قبض الوديعة قبض حقيقي وليس حكميًا وإذا كان الشأن كذلك فإن الصرف صحيح، وقد تحقق شرط الصرف من وجود التقابض من الطرفين، حيث لم يتفرقا إلا وكل واحد منهما في يده وتحت تصرفه بدل الصرف.
* * *
стр. 5497
الفرع الثاني
المصارفة في الوديعة المصرفية
عرفنا في المسألة السابقة حكم المصارفة في الوديعة المطلقة غير المصرفية، فهل يختلف الحكم في الوديعة المصرفية؟
قبل الجواب على ذلك: نبين الفرق بين الوديعة المطلقة والوديعة المصرفية:
الوديعة المطلقة: أمانة في يد صاحبها، لا يتصرف بها، ولا يخلطها بماله، ويقبضها لمصلحة صاحبها فقط.
الوديعة المصرفية: يملكها المصرف، ويتصرف بها، ويتاجر، ويخلطها بماله، ويقبضها لمصلحته هو.
الوديعة المطلقة: إذا تلفت من غير تعد ولا تفريط لا يضمنها المودَع.
الوديعة المصرفية: مضمونة على المصرف حتى ولو تلفت بآفة سماوية، ولوجود هذا الفرق بين الوديعة المصرفية والوديعة الفقهية يذهب كثير من الباحثين إلى تكييف الوديعة المصرفية على أنها قرض، وهو الصحيح.
[ن-٦٧] إذا عرفنا ذلك فما حكم المصارفة بالوديعة المصرفية؟
أما من أجاز المصارفة بالوديعة المطلقة كالحنابلة (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، فهو سيجيز المصارفة بالوديعة المصرفية، إما لأنها من جنسها، أو لأنها من باب أولى.
стр. 5498
وأما من منع المصارفة بالوديعة المطلقة كالحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، فينبغي أن يقول بالجواز بالوديعة المصرفية؛ لأن تعليل الحنفية للمنع: هو عدم ضمان الوديعة، لأن القبض في الوديعة المطلقة هو قبض أمانة، والقبض المستحق بالصرف هو قبض ضمان، وقبض الأمانة أضعف من قبض الضمان، فلا ينوب الأضعف عن الأقوى، فإذا علم أن قبض المصرف لما يسمى بالوديعة المصرفية هو قبض ضمان، اقتضى ذلك جواز الصرف عندهم.
وكذلك تعليل المالكية بالمنع من المصارفة بالوديعة المطلقة يقتضي جواز المصارفة بالوديعة المصرفية؛ لأن تعليل المالكية أن حق صاحب الوديعة متعلق بعين الوديعة ولم يتعلق حقه بذمة المودَع، فلم تقع المصارفة على ما في ذمة المودَع حتى يقال: إن ما في الذمة بحكم العين الحاضرة، أو بحكم المقبوض، وإنما وقعت المصارفة على عين الوديعة، وهي غائبة عن مجلس العقد، فإذا علم أن حق المودِع في الوديعة المصرفية متعلق بذمة المودَع، اقتضى ذلك جواز الصرف عندهم.
فالتعاليل التي احتج بها الفقهاء لمنع المصارفة بالوديعة، هي غياب الوديعة، أو عدم ضمانها من قبل المودع، والوديعة المصرفيه مضمونة على المصرف.
نعم يتنزل الخلاف فيها كالخلاف في المصارفة على ما في الذمة، وقد سبق بحث هذه المسألة، والحمد لله وبيان الخلاف فيها، والراجح من الخلاف، فأغنى عن تكراره. والله أعلم.
* * *
стр. 5499
المبحث الخامس
الصرف عن طريق القيد في حساب العميل
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: « .... كل عقد اشترط له القبض، فالقبض راجع إلى العرف» (١).
في قرارات ا لمجامع الفقهية: أن القيد المصرفي قبض حكمي يقوم مقام القبض الحقيقي (٢).
اتحاد يد القابض والمقبض لا يمنع صحة القبض.
[ن-٦٨] إذا قام الرجل ودفع للمصرف مبلغًا من النقود بالريال السعودي، على أن يقيده لحسابه الخاص بالدولار، ويعطيه إيصالًا بذلك دون أن يقبض الدولارات قبضًا حقيقيًا، فهل يعتبر هذا القيد المصرفي كاف في حصول القبض، وهل يغني هذا القبض الحكمي عن القبض الحقيقي؟ في ذلك خلاف بين أهل الفقهاء المعاصرين:
فقيل: القيد المصرفي يقوم مقام القبض الحقيقي، وبه أخذ أكثرية المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (٣)، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي (٤)، وعليه أكثر الباحثين في هذا العصر (٥).
стр. 5500
وقيل: الواجب القبض الحقيقي، ولا يكفي القيد المصرفي في حصول القبض الواجب شرعًا، وهذا رأي شيخنا محمد بن عثيمين ﵀ (١).
دليل من قال: يكتفى بالقيد المصرفي في قبض الصرف:
الدليل الأول:
أن القبض مرده إلى العرف، قال السيوطي: «كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، ومثلوا له بالحرز في السرقة، والتفرق في البيع، والقبض ... » (٢).
وقال ابن قدامة: «القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف» (٣).
وقال ابن تيمية: «المرجع في القبض إلى عرف الناس وعاداتهم من غير حد يستوي فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات» (٤).
стр. 5501
وقال الخطابي: «القبوض تختلف في الأشياء حسب اختلافها في نفسها، وحسب اختلاف عادات الناس فيها» (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «العرف والعادة يرجع إليه في كل ما حكم الشارع به، ولم يحده وهذا أصل واسع موجود منتشر في المعاملات والحقوق وغيرها .... ومن الفروع: أن كل عقد اشترط له القبض، فالقبض راجع إلى العرف» (٢).
وإذا كان المحكم هو العرف، فالعرف في هذا العصر يعتبر القيد المصرفي قبضًا حكميًا معتبرًا، حيث إنه يُمَكِّن العميل من سحبه، أو سحب بعضه، وبإمكانه الإحالة عليه، والتصرف فيه متى ما أراد.
ونوقش هذا:
بأن القبض الحكمي غير معتبر في الصرف، والواجب في الصرف هو القبض الحقيقي الحسي، حتى الحنفية الذين يقولون: إن التخلية كافية لتحقيق القبض في المبيعات لم يعتبروا ذلك في الصرف.
قال ابن الهمام نقلًا من فوائد القدوري: «المراد بالقبض هنا - يعني في الصرف - القبض بالبراجم، لا بالتخلية، يريد باليد» (٣).
ولأن الشارع قد بين كيفية التقابض في الصرف، فقال: (يدًا بيد) وما ثبت بالنص فإنه لا يتغير بتغير العرف.
стр. 5502
وسوف نجيب على هذا الاعتراض إن شاء الله تعالى عند الكلام على أدلة القول الثاني.
الدليل الثاني:
الإذن للمصرف أن يقوم بالنيابة عن الآمر بالقبض في مسألة الصرف، وتقييده لحسابه عن طريق القيد المصرفي غاية ما فيها أن يد القابض والمُقْبِض قد اتحدت حسًا، وهذا وحده لا يمنع صحة القبض، جاء في كشاف القناع: «فإن أذن له - أي في مصارفة نفسه - جاز، فيتولى طرفي عقد المصارفة» (١).
فدل على أن التقابض باليد لا يلزم منه أن يكون بيد الأصيل.
الدليل الثالث:
أن القيد المصرفي يتحقق فيه تعيين حق المستفيد، والتعيين بمنزلة القبض.
وقد اعتبر التعيين عند الحنفية بمنزلة القبض في بيع الربوي بمثله ولم يستثنوا إلا الصرف من الربويات.
جاء في الدر المختار: «والمعتبر تعيين الربوي في غير الصرف، ومصوغ ذهب وفضة، بلا شرط تقابض، حتى لو باع برًا ببر بعينهما، وتفرقا قبل القبض جاز» (٢).
قال ابن عابدين: لأن غير الصرف يتعين بالتعيين، ويتمكن من التصرف فيه، فلا يشترط قبضه» (٣).
стр. 5503
ولو قال: لأن غير الصرف يعتبر تعيينه قبضًا له لكان أدق؛ لأن قوله: فلا يشترط قبضه مخالف للحديث من اشتراط القبض.
وحتى مذهب المالكية والحنابلة الذين يعتبرون قبض ما فيه توفية من كيل أو وزن، يعتبرون قبضه: هو أن يكال أو يوزن، والكيل والوزن ليس قبضًا حقيقيًا، وإنما الذي يتم من خلال الكيل والوزن هو تعيين حق المشتري، وإفرازه من غيره، ومع هذا اعتبروا ذلك قبضًا له مع قوله ﷺ (حتى يقبضه) وقوله ﷺ : (حتى يستوفيه) وسبق لنا الكلام على قبض ما فيه حق توفيه في مسألة مستقلة.
ونوقش:
القول بأن التعيين بمنزلة القبض غير صحيح، لأن القبض أخص من التعيين، فكل شيء مقبوض فهو معين، وليس كل معين مقبوضًا.
الدليل الرابع:
ألحق الحنفية والمالكية، والسبكي من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة بالقبض في مجلس العقد ما كان مستقرًا في الذمة من قبل بقبض متقدم (١)، فلو كان لرجل في ذمة آخر دنانير، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا بما في ذمتيهما، فإنه يصح ذلك الصرف، ويسقط الدينان من غير حاجة إلى التقابض الحقيقي،
стр. 5504
مع أن التقابض في الصرف شرط لصحته بالإجماع، وذلك لوجود التقابض الحكمي الذي يقوم مقام التقابض الحسي، وقد عللوا ذلك بأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة، وبأن الدين في الذمة كالمقبوض، وإذا كان ذلك كذلك دل على أن التقابض باليد لا يعني إحضار كلا البدلين في مجلس العقد.
دليل من قال: لا يقوم القيد المصرفي مقام القبض الواجب:
الدليل الأول:
(ح-٨٣٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن مالك ابن أوس.
سمع عمر بن الخطاب ﵁ يخبر عن رسول الله ﷺ قال: الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (إلا هاء وهاء) قال الخليل: كلمة تستعمل عند المناولة، والمقصود من قوله (هاء وهاء) أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه: هاء، فيتقابضان في المجلس (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٨٣٩) ما رواه مسلم من طريق أبي قلابة، عن أبي الأشعث.
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء
стр. 5505
بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١).
وجه الاستدلال:
أن الشارع عين كيفية القبض في الصرف، وهو أن يكون قبضًا حسيًا عن طريق اليد، وإذا نص الشارع على كيفية القبض تعين، فلا يجوز غيره، وأما القيد المصرفي فلا يعتبر قبضًا حسيًا؛ لأن المبلغ المقيد المستحق للقبض لا زال في حوزة البنك حسًا فلم يحصل القبض.
ويجاب عن هذا من عدة وجوه:
الوجه الأول:
أن الرسول ﷺ قال: يدًا بيد، وقال (إلا هاء وهاء) قالها في الصرف في بيع الدراهم والدنانير بمثلها، كما قالها في بيع البر والشعير والتمر والملح بمثلها، فلماذا خصيتم الصرف عن غيره بوجوب القبض الحسي، ولم تقولوا مثل ذلك في بقية الأموال الربوية، والحديث واحد، وقد أعطاها حكمًا واحدًا، ومع ذلك اكتفى الحنفية في بيع الربويات ما عدا الصرف في التعيين، ولو لم يقبضها بيده (٢)، واكتفى المالكية والحنابلة بجواز التصرف في المبيع إذا اشتري بكيل، أو وزن، إذا كيلت أو وزنت ولو لم يقبضها قبضًا حسيًا مع أن هذا مخالف للأحاديث التي تقول (فلا تبعه حتى تقبضه) فهذا دليل على أن كلمة (يدًا بيد) أو كلمة (إلا هاء وهاء) يستلزم منها، وجوب القبض، ولا يستلزم القبض الحسي،
стр. 5506
وإلا لكان القبض الحسي واجبًا في جميع هذه الأموال، لا فرق بين الصرف وبين غيره.
الوجه الثاني:
أن قوله (إلا هاء وهاء) وقوله (يدًا بيد) إشارة إلى تحريم النسأ، وليس نصًا في وجوب القبض الحسي، بأن يكون يدًا بيد، يدل على ذلك فعل ابن عمر ﵄، حيث كان يجب له في ذمة المشتري دراهم، فيستبدلها بدنانير ويصرفها قبل قبضها قبضًا حسيًا، وقد يجب له دنانير فيستبدلها بدراهم ويصرفها قبل قبضها، وقد صحت هذه المعاملة مع أن ابن عمر لم يقبض الدراهم ولا الدنانير قبضًا حسيًا.
قال في الفواكه الدواني: «كونه يدًا بيد: أي مناجزة» (١).
الوجه الثالث:
أن قوله ﷺ : (يدًا بيد) المراد به القبض، وكنى باليد عن القبض؛ لأنها آلته غالبًا، وهذا التعبير لا يدل على حصر القبض باليد، فلو أن المشتري حاز المبيع بأي وسيلة كانت، ولو لم يكن عن طريق اليد لصح القبض.
يقول الكاساني: «ظاهر قوله ﵇: (يدًا بيد) غير معمول به؛ لأن اليد بمعنى الجارحة ليس بمراد بالإجماع» (٢).
وإذا كان المقصود من قوله (يدًا بيد) هو القبض، حكميًا كان أو حسيًا فلا مانع من اعتبار القيد المصرفي قبضًا شرعيًا يتحقق به المقصود، فمعنى
стр. 5507
قوله ﷺ : يدًا بيد: أي حاضرًا بحاضر، احترازًا من الناجز بالغائب، وليس شرطًا في القبض الحسي.
الوجه الرابع:
ذهب الحنفية خلافًا للجمهور إلى أن قوله (يدًا بيد) أن المراد منه: عين بعين، لأن التعيين يكون بالإشارة باليد، فذكر اليد كناية عن التعيين، ولو كان المراد به القبض لقال: من يد إلى يد؛ لأنه يقبض من يد غيره، فعرفنا أن المراد التعيين، إلا أن النقود لما كانت لا تتعين بالتعيين اشترط لها القبض؛ لتحقيق التعيين المنصوص عليه (١).
واعترض عليهم:
بأن القول بأن المراد هو التعيين، وليس القبض غير مسلم، بدليل أن القبض شرط في المصوغ من الذهب والفضة بالإجماع، وإن كان مما يتعين بالإشارة، ولأن قوله ﵇ (يدًا بيد) لفظ واحد، لا يجوز أن يراد به القبض في حق النقدين، والتعيين في حق غيرهما؛ مع أن الأموال الربوية قد ذكرت في نص واحد، وقيل فيها كلها (يدًا بيد)، فهو إما حقيقة فيهما، أو مجاز فيهما، وأما أن يقال: إنه حقيقة في أحدها مجاز في الآخر فهذا تحكم (٢).
و رد هذا الاعتراض:
بأننا لا نقول: إن قوله ﷺ يدًا بيد يعني القبض في النقود، والتعيين في غيرها، بل نقول: إن الشرط هو التعيين مطلقًا في النقود وفي غيرها من الربويات، لا فرق بين الصرف وبين غيره، إلا أنه قام الدليل عندنا أن الدراهم
стр. 5508
لا تتعين بالتعيين، وإنما تتعين بالقبض، فشرطنا التقابض للتعيين لا للقبض، وأما كون القبض شرطًا في المصوغ من الذهب والفضة، وإن كان يتعين بالإشارة فذلك نظر فيه باعتبار أصل خلقته، وهو الثمنية؛ لأن الثمنية لا تتعين بالتعيين، فيشترط قبضه، ولا يسقط اشتراط القبض بالصنعة لبقاء شبهة عدم التعيين باعتبار الأصل، إذ الشبهة في المحرمات ملحقة بالحقيقة (١).
الدليل الثالث:
أن تقييد المصرف للمبلغ المستحق، وإقباضه إيصالًا بذلك يعتبر قبضًا لوثيقة تثبت استحقاق المستفيد للمبلغ المقيد، وفرق بين قبض وثيقة تثبت الحق، وبين قبض الحق نفسه، والمطلوب هو قبض الحق، وليس قبض ما يثبت الحق.
ويجاب:
بأن القيد المصرفي ليس إثبات استحقاق فقط، كالوثيقة التي تثبت حق الدائن على المدين، وإنما هو إثبات استحقاق مع إطلاق يد المستحق في التصرف في المبلغ المقيد بكل أنواع التصرف المشروعة من بيعه، واستلامه، والحوالة عليه، ورهنه، وغير ذلك، وانقطاع حق البائع انقطاعًا نهائيًا، فهو نقل حكمي للمبلغ المقيد من ذمة البنك العامة إلى حساب المستفيد، ولذلك سماها بعضهم: نقودًا قيدية.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة أجد أن قول عامة الباحثين في هذا العصر أقرب إلى الصواب، وأن القيد المصرفي قبض حكمي معتبر يقوم مقام القبض الحقيقي ولكن بشروط منها:
стр. 5509
الأول: أن يتم القيد قبل التفرق، وأما قبض الإيصال الذي يثبت استحقاقه لقيمة الصرف فليس بشرط، لأن السند الذي يقبضه العميل إنما هو وثيقة لإثبات حصول التسجيل في الحساب، فلو حصل التفرق قبل أن يقبض السند، وقد تم التقييد، وقبضه في وقت لاحق فلا يؤثر ذلك في صحة العقد، وكذلك الشأن لو حصل الافتراق من المجلس قبل أن يسجل موظف المصرف المبلغ في الحساب لاعتبر ذلك افتراق قبل حصول التقابض، فيبطل الصرف (١).
الثاني: أن يكون لدى البنك العملة التي باعها على العميل، ولا تكفي الملاءة هنا، فلا بد من حيازة البنك للعملة التي باعها على العميل سواء في صناديقه المحلية، أو في الصندوق المركزي في مقره الرئيسي.
وقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يلي: « .... يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف، أو بعملة مودعة فيه» (٢).
стр. 5510
وجاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ما نصه:
«أولًا: قبض الأموال كما يكون حسيًا في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتبارًا وحكمًا بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حسًا. وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضًا لها.
ثانيًا: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعًا وعرفًا.
١ - القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:
(أ) إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.
(ب) إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حالة شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل .... » (١).
* * *
стр. 5511
المبحث السادس
هل ينوب استلام الشيك عن قبض بدل الصرف
قالت اللجنة الدائمة: قبض البائع للشيك في حكم قبضه للثمن إذا كان الشيك مصدقًا (١).
الصفقات الكبيرة في اقتصاد اليوم تتم بواسطة النقود الائتمانية أو المصرفية، والتي ليس لها أداة غير الشيك (٢).
[ن-٦٩] إذا باع أحدهم ذهبًا بعملة ورقية، أو صرف عملة ورقية بأخرى، فسلم أحدهما شيكًا بقيمة الذهب أو الفضة، أو بقيمة العملة الورقية، فهل يعتبر قبض الشيك قبضًا لمحتواه، بحيث يتحقق القبض الشرعي لصحة المعاملة أولا؟
اختلف العلماء على النحو التالي:
فقيل: يعتبر تسلم الشيك قبضًا لمحتواه مطلقًا، وعلى هذا الرأي كثير من الباحثين المعاصرين (٣).
стр. 5512
وقيل: لا يعتبر تسلم الشيك قبضًا لمحتواه مطلقًا، وهذا القول منسوب لشيخنا ابن عثيمين (١)، واختاره بعض الباحثين (٢).
وقيل: التفريق بين الشيك المصدق وبين غيره، فقبض الشيك المصدق يعتبر قبضًا لمحتواه، بخلاف غير المصدق، وبه قال مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٣)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية (٤)،
стр. 5513
واختاره شيخنا ابن عثيمين (١).
دليل من قال: قبض الشيك قبض لمحتواه:
الدليل الأول:
أن قبض الشيك يعتبر قبضًا حكميًا لمحتواه، وهو كاف في حصول القبض الواجب شرعًا، وإنما اعتبرنا القبض الحكمي في الشيكات ولم نشترط القبض الحسي؛ لأن القبض مرده إلى العرف، والشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية، وأنه يجري تداولها بينهم كالنقود تظهيرًا وتحويلًا، ومما يؤيد ذلك أن الأوراق النقدية كانت في بداية نشأتها سندات لحاملها حتى شاعت بين الناس، وكان يدفع للراغب في استبدالها ذهبًا أو فضة حسب الغطاء، ويعتبر قبض تلك الأوراق بمثابة قبض غطائها من الذهب أو الفضة، وقد تلاشى ذلك شيئًا فشيئًا مع انتشارها، وثقة الناس بها، فكذلك الحال بالنسبة
стр. 5514
للشيكات، فما هي إلا سندات تعبر عن محتواها من المبالغ النقدية، ولذلك يعتبر تسلمها قبضًا لمحتواها (١).
الدليل الثاني:
أن الشيك يحاط بضمانات كبيرة، وذلك من أجل دعم الثقة به، فهو محمي في قوانين جميع الدول من حيث إن سحب الشيك على جهة ليس للساحب فيها رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة شديدة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعًا، بل يمكن القول بأن الأوساط التجارية تثق بالشيك أكثر مما تثق بالنقود؛ لأن الشيك يغني عن توثيق استلام النقود حال النزاعات.
يقول الدكتور يوسف إبراهيم: «إن ا لنقود في اصطلاح الاقتصاديين: هي كل ما يستخدم وسيطًا في تبادل السلع والخدمات، ويلقى القبول العام من الناس، دون نظر إلى الشكل الذي تكون عليه، فقد تتخذ النقود الشكل المعدني، مثل النقود الذهبية، والنقود الفضية التي عرفتها البشرية منذ فترة ليست بالقصيرة، ولا زالت تعرف بعضها حتى اليوم في صورة ضيقة، وقد تتخذ النقود الشكل الورقي، مثل النقود الورقية الإلزامية التي تصدرها البنوك المركزية، وقد تتخذ شكل النقود الائتمانية (المصرفية) التي تقدمها البنوك التجارية، وبالشكل الأخير من أشكال النقود (النقود الائتمانية) تجري معظم المعاملات الاقتصادية الحديثة، والتي يقتصر دور النقود المعدنية فيها على استخدامها نقودًا مساعدة فقط، بينما تستخدم النقود الورقية في الصفقات ذات القيم الصغيرة، أما
стр. 5515
الصفقات والمعاملات الأساسية في هذه الاقتصاديات فإنها تتم بواسطة النقود الائتمانية أو المصرفية، والتي ليس لها أداة غير الشيك» (١).
الدليل الثالث:
أن الشيك لا يقبل التأجيل، بل يتم صرفه بمجرد تقديمه، بخلاف الأوراق التجارية الأخرى كالكمبيالة والسند لأمر، وإذا كان حالًا فقبضه يعتبر قبضًا لمحتواه.
الدليل الرابع:
رأى بعض المشايخ والباحثين قياس الشيك على السفتجة (٢)، وأن عبد الله ابن الزبير كان يأخذ من قوم بمكة دراهم (سفتجة)، ثم يكتب لهم بها إلى أخيه مصعب بالعراق، فسئل ابن عباس عن ذلك فلم ير به بأسًا (٣).
قالوا: فالسفتجة هنا قد قامت مقام القبض، فالشيك يقوم بدور السفتجة أو أكثر، ولا يمكن أن يكون أقل منها في أداء وظيفة القبض.
стр. 5516
ويجاب:
بأن القياس غير مسلم، وذلك أن السفتجة: هي قرض محض، والقرض لايجب فيه التقابض، فلا علاقة لها بمسألة البحث، والله أعلم.
دليل من قال: قبض الشيك لا يعتبر قبضًا لمحتواه:
الدليل الأول:
الشيك لا يعتبر قبضًا، وإنما هو وثيقة حوالة فقط، بدليل أن الذي أخذ الشيك لو ضاع منه لرجع على الذي أعطاه إياه، ولو كان قبضًا لم يرجع عليه، وبيان ذلك: أن الرجل لو اشترى ذهبًا بدراهم، واستلم البائع الدراهم فضاعت منه لم يرجع على ا لمشتري، ولو أنه أخذ من المشتري شيكًا، ثم ذهب ليقبضه من البنك، ثم ضاع منه، فإنه يرجع على المشتري بالثمن، وهذا دليل على أن الشيك ليس بقبض، وإذا لم يكن قبضًا لم يصح بيع ما يشترط فيه القبض، كبيع الذهب بالنقود، وبيع النقود بعضها ببعض.
ويناقش:
بأن الرجوع على المشتري عند قيام سببه لا يمنع من صحة القبض، فقد يوجد القبض الحسي ومع ذلك يوجد في الثمن ما يدعو البائع من الرجوع على المشتري كما لو بان في الثمن عيب، وأما رجوع البائع على المشتري عند فقد الشيك فليس سببه عدم القبض، ولكن النقود إذا فقدت لا يمكن إلغاؤها، بينما الشيك إذا فقد فإنه لا يستفيد منه إلا من حرر له الشيك، ويمكن إلغاؤه وإصدار بديل له، ويمكن التحقق من فقده بمراجعة البنك، لهذا كله أمكن الرجوع على المشتري من هذه الناحية، فلا علاقة له في صحة القبض.
стр. 5517
الدليل الثاني:
أن الصرف لا يكفي فيه القبض الحكمي، وإنما الواجب فيه القبض الحسي، يدًا بيد.
ويناقش:
بأن هذا الدليل قد تمت مناقشته في مسألة القبض عن طريق القيد المصرفي بما يغني عن إعادته هنا.
الدليل الثالث:
أن إمكانية صرف الشيك محفوفة بمخاطر كثيرة، فقد يعارض صاحب الرصيد في صرف الشيك، فلا يتم القبض أو يتأخر، وقد يحرر الشيك شخص وليس له رصيد، وقد يقوم بسحب الرصيد قبل استيفاء الشيك، وربما يفلس الساحب، أو يفلس المسحوب عليه (المصرف)، وكل هذه الأمور تدل على أن قبض الشيك ليس بمنزلة قبض محتواه، وذلك لأن القابض لمحتوى الشيك له التصرف فيه تصرفًا نهائيًا، بينما المستلم للشيك يتوقف بعض تصرفاته على الوفاء الفعلي للشيك.
ويناقش ذلك:
بأن هذه الاعتراضات لا تمنع من القول بأن قبض الشيك بمنزلة قبض محتواه، فمخاطر الشيك لا تقل عن مخاطر النقود، حيث تتعرض النقود اليوم إلى التزوير، وإذا كانت النقود مزورة فإنه لا يمكن معرفة أول من قام بذلك، لكثرة تداولها، بينما الشيكات تتدوال بطريقة يمكن معرفة من انتقلت إليه، مما يسهل ضبط العيب إذا ظهر فيها، إلا أن النقود والشيكات مما يحد من التلاعب بها العقوبات الكثيرة التي تعرض من يقوم بتزوير النقود، أو إصدار شيكات بدون رصيد مما عزز ثقة الناس بها.
стр. 5518
يقول الدكتور يوسف إبراهيم: «وإذا كان بعض الناس في بعض المجتمعات لا يثقون في النقود الائتمانية ثقتهم في النقود الورقية فإن ذلك راجع إلى إِلْفِهم التعامل بهذه النقود، وعدم إلفهم التعامل بالنقود الائتمانية، وذلك أن النقود ا لورقية تحمل من المخاطر أكثر مما تحمله النقود ا لائتمانية، بل والنقود المعدنية التي ربما تكون زيوفًا، فليس هناك نوع من النقود يخلو من المخاطر، بل ربما تكون النقود الائتمانية من أقلها مخاطر، الأمر الذي يجعلها تغطي الجزء الأكبر من المعاملات في المجتمعات المتقدمة اقتصاديًا، وستحتل نفس المكانة في بقية المجتمعات في المستقبل، بل لعل القبول بها لقي استجابة أكثر من الاستجابة التي قوبلت بها النقود الورقية عند نشأتها» (١).
أما القول بأن صاحب الرصيد قد يعارض في صرف الشيك، فلا يتم القبض أو يتأخر، فإن هذا قد يتم حتى بعد قبض النقود أو السلعة لأسباب كثيرة، كما في حالات اختلاف المتبايعين حول فقد صفة، أو وجود عيب، كما كان ذلك يتم في القديم في بيع الذهب بالذهب عندما يكتشف أحد المتعاقدين أن في بعضها زيوفًا، ولم يمنع هذا الاحتمال من العمل بالقبض، وقد عمل الفقهاء في ذلك الزمن على حل مثل هذه الإشكالات التي قد تعترض البيوع التي يجب فيها التقابض قبل التفرق، ولم يمنعوا القبض لوجود مثل هذا الاحتمال (٢).
الدليل الرابع:
إن الشيك لا يعتبر مبرئًا لمحرره إبراء تامًا من قيمته حتى يتم سداده.
стр. 5519
ويناقش:
بأن من الفقهاء من اعتبر الحوالة بمنزلة القبض، قال ابن قدامة: «الحوالة بمنزلة القبض» (١). وقال أيضًا: «الحوالة كالتسليم» (٢). مع أن المحال عليه لو كان مفلسًا لرجع المحال على ا لمحيل على الصحيح من أ قوال أهل العلم (٣)، ورجوعه لا يمنع من صحة الحوالة حين أحاله، فكذلك رجوع المستفيد على محرر الشيك عند قيام سببه لا يمنع من صحة القبض وقت إقباضه للشيك.
دليل من فرق بين الشيك المصدق والشيك غير المصدق:
هذا القول جمع بين أدلة القولين، فهم لم يغفلوا قيمة الشيك، وجريان تداوله بين الناس، خاصة التجار منهم، وحماية الدول للشيك من التلاعب، وفي نفس الوقت عالجوا المحاذير والعيوب التي ذكرها من يعتبر قبض الشيك ليس قبضًا لمحتواه عن طريق اشتراط أن يكون الشيك مصدقًا، من أجل ألا يرد على قبض الشيك أن يكون الشيك بدون رصيد، أو الخوف من قيام الساحب من سحب رصيده قبل الاستيفاء، أو الخوف من اعتراض محرر الشيك على صرفه ... الخ المحاذير التي ذكرها أصحاب القول الأول.
стр. 5520
الراجح:
لا شك أن الشيك المصدق سالم من العيوب والمخاطر التي يتعرض لها الشيك غير المصدق، إذ يعتبر التصديق للشيك حجز لمحتوى الشيك لصالح المستفيد، فإذا استلم الشيك كان ذلك بمنزلة القبض لما يحتويه، فلا يستطيع الساحب التصرف فيه، ولا الرجوع فيه إلا بموافقة المستفيد.
أما إذا كان الشيك غير مصدق، فهل يعتبر قبضه قبضًا لمحتواه؟
الذي أميل إليه هو ما اختاره الشيخ سعد الخثلان:
أن الشيك إذا قرب من الشيك المصدق، بحيث يكون في دولة تتوفر فيها حماية كبيرة جدًا له من الناحية التشريعة، والتنفيذية بحيث لا يجرؤ أحد على كتابة شيك بدون رصيد، فإن الشيك وإن لم يكن مصدقًا فإنه بمنزلة القبض لما يحتويه، أما إذا لم تتوفر للشيك الحماية المطلوبة فإنه لا يكون في معنى القبض لما يحتويه، ولا تكفي الحماية من الناحية التشريعية، بل لا بد أن تكون الجهات التنفيذية فيها من الإجراءات الصارمة والحازمة والرادعة ما تعزز ثقة الناس في الشيك، فعلى سبيل المثال بلغت قيمة الشكاوى المقدمة للغرفة التجارية بالرياض للشيكات بدون رصيد فقط عام ١٤١٧ هـ أكثر من مليار، و ٢٠٠ مليون ريال (١)، ورغم ضخامة هذا العدد إلا أنه نادرًا ما نسمع بتنفيذ عقوبة في حق مصدر شيك بدون رصيد، ولهذا الوضع لا نستطيع أن نقول: إن استلام الشيك غير المصدق يعتبر قبضًا لما يحتويه خاصة في بلادنا وقت تحرير البحث، والله أعلم (٢).
* * *
стр. 5521
المبحث السابع
شراء الذهب وصرف العملات في أسواق العملات
سوق العملات الأجنبية: هي سوق تنفذ خلالها عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية، ولا يوجد مكان محدد لها، بل تتم هذه العمليات بين البنوك بواسطة أجهزة تداول إكترونية متطورة، ومرتبطة بالأقمار الصناعية، تم إنشاؤها من قبل شركات الخدمات المالية، مثل رويتر، وتلريت، ويتم تداول العملات والذهب على أساس السعر الحاضر، أو على أساس السعر الآجل، وإليك كلام الباحثين في كل منهما (١).
* * *
стр. 5522
الفرع الأول
شراء العملات والذهب بالأسعار الحاضرة
تأخير القبض في القيد المصرفي بسبب إجراء عملية إنهاء متطلبات التسوية مغتفر.
[ن-٧٠] المتتبع لسير العمليات التبادلية في أسواق العملات يجد أن المتبايعين سواء أكانا مصرفين، أو مصرفًا وشخصًا لا يتم بينهما قبض فعلي للنقود محل العقد في نفس اليوم الذي يجري فيه التعاقد، وإنما يقوم على تواعد، ثم تبايع، ثم استلام العوضين، على الشكل التالي:
(١) الاتفاق بين الطرفين عن طريق الهاتف على بيع أو شراء كمية من الذهب أو من العملات، ثم تبادل مراسلي كل من الطرفين، وعنوانهما، وأرقام حساباتهما لديهما.
(٢) يقوم كل من الطرفين بتأييد الاتفاق الذي تم بينهما بالهاتف برسالة تلكس لتأكيد الأمر وإثباته.
(٣) يطلب بائع الذهب أو العملة تحويل الكمية المشتراة من حسابه إلى حساب الطرف الآخر إما في نفس المصرف، أو في مصرف آخر بحسب رغبة الطرف الآخر، ويطلب المشتري تحويل مبلغ معين من حسابه - وهو قيمة الذهب أو العملة - إلى حساب الطرف الآخر، إما في نفس المصرف، أو في مصرف آخر بحسب رغبة الطرف الآخر.
(٤) عند وصول كمية الذهب إلى حساب المشتري، ووصول قيمته إلى حساب البائع يصل إلى كل من الطرفين إشعار من مراسله بوصول المبلغ إلى حسابه.
стр. 5523
هذه خطوات الصرف، وشراء الذهب عن طريق أسواق العملات، ومن المعلوم أنه لا يتم بينهما تقابض فعلي للنقود، ولا للذهب محل العقد في نفس اليوم الذي يجري فيه التعاقد، وإنما يقتصر الأمر وقت التعاقد على تقييد الحقوق حسابيًا لدى كل منهما، أما التسليم والتسلم للنقود فإنه يتأخر لمدة لا تقل عن يومين بعد تنفيذ العملية، فإذا كان التعاقد يوم الثلاثاء فإنه يكون التسليم والتسلم هو يوم الخميس، ويكون تاريخ هذا اليوم هو تاريخ الاستحقاق، ولا تحسب أيام العطلات الرسمية في حساب تواريخ الاستحقاق (١).
فهل هذا الإجراء يتماشى مع أحكام الصرف الإسلامي في الشريعة الإسلامية؟
وللجواب على هذا السؤال نقول:
أما من يرى جواز الاتجار بالعملات شراء وبيعًا، فالحكم عنده مبني على حكم مسألة أخرى سبق بحثها في المسألة السابقة، هل القيد المصرفي يعد قبضًا في الصرف أ م لا؟
فمن قال: إن القيد المصرفي لا يعد قبضًا، وأن المطلوب هو القبض الحقيقي، وليس القبض الحكمي، فهو يرى تحريم مثل هذه المعاملة.
ومن اعتبر القيد المصرفي يقوم مقام القبض الحقيقي، رأى صحة هذه المعاملة، وبه أخذ أكثرية المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي (٢)، ومجمع
стр. 5524
الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي (١)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢)، وندوة البركة الثانية عشرة (٣)، وعليه أكثر الباحثين في هذا العصر (٤).
وقد ذكرنا أدلة كل قول من هذه الأقوال في المسألة التي قبلها، فأغنى عن إعادته هنا، وقد رجحت أن القيد المصرفي يعتبر قبضًا بشروط:
الأول: أن يكون الذهب أو العملة التي تم شراؤها موجودة في البنك بقدر المبلغ المقيد للطرف الآخر، وذلك لئلا يكون من بيع ما لا يملك، وقد يقع كثيرًا أن تبيع المصارف كميات من الذهب أو العملات الأخرى دون أن يكون عندها المقدار المشترى، وذلك لعلمها أن المشتري لا يطلب استلام ذهبه، أو عملته التي اشتراها؛ لأنه يعتمد على القيد المصرفي فقط، فعلى هذا تكون المصارف قد باعت ذهبًا أو عملة غير مملوكة لها، فضلًا عن أن يكون موجودًا لديها. وعلى هذا لا يعتبر القيد المصرفي قبضًا شرعيًا، بل هو وسيلة خداع.
стр. 5525
الثاني: أن يتم التقييد قبل مفارقة أحد طرفي العقد الآخر.
الثالث: ألا يكون هناك تأجيل في التسليم الفعلي للذهب أو للنقود بأكثر مما يتطلبه إجراء عملية إنهاء متطلبات التسوية، فإذا كان من الممكن إنهاء التسوية خلال يومين فلا يؤخرها أكثر من ذلك، أما إذا كان التأجيل بسبب إنهاء متطلبات التسوية فلا يضر، ولو تأخرت المدة؛ لأن القبض قد تحقق بالقيد، لا بتسليم النقود أو الذهب، وإلى هذا أشار قرار مجمع الفقه الإسلامي، فقد ورد فيه ما نصه: «ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسليم الفعلي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل» (١).
وأما من يرى كراهية الاتجار في العملات بيعًا وشراء فإن المنع عنده لا يقوم على أساس حكم القبض، وهل يقوم القبض الحكمي في القيد المصرفي مقام القبض الحقيقي، وإنما مأخذ الكراهة عنده وهو: تغير طبيعة وظيفة النقود، فالنقود ليست سلعة يتجر فيها مثل بقية السلع، وخاصة النقود الورقية التي لا يمكن تحويلها إلى سلعة اقتصادية مثل الذهب والفضة اللذين يمكن شراؤهما كسلع لاستخدامهما موادًا أولية لصناعات مختلفة، وبالتالي: الخروج بالنقود عن طبيعتها التي جعلت لها، والتي من أجلها تم قبولها، وهي: أنها أداة للدفع ووسيلة للتبادل.
يقول ابن القيم: «الثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع. وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف
стр. 5526
به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر، وحصل الظلم ولو جعلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس» (١).
ولأن الأثمان إذا قصد بها التجارة بأعيانها، وصارت سلعة أدى ذلك إلى قلتها في أيدي الناس، فيتضرر بذلك عموم الناس (٢).
يقول الدكتور محمد بن عبد الله الشباني: الاتجار في العملات بيعًا وشراءً بقصد الربح، وليس بقصد استخدامها من أجل تمويل الاستيراد والتجارة في السلع: مكروه، وقد يصل إلى الحرمة؛ للأمور التالية:
١ - التوسع في البيع والشراء في أسواق العملات العالمية أدى إلى هروب أموال المسلمين إلى الدول الكافرة، وهذا الاتجار لا يهدف إلى الحصول على سلع وخدمات يحتاجها المسلمون، ولكنه بقصد المضاربة لتحقيق الربح؛ مما أدى إلى ضياع فرصة الاستفادة من هذه المدخرات التي يتم استخدامها في الاتجار في العملات الأجنبية، والقاعدة الشرعية تقول: عند اجتماع المصالح مع المفاسد، فإذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة: درأنا المفسدة، ولو تأتى ذلك بفوات المصلحة، والمصلحة الفائتة هي ما يمكن أن يحققه المتاجر في العملات في أسواق العملات الأجنبية من أرباح، لكن مفسدة تسرب أموال
стр. 5527
المسلمين من بلاد المسلمين وعدم استغلالها فيما فيه منفعة ومصلحة للاقتصاد يحقق مفسدة أكبر من المصلحة التي قد يحققها المتاجر في العملات، يقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] فحرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما.
٢ - أن خروج الأموال من بلاد المسلمين بقصد الاتجار بالعملات الأجنبية للدول الكافرة يحدث أضرارًا بميزان المدفوعات للبلاد الإسلامية؛ حيث إن هذا الخروج لا يقابله سلع ولا خدمات تفيد اقتصاد الدول الإسلامية، بل إن ذلك يمثل تهريبًا لفائض الإنتاج المحلي وضخه لصالح القوى الأجنبية، وفي هذا تعاون على الإثم بإضعاف اقتصاديات الدول الإسلامية وحرمانها من الأموال التي يمكن لو تم استثمارها في مجالات إنتاجية أن تزيد الناتج القومي وتسهم في تشغيل القوى العاملة العاطلة ..... ثم بين الشيخ أن شراء العملات من المصارف بقصد تمويل عمليات الاستيراد، وليس بقصد تحقيق الربح من خلال الاتجار فيها: فهذا أمر جائز؛ لأن ذلك بقصد تحقيق التبادل السلعي والخدمي، وهي الوظيفة الأساسية التي من أجلها جعلت النقود، ويدل على ذلك حديث ابن عمر ﵄، الذي رواه أبو داود والنسائي، جاء فيه: (أتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، قلت: يا رسول الله: رويدك، أسألك، إني أبيع بالبقيع؛ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، و أعطي هذه من هذه، فقال رسول الله: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء)، فهذا الحديث يوضح دور التصارف وتبادل النقود بعضها ببعض من أجل تيسير التجارة؛ حيث إن القصد من ذلك: إتمام عمليات التبادل السلعي، وبالتالي: فإن شراء العملة الأجنبية بسعر يومها عند فتح الاعتماد، أو سداد قيمة السلعة
стр. 5528
الواردة عند وصول البضاعة بسعر فتح الاعتماد وبسعر سداد قيمة الاعتماد: هو ما يمكن أن يقاس على حديث ابن عمر ﵄ (١).
ولا شك أن القول بالكراهة متجه للأسباب التي سبق ذكرها، ولأن الاتجار اليوم في العملات بيعًا وشراء عن طريق البورصة فيه محاذير لا يحسن السلامة منها إلا رجل أعطي فقهًا وورعًا.
стр. 5529
الفرع الثاني
المتاجرة بالعملات الأجنبية والذهب بالأسعار الآجلة
ما يشترط له التقابض في العوضين أو في أحدهما لا يجوز بيعه ولا شراؤه في السوق الآجلة.
[ن-٧١] يتم بيع وشراء الذهب أو العملات بطريقة العمليات الآجلة، وذلك بتحرير عقود كتابية يتبادلها الطرفان، يتم فيها الاتفاق على أسعار هذه العملية عند التعاقد، بينما لا يتم التقابض للذهب أو للعملة إلا في وقت لاحق في المستقبل، وتكون الأسعار فيها قد تغيرت غالبًا.
وهناك تواريخ تكاد تكون ثابتة للعمليات الآجلة، وهي لمدة شهر، وشهرين، وثلاثة أشهر، وستة أشهر، وسنة، والعمليات التي تقل عن ستة أشهر هي الأكثر تداولًا، وسوقها دائمًا نشطة.
ومما لا ريب فيه أن المتاجرة بالعملات في الأسواق الآجلة محرم، وذلك لما يلي:
١ - أن المتبايعين في جميع أنواع البيوع الآجلة لا يقبضان العوضين، ومن شروط الصرف المجمع عليها التقابض قبل التفرق، قال ﷺ : (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) رواه مسلم.
٢ - أن هذه الأسعار مرتبطة بشكل مباشر بالفائدة، حيث تدخل هذه الفائدة كفرق سعر بين السعر الحاضر، والآجل (١).
стр. 5530
وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي:
ففي قرار المجمع رقم ٦٣ (١/ ٧) بشأن السوق المالية، والذي قد تضمن جملة من القرارات. جاء فيه:
«التعامل بالعملات: يتم التعامل بالعملات في الأسواق المنظمة بإحدى الطرق الأربع المذكورة في التعامل بالسلع.
ولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة».
والطريقة الثالثة والرابعة هي: أن يكون العقد على موصوف في الذمة في موعد آجل، ودفع الثمن عند التسليم، سواء تضمن شرطًا يقتضي أن ينتهي فعلًا بالتسليم والتسلم، أو لم يتضمن ذلك، بأن يمكن تصفيته بعقد معاكس.
وجاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع للرابطة:
«إن العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف: أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة) غير جائزة شرعًا؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك، اعتمادًا على أنه سيشتريه فيما بعد، ويسلمه في الموعد، وهذا منهي عنه شرعًا لما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تبع ما ليس عندك) وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) (١).
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى نقل القرار بكامل نصه عند الكلام على سوق المال في المجلد العاشر بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
* * *
стр. 5531
الصرف عن طريق البطاقات الائتمانية
الفرع الأول
شراء الذهب والفضة عن طريق البطاقات الائتمانية
القبض عن طريق بطاقة الائتمان بمثابة القبض بالشيك المصدق باعتبار أنها واجبة الدفع على مصدرها.
القبض ببطاقة الائتمان قبض حكمي يقوم مقام القبض الحقيقي.
[ن-٧٢] اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: لا يصح شراء الذهب أو الفضة ببطاقة الائتمان مطلقًا، أي سواء كانت البطاقة مغطاة، أو غير مغطاة.
وهذا اختيار الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير (١).
وقيل: يصح مطلقًا، لا فرق بين كون البطاقة مغطاة، أو ليست مغطاة (٢)، اختاره بعض الباحثين، كالشيخ عبد الستار أبو غدة (٣)، والشيخ نزيه حماد (٤)،
стр. 5532
والشيخ يوسف الشبيلي (١)، وغيرهم.
وقيل يجوز شراء الذهب والفضة إن كانت البطاقة مغطاة، ولا يجوز إن كانت البطاقة غير مغطاة، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي (٢)، واختاره بعض الباحثين (٣).
وجه من قال: لا يجوز شراء الذهب والفضة مطلقًا:
يقول الشيخ الصديق محمد الضرير: «الفورية المطلوبة شرعًا في شراء الذهب والفضة غير متحققة في الشراء بالبطاقة؛ لأن حامل البطاقة عندما يقدم البطاقة للتاجر يتسلم الذهب، ويوقع على القسيمة، لا يدفع الثمن للتاجر، والذي يدفع الثمن للتاجر هو بنك التاجر، أو البنك المصدر للبطاقة عندما يقدم التاجر إليهما القسيمة بعد فترة يتفق عليها، وهذه الفترة في حالة بنك التاجر تصل إلى ثلاثة أيام من تسلمه قسيمة البيع.
وهذا مختلف عما جاء في فتوى بيت التمويل الكويتي من أن القسيمة تصرف فورًا حال تقديمها إلى بنك التاجر.
وحتى لو صح ما في الفتوى من أن بنك التاجر يدفع ثمن الذهب فورًا عندما تقدم إليه القسيمة، فإن شرط التقابض في المجلس لا يكون متحققًا؛ لأن المجلس الذي يجب أن يتحقق فيه التقابض، هو مجلس الشراء الذي يتم بين حامل البطاقة والتاجر الذي يبيع الذهب، وليس مجلس تقديم القسيمة لبنك التاجر.
стр. 5533
وقياس بطاقة الائتمان على الشيك؛ لأن كلًا منهما أداة وفاء، قياس مع الفارق. والفارق: هو أن الشيك أداة وفاء في الحال، فيكون قبضه حكميًا لمحتواه، وبطاقة الائتمان أداة وفاء في المآل؛ لأن التاجر لا يستطيع أن يحصل على ثمن الذهب الذي اشترى بها إلا بعد فترة من الزمن، وهذا هو المأخذ الشرعي» (١).
دليل من قال: يصح شراء الذهب ببطاقة الائتمان مطلقًا:
الدليل الأول:
«أن فواتير البطاقة الائتمانية تعتبر واجبة الدفع من قبل البنك المصدر، ولا يتوقف ذلك على وجود رصيد للعميل لدى البنك من عدمه، ولا على الوفاء الفعلي من قبل العميل، فالفاتورة تعتبر ملزمة، وحتمية في حق البنك.
والشرط الأساسي فيها هو تثبت البائع من شخصية العميل، ومطابقتها للمدون في البطاقة، ومطابقة توقيعه على القسيمة، وتوقيعه على البطاقة، والتأكد من سريان صلاحية البطاقة، فإن تثبت من هذه الأشياء فالفاتورة تعتبر ملزمة للبنك، وواجبة الدفع، حتى ولو لم يكن البائع قد حصل على تفويض خاص بهذه العملية من البنك إذا كان ذلك ضمن الحدود المتفق عليها.
وعلى هذا فالفاتورة ليست مجرد شيك، بل هي في قوة الشيك المصدق، أو الشيك المحرر من البنك، لذا فالقبض في البطاقة الائتمانية ينبغي أن يلحق بالقبض بواسطة الشيك المصدق، أو الشيك المحرر من قبل البنك، وقد ذهب عامة الباحثين المعاصرين كما تقدم إلى أن الشيك إذا كان مصدقًا، أو محررًا من قبل البنك فإنه يقوم مقام قبض محتواه» (٢).
стр. 5534
الدليل الثاني:
«البطاقة الائتمانية أصبح لها من القبول عند الناس ما يضاهي أو يفوق الأوراق النقدية والتجارية، والقبض يستند في كثير من أحكامه إلى العرف، فمن يلزم الناس بشكل معين من أشكال القبض فعليه الدليل، فإن تعلل بأن العرف قاض بعدم اعتباره فهذا بحسب علمه واطلاعه، وإلا فإن العالم برمته يتجه إلى عصر اللا نقد، والبائع يفضل بلا تردد قبض الثمن عن طريق البطاقة على قبضه نقدًا؛ لكونه أحوط وأضبط، وأضمن، وأسلم، وأحفظ لماله، وليس أدل على ذلك من الكم الهائل بعدد الصفقات التي تجرى سنويًا بالبطاقات الائتمانية والتي تتجاوز تريليونات الدولارات، فدعوى أن العرف جار بعدم قبولها دعوى مردودة، وغير سائغة، بل وحتى في البلاد الإسلامية بدأت هذه البطاقات تكتسح الساحة، وتستحوذ على النصيب الأكبر من قيمة الصفقات.
ولا شك أن مصدر هذا القبول هو الضمان البنكي لأي قيمة يتم الشراء بها وفق الشروط والضوابط المتفق عليها، فالبائع سواء كان بنكًا أم غيره حين يقبض القسيمة فقد عد نفسه قابضًا للقيمة، ولا يكترث لعملية صرف هذه القسيمة أو تحويلها لحسابه، ولا يخشى من عدم قبولها لدى البنك المصدر، حتى إن من الشروط المتفق عليها أن البطاقة لو فقدت أو سرقت، واستخدمها غير صاحبها الشرعي، فالبائع لا يتحمل تبعة لهذا الاستخدام، وحقه ثابت له في محله، حتى ولو ثبت أن مستخدمها غير صاحبها ما دام قد قام بالواجب عليه، وإنما الذي يتحمل التبعة هو البنك المصدر إذا تمت الصفقة بعد إخطاره بضياع البطاقة، وأما قبل الإخطار فالذي يتحملها العميل؛ لأنه قد فرط بعدم التبليغ» (١).
стр. 5535
الدليل الثالث:
«وجود الأجل في صرف قسيمة البيع لا يؤثر في الحكم؛ لأننا إذا اعتبرنا قبض القسيمة كقبض المحتوى، فلا فرق بين أن يتم الصرف آنيًا، أو بعد حين؛ لأننا نعتبر أن القبض قد تم باستلام قسيمة البيع، فالشرط هو أن يتم تحرير القسيمة حالة، وأما صرف قيمتها فلا فرق بين أن يكون آنيًا أو مؤجلًا؛ لأن هذا الاعتراض وارد على كلا الحالين ففي الأولى ينتفي التقابض، وفي الثانية ينتفي الحلول، ولذا فإن من التناقض ما ذهب إليه بعضهم من التفرقة بين البطاقات التي يشترط مصدرها مهلة لتأمين تغطية قيمة القسيمة، والبطاقات التي لا يشترط مصدرها ذلك، فإما الإباحة في الجميع، وهو الصحيح، أو المنع في الجميع.
ومثل هذا الاعتراض يرد على الشيك المصدق، فمن أوجب على قابضه أن يصرفه حالًا لزم على قوله أن ينتفي القبض في المجلس حتى مع الحلول، وإلا كان تناقضًا.
والتأجيل قد يكون ملازمًا للشيك، ولو كان مصدقًا، أو محررًا من قبل البنك في كثير من الأحيان، فعلى سبيل المثال: لو حرر الشيك بعد ساعة إقفال البنك، أو في نهاية الأسبوع، أو في بلد لا يوجد فيها فرع للبنك المسحوب عليه، أو تماهل التاجر في صرف الشيك، أو كان التاجر يتعامل مع غير البنك المسحوب عليه، ورغب في إيداع الشيك في حسابه (إذ المقاصة بين البنوك تستلزم عدة أيام).
وقد اعتبر كل من مجلسي مجمع الفقه التابع للرابطة، ومجمع الفقه التابع للمنظمة أن قبض الشيك في الحوالات المصرفية يقوم مقام قبض محتواه، مع