماع، وينبغي من لا يشترط القصد في المسألة الأولى أن لا يشترط القصد في المسألة الثانية، والله أعلم.
* * *
стр. 5304
الفصل الثاني
في التورق
المبحث الأول
في تعريف التورق
تعريف التورق اصطلاحًا (١):
لم يعرف التورق في الاصطلاح الفقهي بهذا الاسم إلا عند الحنابلة، وأما غير الحنابلة فإنهم يذكرونه ضمن صور العينة، أو يذكرون صورته دون أن يعطوه اصطلاحًا خاصًا (٢).
قال ابن تيمية في تعريف التورق: أن يشتري السلعة إلى أجل ليبيعها، ويأخذ ثمنها، فهذه تسمى مسألة التورق؛ لأن غرضه الورق لا السلعة (٣).
стр. 5305
وهذا التعريف غير جامع ولا مانع؛ لأنه يدخل فيه بيع العينة، حيث لم يشترط التعريف أن يبيعها على غير بائعها.
وعرفت اللجنة الدائمة للإفتاء في البلاد السعودية التورق:
«أن تشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم تبيعها بثمن حال على غير من اشتريتها منه بالثمن المؤجل من أجل أن تنتفع بثمنها» (١).
وعرفه المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، بقوله: «هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيع المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النقد» (٢).
وسميت بمسألة التورق: لأن المشتري يشتري سلعة لا يريدها لذاتها، وإنما يريد أن يتوصل بها إلى الورق (النقد).
وقد تضمن التعريف شرطين مهمين:
الأول: يشترط تملك السلعة وحيازتها بعينها لدى البائع قبل البيع، فإن باع التاجر السلعة قبل تملكها فقد باع ما لا يملك، وهذا لا يجوز.
الثاني: أن يبيع السلعة المشتري على غير البائع أو من ينزل منزلته، بعد قبض المشتري السلعة القبض الشرعي. فإن اشترى البائع السلعة رجعت إلى مسألة العينة.
* * *
стр. 5306
المبحث الثاني
في حكم التورق
من اشترى سلعة بثمن مؤجل بعقد صحيح، فقد ملكها، وحق الملك إطلاق التصرف فيها بشرطه: وهو قبضها، وبيعها على غير بائعها.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: «كون المقصود من التورق هو النقد فليس ذلك موجبًا لتحريمها، ولا لكراهتها؛ لأن مقصود التجار غالبًا من المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل».
إذا جاز بيع التمر الرديء ليشتري جيدًا، ولم يكن قصده الدراهم، وإنما قصده الجيد برديء، جاز أن يشتري السلعة، وهو لا يريدها، وإنما يريد الدراهم. ومن فرق بينهما فقد تكلف الفرق.
[م-١٢٠٦] اختلف العلماء في حكم التورق.
فقيل: يجوز التورق.
وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، والمذهب عند الشافعية (٣)،
стр. 5307
والحنابلة (١).
وبه أفتى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، والشيخ ابن باز (٣)، والشيخ عبد الرحمن السعدي (٤)، وقال بجوزاه شيخنا ابن عثيمين بشروط (٥)، وصدر بجوازه قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٦).
стр. 5308
وقيل: لا يجوز، وبه قال عمر بن عبد العزيز، واختاره بعض الحنفية حيث فسروا العينة بالتورق (١). وقد نص الإمام أحمد في رواية أبي داود على أنها العينة، وأطلق عليها اسمها (٢)، وقال بتحريم التورق كل من ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (٣).
وقيل: يكره، وهو قول في مذهب الحنفية (٤)،ورواية في مذهب أحمد (٥).
وقيل: يكره إذا اتخذ ذلك حيلة على الربا.
стр. 5309
وهذا هو المذهب عند المالكية (١).
فتحصل لنا في حكم التورق أربعة أقوال:
الجواز مطلقًا.
المنع مطلقًا.
الكراهة مطلقًا.
الكراهة إذا اتخذت حيلة على الربا.
دليل من قال بالجواز مطلقًا:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع﴾ [البقرة: ٢٧٥].
стр. 5310
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
والتورق بيع دخله التأجيل، وقد تم بأركانه وشروطه، فهو داخل في عموم ما أحل الله من البيع والمداينة، وليس في ذلك أي حيلة على الربا.
الدليل الثاني:
الأصل حل جميع المعاملات إلا ما قام الدليل على منعه، ولا دليل على منع التورق، فالمطالب بالدليل الصحيح الخالي من النزاع هو المانع، وليس المبيح.
الدليل الثالث:
(ح-٨٠١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عبد المجيد بن سهيل ابن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وقال في الميزان مثل ذلك (١).
وجه الاستدلال:
أن هذا الرجل لديه تمر رديء يريد الحصول على تمر جيد، فإن باع الصاعين منه بالصاع وقع في عين الربا، ولكن إن باعه بدراهم، وهو لا يريد الدراهم أصبح البيع صحيحًا؛ لأنه قد توفرت فيه أركانه وشروطه، وإن كان قصده من
стр. 5311
هذا البيع هو الحصول على التمر الجيد، فهذا القصد لا يقدح في صحة البيع ما دام أنه قد اشترى التمر الجيد من رجل آخر غير الذي اشترى منه التمر الرديء. وهذا كالنص في الموضوع، فإن المتورق يشتري السلعة وهو لا يريد السلعة، وإنما قصده الدراهم، وهذا لا يقدح في صحة البيع، ثم يبيع السلعة على رجل آخر غير الرجل الذي باع عليه السلعة، فمن أراد أن يفرق بين الصورتين فسيتكلف الفرق.
الدليل الرابع:
التورق يدل على جوازه القياس الصحيح، فقد جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية ﵀: «سئل عن رجل عنده فرس، شراه بمائة وثمانين درهمًا، فطلبه منه إنسان بثلاثمائة درهم إلى مدة ثلاثة شهور، فهل يحل ذلك؟ فأجاب: الحمد لله، إن كان الذي يشتريه لينتفع به، أو يتجر به، فلا بأس في بيعه إلى أجل ... وأما إذا كان محتاجًا إلى دراهم، فاشتراه ليبيعه في الحال، ويأخذ ثمنه، فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء» (١).
فهل يجوز للتاجر أن يشتري السلعة بثمن مؤجل، ويبيعها من أجل تكثير الدراهم، لا من أجل حاجته، ولا من أجل السلعة، ولا يجوز للمحتاج أن يشتريها ليبيعها ويقضي بها حاجته، أليس كل من التاجر والمحتاج قد اشترى السلعة من أجل الدراهم، ولكن هذا من أجل المكاثرة، وهذا من أجل دفع الحاجة.
الدليل الخامس:
مسيس الحاجة إلى هذه المعاملة، فإن المسلم قد تشتد حاجته إلى النقد، ولا يجد من يقرضه بدون ربا، وهذه المعاملة ليس فيها مفسدة الربا، فالبائع يبيعه
стр. 5312
السلعة بثمن مؤجل، وهو لا يعلم نيته، هل يريد السلعة نفسها أو يريد الدراهم، وفعل البائع جائز بالإجماع لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. والمشتري يشتري منه السلعة، وهو لا يعلم قصده من ذلك، هل باعها بنية التورق، أو بنية التخلص والاستغناء عن السلعة، وفعل المشتري جائز بالإجماع؛ لأنه اشترى سلعة من مالكها، وهي في حوزته، فهذان طرفان في المعاملة لا إشكال في فعلهما، بقي المتورق، فالمتورق قد باع سلعة ثبت ملكه عليها بعقد صحيح، ومن ملك عينًا ملك التصرف فيها، ومنه البيع، فالقياس صحة فعله.
دليل من قال بمنع التورق:
الدليل الأول:
(ح-٨٠٢) ما رواه أحمد من طريق هشيم، أخبرنا أبو عامر المزني، حدثنا شيخ من بني تميم، قال:
خطبنا علي، وفيه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطرين، وعن بيع الغرر (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 5313
وجه الاستدلال:
أن الرجل لا يلجأ إلى التورق إلا في حال الاضطرار إذا لم يجد من يقرضه، فيضطر إلى شراء سلعة بأكثر من ثمنها مؤجلًا، ليبيعها، ويحصل على النقد.
قال ابن تيمية: هذا الحديث «من دلائل النبوة، فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن عليه الموسر بالقرض .... فيبيعونه ثمن المائة بضعفها أو نحو ذلك، ولهذا كره العلماء أن يكون أكثر بيع الرجل، أو عامته نسيئة؛ لئلا يدخل في اسم العينة، وبيع المضطر» (١).
стр. 5314
ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
أن الحديث ضعيف، ولا حجة في الحديث الضعيف.
الوجه الثاني:
«لا نسلم أن كل من لجأ إلى التورق مضطر، وذلك لاختلاف ذلك باختلاف الدواعي إلى تحصيل النقد، فإن أراد تحصيله لتأمين أمر ضروري فتعذر عليه إلا بهذه الوسيلة فهو مضطر، وإن أراده لتأمين أمر حاجي فهو محتاج، وإن أراده لتأمين أمر كمالي فهو متوسع في المباح، والواقع شاهد على لجوء الناس إلى هذه المعاملة لتحقيق الأمور الثلاثة، فلم يصح طرد حكم الاضطرار في جميع الصور» (١).
الوجه الثالث:
أن الفقهاء قد اختلفوا في تعريف بيع المضطر، إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: الإكراه على العقد، وهذا لا يجوز إلا أن يكون الإكراه عليه بحق لوفاء دين ونحوه.
وقال الخطابي: «بيع المضطر يكون على وجهين:
أحدهما: أن يضطر إلى العقد عن طريق الإكراه عليه، فهذا فاسد لا ينعقد (٢).
والتورق غير داخل في هذا التعريف؛ لأنه لا يوجد إكراه على العقد.
стр. 5315
التعريف الثاني:
أن يكره على البيع بدون ثمن المثل، أو الشراء بأكثر من ثمن المثل.
قال ابن عابدين من الحنفية في تعريف بيع المضطر: «بأن يضطر إلى بيع شيء من ماله، ولم يرض المشتري إلا بشرائه بدون ثمن المثل، بغبن فاحش (١).
ومثال شراء المضطر، قال: «أن يضطر الرجل إلى طعام، أو شراب، أو لباس، أو غيره، ولا يبيعه البائع إلا بأكثر من ثمنه» (٢).
وهاتان الصورتان ليستا داخلتين في التورق؛ لأن الرجل لو اشترى سلعة بأكثر من ثمنها مؤجلة للاستخدام جاز، هذا على قول عامة السلف، وسيأتي بحثها إن شاء الله تعالى.
التعريف الثالث لبيع المضطر:
أن يحتاج إلى المال، فيبيع ماله بأقل من ثمنه؛ لأجل حاجته، ويقاس عليه إذا احتاج إلى المال فاشترى سلعة بأكثر من ثمنها، وهذا التعريف تدخل فيه مسألة التورق.
قال الحطاب في مواهب الجليل: «سئل السيوري ... عمن يتعدى عليه الأعراب، فيسجنونه، فيبيع هو أو وكيله، أو من يحتسب له ريعًا لفدائه، هل يجوز شراؤه أم لا؟ .... فأجاب: بيع المضطر لفدائه جائز ماض، باع هو، أو وكيله بأمره، وكذا أخذه معاملة، أو سلفًا، ومن فعل ذلك معه أجر على قدر نيته في الدنيا والآخرة» (٣).
стр. 5316
وبهذا عرفه الحنابلة أيضًا: بأن يكره على دفع مال، فيبيع ملكه لذلك، قال في الإنصاف: وهو بيع المضطر» (١).
وقال الخطابي: «بيع المضطر يكون على وجهين:
أحدهما: أن يضطر إلى العقد عن طريق الإكراه عليه، فهذا فاسد لا ينعقد.
والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه، أو مؤنة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة» (٢).
وهاتان الصورتان اللتان ذكرها الخطابي، سبق لنا خلاف العلماء في حكم البيع فيهما.
سواء ما كان فيه الإكراه على البيع.
أو كان الإكراه على سبب البيع، كما لو طلب شخص ظالم من آخر مالًا، فاضطره إلى بيع ماله ليدفع له لئلا يناله أذى، أو يمنع من حق من حقوقه،
فقيل في هذه الصورة: البيع لازم.
وهو المعتمد في مذهب المالكية (٣)، ومذهب الشافعية (٤)، واختيار ابن تيمية من الحنابلة (٥).
وقيل: البيع غير لازم، وهو قول في مذهب المالكية.
стр. 5317
فقوله: غير لازم، يعني أنه صحيح، وللمكره الخيار إن شاء أمضاه، وإن شاء رده.
وقيل: لا يصح، وهو وجه في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يصح البيع، ويكره الشراء منه، وهو مذهب الحنابلة (٣).
وسبق لنا ذكر أدلة كل قول في الركن الثاني من أركان البيع، فأغنى عن إعادته هنا.
فدل هذا على أن بيع المضطر إذا لم يكره على البيع، وإنما كان الإكراه على سبب البيع، وذلك بغرض الحصول على المال أن بيعه صحيح لازم حتى على قول ابن تيمية، فكذلك الحال في المتورق فإنه يشتري لغرض الحصول على المال ولم يتوجه الإكراه على عقد الشراء، وإنما دفعته الحاجة إليه، فينبغي أن يكون شراؤه صحيحًا حتى على قول ابن تيمية، وأي فرق بين أن يصحح ابن تيمية أن يبيع الرجل ماله إذا أكره على سبب البيع، ويرى البيع صحيحًا لازمًا وبين أن يبطل شراءه إذا أكره على سبب الشراء، وهل حكم الشراء إلا حكم البيع.
الدليل الثاني:
أن المعنى يقتضي تحريم التورق، قال ابن تيمية: «المعنى الذي من أجله حرم
стр. 5318
الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة، وبيعها، والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى، وتبيح ما هو أعلى منه» (١).
وقال أيضًا: «التورق أصل الربا، فإن الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل لما في ذلك من ضرر المحتاج، وأكل ماله بالباطل، وهذا المعنى موجود في هذه الصورة» (٢).
ويناقش:
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: «وأما تعليل من منعها أو كرهها لكون المقصود منها هو النقد فليس ذلك موجبًا لتحريمها، ولا لكراهتها؛ لأن مقصود التجار غالبًا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة، فإن ذلك يتخذ حيلة على الربا» (٣).
وإذا كان تحريم التورق من أجل رفع الظلم عن المحتاج ومنع الإضرار به، فهل تقولون: لو اشتراها بأكثر من قيمتها مؤجلًا، وهو يريد السلعة، هل زيادة الثمن عليه في مقابل التأجيل حرام؟ الجواب: لا. ولا يضع جمهور الفقهاء حدًا للزيادة في مقابل التأجيل، فالصورة هنا خالية تمامًا من التحريم عند القائلين بتحريم التورق، والقول بتحريمها قول شاذ.
وأما بيع المتورق السلعة فهو يبيعها بسعر مثلها حالة، ولا يغبن في
стр. 5319
بيعها، فكيف تحول البيع الأول الحلال الذي هو مظنة الاستغلال والغبن كيف تحول إلى حرام بمجرد أن باعها صاحبها بسعر مثلها، أليس هذا خلاف القياس.
الدليل الثالث:
(ث-١٤٣) وروى عبد الرزاق في مصنفه، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن عطاء.
عن ابن عباس قال إذا استقمت بنقد وبعت بنقد فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا، إنما ذلك ورق بورق ... (١).
[إسناده صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
يقول ابن تيمية في تفسير كلام ابن عباس: «يعني إذا قومتها بنقد، ثم بعتها نسيئًا، كان مقصود المشتري اشتراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة، وهذا شأن المورقين، فإن الرجل يأتيه فيقول: أريد ألف درهم، فيخرج له سلعة تساوي ألف درهم، وهذا هو الاستقامة - يقول أقمت السلعة وقومتها واستقمتها بمعنى واحد، وهي لغة مكية معروفة بمعنى التقويم - فإذا قومتها بألف، قال: اشتريها بألف ومائتين أو أكثر أو أقل ... » (٣).
ويناقش:
لا أرى كلام ابن عباس ينزل على المتورقين، فالقسمة ثلاث، نص ابن عباس على اثنتين منها، وترك الثالثة:
стр. 5320
فالأولى التي نص عليها ابن عباس: أن يقوم السلعة بنقد، ويشتريها بنقد، فهذا الذي قال فيه: إنه جائز.
والثانية: أن يقوم السلعة بنقد، ويشتريها بنسيئة، فهذا الذي منعه ابن عباس، ولعل ذلك على سبيل الكراهة لمشابهته صورة التعاقد المحرم، سدًا لذريعة المشابهة للربا.
أما القسم الثالث والتي لم ينص ابن عباس عليها: أن يقوم السلعة بنسيئة، ويشتريها بنسيئة، فهذا لا حرج فيه، حتى ولو زادت قيمت السلعة عن ثمنها معجلة، وعامة الأمة على جوازه إلا خلافًا شاذا، لانتفاء المشابهة بينها وبين الصورة المحرمة. وهذا ما يفعله المتورق، ولذلك قال ابن سيرين فيما نقله ابن تيمية عنه: «إذا أراد أن يبتاعه بنقد فليساومه بنقد وإن كان يريد أن يبتاعه بنسأ فليساومه بنسأ» (١).
وهناك من حمل كلام ابن عباس على حديث النهي عن بيعتين في بيعة، في الصورة التي فسرها أكثر السلف، وهي ما إذا قال: هذه بمائة الآن وبمائة وعشر إلى سنة فإذا باعها بمائة الآن فهو جائز وأما إذا باعها بمائة وعشر إلى سنة فمعنى ذلك أنه داينه مائة دينار إلى أجل بمائة وعشر (٢).
وقد سبقت مناقشة النهي عن بيعتين في بيعة، والمراد منها.
الدليل الرابع للقائلين بتحريم التورق:
أن الزيادة في مقابل التأجيل من الربا المحرم؛ لأنها زيادة في مقابل الأجل والإمهال، وهذه الزيادة لا يقابلها عوض إلا الأجل، فتكون من الربا الصريح.
стр. 5321
ويناقش:
هذا الدليل يستدل به من يذهب إلى تحريم الزيادة في ثمن السلعة مقابل التأجيل، ولو كان المشتري يشتري السلعة من أجل حاجته إليها، وليس من أجل حاجته إلى النقود، فيخرج عن موضوع مسألتنا، وهي مسألة أخرى غير مسألة التورق.
والزيادة في مقابل الأجل ليست كلها حرامًا.
فالزيادة في مبلغ القرض في مقابل الزيادة في الأجل فهذا حرام بالإجماع. وقد سبق نقل الإجماع عليه.
والزيادة في الأجل في مقابل الزيادة في الدين الثابت في الذمة سواء كان بسبب بيع أو قرض، فهذا مجمع على تحريمه أيضًا. وهو من ربا الجاهلية.
وأما الزيادة في ثمن السلعة مقابل التأجيل ابتداء عند ابتداء العقد فهذا جائز بمقتضى النص الشرعي، قال ﷺ في حديث عبادة في مسلم: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد.
وسوف تأتي هذه المسألة ومناقشتها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
وجه من قال بالكراهة مطلقًا:
لعل الذي كره التورق إنما كرهه لما فيه من استغلال حاجة المضطر، وحمله على شراء السلعة بأكثر من سعر يومها، ولوجود خلاف قوي في جواز التورق، وخشية أن تكون فيه مضارعة للصور المحرمة.
ويناقش:
سلمنا أن التورق مكروه، فإن الحاجة الشديدة ترفع الكراهة، كما ترفع الضرورة حكم المحرم، والله أعلم.
стр. 5322
وجه من قال بالكراهة إن اتخذت حيلة:
إذا اتفق معه قبل شراء السلعة على أن تكون المائة مائة وعشرة فقد ضارعت هذه الصورة صورة الربا، ومشابهة الربا أقل أحواله أن تكون مكروهة.
الراجح:
لما كان إقراض المحتاج ليس بواجب، وكانت الزيادة في الثمن مقابل التأجيل أمرًا جائزًا في حالة ما إذا أراد المشتري السلعة لذاتها، أو أراد السلعة للتجارة، والخلاف فيها من الخلاف الشاذ، قال ابن تيمية: «المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها، وتارة يشتريها ليتجر بها، فهذان جائزان باتفاق المسلمين ... »
لهذا لا أرى حرجًا في بيع السلعة بعد أن يشتريها صاحبها لدفع حاجته على أن القول بالجواز لا بد فيه من مراعاة شروط البيع الأخرى، ولا يستغل البنوك جواز التورق للتهاون في مراعاة شروط البيع الصحيح، وذلك مثل:
الشرط الأول: أن تكون السلعة قد ملكها البائع ملكًا حقيقيًا، وقبضها القبض الشرعي.
الشرط الثاني: أن يقوم المشتري بقبض السلعة القبض الشرعي قبل بيعها.
الشرط الثالث: إذا أراد المشتري أن يبيع السلعة فليبعها على شخص ثالث لا علاقة له بالبائع، فإن عادت السلعة إلى ملك البائع كان هذا الشخص الثالث مجرد محلل للربا.
كما يجب مراعاة شروط المرابحة للواعد بالشراء إن كان هناك مفاهمة على الشراء قبل تملك البائع للسلعة، وسوف تأتي مناقشة شروط المرابحة إن شاء الله تعالى ضمن الكلام على المعاملات المصرفية، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، وعونه وتوفيقه.
* * *
стр. 5323
المبحث الثالث
في حكم التورق المصرفي
الفرع الأول
في تعريف التورق المصرفي
عرفنا في المقال السابق أن التورق نوعان: تورق بسيط. وتورق منظم، وهو ما اصطلح عليه بتسميته بالتورق المصرفي، وعرضنا في المقال السابق خلاف العلماء في التورق البسيط، وانتهى البحث بأن القول الراجح هو جواز التورق البسيط، ونريد أن نستكمل البحث في هذا المقال عن التورق المصرفي، وذلك بتعريفه، وتكييفه، وبيان خلاف العلماء فيه.
فالتورق المصرفي: يمكن تعريفه بأنه: الحصول على النقد عن طريق شراء سلعة مخصوصة من مكان مخصوص بثمن آجل من البنك وتوكيل البنك في بيعها لحساب العميل.
فقولنا: (الحصول على النقد) إشارة إلى أن الغرض من شراء السلعة هو الحصول على النقد، وهذا يلتقي فيه التورق البسيط مع التورق المنظم.
وقولنا (شراء سلعة مخصوصة) إشارة إلى أن السلعة المباعة ليست أي سلعة بل لا بد أن يتوفر فيها شروط مخصوصة، من ذلك: ألا تكون السلعة من الذهب أو الفضة، حتى لا يؤدي ذلك إلى بيع الذهب والفضة بالأوراق النقدية مع التأجيل، وهذا لا يجوز.
стр. 5324
وغالبًا ما تكون السلعة من المعادن كالزنك، أو النيكل، أو البرونز، أو الصفيح، أوالنحاس، أو غيرها من المعادن الأساسية التي يجري فيها التبادل يوميًا.
وهذا قيد يفترق فيه التورق المنظم عن التورق البسيط، لأن السلعة في التورق البسيط لا يشترط أن تكون من المعادن، وإنما غالبًا ما تكون سيارة، أو منزلًا أو أثاثًا أو نحوها من العروض المعروضة في الأسواق العادية، ولدى تجار التجزئة.
وقولنا: (من مكان مخصوص) إشارة إلى أن هذه السلعة لا تباع في الأسواق العادية، وإنما تعرض في أسواق السلع العالمية، والمسماة بالبورصة. وهذا فارق آخر بين التورق المنظم والتورق المصرفي.
وقولنا (بثمن آجل) هذا القيد يلتقي فيه التورق البسيط مع التورق المنظم.
وقولنا (توكيل البنك في بيعها) هذا فارق ثالث يتميز به التورق المنظم عن التورق البسيط، فالسلعة في التورق البسيط يتولى المشتري بنفسه قبض السلعة، والبحث عن مشتر لها، بينما التورق المنظم يتولى البنك قبض السلعة وبيعها نيابة عن صاحبها، وما على العميل إلا قبض نقود أقل، ودفع نقود أكثر بدلًا منها، والواسطة سلعة يتولى البنك شراءها، وقبضها، وبيعها لصاحبها.
هذا هو التورق المنظم، والفرق بينه وبين التورق البسيط.
فالمعاملة في التورق المنظم تقوم على أكثر من عقد، منها ما يمكن الاطلاع عليه، والوقوف على حقيقته، ومنها ما لا يمكن الاطلاع على حقيقته.
فالعقود المكشوفة في هذه المعاملة: هي تلك العقود التي تقوم بين البنك وبين عملائه المتورقين من أفراد وشركات.
стр. 5325
وعقود مستترة، وهي تلك العقود المتعلقة بالسوق الدولية، وأطرافها (البنك وما يتعامل معه من شركات يبيع عليها، ويشتري منها، وفق عقود واتفاقات مسبقة قبل عقد البيع مع العميل، ولا يحق للعميل الاطلاع عليها، وهي جزء مشروط في العملية، وتدخل ضمن ما يعرف بسرية العمل المصرفي.
ويهدف البنك من ذلك أن يضمن وجود بائع، ووجود مشتر للصفقة، بحيث لا يتحمل البنك أجور تخزين السلع، ولا يتحمل تبعات الصفقات الكبيرة، والحرص قدر الإمكان على توفير استقرار أسعار السلع؛ لأن سوق البورصة من طبيعته تقلب الأسعار في كل لحظة.
وهذا التعريف هو أحسن ما يقال فيه، وإن كان هذا التعريف قد لا يكون مانعًا، فإن التورق بالأسهم يصدق عليه أنه تورق مصرفي، مع أن السلعة في الأسهم يمكن تملكها حقيقة، ويقبضها المشتري قبضًا حكميًا صحيحًا، وله الحرية في التصرف بها، إن شاء باعها، وإن شاء احتفظ بها ليتربص بها ارتفاع الأسعار، وإن شاء أبقاها في ذمته للاستثمار، فلا تدخل في التورق المصرفي الممنوع، وهو التورق في المعادن.
إذا عرفنا التورق المصرفي وما يحتف به من العقود نأتي على كلام أهل العلم في حكمه.
* * *