الصرف عن طريق البطاقات الائتمانية
الفرع الأول
شراء الذهب والفضة عن طريق البطاقات الائتمانية
القبض عن طريق بطاقة الائتمان بمثابة القبض بالشيك المصدق باعتبار أنها واجبة الدفع على مصدرها.
القبض ببطاقة الائتمان قبض حكمي يقوم مقام القبض الحقيقي.
[ن-٧٢] اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: لا يصح شراء الذهب أو الفضة ببطاقة الائتمان مطلقًا، أي سواء كانت البطاقة مغطاة، أو غير مغطاة.
وهذا اختيار الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير (١).
وقيل: يصح مطلقًا، لا فرق بين كون البطاقة مغطاة، أو ليست مغطاة (٢)، اختاره بعض الباحثين، كالشيخ عبد الستار أبو غدة (٣)، والشيخ نزيه حماد (٤)،
стр. 5532
والشيخ يوسف الشبيلي (١)، وغيرهم.
وقيل يجوز شراء الذهب والفضة إن كانت البطاقة مغطاة، ولا يجوز إن كانت البطاقة غير مغطاة، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي (٢)، واختاره بعض الباحثين (٣).
وجه من قال: لا يجوز شراء الذهب والفضة مطلقًا:
يقول الشيخ الصديق محمد الضرير: «الفورية المطلوبة شرعًا في شراء الذهب والفضة غير متحققة في الشراء بالبطاقة؛ لأن حامل البطاقة عندما يقدم البطاقة للتاجر يتسلم الذهب، ويوقع على القسيمة، لا يدفع الثمن للتاجر، والذي يدفع الثمن للتاجر هو بنك التاجر، أو البنك المصدر للبطاقة عندما يقدم التاجر إليهما القسيمة بعد فترة يتفق عليها، وهذه الفترة في حالة بنك التاجر تصل إلى ثلاثة أيام من تسلمه قسيمة البيع.
وهذا مختلف عما جاء في فتوى بيت التمويل الكويتي من أن القسيمة تصرف فورًا حال تقديمها إلى بنك التاجر.
وحتى لو صح ما في الفتوى من أن بنك التاجر يدفع ثمن الذهب فورًا عندما تقدم إليه القسيمة، فإن شرط التقابض في المجلس لا يكون متحققًا؛ لأن المجلس الذي يجب أن يتحقق فيه التقابض، هو مجلس الشراء الذي يتم بين حامل البطاقة والتاجر الذي يبيع الذهب، وليس مجلس تقديم القسيمة لبنك التاجر.
стр. 5533
وقياس بطاقة الائتمان على الشيك؛ لأن كلًا منهما أداة وفاء، قياس مع الفارق. والفارق: هو أن الشيك أداة وفاء في الحال، فيكون قبضه حكميًا لمحتواه، وبطاقة الائتمان أداة وفاء في المآل؛ لأن التاجر لا يستطيع أن يحصل على ثمن الذهب الذي اشترى بها إلا بعد فترة من الزمن، وهذا هو المأخذ الشرعي» (١).
دليل من قال: يصح شراء الذهب ببطاقة الائتمان مطلقًا:
الدليل الأول:
«أن فواتير البطاقة الائتمانية تعتبر واجبة الدفع من قبل البنك المصدر، ولا يتوقف ذلك على وجود رصيد للعميل لدى البنك من عدمه، ولا على الوفاء الفعلي من قبل العميل، فالفاتورة تعتبر ملزمة، وحتمية في حق البنك.
والشرط الأساسي فيها هو تثبت البائع من شخصية العميل، ومطابقتها للمدون في البطاقة، ومطابقة توقيعه على القسيمة، وتوقيعه على البطاقة، والتأكد من سريان صلاحية البطاقة، فإن تثبت من هذه الأشياء فالفاتورة تعتبر ملزمة للبنك، وواجبة الدفع، حتى ولو لم يكن البائع قد حصل على تفويض خاص بهذه العملية من البنك إذا كان ذلك ضمن الحدود المتفق عليها.
وعلى هذا فالفاتورة ليست مجرد شيك، بل هي في قوة الشيك المصدق، أو الشيك المحرر من البنك، لذا فالقبض في البطاقة الائتمانية ينبغي أن يلحق بالقبض بواسطة الشيك المصدق، أو الشيك المحرر من قبل البنك، وقد ذهب عامة الباحثين المعاصرين كما تقدم إلى أن الشيك إذا كان مصدقًا، أو محررًا من قبل البنك فإنه يقوم مقام قبض محتواه» (٢).
стр. 5534
الدليل الثاني:
«البطاقة الائتمانية أصبح لها من القبول عند الناس ما يضاهي أو يفوق الأوراق النقدية والتجارية، والقبض يستند في كثير من أحكامه إلى العرف، فمن يلزم الناس بشكل معين من أشكال القبض فعليه الدليل، فإن تعلل بأن العرف قاض بعدم اعتباره فهذا بحسب علمه واطلاعه، وإلا فإن العالم برمته يتجه إلى عصر اللا نقد، والبائع يفضل بلا تردد قبض الثمن عن طريق البطاقة على قبضه نقدًا؛ لكونه أحوط وأضبط، وأضمن، وأسلم، وأحفظ لماله، وليس أدل على ذلك من الكم الهائل بعدد الصفقات التي تجرى سنويًا بالبطاقات الائتمانية والتي تتجاوز تريليونات الدولارات، فدعوى أن العرف جار بعدم قبولها دعوى مردودة، وغير سائغة، بل وحتى في البلاد الإسلامية بدأت هذه البطاقات تكتسح الساحة، وتستحوذ على النصيب الأكبر من قيمة الصفقات.
ولا شك أن مصدر هذا القبول هو الضمان البنكي لأي قيمة يتم الشراء بها وفق الشروط والضوابط المتفق عليها، فالبائع سواء كان بنكًا أم غيره حين يقبض القسيمة فقد عد نفسه قابضًا للقيمة، ولا يكترث لعملية صرف هذه القسيمة أو تحويلها لحسابه، ولا يخشى من عدم قبولها لدى البنك المصدر، حتى إن من الشروط المتفق عليها أن البطاقة لو فقدت أو سرقت، واستخدمها غير صاحبها الشرعي، فالبائع لا يتحمل تبعة لهذا الاستخدام، وحقه ثابت له في محله، حتى ولو ثبت أن مستخدمها غير صاحبها ما دام قد قام بالواجب عليه، وإنما الذي يتحمل التبعة هو البنك المصدر إذا تمت الصفقة بعد إخطاره بضياع البطاقة، وأما قبل الإخطار فالذي يتحملها العميل؛ لأنه قد فرط بعدم التبليغ» (١).
стр. 5535
الدليل الثالث:
«وجود الأجل في صرف قسيمة البيع لا يؤثر في الحكم؛ لأننا إذا اعتبرنا قبض القسيمة كقبض المحتوى، فلا فرق بين أن يتم الصرف آنيًا، أو بعد حين؛ لأننا نعتبر أن القبض قد تم باستلام قسيمة البيع، فالشرط هو أن يتم تحرير القسيمة حالة، وأما صرف قيمتها فلا فرق بين أن يكون آنيًا أو مؤجلًا؛ لأن هذا الاعتراض وارد على كلا الحالين ففي الأولى ينتفي التقابض، وفي الثانية ينتفي الحلول، ولذا فإن من التناقض ما ذهب إليه بعضهم من التفرقة بين البطاقات التي يشترط مصدرها مهلة لتأمين تغطية قيمة القسيمة، والبطاقات التي لا يشترط مصدرها ذلك، فإما الإباحة في الجميع، وهو الصحيح، أو المنع في الجميع.
ومثل هذا الاعتراض يرد على الشيك المصدق، فمن أوجب على قابضه أن يصرفه حالًا لزم على قوله أن ينتفي القبض في المجلس حتى مع الحلول، وإلا كان تناقضًا.
والتأجيل قد يكون ملازمًا للشيك، ولو كان مصدقًا، أو محررًا من قبل البنك في كثير من الأحيان، فعلى سبيل المثال: لو حرر الشيك بعد ساعة إقفال البنك، أو في نهاية الأسبوع، أو في بلد لا يوجد فيها فرع للبنك المسحوب عليه، أو تماهل التاجر في صرف الشيك، أو كان التاجر يتعامل مع غير البنك المسحوب عليه، ورغب في إيداع الشيك في حسابه (إذ المقاصة بين البنوك تستلزم عدة أيام).
وقد اعتبر كل من مجلسي مجمع الفقه التابع للرابطة، ومجمع الفقه التابع للمنظمة أن قبض الشيك في الحوالات المصرفية يقوم مقام قبض محتواه، مع
стр. 5536
أن صرف الشيكات في الحوالات يستلزم وجود أجل لانتقال المستفيد إلى البلد الذي يرغب تحويل النقد إليه» (١).
الدليل الرابع:
ما أشكل على بعض الباحثين من كون حامل البطاقة قد يشتري وليس لديه رصيد لدى البنك المسحوب عليه، فيكون تحريره للقسيمة بلا رصيد، فهذا لا إشكال فيه؛ لأن المقصود من قبض البائع هو تسلمه للقيمة سواء كان الدافع هو المشتري أو غيره، فلو أن شخصًا اشترى ذهبًا، وسدد عنه القيمة في مجلس الشراء شخص آخر، صح الصرف لوجود التقابض.
قال الشافعي: «من صرف من رجل دراهم بدنانير، فعجزت الدراهم، فتسلف منه دراهم فأتمه جميع صرفه، فلا بأس» (٢).
فما دام البنك المصدر ملتزمًا بتسديد قيمة الفاتورة للبائع فتوقيع العميل على القسيمة يقوم مقام مباشرته التسليم (٣).
وجه من اشترط أن تكون البطاقة الائتمانية مغطاة:
يرى هذا الفريق أن شراء الذهب ببطاقة الائتمان غير المغطاة لا يجوز؛ لعدم تحقق القبض في مجلس العقد.
ولأن البطاقة عندما تمرر على الجهاز لا يخصم من رصيده، وإنما يحصل التاجر على الموافقة على إتمام البيع، وهو ما يعرف بالخصم من السقف الائتماني، فليس هذا بقبض لا حقيقة ولا حكمًا، أما القول أن وجود قسيمة
стр. 5537
الدفع الموقعة من قبل حامل البطاقة قبض حكمي، وأن التاجر سيأخذ حقه، فهذا لا يعني الجواز؛ لأن التاجر بهذه القسيمة ضمن حقه فقط، ولم يقبض المال، إنما يقبضه بعد فترة، وضمان الحق لا يعني القبض؛ لأن التاجر لو وثق من العميل، فباعه الذهب، أو الفضة بالأجل لما جاز ذلك لعدم تحقق قبض الثمن في المجلس، حتى لو أن العميل كتب في ورقة أن عليه لزيد كذا لم يعتبر هذا قبضًا وإن كان التاجر قد ضمن حقه بهذه الورقة ولو تأملنا حقيقة معاملة البطاقة غير المغطاة لوجدناها مبنية على الدين والضمان، فحاملها إذا قبض السلعة كالذهب مثلًا يصبح مدينًا للتاجر، ثم يبرز البطاقة، وبذلك يقدم كفيله للتاجر، وهو البنك المصدر، أو شركة الفيزا مثلًا، والتاجر يثق في هذه الجهات، لأنها تضمن له الوفاء، وضمان الوفاء ليس وفاء وبذلك نعلم أن قبض الثمن لم يتحقق بالبطاقة إذا كانت غير مغطاة لا حقيقة ولا حكمًا (١).
وقد تضمن قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في قراره رقم: ١٠٨ (٢/ ١٢) بشأن موضوع بطاقات الائتمان، وفيه:
«لا يجوز شراء الذهب والفضة، وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة» (٢).
وعندي أن هذا القول هو أضعف الأقوال الثلاثة، لأننا إما أن نقبل بالقبض عن طريق البطاقة أو لا نقبل، أما التفريق بين أن تكون البطاقة مغطاة أو غير مغطاة فهذا لا تأثير له في حقيقة القبض، فالبنك في الرصيد المغطى لم يكن وكيلًا بالدفع فقط؛ لأنه ليس نائبًا في الأداء فقط،، بل هو كفيل ووكيل بالدفع،
стр. 5538
والوقت الذي يستغرقه دفع المبلغ إلى التاجر لا يختلف بين أن يكون الرصيد مغطى أو غير مغطى، وإنما الأمر يتعلق برجوع البنك بعد الدفع، فبعد أن يسدد البنك للتاجر من ماله يقوم بعد ذلك بالاستيفاء من العميل، فإن كان للمشتري رصيد كان الرجوع إلى رصيده، وإن لم يكن له رصيد رجع البنك إلى العميل نفسه، وطالبه بالسداد، أما البائع فهو قد ا ستلم حقه من مال البنك في الحالين.
الراجح:
الذي أميل إليه أن القبض ببطاقة الائتمان قبض حكمي صحيح لا يختلف عن القبض بالشيك المصدق، ولا عن القبض بالشيك المحرر من لدن المصرف، إن لم تكن أقوى منها، ويبقى النظر في المنع من التعامل ببطاقة الائتمان لموانع أخرى غير قضية القبض، والله أعلم، وسوف أتناول إن شاء الله تعالى بشيء من البسط أنواع البطاقات، وتاريخها، وتكييفها التكييف الشرعي في باب المعاملات المصرفية، بلغنا الله ذلك بحوله وقوته.
* * *
стр. 5539
الفرع الثاني
صرف العملات عن طريق استخدام بطاقات الائتمان
[ن-٧٣] عرفنا في البحث السابق حكم شراء الذهب والفضة عن طريق دفع الثمن ببطاقات الائتمان، ونريد أن نبحث في هذه المسألة حكم ما إذا ترتب على هذا الشراء صرف عملة بأخرى، وفي أحيان كثيرة تكون عملية الصرف من لازم الشراء، وإن لم يقصد المتعامل ببيعه وشرائه صرف نقود بأخرى، وذلك أن البطاقة لما كان لها صفة العالمية، وكان صاحبها يستطيع أن يستخدمها في معظم دول العالم، فإذا اشترى سلعًا فإن بنك التاجر يسدد عن حاملها فورًا بعملة البلد المستخدمة فيه، ثم يعود على المنظمة الراعية للبطاقة والتي تدفع له بالدولار، ثم تعود على مصدر البطاقة لتأخذ منه ما دفعته بالدولار، ثم يعود مصدر البطاقة على حاملها ليسدد له بعملة بلده بالريال مثلًا، خلال مدة السماح المجانية، فهذه عملية صرف المقصود منها استيفاء ما وجب على المستفيد، وليس المقصود منها المعاوضة، فما حكم هذه العملية؟
أما من منع شراء الذهب والفضة ببطاقة الائتمان منع الصرف فيها، حيث لا فرق عنده بين المسألتين.
وهناك من أهل العلم من أجاز المسألتين، فلم يفرق بينهما، وفي الحالين أدلتهم في هذه المسألة هي أدلتهم في مسألة بيع وشراء الذهب ببطاقة الائتمان، وسبق بحثها في المسألة السابقة، فأغنى عن إعادتها هنا.
وهناك فريق ثالث من أهل العلم أجاز شراء الذهب والفضة ببطاقة الائتمان، كما أجاز السحب النقدي بالبطاقة ولو لم يكن هناك تغطية في رصيده إذا لم يتقاض المصدر فوائد أو عمولة على الاقتراض زائدة عن النفقات الفعلية لتقديم
стр. 5540
هذه الخدمة، ومنع من الشراء بها سلعًا إذا ترتب على هذا الشراء صرف عملة بأخرى، وهذا القول هو الذي يعتبر فيه إضافة على المسألة السابقة، ونريد في هذا المبحث أن نطلع على وجهة نظر من يرى هذا القول، ومقدار وجاهة هذا القول، ومن هؤلاء الدكتور نزيه حماد.
وجه من منع الشراء بالبطاقة إذا ترتب على هذا الشراء مصارفة:
اعتمد القائلون بالتحريم على ثلاثة محاذير:
المحذور الأول: في التأخر في قبض بدل الصرف.
وذلك أن مصدر البطاقة يجري الصرف مع حاملها إلى العملة المحلية بمجرد سداده بالعملة الأخرى، ولا يطالب حاملها ببدل الصرف إلا عند إصدار الفاتورة لاحقًا مع إعطائه مهلة سماح مجانية للسداد ... وهذا التراخي غير جائز شرعًا في قول سائر أهل العلم؛ لأنه من ربا النسيئة (ربا البيوع) الذي هو ذريعة إلى ربا النسيئة (ربا الديون) الذي هو صلب الربا وأساسه (١).
стр. 5541
المحذور الثاني: في وقت سعر الصرف.
يقول الشيخ عبد الستار أبو غدة: «في حالات عديدة يقوم العميل حامل البطاقة باستخدام بطاقته لسداد قيمة مشتريات أو خدمات تختلف عن عملة حساب البطاقة التي يتعامل بها مع البنك المُصْدِر، وحيث إن هذا الأخير يدفع تلك المبالغ لمستحقيها بالدولار عادة، فإن تسوية المعاملة تحتاج إلى عملية صرف أو تحويل المستحقات من الدولار إلى العملة المحلية.
стр. 5542
فبعض البنوك المصدرة تقوم بعملية الصرف على أساس السعر المعلن لديها في يوم قيد قيمة تلك المشتريات أو الخدمات على حساب العميل حامل البطاقة، أو بزيادة نسبة معلومة.
وبعض البنوك يعتمد سعر الصرف السائد في التاريخ الذي تم فيه سداد القيمة من جانب البنك نيابة عن العميل حامل البطاقة.
وبعضها يعتمد سعر الصرف السائد في تاريخ استلام بيان المبالغ المستحقة من المنظمة العالمية» (١).
مع أن الواجب أن يعتمد سعر الصرف في يوم سداد المستفيد للقرض الذي عليه.
(ح-٨٤٠) كما في حديث ابن عمر قال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (٢).
المحذور الثالث: اجتماع الصرف والقرض.
يقول الشيخ عبد الله بن محمد العمراني: «عقد الصرف نوع من البيوع، فلا يجوز اجتماعه مع القرض، لحديث: (لا يحل سلف وبيع) لئلا يؤدي إلى المحاباة في سعر الصرف من أجل القرض.
والواقع يدل على أن سعر الصرف في العمليات ا لتي تجري ببطاقة الائتمان أعلى من سعر الصرف السائد في ذلك الوقت في العمليات التي تجري بدونها،
стр. 5543
وعلى هذا التركيب في هذه الحالة - فيما يظهر - يؤدي إلى المنع خروجًا من شبهة الربا» (١).
وأرى أن هذا لا يدخل في النهي عن سلف وبيع؛ لأن الأصل في بطاقة الائتمان القرض وحده، وأما الصرف فيأتي تبعًا، وهو من باب الاستيفاء، وليس من باب المعاوضة وطلب الربح، ولذلك نشترط أن يكون ذلك بسعر يوم الصرف حتى لا يكون هناك محاباة في الصرف، ولو كان ذلك من باب سلف وبيع لما صح فعل ابن عمر حيث كان يبيع ويصارف، فهو يبيع الإبل بالدراهم، ثم عند الاستيفاء يأخذ الدنانير، فهو جمع بين دين، وصرف، وبيع.
فالبيع جاء من قول ابن عمر (كنا نبيع الإبل .. ).
وأما الدين: فلأن الثمن يبقى دينًا في ذمة المشتري؛ لأنه لو كان حالًا لما احتاج أن يبيع ابن عمر بالدراهم ويأخذ الدنانير، لأنه كان بالإمكان أن يبيع مباشرة بالدنانير، ولا يحتاج إلى عملية المصارفة ما دام أنه لن يربح فيها، ولكن ابن عمر كان يترك الثمن دينًا في ذمة المشتري.
ولا فرق بين أن يكون الدين جاء من قرض أو من بيع (٢).
وأما الصرف: فلأنه إذا جاء وقت الاستيفاء، ولم يكن مع المشتري جنس الثمن المطلوب منه صارفه ليستوفي حقه، فكانت المصارفة هنا من باب الاستيفاء، وليست من باب المعاوضة، ولهذا كان هذا مشروطًا بحيث لا يربح عليه، وأن يكون مقبوضًا في مجلس العقد.
стр. 5544
وجه من رأى جواز الشراء بالبطاقة ولو ترتب على الشراء مصارفة
عمدة من يرى جواز ذلك حديث ابن عمر:
(ح-٨٤١) فقد روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، هو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٢).
فالمطلوب في صرف ما وجب في الذمة أمران:
الأول: أن يتم التقابض في المجلس، بحيث لا يتفرقا وبينهما شيء.
الثاني: ألا يربح في عملية الصرف؛ لأن المراد من الصرف هو الاستيفاء، وليس المعاوضة حتى لا يربح فيما لم يضمن.
(ح-٨٤٢) فقد روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٣).
стр. 5545
[إسناده حسن] (١).
فإذا علم هذا، فإن تنزيل مسألة الصرف في بطاقة الائتمان على حديث ابن عمر لا يخلو من حالين:
يقول الدكتور عبد الله السعيدي: «الأول: أن يكون للعميل رصيد في البنك يقابل مصروفاته.
والثاني: أن لا يكون له رصيد في البنك يقابل مصروفاته.
فإن كان الأول فإن سعر الصرف الذي ينبغي الاعتبار به: هو سعره يوم أداء البنك للطرف الثالث (المستفيد) إذ هو اليوم الذي قامت فيه الحاجة إلى المصارفة، فكان الاعتبار بسعره لحديث ابن عمر السابق.
وإن كان الثاني: وهو أن العميل ليس له رصيد يقابل مصروفاته، والفرض أن المصرف قام بالأداء عنه فإن المصرف حينئذ يكون مقرضًا له، فإذا استدعى الأمر المصارفة فإن سعر الصرف الذي ينبغي الاعتبار به: هو سعر يوم أداء العميل للبنك، إذ هو اليوم الذي قامت فيه الحاجة إلى المصارفة، فكان الاعتبار بسعره عملًا بحديث ابن عمر المتقدم» (٢).
وفي الحالين لا يعتبر هناك عملية تأخر في قبض بدل الصرف، لأنه في الحال الأولى يكون البنك لديه رصيد للعميل، فهو في ذمته مال للمستفيد، وما في الذمة في حكم المقبوض.
وفي الحال الثانية لم تجر عملية الصرف إلا عند حضور المستفيد ليؤدي ما وجب عليه في ذمته من قرض للبنك أو لمصدر البطاقة، وبالتالي تكون عملية
стр. 5546
الصرف قد تمت في حضوره مع حصول القبض الحقيقي الواجب شرعًا، فليس في المسألة عملية تأخير.
فإن كان واقع الحال كما ذكره الدكتور عبد الله السعيدي فالقول بالجواز متجه، لأنه لا محذور شرعًا في عملية الصرف، والله أعلم.
وإن كان واقع الحال غير ما ذكره الدكتور فلا مانع من اشتراط ذلك بين مصدر البطاقة والمستفيد، والأمر ليس صعبًا خاصة أن الشيخ عبد الستار أبو غدة نقل اختلاف التعامل بين بطاقة وأخرى كما نقلناه عنه، فلا مانع من اشتراط ذلك، وأن يتولى بنك المستفيد وضع هذا الشرط ضمن العقد، ولن يتضرر أحد منهما.
وقد أثبت الشيخ الشبيلي أن كثيرًا من المصارف الإسلامية لا تراعي الضوابط الشرعية في عملية المصارفة، وإذا كان هذا شأن المصارف الإسلامية فكيف بغيرها.
يقول الشيخ يوسف الشبيلي: «لو كان العميل من حاملي بطاقة الفيزا، واستخدمها في معاملة تجارية بالمارك، فإذا أراد البنك تحويل فاتورة الشراء التي بالمارك إلى العملة المحلية، أو إلى الدولار، فيجب أن يكون الصرف على أساس السعر الأدنى بالنسبة للمارك ..... وذلك لئلا يربح فيما لم يضمن، ولقوله ﵊ لابن عمر لما سأله عن المصارفة بين الدينين: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها) فيكون الصرف بالسعر الأدنى، أو أقل، ولا يربح فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا اعتاض عن ثمن المبيع، أو القرض، فإنما يعتاض عنه بسعر يومه، كما في السنن عن ابن عمر ﵄ وذكر الحديث السابق - فيجوز الاعتياض بالسعر لئلا يربح فيما لم يضمن أهـ كلام شيخ الإسلام.
стр. 5547
وقوله ﵊: (بسعر يومها) المقصود به سعر يوم الأداء، لا يوم الاقتراض، أو البيع.
والواقع أن هذه القضية ليست بتلك الدرجة من الوضوح عند كثير من المصارف الإسلامية، فنجد أنها في عملية صرف العملات للديون الثابتة في ذمم عملائها - سواء أكانوا مصدرين أو مستوردين، أو حاملي البطاقات الائتمانية ترتكب خطأين:
الأول: أنها تصرف العملات بالسعر الأعلى لها، وفي بعض الأحيان تضيف إلى المبلغ الذي يتم تحويله نسبة معينة ١% مثلًا.
الثاني: أن سعر الصرف لا يحدد في يوم الأداء، بل يحدد في يوم الاقتراض، أو بعده بيسير، وفي بعض الأحيان تتحين اليوم الذي يكون فيه الصرف مناسبًا لها، مع أن مفهوم حديث ابن عمر السابق يجب أن يكون الصرف ملازمًا للقبض، والقبض لا يكون إلا في يوم الأداء، فإذا تصارفا من غير قبض فقد وقعا في ربا النسيئة». اهـ كلام الشيخ (١).
وقد صدرت فتوى في شأن هذه المسألة في ندوة البركة الثانية عشرة، ونصها:
«يجوز اتفاق البنك المصدر مع حامل البطاقة على تحويل قيمة المبالغ المستحقة، باستخدام السعر المعلن لدى البنك يوم إجراء قيد العملية لصالح التاجر (يوم السداد) وذلك بالحسم من حساب حامل البطاقة إن كان فيه رصيد، أو بإقراض البنك له بدون فوائد بإضافة المبلغ إلى حسابه المكشوف، ثم الحسم منه إن كان البنك قد وافق على إقراضه في هذه الحالة. ويعتبر شرط التقابض
стр. 5548
متوفرًا، وهو من قبيل القبض الحكمي؛ لأن هذا صرف ما في الذمة، وهو جائز عند جمهور العلماء» (١).
وفي خلاصة البحث أهيب بالمصارف عمومًا، وخاصة الإسلامية منها أن تضع الشروط بينها وبين مصدري البطاقة الائتمانية ضمن العقد الموقع بينهما، بحيث يراعى في الصرف أمران مهمان لسلامتها من الربا:
الأول: مراعاة أن يكون سعر الصرف ملازمًا للقبض، والقبض لا يكون إلا في يوم الأداء، حتى لا نقع في ربا النسيئة.
الثاني: أن يكون سعر الصرف على أساس السعر الأدنى، أو أقل منه، لئلا يربح فيما لم يضمن، والله أعلم.
* * *
стр. 5549
الفصل السادس
في اجتماع البيع والصرف
قال ابن العربي: «كل عقدين يتضادان وصفًا ويتناقضان حكمًا، فإنه لا يجوز اجتماعهما، أصله البيع والسلف» (١).
قلت: اختلاف حكم العقدين لا يمنع اجتماعهما ما لم يترتب على ذلك محذور شرعي.
[م-١٢٣٥] اختلف العلماء في الجمع بين البيع والصرف:
فقيل: لا يجوز الجمع بين البيع والصرف مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (٢)،
وأحد القولين في مذهب الشافعية (٣)،
стр. 5550
وقول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: يجوز مطلقًا، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٢)، وظاهر مذهب الحنفية (٣).
وقيل: يجوز إن لم يشرط في العقد، وهذا مذهب الحنابلة (٤).
دليل من قال: لا يجوز الجمع بين البيع والصرف:
قال ابن العربي: «كل عقدين يتضادان وصفًا ويتناقضان حكمًا، فإنه لا يجوز اجتماعهما، أصله البيع والسلف، فركبه على جميع مسائل الفقه، ومنه البيع
стр. 5551
والنكاح ... ومن هذا الباب الجمع بين العقد الواجب والجائز، ومثله بيع وجعالة .... وأمثال ذلك لا تحصى» (١).
وأما وجه منافاة أحكام البيع لأحكام الصرف:
فإن «الصرف مبني على غاية التضييق، حتى شرط فيه التماثل الحقيقي في الجنس، والتقابض الذي لا تردد فيه، ولا تأخير، ولا بقاء علقة، وليس البيع كذلك» (٢).
وجه من قال: يجوز الجمع بين البيع والصرف:
الأصل في العقود الإباحة والصحة، واختلاف حكم العقدين لا يمنع صحة العقد، ولأن كل واحد من العقدين جائز على انفراد، فجازا مع الاجتماع، خاصة أن اجتماعهما لا يترتب عليه محذور شرعي.
دليل من قال: يجوز الجمع بين البيع والصرف إن لم يشترط:
(ح-٨٤٣) استدلوا بما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا محمد بن عمرو، ثنا أبو سلمة.
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (٣).
[إسناده حسن] (٤).
وقد سبق لنا خلاف العلماء في تفسير حديث النهي عن بيعتين في بيعة، والراجح في ذلك، بما يغني عن إعادته هنا.
стр. 5552
الراجح في الجمع بين العقود المشتركة:
أن يمنع الجمع بين كل عقدين يترتب على الجمع بينهما محظور شرعي، وإن كان كل واحد منهما جائزًا بمفرده.
من ذلك: أن يقول أبيعك هذه السلعة بمائة إلى سنة، على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا بيع العينة المنهي عنه (١).
ومنه لو باع عليه ذهبًا، واشترط عليه أن يشتري منه بثمنه ذهبًا آخر، فإنه حيلة لمبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل.
ومنه لو باعه الجمع بالدراهم، ثم ابتاع بالدراهم جنيبًا، وكان ذلك عن مواطأة أو شرط.
وكذلك لو باع عليه سلعة بشرط أن يقرضه، فإنه يدخل في القرض إذا جر نفعًا، وهكذا، ولا يدخل في ذلك العقدان الذي لم يترتب على جمعهما محذور شرعي، كما لو باعه سيارته بشرط أن يصارفه الدراهم التي معه بدنانير مثلًا، فإنه لا مفسدة ولا محذور في جمع العقدين في عقد واحد، والله أعلم.
* * *
стр. 5553
الفصل السابع
التصرف بثمن الصرف قبل قبضه
قال ابن رجب: ما اشترط القبض لصحة عقد لا يصح التصرف فيه قبل القبض لعدم ثبوت الملك (١).
[م-١٢٣٦] اختلف الفقهاء في جواز التصرف في بدل الصرف قبل قبضه.
فقيل: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 5554
وقيل: يجوز التصرف ببدل الصرف قبل قبضه، وهو قول زفر من الحنفية (١)، والإمام مالك (٢).
دليل من قال: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه:
الدليل الأول:
القياس على الطعام الذي فيه حق توفيه، بجامع أن كلًا منها يعتبر قبضه شرطًا لبقاء العقد على لصحة.
(ح-٨٤٤) فقد روى الشيخان من طريق نافع.
عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه (٣).
وفي رواية للشيخين من طريق عبد الله بن دينار، قال:
سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ : من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه (٤).
стр. 5555
الدليل الثاني:
أن التصرف ببدل الصرف قبل قبضه تصرف بشيء لم يثبت ملكه عليه، لأن القبض شرط لصحة العقد، أو لبقاء العقد على الصحة، وانتفاء القبض يبطل العقد، فلا يصح ورود عقد آخر عليه قبل انبرامه، وإذا تصرف فيه قبل قبضه فقد تصرف في ملك غيره.
الدليل الثالث:
أن الأثمان في الصرف كل واحد منها يصدق عليه أنه مبيع، وتجويز التصرف فيها قبل قبضها تجويز للتصرف في المبيع قبل قبضه، وهذا ممنوع.
وجه من قال: بصحة التصرف في الثمن:
لما كانت النقود لا تتعين بالتعيين، فإذا عقد على بدل الصرف لم يتعين عليه أن يدفع بدل الصرف ثمنًا لها، وكان له أن يدفع من أي ماله شاء، فالواجب أن يدفع مثل بدل الصرف، ويكون تسميته بدل الصرف من باب الحاجة إلى تقدير ثمن السلعة، فإضافة العقد إلى بدل الصرف كعدم إضافته، فيجوز كما يجوز شراء ثوب بدراهم لم يصفها (١).
ويناقش:
بأن الذي لا يتعين بالتعيين هو الثمن، وليس المبيع، فإن المبيع يتعين بالتعيين، وبدل الصرف يصدق على كل واحد منهما أنه مبيع وثمن، وإذا كان كل عقد لا بد له من مثمن (مبيع) كان التصرف في بدل الصرف تصرفًا في المبيع قبل قبضه، وهذا لا يجوز (٢).
стр. 5556
الراجح:
أرى أن مذهب الجمهور أقوى من حيث الاستدلال، وهو واضح إن كان التصرف بثمن الصرف مع شخص أجنبي، ولكن إن تصرف بثمن الصرف مع من هو عليه، فهل هذه المسألة يمكن تخريجها على بيع الدين على من هو عليه، فينبغي أن يجوز إلا أنه يشترط ألا يربح فيه، لأنه إن ربح فيه فقد ربح بشيء لم يدخل ضمانه، وقد ثبت النهي عن ربح ما لم يضمن.
أو نقول: إن هذه المسألة لا تدخل في بيع الدين على من هو عليه عند من يجيزه؛ لأن الدين حتى الآن لم يثبت على من هو عليه، فإن القبض في دين الصرف يختلف عن القبض في العقود الأخرى غير الربوية، حيث إن القبض فيها شرط لبقاء العقد على الصحة، والتصرف فيه قبل قبضه يفوت هذا القبض، ولا يمكن الاستدلال بأثر ابن عمر ﵁، قال:
كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).
وذلك أن الدنانير أو الدراهم كانت قيمة للإبل، وهي من العروض، وليست من الأثمان، فكان الدين من الدين الثابت المستقر في الذمة، ولم يكن قبض الثمن شرطًا في صحة البيع، أو شرطًا في بقاء العقد على الصحة، والله أعلم.
* * *
стр. 5557
فرع
شراء الحلي بثمن الحلي المبيع قبل قبضه
[م-١٢٣٧] يتخرج على المسألة السابقة (التصرف بثمن الصرف قبل قبضه) مسألة مشهورة في وقتنا، بحيث تذهب المرأة بذهبها القديم إلى الصاغة، وتسأله عن سعر شراء الجرام من الذهب، ويكون للمحل تسعيرتان، سعر للشراء، وسعر للبيع، فتطلب منه أن يزن الذهب الذي معها، ثم قبل قبض ثمنه يشترون منه ذهبًا جديدًا، وتجري المقاصة بين الثمنين.
فيتخرج للفقهاء في هذه المسألة قولان، بناء على أقوالهم في التصرف بثمن الصرف قبل قبضه، والتي تم بحثها في المسألة السابقة.
فالجمهور على أنه لا يجوز، وبه قال شيخنا محمد بن عثيمين ﵀ (١).
وذهب الإمام مالك، وهو قول زفر من الحنفية إلى الجواز.
جاء في المدونة: «أرأيت إن صرفت دينارًا بعشرين درهمًا، فأخذت منه عشرة دراهم، وأخذت بعشرة منها سلعة. قال مالك: لا بأس بذلك، وكذلك لو صرفت دينارًا بدراهم، فلم أقبض الدراهم حتى أخذت بها سلعة من السلع، قال مالك: لا بأس بذلك» (٢).
وظاهره أنه يجوز مطلقًا، لكن جاء في مواهب الجليل ما يفيد أنه إن اشترى ببدل الصرف عرضًا جاز مطلقًا قبل القبض، وإن صارفه بها لم يجز حتى يطول الفصل بين الصفقتين.
стр. 5558
جاء في مواهب الجليل: «وقال في المسائل الملقوطة في المسائل التي انفرد بها مالك: من باع من رجل دراهم بدنانير، وقبض الدنانير، ثم باعه بالدراهم عرضا جاز انتهى. بخلاف ما إذا أراد أن يصرف منه الدنانير بدراهم، فإنه لا يجوز حتى يطول الفصل بين الصفقتين» (١).
وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في المسألة السابقة، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.
وما رجحته هناك أرجحه هنا، وهو أن التصرف بثمن الصرف قبل قبضه الراجح فيه المنع، لا فرق في ذلك بين أن يكون الثمن دينًا على من هو عليه، أو على غيره، وذلك أن الدين لم يثبت على من هو عليه قبل قبضه، والله أعلم.
* * *
стр. 5559
الفصل الثامن
إذا تصارفا في الذمة ثم اقترض ما وجب عليه
المبحث الأول
أن يستقرضا أو أحدهما من رجل أجنبي
قال البهوتي: القبض بالمجلس كالقبض حال العقد (١).
[م-١٢٣٨] إذا تصارف المتعاقدان، وليس في أيديهما شيء، ثم اقترض كل واحد منهما من رجل أجنبي عن العقد ما وجب عليه، وسلمه إلى صاحبه في المجلس، فقد اختلف العلماء في ذلك.
القول الأول:
إن كانت المصارفة دراهم بدنانير صح الصرف؛ وإن كان البيع تبرًا بتبر، ففيه قولان، وهذا مذهب الحنفية (٢).
وجه التفريق بين النقد وبين التبر:
الفرق أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقد إذ لو عينا لم يتعينا؛ لأن
стр. 5560
للعاقد أن يدفع مثل ما عين وإذا لم يتعينا لم يمنع صحة العقد فانعقد العقد بمضمون في ذمتهما إلا أن عقد الصرف يحتاج إلى القبض في المجلس فإن وجد القبض فقد تم العقد، وليس كذلك التبر بالتبر لأنهما يتعينان في العقد بدليل أنه لو باع تبرًا بتبر بعينه ثم أراد أن يمسكه ويسلم تبرًا مثله لم يكن له ذلك وكان حكم بيعه قبل استقراضه حكم بيع الشيء المعين قبل تملكه، وهذا غير جائز (١).
ويناقش:
بأنه إن باع تبرًا معينًا قبل استقراضه لم يصح، لأنه باع ما لا يملك، ولكن ما المانع أن يبيع تبرًا موصوفًا في الذمة، ثم يستقرضه، ويسلمه في مجلس العقد، فلا يكون حق المشتري قد تعلق بشيء معين.
القول الثاني:
يصح الصرف إذا اقترض في المجلس، هو مذهب الشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣)، وأحد القولين في مذهب الحنفية (٤).
стр. 5561
وجه القول بالصحة:
أن الشرط هو القبض في مجلس العقد؛ فإذا حصل فقد صح العقد؛ لأن القبض في مجلس العقد كالقبض حالة العقد.
القول الثالث:
إن كان الاستقراض من الطرفين فالصرف باطل، وهو مذهب المالكية وقول زفر من الحنفية (١).
وإن كان الاستقراض من طرف واحد، فاختلف المالكية.
فقيل: يصح، وهو المشهور من المذهب (٢).
وقيل: لا يصح، وهو اختيار أشهب من المالكية (٣).
دليل المالكية على التفريق بين أن يكون القرض منهما أو من أحدهما:
أن من شرط الصرف المناجزة وعدم التراخي، لقوله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء.
стр. 5562
فإذا كان كل واحد منهما سوف يقترض عوض الصرف كان ذلك مظنة التراخي. فلم يصح، وأما إذا كان الاستقراض من أحدهما، ولم يطل فإن ذلك جائز؛ لأن ذلك بمنزلة حل الصرة.
وقد بينا في مسألة سابقة: أن المناجزة في الصرف ليست واجبة، وإنما الواجب التقابض في مجلس العقد، بدليل قوله ﷺ : (ما لم تفترقا وبينكما شيء) (١).
وجه قول زفر في التفريق بين أن يكون القرض منهما أو من أحدهما:
أن الصرف لا يجوز حتى تظهر إحدى العينين وتعين، فإن لم يكن ذلك لم يجز، نحو أن يقول: اشتريت منك ألف درهم بمائة دينار، وسواء كان ذلك عندهما أم لم يكن، فإن عين أحدهما جاز.
وإنما منع من ذلك حتى يعين أحدهما حتى لا يكون بيع دين بدين (٢).
ويناقش:
بأننا إذا قلنا: إن الدراهم لا تتعين بالتعيين، لم يكن تعيين أحد العوضين في العقد لازمًا لصحة العقد، فالواجب سيتعلق بالذمة، وهذا يجعل المسألة لا فرق بين تعيين أحدهما، وبين عدم التعيين.
دليل أشهب على المنع حتى ولو كان القرض من أحدهما:
(ح-٨٤٥) استدل أشهب على المنع بما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب
стр. 5563
بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز) وقد تم العقد قبل الاستقراض، فكان أحدهما غائبًا.
ويناقش:
بأن حديث (لا تبيعوا منها غائبًا بناجز) معناه: لا يباع عاجل بآجل، أو مقبوض بغير مقبوض، والقبض بالمجلس كالقبض حال العقد
القول الرابع:
القول بالجواز ما لم يكن ذلك عن شرط، وهذا قول ابن حزم (٢).
واستدل ابن حزم بأنه لا يوجد دليل من قرآن، ولا من سنة يمنع من صحة الصرف، فإن كان هناك شرط لم يصح بناء على مذهب ابن حزم في الشروط، وأن الأصل فيها التحريم والبطلان إلا ما دل الدليل على صحته.
والراجح:
ما ذهب إليه الجمهور من صحة الصرف، وأن الشرط في الصرف هو القبض في المجلس قبل التفرق، وقد وجد، ولا يؤثر في صحة العقد لو شرط ذلك.
* * *
стр. 5564
المبحث الثاني
أن يقترض أحد المتصارفين من الآخر
[م-١٢٣٩] إذا صارف رجل آخر دينارًا بعشرين درهما، وكان معه عشرة دراهم، فدفعها له، ولما قبض الدينار تسلف منه ما دفعه إليه، ثم ردها إليه في صرف ديناره.
فقيل: لا يصح مطلقًا وهذا مذهب المالكية (١).
وقيل: يصح الصرف إن استقرضه غير الذي دفعه إليه، فإن استقرضه عين المال الذي دفعه إليه فوجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو وجه في مذهب الشافعية.
وقيل: يصح الصرف، وهذا القول هو مذهب الشافعية (٢)،
واختيار
стр. 5565
ابن حزم (١)، والمذهب عند الحنابلة إلا أنهم اشترطوا أن يكون ذلك بدون حيلة (٢).
وجه من قال: لا يجوز مطلقًا:
علل المالكية ذلك: بأنه إذا صرف دنانير بدراهم، ثم اقترض منه الدراهم فقام برد الدراهم التي استقرضها، صار الأمر كأنه أخذ دنانير بدراهم إلى أجل، وهذا لا يجوز (٣).
وجه من قال: يصح بشرط أن لا يقرضه عين المال الذي دفعه:
علل الشافعية عدم الجواز إن استقرضه عين المال الذي دفعه بأمرين:
أحدهما: أن القرض لا يملك إلا بالتصرف، وهذه الدراهم لم يتصرف فيها، وإنما ردها بحالها، فكان ذلك فسخًا للقرض (٤).
ونوقش:
بأن رده للدراهم يعتبر نوعًا من التصرف فيها.
стр. 5566
الأمر الثاني: أن التصرف فيها بإقراضها كان ذلك قبل انبرام العقد بينهما، وهذا باطل، لأن الصرف لا ينعقد قبل التقابض (١).
وجه من قال بالجواز إن كان ذلك بدون حيلة:
إن اتخذ القرض حيلة لمبادلة الربوي بالربوي مع التفاضل فإن هذا لا يجوز فإن الحيل لا تبيح المحرمات، ولا تسقط الواجبات، ويكون حكمه حكم ما لو اشترط القرض في البيع، واشتراط القرض في البيع مبطل للعقد بالإجماع، وقد سبق بحثه، وإن كان ذلك بدون حيلة، فالأصل فيه الحل والصحة، حيث لم يتفرقا إلا وقد تقابضا، والله أعلم.
الراجح:
أرى - والعلم عند الله - أن مذهب الحنابلة القائل بجواز ذلك بشرط ألا يكون ذلك من باب التحايل لمبادلة الربوي بالربوي مع التفاضل هو الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 5567
الفصل التاسع
اجتماع الصرف والحوالة
تمهيد
التعريف باجتماع الصرف والحوالة
إذا تقدم رجل بنقوده أو شيكه الذي يمثل ريالات سعودية مثلًا إلى أحد المصارف في البلاد السعودية، وهو يريد أن يحول هذه النقود إلى البلاد المصرية، أو يريد أن يستلمها هناك جنيهات مصرية هو أو وكيله، فيقوم المصرف بإجراء صرف الريالات إلى جنيهات مصرية، ويسلم العميل شيكًا يتضمن المبلغ من الجنيهات المصرية قيمة لريالاته، ثم يحوله إلى فرع له في القاهرة، أو يحوله إلى مصرف آخر يعتبر وكيلًا له، ويمكن أن يرسل برقية، أو فاكسًا، أو تلكسًا، أو مكالمة تلفونية إلى المصرف المذكور، تتضمن تسليم المبلغ المذكور، ويحصل المصرف في هذه الحالة على أجرة، وعلى مصاريف البرقية، أو التلكس، أو نحوهما.
ويجب أن تجري عملية الصرف قبل التحويل؛ لأن الصرف يجب فيه التقابض قبل التفرق، وذلك بأن يقوم العميل بتسليم المبلغ للبنك، ويقوم البنك بتقييد ذلك له في دفاتره بعد الاتفاق على سعر الصرف المثبت في المستند المسلم للعميل قبل التفرق.
كما يجب أن يكون لدى البنك فعلًا العملة التي صارفه بها العميل، ولا يكفي ملاءته، وقد سبق لنا أن القيد المصرفي يقوم مقام القبض الشرعي. وبعد إنهاء عملية الصرف تجري الحوالة.
стр. 5568
وتتم التحويلات المصرفية المعاصرة بواحدة من الطريقتين:
الأولى: حوالة عاجلة، يأمر بها المصرف المحلي فرعه، أو المصرف الأجنبي الذي يراسله عن طريق الإبراق، أو الهاتف، أو غيرها من وسائل الاتصال الفوري الحديثة، فيضع المبلغ المتفق عليه تحت تصرف المستفيد (المحول إليه) في الحال.
الطريقة الثانية: حوالة كتابية لدى الاطلاع، بأن يسلم المصرف المحلي أمرًا كتابيًا يسلمه المصرف للعميل ليتولى إرساله للمستفيد، أو يرسله المصرف بالبريد إلى فرعه أو مراسله ويطلب فيه دفع المبلغ المطلوب إلى المستفيد.
والحوالة إما أن تكون بنفس العملة المحلية، وهذه لا علاقة لها في بحثنا، لأن هذه المعاملة لا علاقة لها بعقد الصرف.
وإما أن تكون بعملة مغايرة، وهذه هي محل البحث.
وقبل الجواب على هذا نقوم بتعريف مفردات ا لباب (الصرف والحوالة).
ولما كان الصرف قد سبق تعريفه، فما هو تعريف الحوالة اصطلاحًا:
ذكر الفقهاء بأن الحوالة: هي نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (١).
وقيل: هي نقل دين من ذمة إلى ذمة (٢).
стр. 5569
واختلفوا: هل هي بيع دين بدين، أو عقد إرفاق:
فقيل: هي بيع دين بدين رخص فيه على خلاف القياس، فاستثني من النهي عن بيع دين بدين. وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: هي عقد إرفاق وإبراء ذمة، لا بيع، وهذا أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٤)، وهو الأصح في مذهب الحنابلة (٥)، وهو المعتمد في مذهب الحنفية (٦)، أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليست بيعًا، بدليل جوازها في الدين بالدين، وجواز التفرق قبل القبض، واختصاصها بالجنس الواحد، واختصاصها باسم خاص، ولا يدخلها خيار؛ لأنها ليست بيعًا ولا في معناه؛ لعدم العين فيها، ولكونها لم تبن على المغابنة.
ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر والمحال عليه عند بعض من شذ (٧).
стр. 5570
وسوف يأتي تفصيل كل ذلك إن شاء الله في باب مستقل للحوالة، نذكر فيه شروطها، المتفق عليه، والمختلف فيه، وحجة كل قول، وبيان الراجح بلغنا الله ذلك بعونه وتوفيقه.
* * *