الأمر الثاني: أن التصرف فيها بإقراضها كان ذلك قبل انبرام العقد بينهما، وهذا باطل، لأن الصرف لا ينعقد قبل التقابض (١).
وجه من قال بالجواز إن كان ذلك بدون حيلة:
إن اتخذ القرض حيلة لمبادلة الربوي بالربوي مع التفاضل فإن هذا لا يجوز فإن الحيل لا تبيح المحرمات، ولا تسقط الواجبات، ويكون حكمه حكم ما لو اشترط القرض في البيع، واشتراط القرض في البيع مبطل للعقد بالإجماع، وقد سبق بحثه، وإن كان ذلك بدون حيلة، فالأصل فيه الحل والصحة، حيث لم يتفرقا إلا وقد تقابضا، والله أعلم.
الراجح:
أرى - والعلم عند الله - أن مذهب الحنابلة القائل بجواز ذلك بشرط ألا يكون ذلك من باب التحايل لمبادلة الربوي بالربوي مع التفاضل هو الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 5567
الفصل التاسع
اجتماع الصرف والحوالة
تمهيد
التعريف باجتماع الصرف والحوالة
إذا تقدم رجل بنقوده أو شيكه الذي يمثل ريالات سعودية مثلًا إلى أحد المصارف في البلاد السعودية، وهو يريد أن يحول هذه النقود إلى البلاد المصرية، أو يريد أن يستلمها هناك جنيهات مصرية هو أو وكيله، فيقوم المصرف بإجراء صرف الريالات إلى جنيهات مصرية، ويسلم العميل شيكًا يتضمن المبلغ من الجنيهات المصرية قيمة لريالاته، ثم يحوله إلى فرع له في القاهرة، أو يحوله إلى مصرف آخر يعتبر وكيلًا له، ويمكن أن يرسل برقية، أو فاكسًا، أو تلكسًا، أو مكالمة تلفونية إلى المصرف المذكور، تتضمن تسليم المبلغ المذكور، ويحصل المصرف في هذه الحالة على أجرة، وعلى مصاريف البرقية، أو التلكس، أو نحوهما.
ويجب أن تجري عملية الصرف قبل التحويل؛ لأن الصرف يجب فيه التقابض قبل التفرق، وذلك بأن يقوم العميل بتسليم المبلغ للبنك، ويقوم البنك بتقييد ذلك له في دفاتره بعد الاتفاق على سعر الصرف المثبت في المستند المسلم للعميل قبل التفرق.
كما يجب أن يكون لدى البنك فعلًا العملة التي صارفه بها العميل، ولا يكفي ملاءته، وقد سبق لنا أن القيد المصرفي يقوم مقام القبض الشرعي. وبعد إنهاء عملية الصرف تجري الحوالة.
стр. 5568
وتتم التحويلات المصرفية المعاصرة بواحدة من الطريقتين:
الأولى: حوالة عاجلة، يأمر بها المصرف المحلي فرعه، أو المصرف الأجنبي الذي يراسله عن طريق الإبراق، أو الهاتف، أو غيرها من وسائل الاتصال الفوري الحديثة، فيضع المبلغ المتفق عليه تحت تصرف المستفيد (المحول إليه) في الحال.
الطريقة الثانية: حوالة كتابية لدى الاطلاع، بأن يسلم المصرف المحلي أمرًا كتابيًا يسلمه المصرف للعميل ليتولى إرساله للمستفيد، أو يرسله المصرف بالبريد إلى فرعه أو مراسله ويطلب فيه دفع المبلغ المطلوب إلى المستفيد.
والحوالة إما أن تكون بنفس العملة المحلية، وهذه لا علاقة لها في بحثنا، لأن هذه المعاملة لا علاقة لها بعقد الصرف.
وإما أن تكون بعملة مغايرة، وهذه هي محل البحث.
وقبل الجواب على هذا نقوم بتعريف مفردات ا لباب (الصرف والحوالة).
ولما كان الصرف قد سبق تعريفه، فما هو تعريف الحوالة اصطلاحًا:
ذكر الفقهاء بأن الحوالة: هي نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (١).
وقيل: هي نقل دين من ذمة إلى ذمة (٢).
стр. 5569
واختلفوا: هل هي بيع دين بدين، أو عقد إرفاق:
فقيل: هي بيع دين بدين رخص فيه على خلاف القياس، فاستثني من النهي عن بيع دين بدين. وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: هي عقد إرفاق وإبراء ذمة، لا بيع، وهذا أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٤)، وهو الأصح في مذهب الحنابلة (٥)، وهو المعتمد في مذهب الحنفية (٦)، أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليست بيعًا، بدليل جوازها في الدين بالدين، وجواز التفرق قبل القبض، واختصاصها بالجنس الواحد، واختصاصها باسم خاص، ولا يدخلها خيار؛ لأنها ليست بيعًا ولا في معناه؛ لعدم العين فيها، ولكونها لم تبن على المغابنة.
ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر والمحال عليه عند بعض من شذ (٧).
стр. 5570
وسوف يأتي تفصيل كل ذلك إن شاء الله في باب مستقل للحوالة، نذكر فيه شروطها، المتفق عليه، والمختلف فيه، وحجة كل قول، وبيان الراجح بلغنا الله ذلك بعونه وتوفيقه.
* * *
стр. 5571
المبحث الأول
التوصيف الفقهي لاجتماع الصرف والحوالة
[ن-٧٤] اختلف العلماء المعاصرون في التكييف الفقهي لاجتماع الصرف والحوالة:
القول الأول:
قيل: هذه المعاملة سفتجة (١)، فالعميل يعتبر قد أقرض المصرف (البنك) المبلغ المحول، والإيصال الذي يستلمه أو الشيك يعتبر صك السفتجة الذي يُمَكِّن العميل من استيفاء حقه إما بنفسه، أو يمكن وكيله من استيفاء المبلغ نيابة عنه، وقد قال بهذا القول فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء، والشيخ عبد الله ابن منيع (٢).
стр. 5572
حكم الحوالة على هذا التخريج:
إذا اعتبرنا الحوالة سفتجة، وهي قرض، ففي جواز الحوالة إشكال من جهتين:
الإشكال الأول:
أننا إذا كيفنا العملية بالقرض، والمصرف (البنك) سوف يأخذ عمولة على هذه العملية، فيكون هناك اشتراط نفع للمقترض، فكأن المقرض الذي هو العميل سوف يأخذ أقل مما دفع إلى المصرف، وقد نص بعض الفقهاء على أنه لا يجوز اشتراط الوفاء بالأقل؛ لأن ذلك خلاف مقتضى العقد، فإن مقتضى عقد القرض أن يرد مثل ما أخذ (١).
ويجاب على هذا:
بأن هناك من الفقهاء من أجاز اشتراط النفع للمقترض، وإنما المحذور أن يكون النفع خاصًا بالمقرض.
[م-١٢٤٠] فقد أجاز المالكية في المشهور عندهم أن تكون المنفعة خالصة للمقترض (٢).
وأجاز الشافعية انتفاعهما معًا بشرط أن يكون نفع المقترض أقوى (٣).
стр. 5573
وأجاز الحنابلة أن يكون النفع مشتركًا بين المقرض والمقترض كما في السفتجة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في بحث مستقل.
فبناء على ما سبق يجوز اشتراط دفع المقترض أقل مما أخذ، كما لو قال: أقرضك مائة ريال على أن تردها إلي تسعين؛ لأن ذلك زيادة إرفاق، فهو تأييد لمقصود عقد القرض الذي هو الإرفاق بالمقترض، وقد التزمه المقرض فيلزمه، وليس للإرفاق حد يجب الوقوف عنده، لاسيما أن هذا الشرط مضاد للربا، ففي التزامه توكيد للبعد عن الربا (١).
والقول بأن شرط النقصان في رد القرض ينافي القرض غير مسلم؛ لأن القرض مبني على الإرفاق والإحسان، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه.
الإشكال الثاني:
اجتماع الصرف، وهو عقد من عقود البيع مع القرض في عقد واحد، وهذا لا يجوز عند كافة العلماء.
(ح-٨٤٦) لما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن] (٣).
стр. 5574
وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض.
قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (١).
قال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (٢).
وقد يجاب عن ذلك بأن يقال: إن الممنوع هو اشتراط القرض في عقد البيع، أما اجتماع القرض في عقد البيع من غير شرط فالحنابلة يرون جوازه (٣)، وقد بحثت هذه المسألة في مبحث مستقل، فأغنى عن إعادته هنا.
وقد يرد على هذا: بأنه لما كان غالب الحوالات المصرفية يتم فيها الصرف، كان ذلك كالمتعارف عليه، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
ونوقش هذا التخريج:
بأن هناك فرقًا بين السفتجة وبين الحوالة:
أولًا: أن المقترض في السفتجة لا يتقاضى أجرًا على هذه العملية، بينما المصرف في التحويلات المصرفية يتقاضى أجرًا يسمى عمولة، وقد ناقشت هذا الفرق في أثناء الكلام على حكم الحوالة.
ثانيًا: أن المبلغ الذي يستوفيه المقرض في السفتجة هو من جنس المدفوع
стр. 5575
عند الإقراض، فالذي اقترض ريالات سعودية يوفيها بقدرها من نفس النوع، بخلاف الحوالة المصرفية، فإنه قد يسلم ريالات، ويستلم جنيهات مثلًا. وهذا فرق آخر مؤثر في التفريق بين السفتجة وبين الحوالة المصرفية.
ثالثًا: أن العميل الذي يتقدم بطلب الحوالة ليس في نيته أن يقرض المصرف، وإنما ينوي أن ينقل نقوده من مكان إلى آخر، والقصد في العقود معتبر شرعًا، أما في السفتجة فنية القرض موجودة عند الطرفين.
رابعًا: أن السفتجة القديمة لا بد أن تكون بين بلدين، والتحويل المصرفي تارة يكون كذلك، وتارة يكون بين مصرفين في بلد واحد، وإن كان هذا الفرق غير مؤثر في الحكم، فالذي يجيز السفتجة بين بلدين لن يمنع من جوازها بين مكانين في بلد واحد، بل إن حجة من كره السفتجة أو منعها كونها بين بلدين.
القول الثاني:
ذهب قوم إلى تخريجها على أنها حوالة فقهية (١).
وجه ذلك:
أن المصرف حين يستلم المبلغ من العميل يصبح مدينًا له، فيكون محيلًا. والمستفيد يكون محالًا. والمصرف الثاني أو فرع المصرف الأول محالًا عليه، وبذلك يتوفر أركان الحوالة.
стр. 5576
حكم الحوالة المصرفية بناء على هذا التخريج:
اجتماع الصرف، وهو نوع من البيوع مع الحوالة جائز عند الجمهور إذا كان اجتماعهما بدون شرط؛ لأنه ليس فيه أكثر من اختلاف حكم العقدين، وهذا لا يمنع صحة العقد، كما لو جمع في البيع بين ما فيه شفعة وبين ما لا شفعة فيه، ولم يترتب على اجتماعهما محذور شرعي (١).
وقد اعترض على هذا التخريج بما يلي:
أولًا: أن الحوالة الفقهية لا يجوز أخذ الأجرة عليها، بينما الحوالة المصرفية يأخذ المصرف أجرة عليها، وسوف يأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة بالتفصيل عند بحث بطاقات الائتمان فانظرها هناك، أسال الله وحده عونه وتوفيقه.
ثانيًا: أن من أركان الحوالة محيلًا، ومحالًا عليه، ومحتالًا، وكثير من الحوالات المصرفية المعاصرة قد يقوم المحيل بالحوالة إلى نفسه، مثل أن يحيله إلى حسابه في مصرف آخر، وإذا كان التحويل إلى فرع له فإنه لا يوجد المحال عليه، ومن المعلوم أنه إذا لم يوجد أحد أركان العقد فإن العقد لا ينعقد.
ثالثًا: أن من شروط الحوالة الشرعية أن يكون ما على المحال عليه مجانسًا لما على المحيل قدرًا وصفة، والحوالات المصرفية تكون في الغالب بين نقدين مختلفين.
وهذا الاعتراض إنما هو بناء على قول الجمهور، والذي يشترط وجود دين
стр. 5577
في ذمة المحال عليه، أما الحنفية والذين أجازوا الحوالة المطلقة، فلم يشترطوا أن يكون في ذمة المحال عليه دين أصلًا، لا من جنس المحال به، ولا من غيره، والله أعلم.
رابعًا: أن عقد الحوالة: هو نقل دين من ذمة إلى أخرى، بينما الحوالات المصرفية قد لا يوجد هناك دين أصلًا.
وأجيب عن هذا الاعتراض بما أجيب به الاعتراض السابق، والله أعلم.
خامسًا: أن اشتراط الحوالة في عقد القرض يمنعه الإمام مالك، جاء في المدونة: «لو أقرضته دنانير على أن يحيلني على غريم له بدنانير مثلها إلى أجل من الآجال، وإنما أردت أن يضمن لي دنانيري إلى ذلك من الأجل؟ قال: لا خير في ذلك، كانت المنفعة للذي أسلف، أو للذي يسلف، وكذلك بلغني عن مالك أنه قال: أراه بيع الذهب بالذهب إلى أجل» (١).
سادسًا: أن الحوالة الفقهية ثمرتها براءة ذمة المحيل من الدين، وليست للتحويل المصرفي هذه الثمرة؛ لأن المصرف الآخذ يبقى مدينًا بدين القرض، ولا يبرأ منه إلا بتوفية المصرف الآخر.
القول الثالث:
تخريجها على أنها عقد وكالة، فالعميل يوكل المصرف على نقل النقود، والمصرف الأول يوكل المصرف الثاني في دفعها، وقد صدر بهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي (٢)،
стр. 5578
وبه قال الشيخ عبد الله العبادي، والأستاذ سامي حسن حمود (١).
حكم الحوالة المصرفية بناء على هذا ا لتخريج:
إذا قلنا: إن الحوالة وكالة، وهي عقد جائز، والصرف بيع، وهو عقد لازم، فالخلاف فيها يرجع إلى حكم الجمع بين عقد جائز وعقد لازم.
[م-١٢٤١] فالجمهور على الجواز إذا كان ذلك بدون شرط (٢)، كما قلنا: في اجتماع الصرف والحوالة.
ومنع المالكية والشافعية الجمع بين عقد جائز وبين عقد لازم (٣).
قال ابن العربي: «كل عقدين يتضادان وصفًا ويتناقضان حكمًا، فإنه لا يجوز
стр. 5579
اجتماعهما، أصله البيع والسلف، فركبه على جميع مسائل الفقه، ومنه البيع والنكاح ... ومن هذا الباب الجمع بين العقد الواجب والجائز» (١).
ونوقش هذا التخريج:
بأن الوكالة عقد جائز، بينما الحوالة المصرفية لا يملك الوكيل (المصرف) التراجع عن عقد الوكالة، فهو ملزم بتوصيل المبلغ للمستفيد في البلد الآخر.
وأجيب:
بأن العقود الجائزة يجوز لأحد العاقدين أو كليهما أن يستقل بالفسخ كعقد الوكالة، وذلك لأنها مبنية على التبرع، إلا أنه يشترط أن لا يتضمن فسخ العقد إضرارًا بالطرف الآخر، فإن العقد الجائز قد يتحول إلى عقد لازم إذا تضمن فسخ العقد إضرارًا بالعاقد الآخر.
يقول ابن رجب: «التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد لم يجز ولم ينفذ ... » (٢).
ثم ساق أمثلة على تلك القاعدة
وقال الزركشي في المنثور: «العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخر امتنع وصارت لازمة ... » (٣).
فإذا علم ذلك فإن الوكالة في الحوالة ليست قائمة على التبرع، وإنما هي وكالة بأجر، وقد تعلق بها حق شخص ثالث، ويلزم من الفسخ وقوع ضرر
стр. 5580
بالشخص الآخر، ومتى لزم من فسخ العقد الجائز وقوع ضرر على أحدهما تحول إلى عقد لازم كما بينا، والله أعلم.
القول الرابع:
تخريج الحوالة المصرفية على أنها عقد إجارة على نقل النقود. وقد قال بهذا القول جماعة، منهم الشيخ أحمد إبراهيم بك، وستر الجعيد، وصالح بن زابن المرزوقي (١).
حكم الحوالة بناء على هذا التخريج:
[م-١٢٤٢] إذا كان الصرف بيعًا، والحوالة المصرفية إجارة، فما حكم الجمع بين البيع والإجارة.
اختلف العلماء في الجمع بين البيع والإجارة.
فمنع الجمهور من ذلك إذا كان مشروطًا في العقد، وأجازوه بدون شرط.
ومنع من ذلك المالكية؛ لأن الإجارة بيع، وقد منعوا اجتماع الصرف مع البيع (٢).
واعترض على هذا التخريج بأمور:
الأمر الأول: أن اجتماع الصرف مع الإجارة في عقد واحد يشمله نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة.
стр. 5581
أجيب:
بأن المنهي عنه عند الجمهور إذا كان أحد البيعتين شرطًا للآخر، مثل أن يقول: أبيعك بشرط أن تؤجرني، أو لا أصرف لك إلا أن تحول المبلغ لي، وهذا كله غير موجود في العقد، فإن دافع النقود يستطيع أن يصرف دون أن يلزمه المصرف بالتحويل له، والإجارة عليه. فليس أي من العقدين متوقفًا على الآخر، بل كل منهما مستقل عن الآخر.
أو يقال: إن معنى النهي عن بيعتين في بيعة: هو بيع العينة، كما حمله على ذلك ابن تيمية وابن القيم. وقد سبق لنا كلام أهل العلم في معنى بيعتين في بيعة، وبيان الراجح، وأن الصحيح إذا كان العقدان لا محذور من اجتماعهما فلا مانع، سواء كان ذلك بشرط، أو بغير شرط، ويمنع من اجتماع العقدين إذا ترتب على ذلك محذور شرعي، ولو لم يكن ذلك بشرط، والله أعلم.
الأمر الثاني: أن الأجير أمين، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، بينما المصرف يضمن مطلقًا، ولو بدون تعد أو تفريط.
أجيب:
بأن المصرف أجير مشترك، والأجير المشترك عليه الضمان عند الفقهاء. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي ما نصه:
«إذا كان القائمون بتنفيذ الحوالات يعملون لعموم الناس فإنهم ضامنون للمبالغ، جريًا على تضمين الأجير المشترك» (١).
стр. 5582
الأمر الثالث:
أننا إذا قلنا إن المال الذي في يد المصرف هو أمانة في يده، فإن ذلك يمنعه من التصرف في المال المدفوع إليه، فإذا تصرف فيه كان آثمًا وغاصبًا.
فإن قيل: إنه تصرف بالإذن فلا يكون آثمًا. قيل: إن الأمانات إذا أذن أصحابها في التصرف فيها، انقلبت إلى قروض مضمونة إلى حين الوفاء، ولا يبقى أجيرًا يعمل لقاء أجر.
وأجيب:
بأن تصرف الأجير المشترك (المصرف) في النقد بناء على أن النقود لا تتعين بالتعيين، وقد قبضها بقصد تقديمها أو تقديم مثلها في المكان الذي عينه المحول طالب التحويل، وتصرف المصرف فيها لا يجعله مقترضًا؛ لأنه لم يقبضها أمانة.
الأمر الرابع:
أن الأجير، وهو المصرف لن يقوم بما استؤجر عليه، وهو إيصال المبلغ الذي دفعه إليه المستأجر إلى البلد المطلوب، بل سيحتفظ به ليقبض المستأجر بدلًا عنه في البلد الآخر، والإجارة لا بد في انعقادها من أجرة ليتحقق معناها، فبماذا يستحق الأجرة إذا لم يقم الأجير بالعمل.
وأجيب:
بأن المنفعة المقصودة من العمل قد تحققت وذلك بتهيئة النقود، وتحقق وجودها في المكان الذي يريده المؤجر، وذلك كما يكون بنقلها حسيًا يكون أيضًا بتوفير مثلها هناك في فرعه، أو لدى وكيله؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين، كما هو الراجح من قولي العلماء (١).
стр. 5583
القول الخامس:
تخريجها على أنها عقد جديد مستحدث، مركب من عدة عقود (١).
ويترتب على هذا التخريج جواز هذه المعاملة؛ لأن القول الصحيح أن الأصل في العقود المركبة هو الحل ما لم يكن في اجتماعها محذور شرعي من ربا، أو غرر، أو ظلم لأحد المتعاقدين، وهذه المعاملة خالية من ذلك كله.
جاء في الموسوعة الكويتية: «والنتيجة .... أن التحويل المصرفي أو البريدي عملية مركبة من معاملتين أو أكثر، وهو عقد حديث بمعنى أنه لم يجر العمل به على هذا الوجه المركب في العهود السابقة، ولم يدل دليل على منعه، فهو صحيح جائز شرعا من حيث أصله بقطع النظر عما يحيط به من مواد قانونية يجب لمعرفة حكمها استقصاؤها تفصيلا ودراستها للحكم فيها» (٢).
الراجح من أقوال أهل العلم:
بعد استعراض الأقوال أجد أن أقوى قولين قيلا في تخريجها: هما:
الأول: أنه عقد صرف مع وكالة بأجر في نقل المبلغ المصروف إلى مكان آخر، ولم يعترض على هذا القول باعتراض سالم من الرد، فقولهم إن الوكالة عقد جائز، والمصرف لا يستطيع أن يفسخ عقد الحوالة قد أجيب عنه بأن
стр. 5584
الوكالة إذا ترتب على فسخها ضرر فقد تحولت إلى عقد لازم، خاصة أن الوكالة هنا ليست من قبيل التبرع المحض، وإنما هي بأجرة.
والقول الآخر: انه عقد جديد مستحدث، والأصل فيه الجواز، ما عدا هذين القولين تجد أنها لا تسلم من اعتراضات وجيهة، وبناء على هذا التخريج فإن المعاملة أراها سائغة شرعًا إن شاء الله تعالى بشرط أن تجري عملية الصرف قبل التحويل؛ لأن الصرف يجب فيه التقابض قبل التفرق، وذلك بأن يقوم العميل بتسليم المبلغ للبنك، ويقوم البنك بتقييد ذلك له في دفاتره بعد الاتفاق على سعر الصرف المثبت في المستند المسلم للعميل قبل التفرق، وأن يكون لدى البنك فعلًا العملة التي صارفه بها العميل، ولا يكفي ملاءته، وقد سبق لنا أن القيد المصرفي يقوم مقام القبض الشرعي. وبعد إنهاء عملية الصرف تجري الحوالة، وإذا كان يحب أن تكون عملية الصرف من قبل المستفيد، فلتجر الحوالة بنفس العملة التي سلمها العميل، وبعد استلام المستفيد للمبلغ المحول يقوم هو بعملية المصارفة، ويستلم كل طرف بدل الصرف قبل التفرق، ولا مانع من أخذ عمولة على الحوالة المصرفية، لأن «المصرف الذي اعتبر مقترضا في عملية التحويل يختلف عن المقترض في السفتجة، فهو شخصية اعتبارية تجمع موظفين وعمالًا يتقاضون رواتب شهرية غير مرتبطة بالعمل قلة وكثرة، ويتخذ مقرًا مجهزًا بأثاث وأدوات، وآلات كثيرة لاستقبال العملاء وقضاء حاجاتهم، ثم إن العملية ليست كتابة ورقة فحسب، وإنما هي إجراءات كثيرة ذات كلفة مالية، فلو لم يأخذ عمولة لما استطاع تغطية النفقات الطائلة التي ينفقها فاشتراط العمولة محقق للعدالة، ومتفق مع أصل التشريع الإسلامي، وليس هناك نص أو إجماع على منع مثل
стр. 5585
ذلك» (١)، ولا تقاس هذه الحوالة على الحوالة المعروفة لدى الفقهاء، وإن تطابقت معها بالاسم، كما أن الوديعة المصرفية لا تشبه الوديعة في الفقه، وإن تطابقت معها في الاسم، والله أعلم.
* * *
стр. 5586
الفصل العاشر
في بيع تراب الصواغين
يقصد بتراب الصاغة: ما يسقط من برادة ناتجة عن صناعة الذهب والفضة، والتي تختلط بتراب أرضية الحانوت.
وعرف المالكية تراب الصاغة: بأنه الرماد الذي يوجد في حوانيتهم لا يدرى ما فيه (١).
[م-١٢٤٣] وقد اختلف العلماء في حكم بيعه:
فقيل: لا يجوز شراء تراب الصاغة بحال من الأحوال،
وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤)، واختيار ابن حزم (٥).
стр. 5587
وجه المنع:
أن من شروط صحة البيع العلم بالمبيع، وما في تراب الصاغة من المعدن ليس معلومًا لا للبائع ولا للمشتري، والمشتري إنما اشتراه لما فيه من الذهب أو الفضة، وهو مجهول، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر كما في حديث أبي هريرة في مسلم (١).
وقيل: إن كان ما فيه من تراب الذهب خالصًا غير مخلوط بتراب فضة، أو كان تراب فضة غير مخلوط بتراب الذهب، فإنه لا يجوز بيعه إن اشتراه بجنسه؛ لعدم العلم بالتماثل، وهو شرط الصحة. وإن اشتراه بغير جنسه جاز بشرط التقابض، لجواز التفاضل مع اختلاف الجنس، لقوله ﷺ : (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
وإن كان التراب فيه ذهب وفضة مخلوطان، فيجوز أن يشتريه بعروض، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال الحسن والنخعي، وربيعة، والليث (٤).
وإن اشتراه بذهب فقط، أو بفضة فقط فالحنفية يمنعون ذلك؛ لاحتمال أن
стр. 5588
يكون ما في التراب من الذهب أو من الفضة أكثر، أو مثله، فيتحقق الربا؛ لأنه يشترط للصحة أن يكون الربوي المفرد (الثمن) أكثر من الربوي المخلوط، وهذا غير معلوم.
وأما إن اشتراه بذهب وفضة، فيجوز عند الحنفية فيصرف الجنس إلى خلاف الجنس، فتكون الدراهم مقابل ما فيه من الذهب، والدنانير مقابل ما فيه من الفضة، وهذا لا يشترط فيهما التساوي، تمامًا كما قالوه في مسألة: مد عجوة ودرهم (١)، وقد سبق ذكر حجتهم ومناقشتها فيما سبق (٢).
وجه المنع:
أنه إن اشتراه بذهب فقط أو بفضة فقط، أنه يخشى أن يكون ما في التراب من الذهب مثل ما في المفرد أو أكثر منه، وهذا لا يجوز
لأنه إن كان ما في التراب من الذهب مثل ما في المفرد حرم؛ لأن الربويين إذا كانا مستويين في المقدار، ومع أحدهما عين أخرى كما لو باع درهما ومدًا بدرهم فقد اتفق الجميع على المنع؛ لأنها تقابل من أحدهما جزءًا، فيبقى أحدهما أكثر من الآخر (٣).
وقد يناقش هذا:
بأن التراب الذي مع الذهب ليس مقصودًا، وبالتالي يكون وجوده وعدمه سواء، نعم لو كان مع الذهب غير التراب مما هو مقصود يكون له جزء من الثمن، فيبقى أحدهما أكثر من الآخر، ولذلك أجاز النبي ﷺ إلحاق مال العبد
стр. 5589
بالعبد من باب التبع (١)، لأنه غير مقصود بالعقد، ولذلك صح اشتراطه ودخل في البيع تبعًا مع أن مال العبد قد يكون مجهولًا وقد يكون معلومًا، وقد يكون من جنس الثمن، وقد يكون من غيره، فلم يشترط الحديث شيئًا لكونه من التوابع غير المقصودة، وقد تكلمنا على مسألة ما إذا كان المال الربوي تابعًا غير مقصود، في عقد الربا فانظره هناك.
وإن كان ما في التراب من الذهب أكثر مما في المفرد حرم البيع؛ لأنه يؤدي إلى مبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، وهذا محرم. ولذلك منع الحنفية بيع تراب الصاغة إذا كان فيه ذهب وفضة مخلوطان، وبيع بذهب فقط، أو بفضة فقط، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
أرى أن قول الجمهور أقوى؛ لأن المنع جاء من جهة الجهالة في المبيع، فلا بد من معرفة مقدار ما في تراب الصاغة من معدن؛ لأنه هو المقصود بالشراء، والله أعلم.
* * *
стр. 5590
الباب السابع
في أهم المعاملات المصرفية
لا يمكن للباحث أن يتناول دراسة الربا دون أن يتعرض لبعض أحكام المعاملات المصرفية، باعتبار أن أكثر المصارف في العالم اليوم تتعامل بالربا. ولقد كانت المعاملات المصرفية فيما مضى معاملات محدودة تعتمد على الإقراض والاقتراض بفائدة، أما اليوم فقد توسعت وتشعبت، وكثير من معاملاتها هي معاملات نشأت في بيئة رأس مالية، ونتيجة لهيمنة الحضارة المادية الغربية فقد نقلت تلك المنظومات المالية الغربية إلى مجتمعات المسلمين دون تعديل، فجاءت مع مصطلاحاتها إلينا، وكثير من هذه المصطلحات لا يحمل دلالة فقهية، أو له دلالة ولكنها لا تتفق مع المصطلحات الفقهية المعروفة إلا بالاسم، بل ربما شكلت هذه المصطلحات عائقًا لدى البعض في فهم هذه المعاملات، وتخريجها التخريج الصحيح، فغالب المعاملات المالية في مجتمعنا ومؤسساتنا المالية اليوم لا تخرج عن أمرين:
إما معاملات مصدرها التاريخي القوانين الغربية، كالتأمين والأوراق التجارية والأوراق المالية، ونظام سوق البورصات، وقيام شركات الأموال ذات المسؤولية المحدودة.
أو معاملات تستمد أنظمتها من القوانين الغربية كالاستيراد عن طريق الاعتمادات المستندية، وبطاقات الائتمان.
والمطلوب اليوم هو الفحص الفقهي لهذه المعاملات، والنظر في مدى توافقها مع القواعد الشرعية، فما كان منها مقبولًا شرعًا رحبنا به، واستفدنا منه
стр. 5591
باعتبار أن المعاملات المالية هي حاجة إنسانية تحقق الرفاه، والنمو الاقتصادي للإنسان،
وهذه حاجات بشرية إنسانية مطلوبة لمختلف الشعوب. وأن نبذل كل ما في وسعنا، ونستفرغ كل جهدنا للوصول إلى بديل إسلامي لما هو محرم منها، بعد التوصل إلى تصور صحيح نقطع من خلاله، أو يغلب على ظننا بأنه محرم، وأن نجمع لمجتمعنا الحديث بين الأصالة وبين التجديد، وأن يكون تدخلنا في رفض هذه المعاملات أو تعديلها إن أمكن إنما هو لتحقيق العدل، ومنع الظلم، والاحتكار، والاستغلال.
وقد اخترت من المعاملات المصرفية أهمها وتركت الكثير؛ لأن استيعابها يحتاج إلى كتاب يكون موضوعه هذا الفن خاصة، وقد كتب فيها كثير من العلماء الأفاضل، ولا زالت المكتبة الإسلامية تحتاج المزيد.
ومن أهم هذه المعاملات التي اخترتها.
(١) الودائع المصرفية.
(٢) الحوالات المصرفية.
(٣) المرابحة للآمر بالشراء.
(٤) الاعتماد البسيط
(٥) الاعتماد المستندي.
(٦) - الضمان المصرفي.
(٧) - بطاقات الائتمان.
(٨) - الأوراق التجارية.
(٩) سوق المال والأوراق المالية.
стр. 5592
وسبق أن تطرقنا لبعض المعاملات المصرفية:
(١٠) صرف العملات.
(١١) ربا القروض.
(١٢) القبض الحكمي في أنواع من المعاملات المصرفية. كالشيك المصدق، والقيد الدفتري.
* * *
стр. 5593
الفصل الأول
في الودائع المصرفية
المبحث الأول
في التعريف بالودائع المصرفية وبيان خصائصها
تعريف الودائع المصرفية:
الودائع المصرفية هي كلمة مركبة من كلمتين: أحدهما كلمة (الودائع) والثانية (المصرفية) ولم نتعرض لتعريف الوديعة في الفقه الإسلامي ولا بيان حكمها التكليفي، وأركانها، وشروطها لأسباب منها:
الأول: أن أحكام الوديعة ستكون محل دراسة في كتاب خاص من هذه المنظومة.
الثاني: أن تسمية الودائع المصرفية بالوديعة ليست تسمية فقهية يمكن تطبيق أحكام الوديعة عليها، وإنما أخذت الوديعة هذا الاصطلاح من العرف الجاري كما سيتضح ذلك إن شاء الله من خلال دراسة تكييف الودائع المصرفية.
الثالث: أن ما يسمى ودائع مصرفية منها ما هو من الربا الصريح المجمع على تحريمه، خاصة تلك الودائع المصرفية الاستثمارية في البنوك الربوية، لهذه الأسباب ناسب أن نذكر الوديعة المصرفية في مباحث الربا.
إذا علمنا ذلك نأتي على تعريف الوديعة المصرفية:
عرفها بعضهم: بأنها عقد بمقتضاه يسلم أفراد أو هيئات مبلغًا من النقود إلى مصرف (بنك) على أن يتعهد الأخير برده، أو برد مبلغ مماثل دفعة واحدة أو
стр. 5594
على دفعات لدى الطلب، أو بالشروط المتفق عليها، ويكون للمصرف حق استعمال هذه النقود واستثمارها (١).
وعرفها الصدر بقوله: «هي مبلغ من النقود يودع لدى البنوك بوسيلة من وسائل الإيداع، فينشئ وديعة تحت الطلب، أو لأجل محدد اتفاقًا، ويترتب عليه من ناحية البنك الالتزام بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية للمودع أو لأمره، أو لدى الطلب، أو بعد أجل» (٢).
والتعريفان متقاربان.
خصائص الودائع النقدية المصرفية:
[ن-٧٥] الأول: أنها مختصة بالنقود، بينما الوديعة العادية تشمل النقود وتشمل غيرها من الأموال والوثائق وغيرهما.
الثاني: أن المصرف يتملكها ويتصرف بها، ويتكسب منها، ويخلطها بأمواله عمدًا، ويرد بدلها. بينما الوديعة العادية لا يملك المودع التصرف بها، وإنما هو موكل بحفظها، وحراستها، ونماؤها لصاحبها، ولا يجوز له خلطها بماله.
الثالث: أنها مضمونة مطلقًا، بينما الوديعة العادية لا تضمن إلا في حالتي التعدي والتفريط؛ لأنها أمانة في يد المودع.
وقد تعارفت البنوك على تسمية ما تتلقاه من الجمهور باسم الودائع.
стр. 5595
وسبب هذه التسمية:
أن وظيفة البنوك كانت في مرحلة من تاريخها مقتصرة على قبول الودائع من معادن ثمينة، وعملات مقابل حصولها على عمولة لقيامها بالحراسة، والمحافظة على الوديعة، ولكن البنوك قد تغيرت وظيفتها فلم تعد تتقبل الودائع من الناس من أجل حفظها، وإنما أصبحت تتملك تلك الودائع، وتتصرف فيها وذلك حين رأى أصحاب المصارف أن نسبة ضئيلة من المودعين هي التي تسترد ودائعها كاملة في آن واحد، وأن لديهم حصيلة كبيرة من نقود الودائع عاطلة، وأن من المفيد لهم إقراضها بفائدة، فأصبحوا يقرضون ما أودع الناس لديهم بعد تقديم ضمانات كافية، وتوسعوا في ذلك حتى أصبحت تلك المصارف تقرض من نقود ليس لها وجود، أي أنها تخلق هذه النقود خلقًا، ومع تغير وظيفة المصارف من حفظ الودائع إلا الاقتراض بفائدة والإقراض بفائدة إلا أنها أبقت على التسمية الأولى، وهي اسم الوديعة لكل ما تتلقاه من الجمهور (١).
* * *
стр. 5596
المبحث الثاني
في أقسام الودائع المصرفية
[ن-٧٦] تنقسم الودائع المعمول بها في البنوك على اختلاف مسمياتها إلى نوعين من الحسابات:
النوع الأول:
ودائع مصرفية لا تساهم في النشاط الاستثماري للمصرف. وهذه تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
(أ) الوديعة المستندية: وهو أن يقوم البنك بحفظ الصكوك والأوراق المالية لعملائه ثم يردها عينًا، ولا يملك المصرف التصرف فيها إلا بإذن أصحابها، ويتقاضى مقابل ذلك عمولة مقدرة، وهذه الودائع تأخذ حكم الوديعة الفقهية من كل وجه.
(ب) الودائع المخصصة لغرض معين.
وهي أن يودع شخص لدى المصرف مبلغًا معينًا نقديًا، ويوكله بشراء أوراق مالية، أو الاكتتاب في أسهم معينة، أو الوفاء بكمبيالة مثلًا، ويتقاضى البنك مقابل ذلك عمولة مقدرة، وأخذها جائز من الناحية الفقهية؛ لأنه من قبيل الوكالة بأجر، حيث يعتبر البنك هو الوكيل، والمودع هو الموكل، والنقود هي الوديعة.
وقد تخصص الوديعة لضمان ائتمان أو قرض قدمه البنك للمودع، فتكون في حكم الرهن.
(جـ) وديعة الخزائن الحديدية، وهو عقد يلتزم المصرف بمقتضاه بوضع خزانة
стр. 5597
معينة تحت تصرف عميله المستأجر، وتمكينه من الانتفاع بها لمدة معينة لقاء أجرة معلومة.
ويستخدم العملاء هذه الخزائن لحفظ أماناتهم النقدية، ووثائقهم الشخصية، ومستنداتهم التجارية، أو بعض الأموال العينية كالمجوهرات، وما شابه. ويسمح للعميل بالدخول إلى الخزانة التي استأجرها في مواعيد العمل الرسمية للمصرف أو حسب الاتفاق ليسحب منها ما يريد، أو يضع فيها ما يريد حفظه بشرط ألا يكون هذه الشيء مضرًا، أو مخالفًا للقانون. ولا يسمح بدخول الصالة إلا لأصحاب الخزائن وحدهم، أو وكيله المفوض بذلك، ولكل صندوق منها مفتاحان مختلفان يعملان معًا بحيث يحتفظ المصرف بالمفتاح الأول، والذي يكون مفتاحًا مشتركًا في الغالب لكل الصناديق الموجودة في الخزانة الواحدة ويسمى (Master) بينما يسلم المفتاح الآخر للعميل.
وبهذا يكون العقد قد تضمن أمرين:
(١) - الانتفاع الدائم بالخزانة طوال فترة العقد.
(٢) - حفظ الوديعة عندما تودع في الخزانة.
فالعقد يجمع بين عقد الوديعة والإجارة بشكل متداخل.
فيرى آخرون أن عقد الإجارة هو الأقرب لكون العميل يتمتع بنوع من الحيازة الخاصة للأشياء التي يضعها بنفسه في الخزانة، فهو وحده الذي يعلم مقدار وبيان هذه الأشياء، بل يستطيع أن يترك الخزانة فارغة دون أن يؤثر ذلك في صحة عقد إيجار الخزانة، فلو كان العقد عقد وديعة لما سمح المصرف للعميل بالتصرف بمحتويات الخزانة إلا بعد اطلاع المصرف على كل تعديل يجري في محتويات الخزانة، إذ هو المسئول عنها، ويده يد أمانة، فالمصرف ليس له إلا
стр. 5598
تسهيل مرور العميل من أجل الوصول إلى خزانته، ثم يأتي دور العميل ليتصرف بخزانته كما يشاء دون رقابة من المصرف.
بينما يرى آخرون أن عقد الوديعة أقرب منه إلى الإيجار، فجوهر ما فيه هو فكرة الحفظ والصيانة، لا فكرة الاستئجار، ووجود الخزانة في حيازة المصرف أمر جوهري في العقد فالعميل لا يستأجر الخزانة لمجرد ملئ ما بداخلها من فراغ بأشيائه الخاصة، كما يفعل مستأجر البيت والسيارة، وإنما يستأجر العميل الخزانة لكونها في حفظ المصرف وحراسته (١).
النوع الثاني:
ودائع مصرفية تساهم في النشاط الاستثماري للمصرف، وهذه تنقسم إلى أقسام.
(١) - ودائع تحت الطلب، وتسمى بـ (الحسابات الجارية).
(٢) - الودائع الآجلة، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
(أ) ودائع ذات أجل ثابت معين.
(ب) حسابات التوفير (الودائع الادخارية).
(جـ) ودائع بشرط الإخطار.
وسوف نعرف كل واحدة من هذه الودائع، وبيان تكييفها، وحكمها الشرعي في المباحث التالية.
* * *
стр. 5599
الفرع الأول
في الودائع المصرفية الجارية
المسألة الأولى
في توصيف الودائع الجارية
إعطاء الشخص ماله للغير: إن كان على سبيل التمليك، فإن كان عن معاوضة، فهو بيع، وإن كان بلا عوض، فهو هبة، وإن كان ليملكه ويرد مثله، فهو قرض.
وإن كان دفع المال للغير ليس على سبيل التمليك، فإن كان للحفظ فقط، فهو وديعة، وإن كان للانتفاع مع بقاء العين، فهو عارية، وإن كان للانتفاع مع استهلاك العين فهو قرض.
[ن-٧٧] إذا نص في عقد الإيداع بأن الحساب الجاري قرض يأخذه البنك من عميله المقرض فإنه لا خلاف بأن النص يقضي على الخلاف الدائر بين المعاصرين في تكييف الودائع المصرفية الجارية، لذلك كثير من البنوك الإسلامية تورد في عقد فتح الحساب النص التالي:
«الحساب الجاري هو قرض تحت الطلب، لا يستحق المتعامل مع المصرف بمقتضاه أية أرباح، كما لا يتحمل أية خسارة، ويلتزم المصرف بناء على ذلك بدفع الرصيد كاملًا عند طلبه من المتعامل».
أما إذا لم ينص على ذلك في العقد الموقع بين البنك وبين العميل، أو نص على أنه وديعة، أو على أي تكييف آخر غير القرض، فما حكم هذا التكييف إذا علمنا أن البنك يتملك الحساب الجاري، ويخلطه بأمواله، ويتصرف فيه،
стр. 5600
ويستأثر بأرباحه، ولا يرد عين ما أخذ بل يرد بدله، فهل ننظر إلى ظاهر اللفظ، أو ننظر إلى المعنى، هذا محل اختلاف بين الباحثين المعاصرين.
فقيل: إن الودائع الجارية قرض، وتسميتها بالودائع تسمية تاريخية حيث كانت في بدايتها كذلك.
وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١)،
والهيئة الشرعية في شركة الراجحي المصرفية (٢)، والباحثين في ندوة البركة (٣)، وأكثر العلماء المعاصرين (٤).
стр. 5601
وقيل: الحسابات الجارية تأخذ حكم الوديعة الفقهية على خلاف بينهم:
هل أخذت حكم الوديعة لأنها مأذون باستعمالها، من جهة أن المودع يعلم أن المصرف سوف يتصرف فيها وفق العرف المصرفي، كما رجحه الأستاذ الدكتور حمد الكبيسي (١).
أو أخذت حكم الوديعة؛ لأنه لا يوجد إذن بالاستعمال كما هو نص النظام الأساسي لبنك دبي الإسلامي (٢)، واختيار فضيلة الدكتور عيسى عبده (٣)، وحسن الأمين (٤).
стр. 5602
وقيل: عقد وديعة ناقصة أو شاذة (١). وهذا التوصيف قانوني، لا يسأل عنه الفقه الإسلامي، ولولا أن الباحثين المعاصرين ذكروه لما ذكرته.
وقيل: إنها عقد مستقل بذاته، يدخل ضمن العقود غير المسماة في الفقه الإسلامي (٢).
وقيل: الوديعة الجارية إن أخذ عليها فوائد فهي عقد بيع، وإلا كانت قرضًا (٣).
وجه من قال: إن الوديعة المصرفية الجارية عقد قرض .
الوجه الأول:
أن العبرة في العقود بالمعاني لا للألفاظ والمباني، وحقيقة الوديعة لا ينطبق على الوديعة المصرفية؛ لأن الوديعة بالمعنى الشرعي الذي حدده الفقهاء يعني دفع المال من أجل حفظه ورد عينه، دون تملكه أو استخدامه، وإذا هلك بدون تعد ولا تفريط لم يضمنه.
بينما المصرف يملك الوديعة المصرفية، ويتصرف فيها، ولا يرد عينها، وإنما يرد مثلها، ويضمنها مطلقًا حتى ولو لم يتعد أو يفرط، وهذا لا يتفق مع طبيعة عقد الوديعة. فإعطاء الشخص ماله للغير إن كان على سبيل التمليك، فإن كان عن معاوضة، فهو بيع، وإن كان بلا عوض، فهو هبة، وإن كان ليملكه ويرد مثله، فهو قرض.
стр. 5603
وإن كان دفع المال للغير ليس على سبيل التمليك، فإن كان للحفظ فقط، فهو وديعة، وإن كان للانتفاع مع بقاء العين، فهو عارية، وإن كان للانتفاع مع استهلاك العين فهو قرض، والحساب الجاري هو دفع المال للغير على سبيل التمليك، ورد بدله، فلا يصح إلا أن يكون قرضًا.
الوجه الثاني:
أن القوانين الوضعية قد نصت على اعتبار الحسابات الجارية قروضًا يقدمها أصحابها إلى المصارف.
جاء في القانون المدني المصري، ما نصه: «إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله، اعتبر العقد قرضًا» (١).
وهو يتفق مع القانون المدني السوري (٢)، والأردني (٣)، والعراقي (٤).
دليل من قال: الوديعة المصرفية وديعة إذا أذن صاحبها باستعمالها:
الدليل الأول:
أن التصرف في الوديعة دون إذن صاحبها ليس حرامًا إذا تحقق شرطان: أن يكون المال مثليًا، وأن يكون المتصرف مليئًا.
فالمالكية يرون أنه يحرم على الوديع أن يستلف الوديعة إن كان فقيرًا، سواء
стр. 5604
أكانت الوديعة من القيميات أم من المثليات، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء نظرًا لإعدامه.
وأما إن كان موسرًا، فإن كانت الوديعة عرضًا قيميًا فيحرم على الوديع اقتراضها؛ لانعدام المثل هنا.
وإن كانت الوديعة مثلية، فإن كانت نقودًا فيكره على الوديع اقتراضها؛ لأن المثل هنا يقوم مقام العين.
وقيل يجوز بلا كراهة. وعلل بعض المالكية الجواز بتعليلات منها:
(أ) - أن المودِع قد ترك الانتفاع بها مع القدرة عليه فجاز للمودَع الانتفاع بها، ويجري ذلك مجرى الانتفاع بظل حائطه، وضوء سراجه.
(ب) - أن المودَع لم يبطل على المودِع غرضه؛ لأنه إنما أمر بحفظها، وهذا حاصل.
(جـ) - أن الدراهم لا تتعين بالتعيين، ولذلك كان للمودَع أن يرد مثلها، ويتمسك بها مع بقاء عينها (١).
وإن كانت الوديعة المثلية ليست نقودًا، فإن كانت مما يكثر اختلافه، ولا يتحصل أمثاله، فيحرم اقتراضها كالقيميات، وإلا فيجوز تسلفها كالدراهم والدنانير في ظاهر المدونة (٢).
стр. 5605
ويناقش:
بأن هذا القول من المالكية ليس في موضع النزاع، فالخلاف بين الجمهور والمالكية في الحكم التكليفي في استقراض الوديعة دون إذن صاحبها، فمنعه الجمهور، وكرهه المالكية بالشروط السابقة، ومنهم من أجازه، ونحن لا نحرم على البنك أن يستقرض ما سلمه إليه العميل؛ لأن صاحبه إن لم يأذن في التصرف لفظًا فقد أذن بحكم العرف، والشرط العرفي كالشرط اللفظي. وأما التكييف الفقهي للوديعة فالمالكية يتفقون مع الجمهور بأن الوديعة بعد استقراضها تحولت من وديعة إلى قرض، ولم تبق وديعة، وأنتم إنما تريدون أن تحتجوا بأن مسمى الوديعة ما زال باقيًا مع استقراض المودَع، وأن استقراض المودع عندكم لا يحولها إلى قرض، وهذا لا يتفق مع مذهب المالكية، فلا يسوغ لكم الاحتجاج بمذهب المالكية، ولا يتفق مع طبيعة عقد الوديعة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخلاف في كون الدراهم لا تتعين بالتعيين إنما يجري في باب المعاوضات، أما في باب الوديعة فإن الرد متعلق