← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

مواجهة المستفيد في حال امتنع المصرف من الأداء لسبب من الأسباب حتى لو اشترط المشتري عدم الضمان. كما لا يبرأ المحيل من جهة المصرف؛ إذ يطالبه بتسديد الدين الذي أداه نيابة عنه للمستفيد. وقد اختلف الفقهاء في حكم الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل. فذهب الحنفية إلى أن الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل تحولت إلى كفالة، لا حوالة. جاء في الفتاوى الهندية: «الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط مطالبة الأصيل كفالة، كذا في السراجية» (١). وقيل: إذا شرط الضمان بطلت الحوالة، وهو الراجح في مذهب الشافعية. جاء في نهاية المحتاج: «لو أحال غيره بشرط أنه ضامن للحوالة، أو أن يعطيه المحال عليه رهنًا، أو كفيلا لم تصح الحوالة» (٢). ودليلهم: أن اشتراط الضمان في الحوالة ينافي مقتضى العقد، لأن الحوالة تقتضي براء المحيل من الدين، واشتراط ما ينافي مقتضى العقد يجعله باطلًا وهناك وجه مرجوح عند الشافعية، يقول بجواز أخذ الضمان على الحوالة، بناء على أن الحوالة بيع، وليست استيفاء. جاء في الأشباه والنظائر: «لو احتال بشرط أن يعطيه المحال عليه رهنًا، أو

стр. 5777

يقيم له ضامنًا، فوجهان إن قلنا: بأنها بيع جاز أو استيفاء فلا، والأصح الثاني» (١). وهذا الوجه المرجوح عند الشافعية، هو الراجح والله أعلم؛ لأن شرط الضمان لا يترتب عليه محذور شرعي، ولا يسلم أن شرط الضمان ينافي مقتضى عقد الحوالة، فهناك فرق بين أن يشترط عدم براءة المحيل، وبين أن يشترط ضمانه، فالأول هو الذي ينافي مقصود العقد وحقيقته، لأن المقصود من الحوالة براءة المحيل، وإذا شرط عدم براءته كان ذلك منافيًا لمقصود العقد، وأما شرط الضمان فلا ينافي مقصود العقد؛ لأنه لا يمنع براءة المحيل من الدين، وانتقاله إلى ذمة المحال عليه بناء على عقد الحوالة، غاية ما في الأمر، أنه يقتضي اشتغال ذمته بالدين مرة أخرى بعد براءته منه وانتقاله إلى ذمة المحال عليه، صحيح أن المحيل بقي مطالبًا بالدين، لكن نوع المطالبة اختلف، فقبل الحوالة: كان مطالبًا بالدين باعتباره أصيلًا، وبعد الحوالة التي اشترط فيه ضمانه، أصبح مطالبًا بالدين باعتباره ضامنًا، لا باعتباره أصيلًا، إذ أصبح المدين الأصيل هو المحال عليه، يوضح ذلك: أن المحال - في هذه المسألة - لو أبرأ المحال عليه من الدين برئ المحيل؛ لأنه أصبح ضامنًا، وبراءة الأصيل توجب براءة الضامن، بخلاف ما لو أبرأ المحيل، حيث لا يبرأ المحال عليه؛ لأنه أصبح المدين الأصيل، وبراءة الضامن لا توجب براءة الأصيل. واشتغال ذمة المحيل بعد براءته، لا يقتضي بطلان العقد، مثله تمامًا لو تعذر استيفاء الحق من المحال عليه لفلس ونحوه، رجع المحال على المحيل.

стр. 5778

ولكن في موضوعنا هنا قد يقال: وإن كان قد برئ المشتري من دين المستفيد فإنه لم يبرأ من دين المصرف؛ لأن المصرف يطالبه بسداد الدين الذي أداه عنه، فصارت الحوالة لم تحقق له البراءة من الدين، وإنما انتقل دين المشتري من كونه مدينًا للمحال إلى كونه مدينًا للمحال عليه. الإشكال الثالث: أخذ العوض على الحوالة الفقهية لا يجوز مطلقًا، سواء قلنا في توصيف الحوالة: إنها من قبيل بيع الدين بالدين، أو قلنا: إن الحوالة هي استيفاء للحق، وليست بيعًا. فإن كيفت الحوالة بأنها بيع: كان المنع من أخذ العوض يرجع إلى أمرين: الأول: أن الحوالة إذا كانت بيعًا لم تصح على من لا دين عليه لعدم الاعتياض، إذ ليس عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال (١). الثاني: أن الحوالة في حال توصيفها بأنها بيع، يبقى إشكال آخر، فإن الشارع وإن رخص بعدم التقابض في بيع الدراهم بمثلها في عقد الحوالة، كما رخص في عقد القرض، فإن التفاضل في بيع الدراهم بالدراهم لا يجوز، وفي حال أخذ العوض على الحوالة سيكون هناك تفاضل قطعًا، فالبنك سيدفع (٩٨) ويأخذ مائة من العميل. أما إن قلنا: إن الحوالة هي استيفاء للحق، وليست بيعًا، وهو مذهب الجمهور، وهو الراجح، فلا يجوز أخذ العوض عليها أيضًا. فقد صرح الحنابلة والشافعية بأن الحوالة عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس

стр. 5779

بمحمول على غيره، وليست الحوالة بيعًا؛ لأنها لو كانت بيعًا لما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنها بيع دراهم بدراهم، وإذا كانت من عقود الإرفاق لم يجز أخذ العوض عليها. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله تعالى في بطاقات الائتمان فانظره هناك حتى لا نعيد الكلام هنا وهناك. الإشكال الرابع: أن الاعتماد المستندي يكون مؤقتًا بوقت ينتهي عنده، وهذا ينافي مقتضى عقد الحوالة إذا الحوالة تقتضي انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. الإشكال الخامس: أن الحوالة الفقهية تبطل إذا تبين بطلان البيع الذي بنيت عليه، بينما في خطاب الاعتماد لا علاقة للمصرف (المحال عليه) بصحة البيع أو بطلانه، وهذا فارق آخر سبقت الإشارة إليه. القول الرابع: تخريج هذا المعاملة على أنها عقد خاص قائم بذاته، مستحدث، لا يندرج تحت أي مسمى من العقود الفقهية المعروفة. وقد تقدم بأن الأصل في العقود الصحة والإباحة فلا يبطل ولا يحرم من العقود إلا ما قام الدليل على تحريمه وبطلانه، والناس بحاجة إلى هذه المعاملة فتكون جائزة (١).

стр. 5780

ويناقش: بأن خطاب الاعتماد ليس فيه شيء جديد إلا اسمه، فالعلاقة بين المستفيد والعميل علاقة بيع، والعلاقة بين المستفيد وبين البنك علاقة ضمان، وهذا ليس جديدًا، وإنما الجديد في العقد هو فصل الضمان عن سببه وهو عقد البيع، وهذه مسألة لم تبن على حكم فقهي، والفصل فيها ليس عادلًا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وهو خروج عن الأحكام الشرعية، بل وخروج عن القوانين المدنية. القول الخامس: تخريج العقد بأنه عقد ضمان لحق المستفيد (البائع) بكل حال سواء غطي الاعتماد أو لم يغط. وهذا ما ذهب إليه الشيخ عبد الله السعيدي (١)، وهو الراجح، وذلك لوجوه منها: الوجه الأول: أن تغطية الاعتماد لا تجعل المصرف وكيلًا لما تقدم من أن الوكيل أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، والمال ا لذي أخذه البنك من العميل يضمنه مطلقًا حتى ولو لم يتعد أو يفرط. الوجه الثاني: أن غطاء الضمان يأخذه البنك ويتملكه، ويستثمره، فيكون التكييف حقيقة: أن الضامن مدين للمضمون عنه بمثل مال الضمان إن كان خطاب الضمان مغطى

стр. 5781

كليًا، أو مدين ببعضه إن كان جزئيًا، ثم تحدث المقاصة بين الدينين إن تحمل المصرف دفع قيمة الضمان؛ لأن المال المغطى لا يكون مجمدًا لا يتصرف فيه البنك حتى يكون وكيلًا نائبًا عن المالك، وإنما هو مقترض لقيمة الغطاء. الوجه الثالث: إذا كنا نقر بأن علاقة المستفيد بالمصرف هي علاقة ضمان مطلقًا، فمن المعلوم أن المصرف إنما ضمن العميل لصالح المستفيد، فرجع إلى أن العميل مضمون عنه ولا بد؛ لأن عقد الضمان أطرافه ثلاثة، ضامن، وهو المصرف، ومضمون له وهو المستفيد، ومضمون عنه، وهو العميل، فسقط التكييف بأن خطاب الضمان بالنسبة للمستفيد كفالة، وبالنسبة للعميل هو عقد وكالة. الوجه الرابع: أن البنك متعهد بإعطاء المستفيد المبلغ مطلقًا إذا قام المستفيد بالتزاماته سواء أعطى العميل الأمر بالدفع أو لم يعطه، وهذا حقيقية الضمان بخلاف الوكالة فإن الموكل إذا أعطى أمره بعدم الدفع لم يحق للوكيل أن يدفع؛ لأنه نائب عنه. واعترض على هذه الوجوه: الذي حملنا على فصل توصيف العقد بين البنك والعميل فاعتبرنا العقد بينهما وكالة، وبين البنك والمستفيد فاعتبرنا العقد بينهما كفالة أن القانون التجاري قد فصل بين العقدين حيث جعل علاقة البنك بالمستفيد مستقلة عن علاقة العميل بالمستفيد. فالحق الذي التزمه المصرف للمستفيد سببه عقد الاعتماد، ولا دخل للبنك في عقد البيع. والحق الذي استقر في ذمة العميل للمستفيد سببه عقد البيع، فلما كان

стр. 5782

العقدان مستقلين عن بعضهما، وأسبابهما مختلفة أمكن تكييف كل عقد على حدة. ورد هذا الاعتراض من وجهين: الوجه الأول أن هذا الفصل وضعته المنظمات التجارية استنادًا إلى قانون التجارة الدولي مخالفًا لأحكام الشرع، بل ومخالفًا للقوانين المدنية الوضعية، وهي لا تلزم الفقيه؛ لأن الحق الذي تحمله المصرف بموجب الاعتماد المستندي إنما هو الحق الذي تحمله المشتري بموجب عقد البيع، والمستندات المطلوبة من المصرف لاستيفاء الحق كلها مستندات تتعلق بالمبيع إن في شحنه أو في وصفه، أو في كميته، فكيف يجعل العقد التابع للبيع، وهو عقد الضمان عقدًا مستقلًا بنفسه مجردًا عن سببه. الوجه الثاني: أن المبررات التي ساقها واضعو هذا النظام لفصل عقد الضمان عن سببه (عقد البيع) أن الكفالة في الفقه الإسلامي وفي القوانين المدنية لا تستطيع أن تحمي الدائن (البائع) من سوء نية المدين (المشتري)، فيستطيع المشتري أن يدعي بأن البائع لا يستحق الثمن المضمون بسبب إخلاله في شروط العقد، وبالتالي يحق للكفيل أن يتخلف عن الدفع حتى يثبت له أنه قد قام بجميع التزاماته؛ لأن الضمان تابع لعقد البيع، والتابع يتأثر بمتبوعه صحة وبطلانًا، وبقاء وانتهاء، فعمدوا إلى فصل الضمان عن عقد البيع بحيث لا يتعطل حق البائع في مواجهة البنك لأي سبب ناشئ من تنفيذ العقد يدعيه المشتري، ومن هنا وجب أن يستقل ضمان البنك عن عقد البيع، وعمليات تنفيذه.

стр. 5783

وفي الحقيقة أن هذا القانون صيغ ليخدم طائفة معينة (وهم طائفة الباعة المصدرون على حساب طائفة المشترين (وهم المستوردون). وإذا كان هدفهم حماية الدائن من سوء نية المدين، فأين هذا القانون من حماية المدين من سوء نية الدائن. والبيع عقد بين طرفين يلتزم أحدهما بالثمن والآخر بالمثمن، ويفترض أن الثمن إنما يستحق في مقابلة المثمن، ورعاية استحقاق الثمن للبائع ليست بأولى من رعاية استحقاق المبيع للمشتري. لهذا يعتبر الفصل ليس عادلًا، ولا يقبل شرعًا حيث جعل البائع يستحق قيمة البضاعة بمجرد ظاهر المستندات بصرف النظر عن مطابقتها أو مخالفتها لواقع البضاعة، وهذا يجعل حق المشتري عرضة للانتقاص والضياع مما يضر به، ومعلوم أن الضرر ممنوع شرعًا (١). حكم أخذ العمولة والفوائد بناء على تخريج العقد بأنه عقد ضمان: إذا كان الضمان مغطى غطاء كليًا فإن ما يأخذه البنك بسبب خطاب الاعتماد جائز مطلقًا دون قيود، أي سواء كانت هذه العمولة تحدد بالنسبة، كما هو واقع التعامل المصرفي، أو كانت هذه العمولة مبلغًا مقطوعًا. وجواز أخذ العوض على الضمان إذا كان مغطى بالكلية ليس لأنه خرج عن كونه من عقود الضمان، وإنما لأن الضمان فيه ليس من قبيل ضمان الديون فيؤدي في حال عجز المضمون عن السداد أن يقوم البنك بالسداد للمستفيد، ويصبح العميل مدينًا للمصرف، وتكون أجرة الضمان في مقابل إقراض العميل،

стр. 5784

فيكون القرض قد جر نفعًا للضامن، فهذا المحذور غير موجود في حال كان الضمان مغطى. وأما إذا كان الضمان غير مغطى كليًا أو جزئيًا فإن أخذ المصرف فوائد على ذلك سيكون محرمًا سواء قيل إن هذه الفوائد في مقابل الإقراض أو قيل إن هذه الفوائد في مقابل الضمان، فكل ذلك يعتبر من الربا الصريح؛ لأن أخذ العوض على ضمان الديون سيؤدي إلى قرض جر نفعًا، وهذا لا يجوز، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بحث لأخذ العوض على الضمان في مبحث مستقل لأهميته. كما أن الضمان إذا كان غير مغطى لا يجوز أخذ الأجرة مطلقًا (سواء كانت بالنسبة أو كانت مبلغًا مقطوعًا، وسواء كانت لمرة واحدة أو تتجدد) على ما يعتبره البنك خدمات مصرفية كالخدمات الفعلية من اتصال بالمصدر، ومطالبته بتسليم مستندات الشحن، وإيصالها إلى المشتري، وإن كان يجوز للبنك أن يسترد من العميل جميع ما يصرفه على هذه الخدمات بشرط أن تكون تكاليف حقيقية، وأما أخذ الأجرة عليها والتكسب بسببها فيجوز لو أن هذه الخدمات قدمت بشكل منفرد، أما إذا جمعت مع الضمان فإنه لا يجوز أخذ العوض على هذه الخدمات (عدا استرداد المصاريف الفعلية) حتى لا يؤدي ذلك إلى أخذ العوض على القرض والضمان بالاختباء وراء ستار أجرة الخدمات المصرفية كما سبق بيانه. فالراجح في العقود المشتركة منع الجمع بين كل عقدين يترتب على الجمع بينهما محظور شرعي، وإن كان كل واحد منهما جائزًا بمفرده، فليس كل عقد جاز منفردًا جاز مضمومًا إلى غيره، فهذا عقد القرض جائز بالإجماع، وعقد البيع جائز بالإجماع، وإذا باعه بشرط أن يقرضه حرم ذلك بالإجماع.

стр. 5785

فإذا كان أخذ العوض على القرض وعلى ضمان الدين محرمًا كما هو في حال كان خطاب الاعتماد غير مغطى فإن أخذ العوض على الخدمات المصرفية إذا ضمت إلى عقد فتح الاعتماد مع اشتماله على القرض والضمان يكون محرمًا حينئذ خشية أن يؤدي ذلك إلى أخذ العوض على القرض وعلى الضمان بعقد مستتر باسم الأجرة على تلك الخدمات، وفي نفس الوقت لا نمانع من أخذ التكاليف الفعلية التي أنفقها الضامن لإصدار خطاب الاعتماد دون أن يربح في ذلك، وفي هذا حماية للمعاملة من الوقوع في الربا. يقول الشيخ محمد الزحيلي: «خطابات الضمان من المعاملات المصرفية المعاصرة التي عرضت عدة مرات على مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمؤتمرات الفقهية، وندوات الاقتصاد الإسلامي، وصدر فيها عدة قرارات توضح الجوانب الجائزة، وتحذر من الوقوع في الربا، ومنعت أجر الضمان، وأجازت للمصارف استرداد المصاريف الإدارية. وإن أصر المصرف الإسلامي على أخذ أجرة فيتم في حالة التمويل، وتحويل القرض إلى قراض (مشاركة في الربح) ويحصل المصرف على حصته من الربح الجائز والمشروع بالنص والإجماع» (١). ويمكن للمصرف الإسلامي أن يشتري البضاعة التي يريدها العميل، ويبيعها إياه عن طريق المرابحة للآمر بالشراء وفق الضوابط الشرعية لهذه العملية (٢).

стр. 5786

وإذا كان المصرف الإسلامي يتعامل مع بنوك أجنبية كما لو كان الاعتماد معززًا من قبل بنك في بلد البائع فإنه يجب على المصرف الإسلامي أن يبحث عن بنوك تقبل المقاصة والتعامل بالمثل بحيث لا يدفع البنك أية فوائد في مقابل تعزيز خطاب الاعتماد، وإذا لم يجد المصرف الإسلامي من يتعاون معه فعليه أن يودع لدى تلك البنوك ما يكفي ليتفادى دفع فوائد ربوية لتلك البنوك، وإذا استحق المصرف الإسلامي فوائد على تلك الأموال، ورأى أنه لا يتركها لهم فإنه يجب ألا تدخل هذه الأموال ضمن موارد المصرف وأرباحه، وأن يتخلص منها في المشاريع الخيرية. والله أعلم. كما لا يجوز للمصرف أن يشترط الغطاء للاعتماد المستندي إلا إذا كان هذا المبلغ سوف يجمده المصرف، ولا يتصرف فيه باعتباره رهنًا، فإن قدم الغطاء المستندي دون شرط فلا أرى مانعًا من جواز انتفاع المصرف بهذا الغطاء؛ لأنه إذا اشترط المصرف الغطاء، وتصرف فيه: فإن قيل: إن الغطاء رهن، فلا يجوز الانتفاع بالمرهون خاصة إذا لم يكن مركوبًا ولا محلوبًا كالنقود، فإذا انتفع أصبح القرض قد جر نفعًا وهذا لا يجوز. وإن قيل: إن الغطاء قرض، لأن المصرف سوف يملكه، ويتصرف فيه، ويرد

стр. 5787

بدله، وهذه حقيقة القرض، وما يدفعه المصرف للمستفيد نيابة عن العميل سيكون قرضًا أيضًا ثم تحدث المقاصة بين الدينين، وإذا كانت المسألة كذلك، فإن جواز اشتراط مثل هذا يرجع إلى حكم مسألة أخرى: [م-١٢٤٧] وهي حكم اشتراط عقد القرض في عقد القرض، وهو ما يسمى (أسلفني أسلفك). قال في مواهب الجليل: «لا خلاف في المنع من أن يسلف الإنسان شخصًا ليسلفه بعد ذلك» (١). وقال عليش: «ولا خلاف في منع أسلفني وأسلفك، وبحث ابن عبد السلام بأن العادة المكافأة بالسلف على السلف، فقصده لا بعد فيه. وأجيب: بأن العادة قصد السلف عند الاضطرار إليه، وأما الدخول على أن يسلفه الآن ليسلفه بعد شهر مثلا فليس معتادًا فقصده بعيد» (٢). وأصل ذلك القاعدة الفقهية المتفق عليها بين الفقهاء كل قرض جر نفعًا فهو ربا. كما نص على ذلك الشافعية، فمنع الشافعية أن يقرض المقترض المقرض، وعللوا ذلك بأنه قرض جر نفعًا (٣). وكذلك منع منها الحنابلة، جاء في المغني: «وإن شرط في القرض .... أن يقرضه المقترض مرة أخرى لم يجز» (٤).

стр. 5788

وذهب فريق من المعاصرين إلى جواز القروض المتبادلة مطلقًا (١). وحجتهم: (٢) ـ أن المنفعة متماثلة لا تخص المقرض وحده، وليست من ذات القرض وإنما من الإقدام على التعامل مع من يعاملك، وهذا شأن التجارة. (٢) ـ القياس على السفتجة من حيث كونها لا تخص المقرض وحده، بل تعم الطرفين. (٣) ـ أن الربا إنما حرم شرعًا؛ لأنه ظلم من المقرض للمقترض، أما الاتفاق على الإقراض المتبادل بين المقرض والمستقرض بمبالغ متساوية ولمدة متماثلة فليس فيه شيء من الظلم لأحد الطرفين. (٤) ـ أن فيها بديلًا عن القرض الربوي القائم على الفائدة. وأرى أن الإجماع المحكي في المسألة إن صح كان حجة، وإن لم يصح فالقول بالجواز متجه؛ لأن النفع متبادل، وليس خاصًا بالمقرض، والقرض ذاته لا زيادة فيه، ولكن خروجًا من مخالفة الإجماع فإن على البنك ألا يشترط الغطاء، بحيث يكون دفعه إلى المصرف بلا اشتراط، والله أعلم. * * *

стр. 5789

المبحث السابع في الضمان المصرفي الفرع الأول التعريف بالضمان المصرفي وبيان أركانه وأنواعه تعريفه: خطاب الضمان: «هو تعهد كتابي يتعهد بمقتضاه البنك بكفالة أحد عملائه في حدود مبلغ معين تجاه طرف ثالث بمناسبة التزام ملقى على عاتق العميل المكفول، وذلك ضمانًا لوفاء هذا العميل بالتزامه تجاه ذلك الطرف، خلال مدة معينة على أن يدفع البنك المبلغ المضمون عند أول مطالبة خلال سريان الضمان بغض النظر عن معارضة المدين أو موافقته في ذلك الوقت ... » (١). أركان خطاب الضمان هي: ١ - الكفيل، وهو المصرف الذي يصدر التعهد الخطي بدفع مبلغ معين نيابة عن العميل خلال مدة معينة. ٢ - المكفول عنه، وهو العميل، طالب خطاب الضمان. ٣ - المكفول له (المستفيد) وهو الشخص أو الجهة التي صدر خطاب الضمان لصالحها.

стр. 5790

٤ - المكفول به: وهو مبلغ الضمان الذي التزم المصرف بدفعه، وصدر الخطاب به. يضاف إلى ذلك: ٥ - مدة الضمان، وهي الفترة الزمنية التي يكون فيها المصرف ملتزمًا بتنفيذ ما ورد في الخطاب. ٦ - الغرض من الضمان. بحيث يجب النص صراحة في خطاب الضمان على الغرض الذي صدر من أجله الضمان، والعملية المتعلقة به. ومما تقدم يتبين أن هناك ثلاثة أطراف أساسية لخطاب الضمان: ١ - البنك الكفيل ٢ - العميل (المكفول) ٣ - المستفيد. أنواع خطاب الضمان: تختلف خطابات الضمان باختلاف الغرض الذي تعد من أجله، كما يلي: أ - خطاب الضمان الابتدائي: وهو خطاب مقدم بواسطة البنك نيابة عن أحد عملائه ممن يرغب في الدخول في مناقصة لتنفيذ عمل أو مشروع معين، وذلك عندما يطرح مشروع المناقصة في عطاء عام، فيقدم هذا الخطاب مع تقديم العطاء ويتراوح قيمته بين ١% إلى ٢% من قيمة العرض وذلك وفقًا لما تحدده الشروط والمواصفات.

стр. 5791

والغرض من خطابات الضمان الابتدائية هو: (١) - التأكد من جدية المتقدم للعرض لئلا تملأ خانات المزايدة أو المناقصة أو العطاء بأسماء أفراد غير جادين وغير مؤهلين لهذا المجال. (٢) - إلزام المناقص بإبرام العقد إذا رست عليه المناقصة وإلا أخذ منه قيمة الضمان. ويرد الضمان الابتدائي إلى أصحاب العروض غير المقبولة ممن لم ترس عليهم المناقصة، أما الذين رست عليهم المناقصة فيقدم ضمانًا نهائيًا، ويرد إليه الضمان الابتدائي، أو يستكمل الضمان الابتدائي باعتبار أن نسبته أقل من النهائي (١). ب - خطاب الضمان النهائي: ويصدر هذا النوع بواسطة البنك نيابة عن أحد عملائه (المضمون عنه) بعد أن يتم اختيار الجهة أو الهيئة الحكومية لأفضل المناقصات للقيام بتنفيذ العملية أو المقاولة حسب العقد المبرم. ويقدر خطاب الضمان بما قيمته حوالي ٥% من جملة العقد، أو ١٠% منه. ويودع الضمان في مدة لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ اليوم التالي لإخطاره بخطاب مسجل بقبول عطائه. ويحل خطاب الضمان النهائي محل الخطاب الابتدائي الذي يصبح لاغيًا بمجرد تقديم صاحب العرض المقبول لخطاب الضمان النهائي. ويرد الضمان إلى المناقص بعد الوفاء بالتزاماته بصورة نهائية. وهذا الضمان إذا أصدره المصرف فإنه ملزم للبنك؛ لأنه لا يصدر إلا والعميل قد ارتبط بعقد مع المستفيد.

стр. 5792

والغاية من الضمان النهائي: هو إلزام المتعاقد بتنفيذ العقد دون تأخر ولا تخلف، ولا مخالفة، ويصادر الضمان النهائي كله إذا لم يقم المتعاقد بتنفيذ العقد، وقد ينفذ العقد على حسابه مع تحمله فوارق الأسعار، والتعويض عن الأضرار. وقد يصادر جزء من الضمان النهائي إذا ترتب على المتعهد غرامات تأخير (١). جـ - خطابات ضمان الدفعة المقدمة . وتصدر هذه الضمانات عندما يرغب العميل في استلام دفعة مقدمة مقابل عمل ملتزم بالقيام به، أو توفير بضاعة، ولا يتم دفعها إلا بموجب خطاب ضمان يتعهد فيه البنك بإعادة دفع المبلغ للمستفيد إذا لم ينفذ العميل العمل حسب الشروط المتفق عليها بالوجه المطلوب أو في حالة اختلاف البضاعة عن المواصفات المطلوبة، ويترك تقدير هذا الأمر مطلقًا للجهة المستفيدة، وتكون نسبة الدفعة المقدمة غالبًا أقل من ٢٠% كحد أقصى. وهذا حكمه حكم خطاب الضمان النهائي؛ لأنه صورة منه. * * *

стр. 5793

الفرع الثاني التوصيف الفقهي لخطاب الضمان [ن-١١٢] توصيف خطاب الضمان المصرفي مختلف فيه، ويكاد أكثر الباحثين يعترفون بأن الأمر يفتقر إلى عناية من البحوث التخصصية التي تكشف حقيقته. ففي ندوة البركة الثالثة للاقتصاد الإسلامي المنعقد بأسطنبول، جاء فيه: «أما أخذ الأجر على خطاب الضمان غير المغطى بنسبة مبلغ الضمان كما هو معمول به في البنوك فقد رأت اللجنة بأغلبية الآراء أنه يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتمحيص والاطلاع على النماذج المستعملة في مختلف الحالات والتي طلب من المختصين في البنوك تقديمها للنظر فيها» (١). وقالت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية بعد أن ذكرت رأيها في خطاب الضمان المغطى وغير المغطى، وحكم أخذ العوض في الحالين فقد ختمت قرارها بقولها: «على أن المسألة تحتاج إلى مزيد من التأمل والبحث، وأن الهيئة تأمل في تحقيق ذلك» (٢). وإذا كان أطراف الضمان ثلاثة: هم المصرف والعميل والمستفيد، فإن الباحثين لا يختلفون بأن علاقة المصرف بالمستفيد هي علاقة ضمان، وإنما الخلاف في علاقة المصرف بالعميل.

стр. 5794

القول الأول: قيل: إن خطاب الضمان هو كفالة محضة، سواء كان بأمر المكفول أو بدون أمره (١). وجه ذلك: أن خطاب الضمان المصرفي: هو تنفيذ للالتزام الذي ترتب في ذمة المكفول، فهو بهذا يعني: ضم ذمة إلى ذمة أخرى. وهذا هو حقيقة الضمان. ونوقش هذا التخريج: بأن هناك فرقًا بين الكفالة في خطاب الضمان، وبين الكفالة في الفقه الإسلامي: فالتزام الكفيل في الفقه الإسلامي تابع لالتزام المدين المكفول من حيث صحته وبطلانه، فالضامن فرع عن الأصيل، فإذا بطل الدين المكفول به بطل الضمان، وإذا صح وثبت الدين ثبت الضمان، بينما التزام الكفيل (المصرف) في خطاب الضمان يحكمه خطاب الضمان وحده تجاه المستفيد، فالمصرف ملتزم بما نص عليه خطاب الضمان، وما تضمنه من شروط، ولا شأن له بالشروط التي بين العميل والمستفيد فهو يلتزم بالدفع أيا كان مصير العقد بين العميل والمستفيد. ويجاب: بأن هذا الفارق القانوني لا يخرج الخطاب من كونه نوعًا من الكفالة، فالتزام

стр. 5795

المصرف بالدين الذي على العميل هو في حقيقته كفالة لا غير، سواء كان هذا الالتزام مشروطًا بثبوت الدين كما هو معروف في الفقه الإسلامي، أو كان هذا الالتزام مطلقًا غير مشروط. وكون التزام المصرف في خطاب الضمان يحكمه خطاب الضمان، ولا شأن للبنك بسبب الضمان القائم بين العميل والمستفيد، هذا الفصل بين الضمان وسببه هذه مسألة لم تبن على حكم فقهي، والفصل فيها ليس عادلًا، لأن الضمان هو عقد تابع، وليس مستقلًا، وهو خروج عن الأحكام الشرعية، وقد بينت خطأه عند الكلام على الضمان في عقد فتح الاعتماد المستندي فأغنى عن إعادته هنا. وقيل: إن خطاب الضمان وكالة. اختار ذلك جماعة منهم سامي حمود (١). وجه ذلك من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الكفالة بالأمر يرجع فيها الكفيل بما يدفع على من أمره بذلك تمامًا كما يرجع الوكيل؛ لأن الكفالة بالأمر ما هي إلا وكالة بالأداء. ويجاب: الحقيقة أن الكفالة بالأمر لا تتغير فيها الحقيقة الشرعية للضمان: وهي شغل ذمتين بحق واحد، فالحق قبل الكفالة كان واجبًا في ذمة الأصيل، فبوجود الكفالة انضمت ذمة أخرى إلى الذمة الأصلية لتوثيق هذا الحق، ومعظم الكفالة

стр. 5796

التي تتم إنما تتم بالأمر من المكفول عنه، وهذا الأمر لا يغير من الطبيعة الشرعية التي تقوم عليها الكفالة (١). فالوكالة عقد استنابة، فالوكيل نائب عن الموكل وليست ذمته مشغولة بدين الموكل بخلاف الكفالة، والوكالة عقد جائز، والكفالة عقد لازم في حق الكفيل، وأما رجوع الكفيل على المكفول إذا دفع عنه بغير أمره ففيه خلاف بين أهل العلم، وليس مرد هذا إلى الخلاف في تكييف العقد، فهو عندهم عقد كفالة مطلقًا سواء قلنا يرجع، أو قلنا بعدم الرجوع، إلا أن من قال: لا يرجع إلا إذا كانت الكفالة بأمر المكفول رأى أن الضامن هنا متبرع، والمتبرع لا يرجع بما تبرع، ومن قال يرجع مطلقًا إلا إذا نوى التبرع بأن الإنسان إذا دفع عن الغير ما وجب عليه فإنه محسن، والأصل عدم التبرع. الوجه الثاني: أن الكفيل يحل محل المكفول في الوفاء بالتزاماته، فهو مخير بين أن يقوم بالعمل الذي كفله، أو أن يدفع المال بينما البنك الذي يقدم خطاب الضمان إلى مقاول مثلًا لا يطلب منه أن يقوم بالأعمال المطلوبة من المقاول، وإنما عليه أن يقوم بتعهده بدفع المال المتفق عليه سواء كان التزام المقاول أعلى أو أقل كثيرًا من خطاب الضمان. ويجاب: بأن الكفالة بخطاب الضمان لم تتوجه إلى القيام بالعمل، وإنما هي موجهة إلى شيء محدد، وهذا سائغ في الكفالة، فلا يشترط أن يحل الضامن محل المكفول في كل أعماله.

стр. 5797

الوجه الثالث: أن الكفالة عقد قائم على التبرع ابتداء، والمعاوضة انتهاء إذا كانت بناء على طلب المكفول، وهذا بخلاف حال الضمان حيث إن نية التبرع ليست قائمة لا في الحال ولا في المآل. ويناقش: بأن هذا استدلال في محل النزاع، فنحن لا نقبل أبدًا أن يكون الضمان المصرفي محلًا للمعاوضة ابتداء، وأما المعاوضة انتهاء فإنْ آل الضمان إلى القرض تحول إلى معاوضة انتهاء وإلا بقي الضمان التزامًا مجردًا، وهذا لا فرق فيه بين خطاب الضمان وبين عقد الكفالة. القول الثاني: قيل: إن خطاب الضمان يجمع بين الكفالة والوكالة، فهو يتضمن معنى الضمان؛ لأنه التزام من المصرف للمستفيد، كما يتضمن معنى الوكالة حيث يقوم المصرف نيابة عن عميله بإجراءات إتمام ما يشتمل عليه كتاب الضمان، وتسهيلها، ويستحق ما يدفعه المصرف على الآمر في دفعه للمستفيد. ويجاب: بأن العقد إما عقد كفالة أو عقد وكالة، ولا يمكن أن يكون خطاب الضمان مجموع العقدين في آن واحد؛ لاختلاف أحكامهما، وقيام المصرف نيابة عن عميله بإجراءات إتمام ما يشتمل عليه كتاب الضمان لا يخرجه عن الضمان. القول الثالث: قيل: إن خطاب الضمان إذا كان غير مغطى من العميل فإن العقد عقد

стр. 5798

ضمان، وعلى هذا فالضامن هو المصرف، والمضمون هو العميل، والمضمون له: هو الطرف الثالث (المستفيد). أما إذا كان العميل قد أودع لدى المصرف ما يغطي الخطاب فإن العلاقة بينهما علاقة وكالة، حيث وكل العميل المصرف ليقوم بالأداء عنه، فلا توجد كفالة بين الطرفين غير أنها تكون بين المصرف والطرف الثالث (المستفيد) فالمستفيد يقبل خطاب الضمان من المصرف باعتبار المصرف كفيلًا، لا وكيلًا. وإن كان الخطاب مغطى جزئيًا، فما غطي يأخذ معنى الوكالة، وما لم يغط يأخذ معنى الضمان. وبهذا أخذت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية (١)، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٢)،

стр. 5799

واختاره جمع من الباحثين، منهم الشيخ علي السالوس (١). وجه هذا القول: أن خطاب الضمان إن كان بدون غطاء فهو كفالة، لأن فيه ضم ذمة إلى أخرى من أجل توثيق الحق. وأما إذا كان خطاب الضمان بغطاء فهو يمكن تشخيصه وتكييفه إلى اعتبارين: فهو بين المستفيد وبين المصرف (البنك) عبارة عن كفالة؛ لأن المستفيد يشعر بأن ذمة المصرف قد شغلت بالدين الأصلي. وأما العلاقة بين المصرف وبين طالب الضمان، والذي قدم مقابلًا لهذا الضمان فإنها عبارة عن وكالة؛ لأنه أعطى مالًا، وطلب من الضامن أن يدفع هذا المال عندما يطالب به، ولا يستنكر أن يكون للتصرف الواحد اعتباران، فهناك كثير من العقود تعتبر لازمة بالنسبة لطرف، وغير لازمة بالنسبة لطرف آخر. ثمرة الخلاف: إذا قلنا: إن خطاب الضمان هو عقد كفالة مطلقًا لم يجز أخذ العوض على الضمان، وسيأتي بحث أخذ العوض على الضمان في مبحث مستقل، وبيان الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.

стр. 5800

وإن قلنا: إنه عقد وكالة مطلقًا جاز أخذ العوض على خطاب الضمان؛ لأن الوكالة تجوز بأجر وبدون أجر. وإن قيل: إنه عقد مركب من عقد وكالة وضمان إما مطلقًا أو في حال كان الضمان قد غطي جزء منه، فهناك من يجيز أخذ العوض على الوكالة، ولا يجيز أخذ العوض على الضمان، كما هو رأي المجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ورأي الهيئة الشرعية في شركة الراجحي المصرفية. مناقشة هذا التخريج: الذي أميل إلى أن خطاب الضمان هو عقد كفالة مطلقًا، سواء كان بغطاء كلي أو جزئي، أو كان بغير غطاء لعدة أسباب: السبب الأول: أن الوكالة تفويض بالأداء دون التحمل، والبنك في خطاب الضمان ليس مفوضًا بالأداء فقط، وإنما ذمته مشغولة بالحق الذي وجب للمستفيد، مطلقًا، سواء قام العميل بالغطاء أو لم يقم بذلك. السبب الثاني: أن المستفيد لم يقبل البنك كنائب عن العميل في الأداء، فإن هذا الأمر لا يضمن له حقه، وإنما قبل البنك كضامن للحق، فإن هذا هو الذي يحفظ له حقه، ويوفر له قدرًا من الأمان بأن حقه لن يضيع. وإذا كان المخالف يقر بأن علاقة المستفيد بالمصرف هي علاقة ضمان مطلقًا، فمن المعلوم أن المصرف إنما ضمن العميل لصالح المستفيد، فرجع إلى أن العميل مضمون عنه ولا بد؛ لأن عقد الضمان في خطاب الضمان أطرافه

стр. 5801

ثلاثة فسقط التكييف بأن خطاب الضمان بالنسبة للمستفيد كفالة، وبالنسبة للعميل هو عقد وكالة. السبب الثالث: أن عقد الوكالة عقد جائز، وعقد الضمان عقد لازم، ونحن هنا أمام عقد لازم، وليس عقدًا جائزًا إلا أن يقال: إن عقد الوكالة بالشرط يصبح لازمًا. السبب الرابع: أن المصرف لو كان وكيلًا لم يضمن المال الذي قبضه من العميل غطاء للضمان فيما لو هلك بلا تعد ولا تفريط، لأن الوكيل أمين، والواقع أن المصرف ضامن للمال الذي استلمه، فليست يده يد أمانة. السبب الخامس: أن هذا الغطاء هو قرض في ذمة المصرف؛ لأن المصرف لا يجمده، بل يأخذه ويتملكه، ويستثمره، فيكون التوصيف حقيقة: أن الضامن مدين للمضمون عنه بمثل مال الضمان إن كان خطاب الضمان مغطى كليًا، أو مدين ببعضه إن كان جزئيًا، ثم تحدث المقاصة بين الدينين إن تحمل المصرف دفع قيمة الضمان؛ لأن المال المغطى لا يكون مجمدًا لا يتصرف فيه البنك حتى يكون وكيلًا نائبًا عن المالك، ولذا أرى أن خطاب الضمان هو عقد كفالة مطلقًا غطي أو لم يغط، وجواز أخذ العوض على الضمان إذا كان مغطى بالكلية جائز ليس لأنه خرج عن كونه من عقود الضمان، وإنما لأن الضمان فيه لا يؤول إلى قرض جر نفعًا، والله أعلم. ولو قيل: إن عقد الضمان عقد وكالة وضمان فيما لو غطي بعض قيمة الضمان لم يجز فيما أرى أخذ العوض على خطاب الضمان؛ لأن العقد المركب من عقدين:

стр. 5802

عقد وكالة يجوز أخذ العوض عليه. وعقد ضمان للدين غير مغطى لا يجوز أخذ العوض عليه. فلو قدم عقد الوكالة بشكل منفرد لجاز أخذ العوض عليه وطلب الربح من ذلك، أما إذا اجتمع مع الضمان فإنه لا يجوز أخذ العوض على الوكالة حتى يفصل عن الضمان؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى أخذ العوض على الضمان بالاختباء وراء ستار عقد الوكالة. فالراجح في العقود المشتركة منع الجمع بين كل عقدين يترتب على الجمع بينهما محظور شرعي، وإن كان كل واحد منهما جائزًا بمفرده، فليس كل عقد جاز منفردًا جاز مضمومًا إلى غيره، فهذا عقد القرض جائز بالإجماع، وعقد البيع جائز بالإجماع، وإذا باعه بشرط أن يقرضه حرم ذلك بالإجماع. فإذا كان أخذ العوض على ضمان الدين محرمًا فإن أخذ العوض على الوكالة إذا ضمت إلى الضمان يكون محرمًا حينئذ خشية أن يؤدي ذلك إلى أخذ العوض على الضمان بعقد مستتر باسم الأجرة على الوكالة، وفي نفس الوقت لا نمانع من أخذ التكاليف الفعلية التي أنفقها الضامن لإصدار خطاب الضمان دون أن يربح في ذلك، وفي هذا حماية للمعاملة من الوقوع في الربا. يقول الشيخ محمد الزحيلي: «خطابات الضمان من المعاملات المصرفية المعاصرة التي عرضت عدة مرات على مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمؤتمرات الفقهية، وندوات الاقتصاد الإسلامي، وصدر فيها عدة قرارات توضح الجوانب الجائزة، وتحذر من الوقوع في الربا، ومنعت أجر الضمان، وأجازت للمصارف استرداد المصاريف الإدارية. وإن أصر المصرف الإسلامي على أخذ أجرة فيتم في حالة التمويل، وتحويل

стр. 5803

القرض إلى قراض (مشاركة في الربح) ويحصل المصرف على حصته من الربح الجائز والمشروع بالنص والإجماع» (١). * * *

стр. 5804

الفرع الثالث في أخذ العمولة في مقابل الضمان [م-١٢٤٨] قبل أن أتكلم في حكم المسألة أحرر محل النزاع: لا مانع شرعًا من أخذ الضامن للتكاليف والنفقات الفعلية التي تكبدها في سبيل تقديم الضمان؛ لأنه إذا جاز أخذ نفقات القرض من المقترض فلأن يجوز أخذ ذلك في الضمان من باب أولى؛ ولأن أخذ الضامن لهذه التكاليف لا يعتبر من باب المعاوضة، وإنما استحقاق وجب في ذمة المضمون عنه للضامن وأخذ الضامن لها إنما هو من باب دفع الضرر عنه، فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، ويمكن أن نطلق على ذلك: استرداد المصاريف الإدارية حتى لا يفهم منه أن ذلك أجر على الضمان. (ح-٨٥٦) ويدل على هذا ما رواه البخاري من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي. عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قال: (الرهن يركب بنفقته) والرهن قد يكون موجبه القرض، ويكون المرتهن: هو المقرض، والانتفاع بالرهن ركوبًا وشربًا للبنه يعتبر منفعة للمقرض، ولكن حين كانت هذه المنافع في مقابل النفقة، وليس بسبب القرض جاز ذلك، وإذا جاز ذلك في باب القرض جاز ذلك في باب الضمان (٢).

стр. 5805

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5806

ومثل ذلك ما نص عليه الفقهاء من تحمل المقترض كيل مال القرض، أو وزنه. فا المقصود في هذه المسألة حكم أخذ العمولة (عوض مالي) في مقابل الالتزام بالدين، وتقديم الضمان. وقد اختلف العلماء في هذا: فقيل: لا يجوز أخذ العوض على الضمان وهو مذهب الأئمة الأربعة على خلاف بينهم هل يبطل العوض وحده، ويصح الضمان، أو يبطلا معًا (١)، وبه

стр. 5807

قال مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢)، وقال به جمع من العلماء المعاصرين (٣). وقيل: يجوز أخذ العوض على الضمان، وهو قول منسوب لإسحاق ابن راهوية (٤)، وقال به من العلماء المتأخرين شيخ شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي (٥)، والشيخ علي الخفيف (٦)، والشيخ عبد الرحمن عيسى (٧)، والشيخ

стр. 5808

أحمد علي عبد الله (١)، والدكتور حسن الأمين (٢)، والدكتور زكريا البري (٣)، والشيخ نزيه حماد (٤)، والشيخ عبد الله بن منيع (٥)، والدكتور محمد مصطفى الشنقيطي (٦). وقيل: إذا كان العميل قد أودع لدى المصرف ما يغطي قيمة الضمان، فإنه يجوز أخذ العمولة عليه. وبهذا أخذت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية (٧)، وصدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٨)، واختاره جمع من الباحثين، منهم الشيخ علي السالوس (٩) دليل من قال: لا يجوز أخذ العوض على الضمان: الدليل الأول: الإجماع قال ابن المنذر: «أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن

стр. 5809

الحمالة بجعل (١) يأخذه الحميل لا تحل، ولا تجوز، واختلفوا في صحة الضمان على هذا الشرط. فكان الثوري يقول: إذا قال الرجل للرجل: اكفل عني، ولك ألف درهم، فإن الكفالة جائزة، وترد إليه الألف درهم. وقال أحمد: ما أرى هذا يأخذ شيئًا بحق. وقال إسحاق: ما أعطاه من شيء فهو حسن» (٢). وقال الدردير: «وأما صريح ضمان بجعل فلا خلاف في منعه؛ لأن الشارع جعل الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله تعالى، فأخذ العوض عليها سحت» (٣). وجاء في مواهب الجليل: «حكى ابن عرفة عن اللخمي .... : الضمان بجعل لا يجوز، قال: ابن القطان عن صاحب الأنباء إجماعًا» (٤). أي بعدم الجواز. ونوقش دعوى الإجماع: قال ابن منيع: «إن القول بمنع الأجرة على الضمان ليس محل إجماع بين

стр. 5810

أهل العلم، وإن ذكر ذلك ابن المنذر ﵀، فقد قال بجوازه الإمام إسحاق ابن راهوية أحد مجتهدي فقهائنا الأقدمين، وهو سابق لابن المنذر، وقال بجوازه من فقهائنا في العصور المتأخرة من علماء الأزهر الشيخ علي الخفيف، والشيخ عبد الرحمن عيسى، والشيخ عبد الحليم محمود، ومن علماء المملكة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد الله البسام ... » (١). ويجاب على ذلك: الذي حكى الإجماع ليس ابن المنذر فقط، فقد حكاه ثلاثة من العلماء كما نقلت في الاستدلال، وأما خلاف المتأخرين فهو محفوظ، ولا يخرق به الإجماع، وأما القول المنسوب للإمام إسحاق فلو صح لخرق الإجماع، وكنت أتمنى أن أجد عبارة عن الإمام إسحاق تقول: إن أخذ العوض في مقابل الضمان صحيح، أو أي عبارة تؤدي نفس المعنى بوضوح ودون احتمال، والعبارة المأثورة عن الإمام إسحاق حكاها ثلاثة من العلماء إسحاق بن منصور في مسائل إسحاق، وابن المنذر، والماوردي في الحاوي الكبير، والأول والثاني حكيا عبارة الإمام إسحاق بنصها، والثاني ساق فهمه لعبارة الإمام إسحاق، ولنتأمل هذه العبارة هل تعطينا ذلك الجزم بأن الإمام إسحاق يرى جواز أخذ العوض على الضمان: جاء في مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية إسحاق بن منصور: «قال سفيان: إذا قال رجل لرجل: اكفل عني، ولك ألف درهم: الكفالة جائزة، ويرد عليه ألف درهم. قال أحمد: ما أرى هذا يأخذ شيئًا بحق.

стр. 5811

قال إسحاق: ما أعطاه من شيء فهو حسن» (١). ونقل هذه العبارة ابن المنذر. فهذا النص في الحقيقة لا يجعل الباحث يجزم بأن مذهب إسحاق جواز أخذ المعاوضة على الضمان، لأن قوله: ما أعطاه من شيء فهو حسن يدخل - كما قلنا - في باب المكافأة غير المشروطة، وليس على سبيل المعاوضة. وإذا كانت المكافأة على القرض من غير شرط ولا عرف مقبولة، فكيف بالضمان، فتأمل. ويؤيد ذلك أن ابن المنذر ﵀ قال في المسألة: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل، ولا تجوز، ثم نقل عبارة الإمام إسحاق، فلو كان رأي الإمام إسحاق خارقًا للإجماع ما صح من ابن المنذر أن يحكي الإجماع في الوقت الذي ينقل فيه الخلاف عن إسحاق والثوري، فصح أن رأي إسحاق محمول على رأي آخر لا يخرق الإجماع، وهو المكافأة الضمان. وأما نقل الماوردي لمذهب إسحاق فلم ينقل لنا عبارة الإمام إسحاق، وإنما نقل فهمه لعبارة إسحاق، جاء في الحاوي: «فلو أمره بالضمان عنه بجعل جعله له لم يجز، وكان الجعل باطلًا، والضمان إن كان بشرط الجعل فاسدًا، بخلاف ما قاله إسحاق بن راهوية؛ لأن الجعل إنما يستحق في مقابلة عمل، وليس الضمان عملًا فلا يستحق به جعلًا» (٢). وهذه العبارة ليست صريحة، لأن كلمة بخلاف ما قاله إسحاق رجع إلى المسألة المتأخرة، فالماوردي قد ذكر مسألتين:

стр. 5812

المسألة الأولى: بطلان الجعل وحده دون الضمان إذا كان الجعل غير مشروط في الضمان. المسألة الثانية: بطلان الضمان مع الجعل إذا كان الضمان بشرط الجعل. وهي التي أعقبها بمذهب إسحاق، فقوله: (بخلاف ما قاله إسحاق) يفهم منه رجوع الكلام إلى المسألة الأخيرة، وأن إسحاق يرى عدم بطلان الضمان إذا كان بشرط الجعل، وإنما يفسد الجعل وحده. والكلام يحتمله جدًا، وهو قول الثوري كما نقلت ذلك عنه قبل قليل. وإذا كان كلام إسحاق محتملًا فإنه لا يترك الإجماع المتيقن لعبارة محتملة، بل يحمل كلام الإمام إسحاق على ما يوافق الإجماع إذا كان تأويل الكلام يحتمله بدون تكلف، وهو ما أراه هنا، خاصة بعد أن وقفنا على عبارة الإمام إسحاق بنص عال جدًا في مسائله رواية تلميذه بلا واسطة، فهي مقدمة بكل حال على فهم الماوردي وغيره لو سلم هذا الفهم، والله أعلم. الدليل الثاني: أن الضمان قد يؤول إلى أن يكون قرضًا جر نفعًا، وذلك أنه في حال أداء الضامن للمضمون له يكون الضامن مقرضًا للمضمون عنه، وبهذا يكون ما أخذه من عمولة من قبيل القرض الذي جر نفعًا، وهذا من الربا. جاء في المغني: «لو قال: اقترض لي من فلان مائة ولك عشرة فلا بأس ولو قال: اكفل عني، ولك ألف لم يجز; وذلك لأن قوله: اقترض لي، ولك عشرة جعالة على فعل مباح فجازت كما لو قال: ابن لي هذا الحائط، ولك عشرة. وأما الكفالة فإن الكفيل يلزمه الدين فإذا أداه وجب له على المكفول

стр. 5813

عنه فصار كالقرض فإذا أخذ عوضًا صار القرض جارًا للمنفعة فلم يجز» (١). ونوقش هذا: بأن هذا الاستدلال وجيه لو كان التكييف الفقهي للأجر على الضمان بأنه عوض عن الدين المكفول به إذا أداه الضامن لرب الدين، أما إذا كان العوض في الضمان عن الالتزام بالدين، سواء أدَّاه الكفيل فيما بعد أم أدَّاه المكفول فلا يقال: إنه قرض جر نفعًا. وذلك أن الكفالة بالمال فيها ثلاثة أمور: * التزام الكفيل بالدين أو المطالبة به. * أداء الكفيل بالدين المكفول به إلى ربه. * رجوع الكفيل على المكفول بما أدى عنه إن وقع ذلك. فأخذ العوض إنما هو في مقابل الالتزام، وليس في مقابل أداء الكفيل للدين بدليل أن العوض مستحق مطلقًا، سواء أدى الكفيل الدين أو أداه صاحبه، فلو قام المكفول بأداء دينه للمكفول له برئت ذمته منه، ولم تنشأ مداينة أصلًا بينه وبين الضامن، وعندئذ فلا حرج شرعًا في استحقاق الضامن الجعل المشروط عوضًا عن مجرد الالتزام بالدين لانتفاء الربا وذرائعه وشبهته، وكذا لو كان الكفيل مدينًا للمكفول بمثل المال المضمون، وهو ما يسمى بالضمان المغطى، فإنه لا يوجد قائل بأنه لا يجوز أخذ العوض في هذه الحال، وكل ذلك يدل على

стр. 5814

أن أخذ العوض لم يكن في مقابل أداء الكفيل للدين، وإنما هو في مقابل الالتزام. جاء في الهداية في تعريف الكفالة، قال: «هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وقيل: في الدين. والأول أصح» (١). وعلل الحنفية ذلك بتعاليل منها: أن الكفالة كما تصح بالمال تصح بالنفس، مع أن الكفالة بالنفس لا يوجد فيها دين، وإنما فيها مجرد الالتزام. ولأنه لو ثبت الدين في ذمة الكفيل، ولم يبرأ الأصيل صار الدين الواحد دينين (٢). ويجاب بثلاثة أجوبة: الجواب الأول: لو قلنا بانفكاك أخذ العوض على الالتزام بالدين عن تحمل الدين نفسه لقلنا بجواز أخذ العوض على الالتزام بالقرض في حالة الوعد الملزم بالقرض، وانفكاكه عن القرض نفسه، وهذا لا قائل به. فلا يمكن القول بأن الالتزام بالدين منفك عن الدين، إذ لا يوجد التزام بالدين بلا وجود دين؛ لأن الالتزام فرع الدين، فلا يتصور الفرع بدون الأصل، فلزم من ثبوت الالتزام بالدين ثبوت الدين في ذمة الكفيل، وأخذ العوض عن الالتزام بالدين، هو عين أخذ العوض عن أداء الدين؛ لأن الالتزام فرع الدين.

стр. 5815

الجواب الثاني: بأن أخذ العوض عن مجرد الالتزام لا يجوز؛ وهو من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه في غير مقابل، وهذا ما سوف نذكره ونناقشه في الدليل القادم إن شاء الله تعالى. الجواب الثالث: أن الإسلام لم يحرم الربا الصريح فقط، بل حرم كل طريق يؤدي إليه، فقد حرم العينة مع أن البيع الثاني قد لا يكون مشروطًا في البيع الأول، وقد يقع ذلك من غير اتفاق وإنما حرم ذلك خشية أن يؤدي ذلك إلى الربا الصريح، وعندما نهى الشارع عن الجمع بين سلف وبيع، حرم ذلك لئلا يكون هناك محاباة في البيع، فيكون النفع من القرض مستترًا في عقد البيع، مع أنه في البيع المنفرد له أن يحابي من يشاء لعدم الوقوع في المفسدة، فكذلك الشأن هنا، فإذا كان ذلك قد يؤدي إلى أن ينتفع الضامن بسبب القرض قطع الشارع الطريق إلى ذلك، والله أعلم. الدليل الثالث: أن أخذ العوض على الضمان إذا لم يؤد إلى إقراض المضمون عنه فإنه من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه مال أخذ دون مقابل، وهذا لا يجوز. جاء في الشرح الصغير: «وعلة المنع أن الغريم إذا أدى الدين لربه كان الجعل باطلًا فهو من أكل أموال الناس بالباطل، وإن أداه الحميل لربه، ثم رجع به على الغريم كان من السلف بزيادة .. » (١).
следующие страницы →