← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[م - ٩٨] وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا العقد على ثلاثة أقوال: القول الأول: البيع باطل، وهو مذهب الحنفية (١)، والراجح في مذهب الشافعية (٢)، وهو مذهب الحنابلة (٣)، وبه قال ابن حزم (٤). القول الثاني: يصح البيع، ويثبت الخيار لمن وقع عليه الغلط، وهو مذهب المالكية (٥)،

стр. 562

ووجه مرجوح في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: البيع فاسد، وليس باطلًا، وهو قول الكرخي من الحنفية (٣). دليل من قال: البيع باطل . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وجه الاستدلال: لا يتحقق الرضا إلا إذا كان المعقود عليه هو عين ما رضيه المتعاقدان، وطابت أنفسهما ببذله مقابل العوض المدفوع، فإذا كان المعقود عليه عينًا أخرى غير معلومة للمشتري، أو اختلف الثمن على البائع، فمن المعلوم أنه لم يتوجه الإيجاب والقبول إليه، وبالتالي لم يتحقق الرضا والذي هو شرط في صحة البيع.

стр. 563

الدليل الثاني: أنه قد ثبت النهي عن بيع الغرر في حديث صحيح، وهو مجمع على النهي عنه في الجملة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مباحث الغرر، وهذا قد تحقق الغرر فيه للجهل في المبيع؛ لأن عقد المشتري إنما توجه لجنس معين كالفرس مثلًا، فبان أن البيع وقع على جنس آخر مختلف تمامًا كالحمار مثلًا، ولم يعلم بذلك المشتري، ولم يقصده في الشراء، وهذا من أعظم الغرر. دليل من قال: ينعقد ولمن وقع عليه الغلط الخيار . الدليل الأول: أن البيع قد تعلق بطرفين بائع ومشتر، فالذي لم يقع عليه الغلط ينعقد في حقه لازمًا، وليس له خيار؛ لأن الغلط لم يقع عليه، وأما الذي وقع عليه الغلط فالحق له، وما دام أن الحق لآدمي، وليس النهي عنه لحق الله، فإن له الخيار، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء رده، فالحكم ببطلان البيع يسقط حقه فيما لو طابت نفسه، ورضي بالبيع. الدليل الثاني: القياس على العين المعيبة، فإذا كان المشتري إذا اشترى عينًا، ووجد فيها عيبًا، كان له الخيار، إن شاء رد العين، وإن شاء أمضى البيع، فكذلك هنا، فاختلاف عين المبيع يعد كالعيب في المبيع، وفوات العين كفوات الصفة المرغوب فيها لمن فاته الخيار. الدليل الثالث: أن المبيع وإن وقع فيه غلط، إلا أنه قد عين في الإشارة، فقال: بعتك هذا الفرس، فبان حمارًا، فوجود التعيين بالإشارة يجعل البيع منعقدًا تقديمًا للإشارة

стр. 564

على العبارة، وفوات العين أو الوصف المذكور في العبارة يثبت الخيار فقط، ولا يبطل البيع. دليل من قال: ينعقد فاسدًا . حجة هذا القول يرى بأن الخلل إذا لم يتطرق إلى ركن البيع، وهو الإيجاب والقبول، فإن البيع ينعقد فاسدًا، ومعنى ذلك أن الملك يثبت بالقبض، وإذا فات المبيع وجب دفع القيمة، وليس الثمن؛ لأن الثمن قد تطرق إليه الفساد. ويمكن أن يناقش هذا من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن الخلل لم يتطرق إلى ركن البيع، فإن الإيجاب والقبول كان متجهًا إلى جنس، ثم تبين أن المعقود عليه جنس آخر، فصار الإيجاب القبول قد توجه إلى جنس معدوم لا وجود له، فبطل الإيجاب والقبول.، فوجود الإيجاب والقبول كعدمه هنا. الوجه الثاني: لا نسلم قاعدة الحنفية بأن الخلل إذا تطرق إلى ركن البيع بطل البيع، وإذا تطرق إلى وصفه كان فاسدًا، وقد بينا أن الجمهور لا يفرقون بين العقد الفاسد والباطل في بحث خاص، فأغنى عن إعادته هنا (١). * * *

стр. 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 568

المسألة الثانية الغلط إذا كان في وصف مرغوب فيه [م - ٩٩] يختلف هذا الغلط عن الغلط السابق، فإن الغلط السابق كان في جنس المعقود عليه، أو كان في وصف يؤدي إلى تفاوت فاحش في المنفعة، وأما هذا الغلط فهو في فوات وصف مرغوب فيه من غير أن يؤدي إلى اختلاف القيمة، كما لو اشترى فصًا على أنه ياقوت أحمر، فبان أخضر، فهنا الغلط لم يتوجه للجنس، فالجنس واحد، كما أن الغلط لم يكن في وصف يؤدي إلى تفاوت فاحش في المنفعة، وإنما فات وصف الحمرة، وهو وصف مرغوب فيه لدى المشتري فحسب، والثمن واحد (١).

стр. 569

وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أن البيع ينعقد صحيحًا، ويثبت الخيار لمن فاته الوصف المرغوب فيه (١). وذهب الحنابلة في المشهور أن المشتري له الخيار بين الرد، أو الإمساك مع أرش فقد الصفة، وإن تعذر الرد تعين الأرش (٢). وذهب ابن حزم إلى أن فوات الوصف يؤدي إلى البطلان (٣).

стр. 570

وجه كلام الأئمة: فرق الفقهاء بين الغلط بالجنس والغلط في الوصف، بأنه إذا اشترى فصًا على أنه ياقوت فبان أنه زجاج، كان البيع باطلًا؛ لأن المشار إليه من غير جنس المسمى، فيتعلق العقد بالمسمى، والمسمى معدوم، وبيع المعدوم باطل، أما إذا اشترى فصًا على أنه ياقوت أحمر، فبان أخضر، جاز البيع؛ لأن المشار إليه من جنس المسمى، فيتعلق العقد بالمشار إليه؛ لأن المشار إليه أبلغ في التعريف، إلا أنه حين فات المشتري وصف مرغوب فيه كان له الخيار. ويلزمه جميع الثمن إذا أمضى العقد؛ لأن الوصف لا يقابله شيء من الثمن، فإذا فات فات بدون مقابل. التعليل الثاني: المشتري لم يرض بالبيع إلا بوجود هذه الصفة المرغوبة له، والمشروطة منه، والرضا شرط لصحة البيع، ولهذا قلنا له حق الفسخ، وحق الإمضاء طلبًا لحصول الرضا وطيب النفس ليتم العقد. تعليل الحنابلة في تخييره بين الرد أو الإمساك وأخذ أرش النقص . الصفة لها حصتها من الثمن بدليل أن السلعة إذا بيعت بشرط الوصف زاد ذلك من قيمتها، فالسيارة الجديدة أغلى ثمنًا من السيارة القديمة، وإذا كانت الصفة لها أثر في الثمن كان فقدها فقدًا لجزء من الثمن، فاستحق الأرش مع الإمساك لفوات صفة كان قد اشترطها المشتري، والتزمها البائع في العقد، فلا يمكن أن يكون فواتها بدون مقابل، وتذهب على المشتري في حال رغب المشتري في إمساك السلعة، مع أن البائع قد أخذ عوضها في مقابل التزامه في وجودها.

стр. 571

ويناقش: بأن أخذ الأرش لم يتفقا عليه، فكيف يفرض على البائع دفعه بدون رضاه، وما دام أن السلعة قائمة، ولم تفت فليردها، ويأخذ الثمن الذي دفعه، نعم لو فاتت السلعة، ولم يكن لها مثل وجب اعتبار الأرش، باعتبار تعذر الرد هنا، والمشتري مستحق للصفة المشروطة والتي لم يلتزم البائع بتوفيرها. تعليل ابن حزم على كون العقد باطلًا . المشتري لم يرض بالبيع إلا بوجود هذه الصفة المشروطة في المبيع، وإذا فقد الرضا بطل البيع، فلا يجوز لهما تصحيحه إلا بابتداء عقد برضاهما، وتكون العين معلومة للمشتري والثمن معلوم للبائع، لا يجهلان، أو أحدهما شيئًا من ذاته، أو وصفه، وإذا تطرق الجهل إلى ذات المبيع أو وصفه بطل البيع. الراجح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجدني أميل إلى أن البيع ينعقد صحيحًا، ويثبت الخيار لمن فاته الوصف المرغوب فيه. * * *

стр. 572

المسألة الثالثة الغلط في التعبير (الصيغة) [م -١٠٠] إذا تكلم في البيع على لسانه خطأ، فقال بدلًا من قوله: تبيع هذا عليَّ بكذا؟ قال: بعت هذا عليك بكذا، فهل ينعقد البيع؟ وللجواب نقول: أما رفع الإثم فلا خلاف أن الخطأ عذر صالح لرفعه، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]. وأما أثر الخطأ في العقود المالية، فقد اختلف الفقهاء فيه على قولين: القول الأول: إذا جرى البيع على لسانه خطأ، وصدقه خصمه، يكون بيعه كبيع المكره، ينعقد فاسدًا، ويملك بالقبض. وأما إذا لم يصدقه خصمه، فإن القضاء يحكم على ضوء ظاهر اللفظ، وهذا مذهب الحنفية (١). وكيف انعقد، وهو مخطئ؟ قالوا: لأن الكلام صدر عنه باختياره، أو بإقامة البلوغ مقام القصد، وكان فاسدًا غير نافذ، لعدم الرضا حقيقة، واعترض عليهم بأن المخطئ غير مختار للفعل، فهو لم يقصد العبارة، ولا الأثر مطلقًا، بل هو كالنائم الذي يتكلم بإيجاب أو قبول لا عبرة لما يقول.

стр. 573

القول الثاني: لا ينعقد، وهذا مذهب الجمهور (١)، وقول في مذهب الحنفية (٢). واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]. ونوقش: بأن الآية سيقت في رفع الجناح، وهو الإثم، وليس في وقوع أثر الخطأ، وبينهما فرق، فهذا الصبي عمده خطأ، ويضمن ما أتلفه. ورد هذا: بأن ضمان المخطئ لمتلفاته لا ترجع إلى وجود القصد أو عدمه، وإنما ترجع إلى دفع الضرر، وإلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار، ولذلك أوجب الفقهاء الضمان على المجنون مع أنه لا يصح بيعه، وعلى النائم مع أن بيعه وسائر عقوده لا تصح.

стр. 574

الدليل الثاني: أن الرضا شرط في صحة العقد، والمخطئ غير راض بالعقد، ولم يقصد الفعل، فلا يعتد به. الراجح: ما ذهب إليه الجمهور لقوة أدلتهم، إلا أن الأصل عدم الغلط، فلا بد من بينة على صحة ما يدعيه، فإن لم تكن هناك بينة قبل قول المنكر عدم الغلط مع يمينه، والله أعلم. * * *

стр. 575

المسألة الرابعة الغلط بسبب الجهل بالحكم الشرعي الجهل: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به (١). وقيل: عدم العلم ممن شأنه العلم (٢). وهو نوعان: مركب وبسيط: فالمركب: هو عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع، بمعنى أنه لا يدرك أنه جاهل، فهذا من الجهل المركب. والبسيط: انتفاء العلم بالمقصود، بأن لم يدرك أصلًا، و يعلم أنه لا يعلم، وهذا ليس عيبًا في الأصل، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. تأثير الغلط بسبب الجهل بالحكم الشرعي (أو الجهل بالقانون) [م - ١٠١] قال القرافي: «كل من فعل فعلًا أو قال قولًا، أو تصرف تصرفًا من المعاملات أو غيرها، لا يجوز له الإقدام عليه حتى يعلم حكم الله تعالى في ذلك. فإن تعلم، وعمل أطاع الله تعالى طاعتين: بالتعلم الواجب، وبالعمل إن كان قربة، وإلا فبالتعلم فقط. وإن لم يتعلم، ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين: بترك التعلم، وبترك العمل إن كان واجبًا، وإلا فبترك التعلم فقط. وإن تعلم، ولم يعمل أطاع الله تعالى بالتعلم الواجب، وعصى بترك العمل

стр. 576

إن كان واجبًا وإلا فلا. ونقل الإجماع على هذه القاعدة الشافعي ﵁ في رسالته، والغزالي في إحياء علوم الدين .. » (١). والأصل أن الجهل يرفع الإثم. قال السيوطي: «اعلم أن قاعدة الفقه أن النسيان والجهل مسقط للإثم مطلقًا .. » (٢). «وإعذار الجاهل إنما هو من باب التخفيف، لا من حيث جهله، ولهذا قال الشافعي ﵁: لو عذر الجاهل لأجل جهله، لكان الجهل خيرًا من العلم، إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف ويريح قلبه من ضروب التعنيف» (٣). وهل يرفع الجهل الحكم المترتب، كما لو باع بيعًا يشترط في صحته القبض، ولم يتقابضا جهلًا منهما بوجوبه؟ أو زنى جاهلًا، أو قَتَلَ شخصًا جاهلًا، فهل يحد أو يقتل، أو يسقط عنه ذلك بسبب جهله؟ وللجواب على ذلك نستطيع أن نقول: إنه ليس هناك قاعدة مطردة في أمور التكاليف، بحيث نقول: الجهل يرفع الحكم، أو لا يرفع، فهناك أمور متفق على أن الجهل يرفع الحكم، وهناك أمور على عكسها، وفيه أمور محل خلاف، فهناك نصوص تدل على العذر بالجهل، كالمسيء صلاته لم يطلب منه إعادة تلك الصلوات، ومثله المستحاضة حيث كانت تتوهم أنها حيض، فجاءت إلى الرسول ﷺ ، وهي تشكو أنها حبستها عن الصلاة والصيام، ولم يطلب منها

стр. 577

الرسول ﷺ فعل الصلوات التي تركتها، ومنها صلاة عمار حين أجنب مع أنه لم يأت بالصفة المشروعة في التيمم، وإنما تمرغ كما تتمرغ الدابة، ومنها صاحب العقالين عندما أكل متوهمًا أنهما الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يؤمر بالقضاء، ومنها لما أفطر الصحابة في يوم غيم ظنًا منهم أن الشمس قد غربت، ثم طلعت الشمس، ولم ينقل أنهم قضوا، ونصوص كثيرة، فالاقتصار على هذه النصوص فقط نزعة ظاهرية، وفتح الباب على الإطلاق قال الشاطبي: «خرق لا يرقع، والاقتصار فيه على بعض النصوص دون بعض تحكم يأباه العقل والنقل» (١). قال القرافي: «اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها وأخذ بجهالات، فلم يعف عن مرتكبها، وضابط ما يعفى عنه من الجهالات: الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه» (٢). وقال أيضًا: «الجهل قسمان: منه ما يتعذر الاحتراز منه غالبًا، أو فيه مشقة، فجعله الشارع عذرًا لمن ابتلي به .... ومنه ما ليس كذلك، فلا يعذر به ... وإلا فالأصل أن الجهل لا يجدي خيرًا، ولا يكون عذرًا» (٣). ومن الصعوبة أن أتتبع جميع فروع المسائل في كتاب يبحث في باب المعاملات فقط، ولكني سأشير إلى أهم ما يكشف غموض هذا الباب، وما لم يذكر يقاس على ما ذكر.

стр. 578

التنبيه الأول: لا فرق بين الأمور القطعية في الدين، وبين الأمور الظنية في أن الإنسان يعذر فيها بالجهل (١). (ح - ٤٦) فقد روى البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله به الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له (٢). قال ابن تيمية: «هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله، وبرسوله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالًا من الرجل فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق .. » (٣). وقال ابن عبد البر: «هذا رجل جهل بعض صفات الله ، وهي القدرة ...

стр. 579

ولم يكن بجهله بعض صفات الله كافرًا، قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق، لا من جهله، وهذا قول بعض المتقدمين من العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين ... » (١). التنبيه الثاني: ضمان الإتلاف في الخطأ لا يقدح في كون الإنسان معذورًا في الجهل، فضمان الإتلاف قد يلحق حتى العجماوات من البهائم، كما يضمن النائم والمجنون والصبي ما يتلفه من أموال الناس مع أنهم ليسوا من أهل التكليف أصلًا. «قال أحمد: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن الله أوجب في قتل الخطأ الكفارة» (٢). التنبيه الثالث: الفرق بين الجهل بالتحريم والجهل بالحكم المترتب عليه. فمن جهل التحريم سقط عنه الحكم المترتب عليه، ومن علم بالتحريم وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك. قال السيوطي: «كل من علم تحريم شيء، وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك» (٣). وقال الزركشي: «الجهل بالتحريم مسقط للإثم والحكم في الظاهر لمن يخفى عليه لقرب عهده بالإسلام ونحوه.

стр. 580

فإن علم التحريم وجهل المرتب عليه لم يعذر. ولهذا لو جهل تحريم الكلام في الصلاة عذر ولو علم التحريم وجهل الإبطال بطلت ... » (١). قلت: يشهد لهذا حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، فإنه كان عالمًا بالتحريم، لقوله «هلكت يا رسول الله»، ولم يكن عالمًا بما يترتب عليه، ولذلك سأل رسول الله ﷺ ماذا عليه، ووجبت عليه الكفارة، ولم يعذر بجهله في الحكم المترتب على الفعل (٢). التنبيه الرابع: الفرق بين فعل المأمور، وترك المحظور، فمن وقع جهله في حقوق الله تعالى، وكان بترك مأمور لم يسقط، بل يجب تداركه ما دام يمكنه ذلك، وإن وقع في فعل منهي عنه سقط عنه. قال الزركشي «فالجهل والنسيان يعذر بهما في حق الله تعالى المنهيات دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بالإعادة لجهله بالنهي. وحديث يعلى بن أمية حيث أمره النبي ﷺ بنزع الجبة عن المحرم، ولم يأمره بالفدية لجهله .... والفرق بينهما من جهة المعنى: أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها وذلك إنما يكون

стр. 581

بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهالة لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه» (١). ومن ذلك: من صلى ناسيًا طهارته فصلاته باطلة، ومن صلى بثوب نجس ناسيًا فصلاته صحيحة، وقد صلى الرسول ﷺ وفي نعليه نجاسة، فأخبره جبريل بذلك، وهو في صلاته، فخلعهما، وبنى على صلاته، ولم يبطل الجزء الذي صلاه، هو متلبس بالنجاسة. ومن ذلك أوجب المالكية على المزكي ماله نية الزكاة عند عزلها، أو عند دفعها لمستحقها، فإن لم ينو ولو جهلًا أو نسيانًا لم يجزه (٢). لأن هذا من باب فعل المأمور الذي لا يسقط بالجهل أو النسيان. ومنه ما ذكر فقهاء المالكية والحنابلة أن من ترك التسمية على الذبيحة، ولو جهلًا لم تؤكل ذبيحته، كما لو تركها عمدًا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (٣). التنبيه الخامس: الفرق بين من نشأ في بلد الإسلام، وبين ظهراني العلماء، ومن نشأ في بلاد الكفر، أو في البادية حيث لا يوجد علماء. قال السيوطي: «كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس، لم يقبل منه دعوى الجهل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة

стр. 582

يخفى فيها مثل ذلك كتحريم الزنى والقتل والسرقة والخمر والكلام في الصلاة والأكل في الصوم» (١). قال في حواشي الشرواني: «من جهل تحريم الزنا لقرب عهده بالإسلام، أو بعده عن المسلمين .... إنما يقبل منه ببينة» (٢). ولذلك لم يقبل عمر تأويل الصحابي ﵁ قدامة بن مضعون حين شرب الخمرة متأولًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:٩٣]؛ لأن مثله لا يجهل تحريم الخمر، أو لأنه عرف التحريم، وتأول في العقوبة (٣). وقد عذر الرسول ﷺ الأعرابي المسيء صلاته، فقد قال له الرسول ﷺ : (ارجع فصل فإنك لم تصل) ومع ذلك لم يطلب منه إعادة الصلوات الماضية، مع الحكم عليه بأنه لم يصل.

стр. 583

التنبيه السادس: إذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو إيمان، أو طلاق، أو إعتاق، أو بيع، أو شراء، أو نحوه ولا يعرف معنى ما تكلم به، لا يؤاخذ بشيء منه؛ لأنه لم يلتزم بمقتضاه ولم يقصد إليه. وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه العبارة بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ (١). وحكي في ذلك الإجماع، قال المرداوي: «فإن قاله العربي - يقصد صريح الطلاق بلغة العجم - وهو لا يفهمه، أو نطق الأعجمي بلفظ الطلاق، وهو لا يفهمه، لم يقع، بلا نزاع» (٢). التنبيه السابع: من عمل بتأويل، ولو لم يكن سائغًا، أو أخذ بأصل، ولو كان ذلك الأصل الذي عمل عليه غير مستند إلى دليل، كان ذلك عذرًا. وقد مثل ابن قدامة في المغني بمذهب الخوارج، فقد عرف عنهم تكفيرهم لكثير من الصحابة ومن بعدهم، واستحلال دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب إلى الله بقتلهم، ومع ذلك لم يحكم أكثر الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يُخَرَّج في كل محرم استحل بتأويل (٣). ومن ذلك اعتبار المرأة التي كانت تستحاض بأن الدم مانع من الصلاة، والصيام، فقد بنت على أصل، وهو أن الأصل في الدم الخارج من المرأة أنه دم حيض يمنع من الصلاة، والصيام، فلم تكلف إعادة ما تركته من الصلاة.

стр. 584

قال الشاطبي في الموافقات: «ومما وقع في المذهب في المستحاضة تترك الصلاة زمانًا، جاهلة بالعمل أنه لا قضاء عليها فيما تركت، قال في مختصر ما ليس في المختصر: لو طال بالمستحاضة والنفساء الدم، فلم تصل النفساء ثلاثة أشهر، ولا المستحاضة شهرًا، لم يقضيا ما مضى إذا تأولتا في ترك الصلاة دوام ما بهما من الدم ... » (١). ومن ذلك أخذ عمار بأن التيمم للجنب يجب تعميم البدن فيه بالتراب، فهو قد قاسه على طهارة الأصل: وهو الماء. التنبيه الثامن: [م - ١٠٢] المقبوض بعقد باطل جهلًا، هل ينقلب صحيحًا بالقبض؟ إذا قبض المبيع بعقد باطل، فقد ذهب الأئمة الأربعة إلى وجوب رده مطلقًا ما دامت عينه قائمة، سواء كان العاقد عالمًا بفساده، أو كان جاهلًا، فينقض بكل اعتبار. [م - ١٠٣] فإن تلفت عينه بيد المشتري، فهل يضمنه المشتري؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم على قولين. القول الأول: لا يضمنه، لأنه أمانة في يده، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى (٢). القول الثاني: يضمنه كما لو قبضه بعقد صحيح، وهو مذهب الجمهور (٣)، وقول في مذهب

стр. 585

الحنفية (١). وقد سبق ذكر أدلة كل قول في المجلد الأول. التنبيه التاسع: هذا فيما يتعلق بالضوابط، أما أقوال المذاهب في هذا: [م - ١٠٤] فقد ذهب الحنفية أن الجهل بحكم الشرع ليس بعذر، وفرقوا بينه وبين النسيان. قال في بدائع الصنائع: «الجهل بحكم الشرع ليس بعذر، والنسيان عذر، ألا ترى أن من ظن أن الأكل لا يفطر الصائم، فأكل، بطل

стр. 586

صومه، ولو أكل ناسيا لا يبطل» (١). وقيده في العناية في كون الجهل في دار الإسلام، فقال: «الجهل بحكم الشرع في دار الإسلام ليس بعذر» (٢). وخالفهم المالكية، قال الشاطبي: «عمدة مذهب مالك، بل عمدة مذاهب الصحابة اعتبارُ الجهل في العبادات اعتبارَ النسيان على الجملة، فعدوا من خالف في الأفعال أو الأقوال جهلًا على حكم الناسي، ولو كان المخالف في الأفعال دون القصد مخالفًا على الإطلاق لعاملوه معاملة العامد، كما يقول ابن حبيب ومن وافقه، وليس الأمر كذلك، فهذا واضح في أن للقصد الموافق أثرًا، وهو بين في الطهارات والصلاة والصيام والحج، وغير ذلك من العبادات، وكذلك في كثير من العادات كالنكاح والطلاق والأطعمة والأشربة وغيرها. ولا يقال: إن هذا ينكسر في الأمور المالية، فإنها تضمن في الجهل والعمد؛ لأنا نقول الحكم في التضمين في الأموال شيء آخر؛ لأن الخطأ فيها مساو للعمد في ترتب الغرم في إتلافها» (٣). وفي مذهب الشافعية اعتبر الجهل بمنزلة الخطأ والنسيان. قال السمعاني في قواطع الأدلة: «وأما الجهل فمثل الخطأ والنسيان، فإن الجهل بالحق لا يكون إلا بالجهل بدليله، وسبب وجوبه، فيكون الإعراض عن إقامته لا عن قصد العصيان والخلاف، بل كما يكون في المخطئ والناسي،

стр. 587

ويكون الجاهل عاجزًا حكمًا كالناسي، ويكون الجهل عذرًا يؤخر حكم الخطاب، ولا يسقط الوجوب أصلًا كالخطأ، والنسيان» (١). ولم يطَّرد الحنابلة في العذر بالجهل فتجد أنهم قبلوا دعوى الجهل بتحريم الزنا، وشرب الخمر، إذا كان مثله يجهل لحداثة عهده بالإسلام، أو لكونه نشأ في البادية، ولم يجعلوا الجهل عذرًا في بعض الأحكام، فالجهل في ترك واجب من واجبات الحج يجب فيه عندهم الدم، سواء كان ناسيًا، أو جاهلًا، كما أن قتل الصيد، والوطء وحلق الشعر في الحج يستوي فيه العامد والجاهل والناسي، ومثله ترك الترتيب الواجب في الوضوء، أو في الصلاة، لا يسقط بالجهل. جاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا يحد، ولا يعزر شارب خمر جهل التحريم ... ولا تقبل دعوى الجهل ممن نشأ بين المسلمين؛ لأنه لا يكاد يخفى» (٢). وقال ابن قدامة «قتله بسحر يقتل غالبًا، ففيه القود؛ لأنه يقتل غالبًا، أشبه السكين، وإن كان مما لا يقتل غالبًا، فهو خطأ العمد، وإن ادعى الجهل بكونه يقتل غالبًا، وكان مما يجوز خفاؤه عليه، فلا قود» (٣).

стр. 588

والصحيح أن الجهل بحكم الشرع عذر إن كان مثله يجهل، إلا ما كان فيه إتلاف فإنه يضمن، احترامًا لأموال الناس، ولدفع الضرر عن الآخرين والله أعلم. * * *

стр. 589

المبحث الرابع يشترط في الرضا ألا يشوبه شيء من التدليس تمهيد: ذكرنا الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة على أن الرضا شرط في صحة البيع، وبيَّنا حكم ما إذا شاب الرضا شيء من الإكراه أو الغلط، هل يبطل العقد، أو يكون موقوفًا على إجازة المكرَه بعد رفع الإكراه، وعلى إجازة من وقع عليه الغلط، ونبين في هذا المبحث إن شاء الله تعالى حكم الرضا إذا شابه شيء من التدليس، فهل ينعدم الرضا بحيث يكون البيع باطلًا، أو يعيبه فقط فيكون قابلًا للإبطال وقابلا للنفاذ، كما لو اختار من وقع عليه التدليس إبطاله، أو إمضاءه، هذا ما سوف نكشفه في هذا المبحث. والأصل في التدليس حديث أبي هريرة في التصرية: (ح -٤٧) فقد روى البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (١). [م - ١٠٥] وقد اختلف الفقهاء ﵏ في الموقف من هذا الحديث على قولين: القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله إلى أنه لا خيار للمشتري

стр. 590

بسبب التصرية (١)، وهو قول أشهب من المالكية (٢). وهل يرجع المشتري على البائع بالنقصان؟ روايتان: في رواية الكرخي لا يرجع بشيء (٣). وفي رواية شرح الطحاوي يرجع، وذلك لفوات وصف مرغوب فيه (٤)، وهو المختار (٥). القول الثاني: ذهب عامة أهل العلم إلى أن البيع لا يبطل بالتدليس، وأن العقد صحيح مع

стр. 591

الإثم، وللمشتري الخيار، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء رده (١). وذهب داود بن علي إلى أن البيع باطل بالتدليس (٢). وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى ذكر الأدلة في كتاب الخيار، (باب خيار التدليس) فقد تكلمنا فيه ولله الحمد عن تعريف التدليس، وعن حكمه التكليفي، وعن حكمه الوضعي، وأدلة كل قول، مع بيان الراجح، فانظره هناك مشكورًا. * * *

стр. 592

المبحث الخامس يشترط في الرضا سلامته من الغبن الفاحش الفرع الأول في تعريف الغبن وبيان حكمه ذكرنا من شروط العاقد أن يكون مختارًا (أي راضيًا) وذكرنا فيما سبق العيوب التي تنافي الاختيار، أو تقدح فيه: من إكراه، أو غلط، أو تدليس، وفي هذا المبحث نبين عيبًا آخر يقدح في اختيار العاقد، وهو أن يتعرض للغبن؛ لأن العاقد لو علم أنه مغبون لما أقدم على العقد، وفي هذا دليل على أن الغبن عيب يشوب الرضا، الذي هو شرط في صحة العقد. تعريف الغبن في الاصطلاح: (١). عرفها الحطاب بقوله: «عبارة عن بيع السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله، أو اشتراها كذلك» (٢). [م - ١٠٦] وأما عن حكم الغبن، فإن كان الغبن يسيرًا، فإن ذلك لا يؤثر في صحة المعاملة؛ لأن معاملات المسلمين لا تخلو منه في الغالب؛ ولأن اليسير يتسامح فيه عادة.

стр. 593

وإن كان فاحشًا فإن الغبن محرم؛ لأن فيه ظلمًا. قال ابن العربي: «الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدنيا؛ إذ هو من باب الخداع المحرم شرعًا في كل ملة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز منه لأحد، فمضى في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدًا؛ لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيرًا أمكن الاحتراز منه، فوجب الرد به» (١). قال ابن هبيرة: «واتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته» (٢). ومفهومه: أنه إن كان فاحشًا فإنه يؤثر في صحته. وأما المعيار في تقدير الغبن الفاحش من الغبن اليسير، ففيه أقوال، والصحيح منها: أن مرجع ذلك إلى عرف التجار، فما عد من الغبن الفاحش، فهو كثير، وما لا فلا، وانظر الأقوال في المسألة مع أدلتها في مبحث خيار الغبن، فقد وضحته هناك، والحمد لله.

стр. 594

الفرع الثاني خلاف العلماء في الغبن القادح في الرضا [م - ١٠٧] إذا وقع الإنسان في الغبن الفاحش، فإن كان العاقد قد دخل على بينة، ولم يقع تحت تغرير الآخر، فليس له الحق في المطالبة في إبطال العقد أو تغييره بحجة الغبن، كما لو اشترى شخص شيئًا أعجبه بثمن يعادل ضعف قيمته من شخص لا يقبل أن يبيعه إلا بهذا الثمن؛ وذلك لأن الغبن قد رضي فيه المشتري، ولم يقع تحت تغرير البائع، والمشتري نفسه هو الذي أغرى البائع بدفع هذا العوض الكبير؛ ليرضى بالبيع مقابل هذا العوض، والبائع لم يفكر في البيع إلا مع كون البيع فيه غبطة كبيرة له؛ ولأن المشتري إذا كان عالمًا بثمن السلعة، وزاد البائع على قيمتها فهو كالواهب لما زاد، وهذا لا يبطل البيع، وقد حكى فيه القرطبي الإجماع على جواز مثل ذلك. قال القرطبي: «والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة ألف، فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب» (١). جاء في البحر الرائق: «اختار عماد الدين الرد بالغبن الفاحش إذا لم يعلم به المشتري» قلت: مفهومه أنه إذا علم به المشتري فلا رد إذًا. ثم قال: «وقال الإمام جمال الدين جدي: إن غره فله الرد، وإلا فلا» (٢).

стр. 595

وجاء في التاج والإكليل «حكى ابن القصار أن مذهب مالك: للمغبون الرد إذا كان فاحشًا، وهذا إذا كان المغبون جاهلًا بالقيم» (١). ومعناه: إذا لم يكن جاهلًا في القيمة، وعلم أنه مغبون فيها، ودخل على بينة فلا رد بدعوى الغبن. وقال ابن حزم: «ولا يحل بيع شيء بأكثر مما يساوي ولا بأقل مما يساوي ... إلا بمعرفة البائع والمشتري معًا بمقدار الغبن في ذلك، ورضاهما به» (٢). [م - ١٠٨] أما إذا كان الغبن لم يقع تحت رضا المشتري، فهل يعتبر الغبن قادحًا في الرضا، والذي هو شرط في صحة البيع؟ اختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: القول الأول له الرد مطلقًا، وبه يفتى في مذهب الحنفية (٣)، واختاره البغداديون من المالكية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥).

стр. 596

القول الثاني: ليس له الرد إذا لم يوجد تغرير. قال ابن نجيم الحنفي: وهو جواب ظاهر الرواية (١)، وهو قول في مذهب المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣). القول الثالث: ليس له الرد إلا في صورتين في بيع الاستئمان والاسترسال، أو يكون البائع بالغبن أو المشتري به وكيلًا، أو وصيًا، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٤). والاستئمان والاسترسال: هما شيء واحد، كما ذكر العدوي في حاشيته على الخرشي (٥). وهو أن يقول البائع: أنا لا أعلم قيمة سلعتي فاشتر سلعتي كما تشتري من غيري، أو يقول المشتري: أنا لا أعلم قيمة السلعة فبعني كما تبيع غيري، فيغبنه الآخر (٦).

стр. 597

القول الرابع: ليس له الرد إلا في ثلاث صور: الأولى: في بيع المسترسل: وهو الجاهل بقيمة السلعة من بائع أو مشتر، ولا يحسن المماكسة. الثانية: في زيادة الناجش: وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ليضر المشتري. الثالثة: في تلقي الجلب: إذا اشترى منهم، أو باع لهم، فلهم ا لخيار إذا هبطوا السوق، وعلموا أنهم قد غبنوا، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة (١). والفرق بين الاسترسال عند المالكية والحنابلة: الاسترسال عند المالكية: أن يطلب المشتري، أو البائع من الآخر، أن يكون البيع بسعر السوق، فيكذب فيه، فموجب الرد بالغبن عندهم: جهل المشتري أو البائع بالقيمة، وكذب الآخر (٢). وأما الاسترسال عند الحنابلة: أن يكون جاهلًا بالقيمة، ولا يحسن المماكسة، ولو لم يحصل كذب صريح من الطرف الآخر، ويثبت جهله إما بالبينة، وإما بقوله مع يمينه (٣).

стр. 598

القول الخامس: الغبن يبطل العقد من أصله، وهو قول داود الظاهري (١). فتحصل مجموع الأقوال إلى ما يلي: الأول: للمغبون الرد مطلقًا. الثاني: ليس له الرد مطلقًا. الثالث: ليس له الرد إلا في بيع الاستئمان والاسترسال، وفي بيع الوكيل والوصي. الرابع: ليس له الرد إلا إذا غبن عن طريق تلقي الجلب، أو زيادة الناجش، أو كان مسترسلًا. الخامس: الغبن يبطل العقد من أصله. هذا ملخص الأقوال في المسألة، وإذا أردت أن تنظر في أدلة الأقوال فانظرها في مبحث خيار الغبن، فقد ذكرتها هناك، والحمد لله، والقول بعدم ثبوت الخيار قول قوي جدًا إلا أن القول بثبوت الخيار أقوى، لأن البيع قائم على العدل، والعدل أن يكون البائع والمشتري لا يقعان تحت طائلة الاستغلال

стр. 599

وإذا ثبت الخيار في تلقي الجلب وفي زيادة الناجش كان الغاية من ذلك حتى لا يقع الجالب ونحوه تحت طائلة استغلال المشتري لجهل الجالب بسعر السوق، وإذا ثبت الخيار في تلقي الجلب كان الغبن في غيره مقيسًا عليه، ولا فرق، وإذا كان اشتراط عدم الغبن يمنع من صحة البيع إذا كان هناك غبن، فإن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، فإن كل متعاقدين لا يرضى أحدهما أن يكون مغبونًا، ولو علم بالغبن لما أجرى العقد، وإذا لم يكن راضيًا بالغبن لم يتحقق شرط البيع: وهو التراضي بين المتعاقدين (١). * * *

стр. 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →