قال إسحاق: ما أعطاه من شيء فهو حسن» (١).
ونقل هذه العبارة ابن المنذر. فهذا النص في الحقيقة لا يجعل الباحث يجزم بأن مذهب إسحاق جواز أخذ المعاوضة على الضمان، لأن قوله: ما أعطاه من شيء فهو حسن يدخل - كما قلنا - في باب المكافأة غير المشروطة، وليس على سبيل المعاوضة. وإذا كانت المكافأة على القرض من غير شرط ولا عرف مقبولة، فكيف بالضمان، فتأمل.
ويؤيد ذلك أن ابن المنذر ﵀ قال في المسألة: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل، ولا تجوز، ثم نقل عبارة الإمام إسحاق، فلو كان رأي الإمام إسحاق خارقًا للإجماع ما صح من ابن المنذر أن يحكي الإجماع في الوقت الذي ينقل فيه الخلاف عن إسحاق والثوري، فصح أن رأي إسحاق محمول على رأي آخر لا يخرق الإجماع، وهو المكافأة الضمان.
وأما نقل الماوردي لمذهب إسحاق فلم ينقل لنا عبارة الإمام إسحاق، وإنما نقل فهمه لعبارة إسحاق، جاء في الحاوي: «فلو أمره بالضمان عنه بجعل جعله له لم يجز، وكان الجعل باطلًا، والضمان إن كان بشرط الجعل فاسدًا، بخلاف ما قاله إسحاق بن راهوية؛ لأن الجعل إنما يستحق في مقابلة عمل، وليس الضمان عملًا فلا يستحق به جعلًا» (٢).
وهذه العبارة ليست صريحة، لأن كلمة بخلاف ما قاله إسحاق رجع إلى المسألة المتأخرة، فالماوردي قد ذكر مسألتين:
стр. 5812
المسألة الأولى: بطلان الجعل وحده دون الضمان إذا كان الجعل غير مشروط في الضمان.
المسألة الثانية: بطلان الضمان مع الجعل إذا كان الضمان بشرط الجعل. وهي التي أعقبها بمذهب إسحاق، فقوله: (بخلاف ما قاله إسحاق) يفهم منه رجوع الكلام إلى المسألة الأخيرة، وأن إسحاق يرى عدم بطلان الضمان إذا كان بشرط الجعل، وإنما يفسد الجعل وحده. والكلام يحتمله جدًا، وهو قول الثوري كما نقلت ذلك عنه قبل قليل.
وإذا كان كلام إسحاق محتملًا فإنه لا يترك الإجماع المتيقن لعبارة محتملة، بل يحمل كلام الإمام إسحاق على ما يوافق الإجماع إذا كان تأويل الكلام يحتمله بدون تكلف، وهو ما أراه هنا، خاصة بعد أن وقفنا على عبارة الإمام إسحاق بنص عال جدًا في مسائله رواية تلميذه بلا واسطة، فهي مقدمة بكل حال على فهم الماوردي وغيره لو سلم هذا الفهم، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن الضمان قد يؤول إلى أن يكون قرضًا جر نفعًا، وذلك أنه في حال أداء الضامن للمضمون له يكون الضامن مقرضًا للمضمون عنه، وبهذا يكون ما أخذه من عمولة من قبيل القرض الذي جر نفعًا، وهذا من الربا.
جاء في المغني: «لو قال: اقترض لي من فلان مائة ولك عشرة فلا بأس ولو قال: اكفل عني، ولك ألف لم يجز; وذلك لأن قوله: اقترض لي، ولك عشرة جعالة على فعل مباح فجازت كما لو قال: ابن لي هذا الحائط، ولك عشرة. وأما الكفالة فإن الكفيل يلزمه الدين فإذا أداه وجب له على المكفول
стр. 5813
عنه فصار كالقرض فإذا أخذ عوضًا صار القرض جارًا للمنفعة فلم يجز» (١).
ونوقش هذا:
بأن هذا الاستدلال وجيه لو كان التكييف الفقهي للأجر على الضمان بأنه عوض عن الدين المكفول به إذا أداه الضامن لرب الدين، أما إذا كان العوض في الضمان عن الالتزام بالدين، سواء أدَّاه الكفيل فيما بعد أم أدَّاه المكفول فلا يقال: إنه قرض جر نفعًا. وذلك أن الكفالة بالمال فيها ثلاثة أمور:
* التزام الكفيل بالدين أو المطالبة به.
* أداء الكفيل بالدين المكفول به إلى ربه.
* رجوع الكفيل على المكفول بما أدى عنه إن وقع ذلك.
فأخذ العوض إنما هو في مقابل الالتزام، وليس في مقابل أداء الكفيل للدين بدليل أن العوض مستحق مطلقًا، سواء أدى الكفيل الدين أو أداه صاحبه، فلو قام المكفول بأداء دينه للمكفول له برئت ذمته منه، ولم تنشأ مداينة أصلًا بينه وبين الضامن، وعندئذ فلا حرج شرعًا في استحقاق الضامن الجعل المشروط عوضًا عن مجرد الالتزام بالدين لانتفاء الربا وذرائعه وشبهته، وكذا لو كان الكفيل مدينًا للمكفول بمثل المال المضمون، وهو ما يسمى بالضمان المغطى، فإنه لا يوجد قائل بأنه لا يجوز أخذ العوض في هذه الحال، وكل ذلك يدل على
стр. 5814
أن أخذ العوض لم يكن في مقابل أداء الكفيل للدين، وإنما هو في مقابل الالتزام.
جاء في الهداية في تعريف الكفالة، قال: «هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وقيل: في الدين. والأول أصح» (١).
وعلل الحنفية ذلك بتعاليل منها:
أن الكفالة كما تصح بالمال تصح بالنفس، مع أن الكفالة بالنفس لا يوجد فيها دين، وإنما فيها مجرد الالتزام.
ولأنه لو ثبت الدين في ذمة الكفيل، ولم يبرأ الأصيل صار الدين الواحد دينين (٢).
ويجاب بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
لو قلنا بانفكاك أخذ العوض على الالتزام بالدين عن تحمل الدين نفسه لقلنا بجواز أخذ العوض على الالتزام بالقرض في حالة الوعد الملزم بالقرض، وانفكاكه عن القرض نفسه، وهذا لا قائل به.
فلا يمكن القول بأن الالتزام بالدين منفك عن الدين، إذ لا يوجد التزام بالدين بلا وجود دين؛ لأن الالتزام فرع الدين، فلا يتصور الفرع بدون الأصل، فلزم من ثبوت الالتزام بالدين ثبوت الدين في ذمة الكفيل، وأخذ العوض عن الالتزام بالدين، هو عين أخذ العوض عن أداء الدين؛ لأن الالتزام فرع الدين.
стр. 5815
الجواب الثاني:
بأن أخذ العوض عن مجرد الالتزام لا يجوز؛ وهو من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه في غير مقابل، وهذا ما سوف نذكره ونناقشه في الدليل القادم إن شاء الله تعالى.
الجواب الثالث:
أن الإسلام لم يحرم الربا الصريح فقط، بل حرم كل طريق يؤدي إليه، فقد حرم العينة مع أن البيع الثاني قد لا يكون مشروطًا في البيع الأول، وقد يقع ذلك من غير اتفاق وإنما حرم ذلك خشية أن يؤدي ذلك إلى الربا الصريح، وعندما نهى الشارع عن الجمع بين سلف وبيع، حرم ذلك لئلا يكون هناك محاباة في البيع، فيكون النفع من القرض مستترًا في عقد البيع، مع أنه في البيع المنفرد له أن يحابي من يشاء لعدم الوقوع في المفسدة، فكذلك الشأن هنا، فإذا كان ذلك قد يؤدي إلى أن ينتفع الضامن بسبب القرض قطع الشارع الطريق إلى ذلك، والله أعلم.
الدليل الثالث:
أن أخذ العوض على الضمان إذا لم يؤد إلى إقراض المضمون عنه فإنه من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه مال أخذ دون مقابل، وهذا لا يجوز.
جاء في الشرح الصغير: «وعلة المنع أن الغريم إذا أدى الدين لربه كان الجعل باطلًا فهو من أكل أموال الناس بالباطل، وإن أداه الحميل لربه، ثم رجع به على الغريم كان من السلف بزيادة .. » (١).
стр. 5816
وجاء في الحاوي: «الجعل إنما يستحق في مقابل عمل، وليس الضمان عملًا، فلا يستحق به جعلًا» (١).
ويناقش:
بأن الضمان له قيمة شرعية، فالمال ليس محصورًا في الأعيان فقط، وإنما يشمل الأعيان والمنافع، والضمان مشتمل على منفعة مقصودة، بدليل حديث الخراج بالضمان، وهو حديث وإن كان فيه كلام إلا أن العمل عليه، وسبق تخريجه، وقد دل هذا الحديث بأن الضمان له قيمة مالية، فقوله ﷺ (الخراج) يراد به: ما يخرج ويحصل من غلة العين، وذلك بأن يشتري الرجل سلعة، فيستغلها زمنًا، ثم يظهر أن السلعة مستحقة لآخر فيتبين أن العقد باطل، فيجب عليه رد العين، وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو تلف في يده لكان من ضمانه.
وقوله ﷺ (بالضمان) الباء سببية، أي أن استحقاق الخراج كان بسبب الضمان. وهذا التلف احتمالي، وقد يكون نادرًا، ومع ذلك فالخراج مستحق له بسبب أنه شغل ذمته بالضمان لهذا الخطر الاحتمالي النادر. وهو ضمان مجرد ما دام أن السلعة قد تحقق، وهو يردها أنها تتعرض لأي نقص، ومع ذلك فقد استحق هذا الخراج بمجرد هذا الضمان، فدل على أن التزام الضمان له قيمة مالية مقصودة، وأنه يسوغ بذل العوض في مقابل تحصيله إذا لم يترتب على ذلك محذور شرعي آخر غير العوض على الضمان.
ومع قولي ذلك فإن الخراج بالضمان مشروط بأن لا يترتب على ذلك محذور
стр. 5817
شرعي من كون أخذ العوض على الضمان يؤدي إلى قرض جر نفعًا، فإذا لم يؤد إلى ذلك فلا أرى مانعًا كما سيتضح ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على القول الراجح.
الدليل الرابع:
أن الضمان والجاه والقرض من صنف القرب، وأبواب المعروف التي لا تفعل إلا لله فلا يجوز أخذ العوض عليه.
قال الدردير: «وأما صريح ضمان بجعل فلا خلاف في منعه؛ لأن الشارع جعل الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله تعالى، فأخذ العوض عليها سحت» (١).
وجاء في التاج والإكليل نقلًا عن الأبهري أنه قال: «لا يجوز ضمان بجعل; لأن الضمان معروف ولا يجوز أن يؤخذ عوض عن معروف وفعل خير، كما لا يجوز على صوم ولا صلاة ; لأن طريقها ليس لكسب الدنيا» (٢).
ويناقش:
أما ما نقله الدردير ﵀ من أن الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله، فنأخذها واحدًا واحدا:
أما القرض، فإنه يجوز أن يفعل لله، ويجوز أن يفعل لغير وجه الله، ولكن لا يجوز أخذ العوض عن القرض لأن ذلك يؤدي إلى الربا.
(ث-١٥٨) فقد روى مالك في الموطأ بلاغًا عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: السلف على ثلاثة وجوه: سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله،
стр. 5818
وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ خبيثًا بطيب فذلك الربا .... (١).
[الأثر ضعيف، ومعناه صحيح].
وإذا كان القرض يجوز ألا يراد به وجه الله، كما لو أراد المقرض بذلك وجه صاحبه فالضمان يجوز ألا يراد به وجه الله من باب أولى.
وأما أخذ العوض عن الجاه ففيه خلاف بين أهل العلم، وقد رجح الإمام أحمد ﵀ جواز أخذ العوض عنه مطلقًا، ومنهم من أجازه إن بذل فيه مجهودًا ولو يسيرًا. وسيأتي مزيد كلام عليه ضمن أدلة المجيزين، فيؤجل الكلام عليه.
وأما قياس الضمان على الصوم والصلاة بكونه لا يجوز أخذ العوض عليهما فلا أدري ما وجه الشبه بين الضمان وبين الصوم والصلاة، فلا توجد علة أو حكمة مشتركة بينهما حتى يصح القياس، بل الظاهر أن بينهما قياسًا عكسيًا لا طرديًا، فإذا منع الأجر في الصلاة والصوم؛ لأنهما واجبان، فينبغي أن يجوز في الضمان؛ لأنه غير واجب (٢).
يقول الدكتور نزيه حماد: «قياس الأبهري من المالكية عدم جواز أخذ الأجر على الضمان على عدم جوازه على الصوم والصلاة غير سديد، وهو قياس مع الفارق، إذ الصوم والصلاة من أركان الإسلام، والفرائض العينية على المكلف، وإنها لتجب حقًا محضًا لله ، ولا تقبل عند الله إلا إذا أديت خالصة لوجهه، أما كفالة الغير بالمال فليست كذلك بيقين، ولا يجب على المسلم شرعًا أن يضمن ديون الناس كلما طلب منه ذلك» (٣).
стр. 5819
والقول بعدم جواز أخذ العوض عن المعروف والقرب فيه نظر، فقد صح عن النبي ﷺ جواز اشتراط الأجر على الرقية بالقرآن (١)، وهي قربة من القرب، وصح عن النبي ﷺ أنه أنكح أحد أصحابه بما معه من القرآن.
(ح-٨٥٧) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم.
عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إني قد وهبت لك من نفسي فقال رجل زوجنيها قال قد زوجناكها بما معك من القرآن. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٢).
وتعليم القرآن قربة، وقد جعله صداقًا للمرأة في مقابل منفعة بضع المرأة، وهو عرض دنيوي.
الدليل الخامس:
استدل المانعون بأن الأصل في الكفالة أنها من عقود التبرعات، واشتراط الجعل فيها للضامن يخرجها من باب التبرعات إلى المعاوضات، فكان ذلك غير جائز.
وقد ناقش ذلك الدكتور نزيه حماد، وبين أن الفقهاء قد اختلفت تفسيراتهم بقولهم: إن الكفالة تبرع، وذلك على اتجاهين:
الاتجاه الأول:
فسر التبرع بأن الكفيل متبرع لا بالالتزام فحسب، وإنما بالمال الذي دفعه نيابة عن المكفول، فلا يرجع على المكفول بما أداه عنه، كما فعل أبو قتادة ﵁ في كفالته لدين المتوفى حين امتنع النبي ﷺ عن الصلاة على
стр. 5820
الميت (١)، فإنه لو كان يستحق الرجوع لكانت ذمة الميت مشغولة بدينها كاشتغالها بدين المضمون له (٢).
وتفسير الضمان بأنه تبرع بأداء الدين غير صحيح، فإن جماهير العلماء يقولون بأن الكفيل إذا أدى الدين بأمر المكفول، أو أداه بنية الرجوع فإن له أن يرجع، ولا يعتبر بهذه الحال متبرعًا.
وقال النووي في الروضة: «لا يصح ضمان المحجور عليه لسفه وإن أذن الولي؛ لأنه تبرع، وتبرعه لا يصح بإذن الولي. كذا قال الإمام والغزالي: إن الضمان تبرع، وإنما يظهر هذا حيث لا رجوع، وأما حيث ثبت الرجوع فهو قرض محض» (٣).
وجاء في فتح العزيز: «واعلم أن القول بكون الضمان تبرعًا إنما يظهر حيث لا يثبت الرجوع، فأما حيث ثبت فهو إقراض، لا محض تبرع» (٤).
стр. 5821
الاتجاه الثاني:
أن المراد بالتبرع أن يكون متبرعًا بالالتزام، وليس بما يؤدي من مال. وهذا الاتجاه ظاهر في كلام الجمهور (١).
قال ابن قدامة في تعريف الضمان: بأنه «تبرع بالتزام مال» (٢).
وعلى فرض أن الضمان الأصل فيه التبرع، فإن التبرع ليس ضربًا لازمًا، فإنه يجوز أن يعطي الضامن الضمان ويريد به التبرع، ويجوز له أن لا يريد به ذلك، فالهبة وهي أساس عقود التبرعات قد أجاز الجمهور فيها العوض، وهو ما يعرف بهبة الثواب.
يقول ابن رشد: «وأما هبة الثواب فاختلفوا فيها، فأجازها مالك، وأبو حنيفة، ومنعها الشافعي، وبه قال أبو داود وأبو ثور» (٣).
فإذا صح ذلك في الهبة، وهي أصل تصرفات التبرع، ففي سواها ينبغي أن يكون الشأن أجوز (٤).
الدليل السادس:
أن اشتراط الأجر على الضمان يؤدي إلى الوقوع في الغرر، وهو ممنوع شرعًا.
وجه ذلك ما قاله التاودي: «إذا تحمل بمائة على أن يعطيه عشرة، قد يعدم المدين فيخسر الضامن تسعين، وقد يؤدي فيربح العشرة» (٥).
стр. 5822
ويجاب عن ذلك:
بأن المضمون إذا أعسر لم يسقط الدين، وإنما يكون مؤجلًا إلى ميسرة، وهذا بأمر الشارع، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] ولو كان مثل ذلك يمنع المعاملة لمنع الدين مطلقًا؛ لأن الديون كلها يتطرق إليها هذا الاحتمال، فإذا أعسر المدين ذهبت على صاحبها.
دليل من قال: يجوز أخذ العوض على الضمان:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل صحيح صريح من كتاب، أو من سنة يحرم أخذ العوض على الضمان، ولا يوجد محذور شرعي في أخذ العوض على الضمان، كما لا توجد مصلحة شرعية في تحريمه، بل إن المصلحة في إباحته وحله، وصحته، والأصل في المعاملات الإباحة والصحة، ولا يحرم منها إلا ما يقوم الدليل الخاص على تحريمه.
ويقول الشيخ علي الخفيف: «ليس هناك دليل من الكتاب أو السنة يبين ما يجوز أخذ العوض فيه، وما لا يجوز أخذ العوض فيه، ومرجع الفقهاء في هذا المجال هو الاجتهاد. وللعرف في ذلك أثر كبير، ومن ثم كان اختلافهم في أمور كثيرة جوز بعضهم أخذ العوض فيها، فأجازوا فيه المعاوضة، وخالفهم غيرهم فلم يجيزوا أخذ عوض عنها، ورأوا فساد المعاوضة فيها، وقد نص الفقهاء على أن المالية تثبت بتمويل الناس، فلا حرج من أن نجوِّز ذلك تأسيسًا على أنه أمر تدعو إليه المصلحة، ولم يرد نص شرعي يمنعه، فهو على الإباحة الأصلية، فكيف إذا دعت إليه المصلحة، فهو إذن إلى المندوب أقرب منه إلى المباح» (١).
стр. 5823
«والذي دفع الفقهاء المتقدمين إلى القول بتحريم أخذ العوض على الضمان هو العرف العملي، فالمعاملات كانت بسيطة، وتتم في أسواق محصورة، وبين أناس يعرف بعضهم بعضًا، ولم تتسع المعاملات وتتعقد بالصورة التي عليها اليوم من حيث حجم العمل، ومن حيث المدى الجغرافي بحيث يضطر الإنسان إلى أن يتعامل مع أشخاص ومؤسسات في الداخل والخارج، وهو لا يعرفهم، بل يتم عن طريق المراسلات في كثير من الأحيان» (١).
ويناقش:
بأن المعترض يرى أن الإجماع قد قام على تحريم أخذ العوض على الضمان خاصة في الضمان إذا كان يؤول إلى القرض، ولم يكن مستند القائلين بالتحريم هو العرف، بل نصوا على أن ذلك يؤدي إلى الوقوع في الربا، نعم بعض التعاليل في التحريم لم تكن قوية، كالتعليل بأن الضمان معروف يقصد به القربة، أو أنه تبرع، ولكن رد بعض هذه التعاليل لا يحمل الباحث على رد كل التعاليل؛ لأن التعليل بالوقوع في الربا ظاهر. ولم يعتمد القائل بالجواز على قول أحد من أهل العلم المتقدمين حتى يمكن النظر فيه، وليست هذه المسألة من النوازل حتى يعتبر خلاف المتأخر، وإنما هي معاملة قديمة قد تكلم فيها الفقهاء، ولا يجوز الخروج عن إجماعهم.
الدليل الثاني:
القياس على جواز أخذ العوض على الجاه، فإذا جاز أخذ العوض على الجاه جاز أخذ العوض على الضمان، لأن الجاه شقيق الضمان.
стр. 5824
وقد ذهب الحنابلة والشافعية إلى جواز أخذ العوض على الجاه مطلقًا.
جاء في المغني: «لو قال: اقترض لي من فلان مائة ولك عشرة فلا بأس ... لأن قوله: اقترض لي، ولك عشرة جعالة على فعل مباح فجازت كما لو قال: ابن لي هذا الحائط، ولك عشرة» (١).
وجاء في المبدع: «إذا قال: اقترض لي مائة، ولك عشرة صح؛ لأنه في مقابلة ما بذل من جاهه» (٢).
وجاء في فتاوى النووي: «أنه سئل عمن حبس ظلمًا، فبذل مالًا فيمن يتكلم في خلاصه بجاهه وبغيره، هل يجوز؟ وهل نص عليه أحد من العلماء؟ فقال: نعم يجوز، وصرح به جماعة منهم القاضي حسين، ونقله عنه القفال المروزي، قال: وهذه جعالة مباحة، وليس هو من باب الرشوة، بل هذا العوض حلال كسائر المباحات» (٣).
وفي مذهب المالكية لهم تفصيل في أخذ العوض على الجاه:
جاء في المعيار «سئل أبو عبد الله القوري عن ثمن الجاه، فأجاب بما نصه: اختلف علماؤنا في حكم ثمن الجاه، فمن قائل بالتحريم بإطلاق، ومن قال بالكراهة بإطلاق، ومن مفصل فيه: وأنه إن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة أو مشقة، أو مسعى، فأخذ أجر مثله، فذلك جائز، وإلا حرم» (٤).
ولا شك أن الضمان اليوم خاصة الضمان المصرفي يحتاج إلى نفقة ومشقة،
стр. 5825
حيث أصبح الضمان اليوم له مؤسساته القائمة والتي ينفق عليها الأموال الطائلة باستخدام أحدث الأساليب الفنية والتنظيمية، وأحدث الأدوات والآلات لتوفير متطلبات الدقة والسرعة، وتوظيف الطاقات من الرجال الأكفاء القائمين على إدارة مثل هذه الخدمات، فأخذهم الأجر على الضمان مقابل ما أنفقوه من أموال وجهود مع زيادة ربح يليق بمثل هذا العمل، ويدفعهم للاستمرار فيه من الأمور الجائزة.
ويناقش:
لا شك عندي أن جواز أخذ العوض على الجاه دليل على جواز أخذ العوض على الضمان في حال لم يؤد أخذ العوض على الضمان إلى قرض جر نفعًا، كما سيأتي بيان ذلك عند الترجيح؛ لأن أخذ العوض على الجاه لا يؤول إلى أخذ زيادة على القرض؛ لأنه ليس فيه مدين أصلًا.
وأما حاجة الناس اليوم إلى الضمان، وخاصة الضمان المصرفي فإن فيه مخرجًا شرعيًا لقيام مثل هذه المصلحة، وهو أن يكون الضمان مغطى، سواء قلنا: إن العقد في هذه الحال وكالة، وأخذ الأجر على الوكالة لا حرج فيه، أو قلنا: إن العقد هو عقد ضمان، ولكنه لا يؤول إلى قرض، فلا يخشى منه الوقوع في الربا.
يقول الشيخ المترك: «والذي أرى أنه إذا كان الضمان مسبوقًا بتسليم جميع المبلغ المضمون للمصرف، أو كان له غطاء كامل، فلا يظهر في أخذ الجعالة عليه شيء؛ لأن العمولة التي يأخذها المصرف في هذه الحالة مقابل خدماته كالعمولة التي تؤخذ من قبله في عملية التحويل بالشيكات؛ لأن هذه العمليات ليست مقابل عملية قرض، ولا ما يؤول إلى قرض؛ لأن المصرف لا يدفع من ماله شيئًا، وإنما يدفع ما التزمه بموجب الضمان من مال المضمون عنه الموجود
стр. 5826
لديه، أما إذا كان خطاب الضمان غير مغطى، فلا أرى جواز أخذ الجعالة عليه؛ لأن هذا الضمان قد يؤدي إلى قرض جر فائدة، والربا أحق ما حميت مراتعه، وسدت الطرائق المفضية إليه» (١).
الدليل الثالث:
أجاز الحنفية والحنابلة أخذ الربح مقابل الضمان، حيث أجازوا شركة الوجوه، وهي شركة على الذمم من غير صنعة ولا مال، حيث يتعاقد اثنان فأكثر بدون رأس مال على أن يشتريا نسيئة، ويبيعا نقدًا، ويقتسما الربح بينهما بنسبة ضمانهما للثمن (٢)، ويتخرج على مذهبهم أنه لو اشترك وجيه مع آخر على الضمان، والربح مناصفة، ولم يشتر الثاني ولم يبع شيئًا، فإنه يستحق الربح لمجرد الضمان (الذي هو مجرد التزام مال في الذمة) بدون بذل مال أو عمل، وقد جاء في مجلة الأحكام العدلية: «استحقاق الربح في الوجوه إنما هو في الضمان» (٣).
ويناقش:
بأن الضامن لو دخل شريكًا للمضمون عنه، وصار شريكًا في الأرباح والخسائر، فإنه لا حرج في ذلك، وإنما الحرج في أخذ العوض في مقابل الضمان سواء ربح المضمون عنه أو خسر فإن ذلك يترتب عليه محذور شرعي في حال قام الضامن بالسداد، وكما لو قال: اضمني وأضمنك؛ لأنه في الحالتين يؤول إلى قرض جر نفعًا. وعليه يحمل الإجماع الوارد عن الفقهاء.
стр. 5827
الدليل الرابع:
ذهب المالكية على المشهور في المذهب أنه يجوز شرعًا أن يجعل رب الدين أو غيره للمدين جعلًا إن جاءه بضامن يكفل دينه.
قال في الشرح الكبير: «وإن كان الجعل من رب الدين أو من أجنبي للمدين على أن يأتيه بحميل فإنه جائز» (١).
فلولا أن مجرد التزام الكفيل بالدين له قيمة مالية في ذاته لما جاز أن يبذل رب الدين أو الأجنبي الجعل للمدين في مقابل تقديم كفيل بدينه، صحيح أن آخذ الجعل في هذه الصورة هو المدين، وليس الكفيل، ولكنها تشهد لكون الالتزام في عقد الكفالة مما يصح بذل المال في مقابلته، والجعل من أجله (٢).
ويناقش:
لا شك عندي أن المال الذي دفعه الدائن أو الأجنبي للمدين إنما مقصوده وكل سعيه أن يشتري الضمان، وهو المقابل لما دفعه من أجر، وليس هو شيئًا عند المدين؛ لأنه لو رضي بالمدين فلا حاجة له بدفع العوض؛ لأن الحق متعلق بذمته ابتداء، لكن قيمة الضمان الذي اشتراه هنا لم يذهب إلى الضامن، وهو دليل على جواز دفع الأجر على الضمان إذا لم يؤد إلى الربا، بأن يؤول إلى قرض يجر نفعًا.
دليل من قال: يجوز العوض على الضمان بشرط أن يغطى كله أو بعضه .
القول بهذا التفصيل بناء على أن خطاب الضمان إن كان بغطاء كلي فهو
стр. 5828
وكالة، أو كان بغطاء جزئي فهو ضمان ووكالة، ويجوز أخذ الأجر على الوكالة، وإن كان بغير غطاء فهو كفالة (ضمان)، ولا يجوز أخذ العوض على الكفالة.
وقد ناقشت هذا القول بالمبحث السابق فأغنى عن إعادته هنا.
الراجح من الخلاف:
أرى أن أخذ العوض على الضمان إذا لم يترتب على ذلك محذور شرعي لا مانع من جوازه، وإذا ترتب على ذلك محذور شرعي منع لا من أجل الضمان، ولكن لأن المعاملة تؤدي إلى الوقوع في ذلك المحذور، كما لو كان الضمان للدين، فإنه قد يؤدي إلى أن يكون قرضًا جر نفعًا في حال عجز المدين عن السداد، وأدى الضامن الدين نيابة عن المضمون. وينبغي أن يكون المنع في هذه الصورة محل اتفاق بين الفقهاء حيث لم يخالف في ذلك أحد من العلماء المتقدمين، ومن حكا من المتأخرين جوازه فهو محجوج بالإجماع، وما حكي عن إسحاق بن راهوية فلا أظن أنه يخرق الإجماع لعدم فهم المتأخرين لقول إسحاق، وربما كان العذر للمشايخ أنهم لم يقفوا على عبارة إسحاق، أما وقد طبع كتاب مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج فأعتقد أن كثيرًا منهم سوف يراجع قوله. وهذا هو الظن فيهم.
وبناء على هذا فيجوز أخذ العوض على الضمان إذا كان الضمان تبعًا، ولم يكن مفردًا بالذكر، ولا مخصوصًا بالأجر. كما لو اشترى الإنسان سلعة، وكانت مضمونة لمدة معينة مقابل زيادة في القيمة، فإن الضمان هنا تابع، وليس مستقلًا فلا أرى مانعًا من جواز تلك الزيادة مقابل الضمان.
كذلك يجوز أخذ العوض على الضمان إذا لم يكن ناشئًا عن دين أصلًا،
стр. 5829
وذلك مثل تغطية الإصدار في طرح الاكتتاب، ومثل الضمان في عقود التأمين القائم على جبر الأضرار، فإن الضمان في هذه الصور لم يكن ناشئًا عن دين.
كذلك يجوز أخذ العوض على الضمان فيما لو كان الكفيل مدينًا للمكفول بمثل المال المضمون، وهو ما يسمى بالضمان المغطى، فإن هذا لا يؤول إلى قرض جر نفعًا. سواء سمينا هذه الصورة بالضمان، أو اعتبرناها وكالة بالدفع، وإن كنت أميل إلى اعتبار العقد من عقود الضمان؛ لأن الضمان في حالة كون قيمته مغطاة لا يخرج عن الضمان لسببين:
أحدهما: أن الوكالة عقد جائز، وهذا عقد لازم.
الثاني: أن العلاقة بين المستفيد وبين البنك علاقة ضمان، وليست علاقة وكالة، بدليل أن المبلغ الذي دفع إلى المصرف لو أنه هلك بدون تعد ولا تفريط لم يسقط حق المستفيد، ويبقى البنك مطالبًا بالدفع، بينما لو هلك المال في يد الوكيل بدون تعد ولا تفريط لم يكن الوكيل مطالبًا بالدفع. والله أعلم.
* * *
стр. 5830
المبحث الثامن
في البطاقات الائتمان ية
الفرع الأول
في التعريف بالبطاقات الائتمانية
الائتمان: يطلق على الثقة التي يمكن أن تنتج قرضًا، وعلى القرض نفسه، وعلى المهلة الممنوحة لهذا القرض.
تعريف بطاقات الائتمان (١):
أدعو القارئ الكريم أن يتعرف معي على البطاقة الائتمانية من حيث الشكل،
стр. 5831
ثم نأتي إلى تعريف الائتمان كمفردة، وكمصطلح مصرفي.
الأول: التعريف بالبطاقة الائتمانية من حيث الشكل:
البطاقة من حيث الشكل عبارة عن قطعة من البلاستيك مستطيلة الشكل مصنوعة من مادة كلوريد الفينيل المتعدد وغير المرن، مقاساتها طبقًا للقواعد الدولية كالتالي: (٨.٥٧٢) سم للطول ٥.٤٠٣ سم للعرض، سمكها ٠،٨ مم ولها خصائص طبيعية منها: عدم قابليتها للاشتعال، ومقاومة للمواد السامة والمنتجات الكيماوية، وتثبت في وجه العوامل الجوية، مثل الرطوبة، والضوء (١).
والبطاقة ذات وجهين:
الوجه الأول:
ويبرز عليه اسم الجهة المصدرة، وعلامتها، واسم حال البطاقة، ولقبه، وغالبًا صورته أيضًا، وتاريخ إصدار البطاقة، ونهاية صلاحيتها، ورقم البطاقة الذي يشتمل على ثلاثة عشر رقمًا، أو ستة عشر رقمًا من اليسار إلى اليمين:
стр. 5832
من (١ - ٥) رقم البنك في عضوية البطاقة، وهو رقم ثابت في كل البطاقات.
والرقم (٦) لنوع البطاقة.
ومن (٧ - ٩) كود رقم الفرع.
ومن (١٠ - ١٥) الرقم المسلسل للبطاقة، وبحسب كل فرع.
والرقم (١٦) لعملية الإدخال على الحاسب الآلي لمركز البطاقات.
وفي بطاقة المستر كارد تدل الأرقام (١ - ٦) على الجهة المصدرة.
ومن (٧ - ١٠) تشير إلى المنطقة والفرع.
ومن (١١ - ١٥) تشتمل على بيانات حامل البطاقة.
والرقم الأخير (١٦) رقم الأمن.
الوجه الثاني للبطاقة:
وهو الوجه الخلفي للبطاقة، وتسجل عليه البيانات المشفرة الخاصة بالحساب بشريط ممغنط أسود اللون، يليه شريط ورقي أبيض اللون مخصص لتوقيع حامل البطاقة للتحقق من صحتها عن طريق الآلات المعدة لذلك الغرض، ويعطى العميل مع البطاقة رقم سري خاص به في مظروف مغلق، ويسمى الـ (PIN) أي رقم التعرف الشخصي (١).
وبهذا نكون قد عرفنا البطاقة من حيث اللغة، ومن حيث الشكل.
стр. 5833
الثاني: التعريف بالائتمان اصطلاحًا (١):
لا أعرف تعريفًا للائتمان في لغة الفقهاء المتقدمين، وإنما ورد إلينا من خلال ترجمة كلمة (Credit)، وهي كلمة ذات أصل لاتيني، يدور معناه على الثقة والتصديق. وأصبح لهذه الكلمة مصطلح اقتصادي له دلالته.
فالائتمان يطلق في الاقتصاد ويراد به أكثر من معنى:
فتارة يطلق ويراد به الثقة التي يضعها الدائن في المدين والتي يمكن أن تنتج قرضًا (٢).
وهو بهذا المعنى يطلق على حساب مكشوف يمنحه البنك لشخص ما.
ويطلق الائتمان أيضًا ويراد به قدرة الشخص أو الشركة أو الحكومة على الحصول على الأموال عن طريق الاقتراض عند الحاجة، ولو لم يقترض.
كما يطلق الائتمان على الأموال المقترضة، وهنا يكون مرادفًا أو معادلًا لكلمة (قرض).
كما يطلق الائتمان على المهلة الممنوحة من الوقت يلتزم المدين عند انتهائها بدفع قيمة الدين.
فصار الائتمان يطلق على الثقة التي يمكن أن تنتج قرضًا، وعلى القرض نفسه، وعلى المهلة الممنوحة لهذا القرض (٣).
стр. 5834
وقد عرفه بعضهم: بأن الائتمان: هو تمويل نفقات الآخرين بطريق مباشر، أو بطريق غير مباشر، مقابل سداد في المستقبل. ويقصد بالتمويل المباشر: الإقراض النقدي، وغير المباشر: تقديم السلع مقابل دفع القيمة في وقت لاحق (١).
اعتراض وتعقيب:
انتقد الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان إطلاق الائتمان على هذه البطاقات، ويرى أن الترجمة الصحيحة لهذه البطاقات أن تسمى (بطاقات الإقراض البنكية والسحب المباشر من الرصيد).
ويستند في هذا على أمرين:
الأول: أن من البطاقات ما لا تستخدم للائتمان، مثل بطاقة السحب المباشر من الرصيد إذ ليس فيها أي اقتراض، وإنما هي بطاقات أعدت للوفاء والسحب المباشر من الرصيد، وهذا النوع لا يمكن اعتباره من بطاقات الائتمان لاشتراط المصرف وجود رصيد عنده.
وتعقب:
بأن بطاقات السحب المباشر من الرصيد لا تعد من بطاقات الائتمان في الاصطلاح المصرفي، ولا تطبق عليها أحكام بطاقات الائتمان.
الثاني: أن بطاقات الائتمان يجب أن تسمى بطاقات القرض لأن البطاقة تسمى في اللغة الإنجليزية (Credit) وعند الرجوع إلى معنى كملة (Credit) في المعجم الانجليزي نجد أن لها عدة معان:
стр. 5835
«تطلق غالبًا على: شرف الشخص، واعتزازه، وانتمائه.
الاعتراف بكفاءته.
سمعته الطيبة.
المبدأ والثقة.
ملاءته ورصيده في البنك مما هو تحت تصرفه.
قدرته على الحصول على حاجياته قبل دفع الثمن بناء على الثقة بوفائه بالدفع.
كما استند الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان إلى ترجمة (Credit Card) بمعناها المركب، فقد ورد في قاموس أكسفورد، بأنها: البطاقة الصادرة من بنك أو غيره تخول حاملها الحصول على حاجياته من البضائع دينًا.
كما استند في ذلك على قانون الحكومة الفدرالية حيث فسرت معنى Credit بأنها تعني منح دائن لشخص قرضًا مؤجل التسديد.
كما أن أطراف عقد هذا النوع من البطاقات يسمى مقرضًا ومقترضًا، لذا يرى الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان أن العنوان السليم المناسب لهذا النوع من البطاقات هو بطاقات (الإقراض)
وتسمية القرض بالائتمان في الواقع لا تدل على حقيقة الوصف الذي يجب أن توصف به هذه البطاقة، ولا تلفت الانتباه إلى القرض الذي يتحمله حاملها والفوائد الربوية التي تؤخذ عليه مقابل إقراضه (١).
وينتقد الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان المصطلح الاقتصادي العربي لكونه تفادى استعمال كلمة قرض التي هي أدل على المعنى والحقيقة إلى عنوان أقل ما
стр. 5836
يقال فيه: إن معناه ملتبس على كثير من الناس ولا يدْرَك المقصود منه في الاستعمال اليومي، ولا يعلم السبب في هذا العدول، وأما قول بعضهم بأن لكل علم مصطلحاته، ولا مشاحة في الاصطلاح، فيقال: لا ينبغي أن يخرج المصطلح عن معاني اللغة وطرائقها، وإذا أضفنا إلى هذا أن لكلمة (القرض) منطوقًا ومفهومًا دلالتها وأحكامها الشرعية التي ينبغي أن يحافظ عليها تفاديًا للبس المفاهيم، واختلاطها لتبينت أهمية تقيد المصطلح باللغة وطرائقها.
وعندما يذكر القرض باسمه وعنوانه الصريح المألوف فإن أحكامه معلومة لدى المسلم من الدين بالضرورة، فينبغي الالتزام به، وبخاصة من فئة علماء الاقتصاد الإسلامي.
يقول العلامة ابن القيم ﵀: الاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة.
وتحقق المفسدة هنا جلي واضح في صرف أنظار الأمة عن أحكام الإقراض وآثاره الشرعية، وأضراره الاجتماعية والاقتصادية بما يترتب عليه من زيادات وعمولات ربوية محرمة، أقل ما يقال فيه: إنه يزيل لقباَ شرعيًا اصطلح عليه، ويكون من قبيل تسمية الأشياء بغير أسمائها حتى لا يلتفت إلى حكمها الشرعي (١).
وتعقب هذا:
بأن هناك فرقًا بين القرض والائتمان:
فالمقترض يعطى المال مباشرة، وفي الائتمان يعطى الشخص القدرة على الاقتراض، فإن احتاج اقترض وإلا ترك.
стр. 5837
الثاني: يحصل المقترض على القرض دفعة واحدة بخلاف الائتمان فإنه يأخذ منه على دفعات حسب حاجاته المتجددة.
الثالث: أن القرض يثبت في ذمة المقترض كاملًا من حين القرض وتسري على جميعه الفوائد بمجرد إتمام العقد بخلاف الائتمان فإنه لا يثبت في ذمة من منح الائتمان إلا ما تم صرفه، وإن كان هناك فوائد فلا تسري إلا على المبلغ المسحوب فقط ولا تسري فوائد على الحد الائتماني الممنوح.
الرابع: يقابل القرض في الإنجليزية (Loan) ويقابل الائتمان (Credit) (١) .
واختار بعض الباحثين أن يسميها البطاقات البنكية: لتشمل جميع أنواع البطاقات: بطاقة السحب، وبطاقة الائتمان، وغيرها من البطاقات (٢).
فتبين بهذا أن الائتمان ليس هو القرض، وإنما معناه الثقة التي يمنحها المصرف لعميله والتي يمكن أن تنتج قرضًا، نتيجة لسمعته الطيبة، وشرفه، والثقة به، وملاءته، وكل هذه المعاني وردت في ترجمة كلمة (Credit) ولذلك كان القرض تابعًا لتلك الثقة ونتيجة لها، وليس هو الائتمان، فالبنك يعتمد في إصدار البطاقة على الثقة في العميل وسمعته الطيبة، وشرفه وفضله، فإذا أمعنا النظر في هذه المعاني ترى أن لها صلة وثيقة ببطاقة الائتمان (٣).
стр. 5838
التعريف الاصطلاحي لبطاقة الائتمان كجملة مركبة:
للبطاقة تعريفات كثيرة، وقد عرفتها بما استفدته من مجموع تلك التعريفات بما يلي:
بأنها أداة دفع وسحب ائتماني غير إلزامية وذات صلاحية محددة وسقف محدود، وغير قابلة للتحويل يصدرها بنك تجاري أو مؤسسة مالية تمكن حاملها من الشراء بالآجل على ذمة مصدرها، ومن الحصول على النقد اقتراضًا من مصدرها، أو من غيره بضمانه، وتمكنه من الحصول على خدمات خاصة.
فقولي: (أداة دفع وسحب) يخرج بذلك البطاقات التي تستخدم لغير الدفع، كالبطاقات الشخصية، وبطاقات العضوية الخاصة بالمحلات التجارية والنوادي وغيرها.
وقولنا (دفع وسحب ائتماني) أي أن الدفع والسحب قائم على الاقتراض على الذمة، أو كما يسمى على الحساب، وبهذا القيد خرجت بطاقات السحب الفوري من الرصيد، فإنها ليست بطاقات ائتمانية؛ لأنها ليست قائمة على الاقتراض لاشتراط المصرف وجود رصيد عنده.
وقولي: (غير إلزامية) أي أن حامل البطاقة لا يستطيع إلزام البائع بها مثل استطاعته إلزامه بالأوراق النقدية.
وقولي (ذات صلاحية محدودة) أي أن مدتها محدودة، وقابلة للإلغاء، أو للتعليق من مصدرها.
وقولي (ذات سقف محدود) أن الائتمان فيها له حد لا يمكن لحامل البطاقة تجاوزه.
وقولي (غير قابلة للتحويل) أي أن البطاقة حق شخصي لحاملها، فلا يلتزم فيه المصرف إلا اتجاه شخص العميل ذاته، فلا يستطيع العميل أن يجير هذا الحق إلى شخص آخر، ولا ينتقل هذا الحق إلى الورثة.
стр. 5839
وقولي: (تمكن حاملها من الشراء بالآجل، ومن الحصول على النقد اقتراضًا، وتمكنه من الحصول على خدمات خاصة ... )
إشارة إلى العقود التي تجري بها البطاقات الائتمانية، ويمكن حصر هذه العقود بالاستقراء بما يلي:
(أ) عقود الشراء (ب) وعقود الاقتراض. (جـ) وعقود الاستئجار. وإذا كان الرصيد مغطى يضاف إليها (د) عقود السحب من الرصيد.
وإذا تمت هذه العقود أو بعضها في بلد أجنبي أضيف إلى هذه العقود عقد آخر، (هـ) وهو عقد (الصرف).
وعرفها المجمع الفقهي الإسلامي بأنها «مستند يعطيه مصدره (البنك المصدر) لشخص طبيعي أو اعتباري (حامل البطاقة) بناء على عقد بينهما يمكنه من شراء السلع أو الخدمات ممن يعتمد المستند (التاجر) دون دفع الثمن حالًا لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد فترة محددة من تاريخ المطالبة، وبعضها لا يفرض فوائد، ومن أنواع هذا المستند ما يمكن من سحب نقود من المصارف» (١).
* * *
стр. 5840
الفرع الثاني
لمحة تاريخية عن نشأة البطاقة وتطورها
إن تاريخ البطاقات الائتمانية هو جزء من تاريخ التطور النقدي للمجتمعات الإنسانية، فهو يعبر عن مرحلة من مراحل تطور النقد، فكما اخترع الناس النقدين بديلًا لصيغة المقايضة والتي كان الناس يتعاملون بها قبل ذلك، ثم اخترع الناس الأوراق النقدية كبديل للنقدين (الدنانير والدراهم) وكانت في بادئ الأمر مغطاة بالذهب أو بالفضة، ثم انتقلوا إلى قبولها دون حاجة إلى هذا الغطاء اعتمادًا على ثقة الناس بمصدرها، ثم جاء عصر هيمنة البنوك على الحياة الاقتصادية، وتوسع الناس في استخدام الائتمان لتوفير السلع والحاجات التي قد لا يستطيع محدودو الدخل شراءها نقدًا، وإنما يتم شراؤها بالآجل أو التقسيط أي بالائتمان، وفي كل يوم تخرج علينا البنوك بأنواع من الإغراءات للحصول على الدين ومن ذلك البطاقات الائتمانية، موضوع البحث.
ولقد تنبأ الكاتب الأمريكي ((Edward Belamy في عام ١٨٨٨ م في كتابه (Looking Backward) أنه بحلول عام ٢٠٠٠ م سوف يحل محل النقود بطاقات للشراء محددة القيمة، وسوف تسمح لحاملها بالحصول على الائتمان دون الحاجة إلى حمل النقود، ليكون المجتمع يستغني بها عن النقود.
وقد مرت البطاقة بمراحل نستطيع إيجازها بالآتي:
المرحلة الأولى: البطاقات ثنائية العلاقة .
بدأت هذه البطاقات بالظهور في عام ١٩١٤، وكان العقد طرفاه اثنان:
(١) - الجهة المصدرة للبطاقة، وهي المحل التجاري.
(٢) - المستهلك: وهو المستفيد من البطاقة.
стр. 5841
وقد تولى إصدار مثل هذا النوع من البطاقات المحلات التجارية الكبرى ذات الفروع الكثيرة، وكانت تلك البطاقات تمنح عملاءها المميزين فرصة الشراء بالتقسيط لمدة أربعة أشهر، أو ستة أشهر بنفس الثمن الفوري في محاولة منها لاستقطاب الزبائن المتميزين بدخول مرتفعة، وربطهم بالمحل التجاري.
وكانت البطاقة مفيدة لكل من مصدرها وحاملها:
أما مصدرها فكانت فائدته ارتباط هؤلاء الزبائن المتميزين بتلك المحلات، والتي سوف تحملهم البطاقة على تخصيص أكثر مشترياتهم منها.
وأما حاملها فكان يستفيد من البطاقة باعتبارها أداة مالية حديثة تسهل عليه الشراء بالتقسيط دون دفع نقد حال، أو دون دفع كامل المبلغ في وقت الشراء.
وقد دخلت قطاعات أخرى مع المحلات التجارية، مثل قطاع شركات النفط، وقطاع شركات الطيران في إصدار بطاقات لعملائها، وكان الهدف من البطاقات في تلك المرحلة ليس الربحية بالدرجة الأولى، بل تثبيت ولاء الزبون لتلك المحلات (١).
المرحلة الثانية: ظهور البطاقات ثلاثية العلاقة:
وترجع فكرة إنشاء بطاقة الدفع إلى موقف طريف حدث لرجل الأعمال الأمريكي (فرانكلين مكنمارا) حيث كان يتناول الطعام مع صديقه في إحدى المطاعم، وحين فرغا من الطعام فوجئا بأنهما نسيا النقود في البيت، وحصل بينهما وبين صاحب المطعم نقاش انتهى باقتناع صاحب المطعم بكلامهما، وتركهما دون دفع الحساب، والتقى بعد ذلك مكنمارا برجل يدعى بلومنجديل في كالفورنيا، وقررا إنشاء مؤسسة تكفل سداد فواتير الزملاء المشتركين فيها
стр. 5842
لدى المطاعم فقط، وكانت لدى الأخير فكرة (كل ووقع) الأمر الذي أدى فيما بعد إلى طرح بطاقة الداينرز كلوب (Diners Club) وذلك في لوس أنجلوس سنة ١٩٤٨ م مقابل حصول عمولة تقدر بـ ٧% على تقديم هذه الخدمة، وهكذا كانت ولادة الداينرز كلوب، واشترى ستي بنك هذه البطاقة عام ١٩٨٠ م، ثم قامت شركة سياحية بطرح بطاقتها باسمها، وهو أمريكان ايكسبريس، ولها ٤٠٠ فرع حول العالم، واستخدمت هذه الشركة خبرتها الطويلة في مجال السياحة لترويج بطاقاتها لأغراض سياحية أولًا كتسهيل شراء التذاكر، وحصول التخفيض عليها، وحجز الفنادق، وتأجير السيارات، وغيرها من الأمور المتعلقة بالسياحة.
المرحلة الثالثة:
يمكن أن يكون عنوان هذه المرحلة هو دخول البنوك التجارية في نظام البطاقة باعتبار أن الائتمان عنصر هام من العمل المصرفي، فأول بنك طرح بطاقة الائتمان سنة ١٩٥١ هو بنك فرنكلين في نييورك باسم بطاقة الائتمان الوطنية.
ثم دخل بعد ذلك أكبر بنكين تجاريين في الولايات المتحدة، وهما بنك أمريكا، وبنك تشيس منهاتن، وإصدار كل منهما بطاقة خاصة به عام ١٩٥٨ م وكان دخولهما يعتبر حجر الزاوية في التطور التاريخي للبطاقات الائتمانية، حيث تحولت البطاقة إلى أداة لتحصيل الفوائد الربوية، وعرف من خلالها مصطلح ما يسمى بتدوير الدين، ولم يكن ذلك معروفًا قبل دخول البنوك التجارية.
وكانت من أكبر العوائق في تلك المرحلة هو عدم وجود شبكة اتصالات حاسوبية وهاتفية متطورة على مستوى الولايات المتحدة، ذلك أن المشتركين في الولايات المتحدة فاق عددهم الملايين، ولا حصر للأماكن التي يترددون
стр. 5843
عليها، ويشترون منها، ومع تطور الحاسوب قام بنك أمريكا في عام ١٩٦٦ م بطلب ترخيص استخدام بطاقته على مستوى الولايات المتحدة كلها، ومعها نظام إلكتروني للاتصالات خاص بها، على أن من أراد من البنوك التجارية الأخرى الاشتراك كعضو فله ذلك على أن يكون شعار البطاقة واسمها واحدًا نفس الاسم السابق، ويكون دور البنك المشترك تقديم خدمة البطاقة للمحلات التجارية، وذلك بقبول الإيصالات التي توقع من الزبائن حملة البطاقات، ونظرًا لشهرة هذا البنك في الولايات المتحدة قام كثير من البنوك التجارية والتي زادت على عشرة الآف بنك بالاشتراك مع البنك الأمريكي في إصدار بطاقته في المناطق التي يوجدون بها.
وفي عمل منافس قامت مجموعة من البنوك التجارية بإنشاء نظام إلكتروني منافس اسمه الاتحاد البنوكي، وإصدار بطاقة أخرى منافسة سميت البطاقة البنوكية، وقد تغير اسم البطاقة فيما بعد إلى ما ستر تشارج، ثم إلى ماستركارد، وقد شكل هذان النظامان الإلكترونيان مع البطاقتين اللتين تعملان عن طريقهما نواة للعمل المصرفي الإلكتروني في العالم ككل.
المرحلة الرابعة:
لما كان النجاح الذي فاق كل التوقعات لبطاقة كل من البنك الأمريكي، وبطاقة الاتحاد البنوكي، ورغبة منهما في الانتشار عالميًا، وخارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، وحرصًا على إلغاء الإيحاء غير المقصود من كون البطاقة خاصة بالبنك الأمريكي أو الولايات المتحدة استقلت شركة بطاقة البنك الإمريكي منه عام ١٩٧٧ م وأصبحت تحمل الاسم الجديد فيزا، وهذه المنظمة الجديدة تعنى بكل شؤون إصدار البطاقة داخل الولايات المتحدة، وأما خارجها فقد أنشئ لها منظمة أخرى سميت فيزا انترناشنال (أي فيزا الدولية).
стр. 5844
ثم تبعه على نفس العمل نظام البنوك الأخرى، والذي غير اسم بطاقته (البطاقة البنوكية) إلى اسم ماستر تشارج، ثم غيره إلى ماستركار عام ١٩٨٠ م، كذلك قام هذا التجمع بإنشاء منظمة أخرى تدير أعمال البطاقة للبنوك الأعضاء من خارج الولايات المتحدة الأمريكية، سميت ماستركارد انترناشنال. (أي ماستركارد الدولية) (١).
ودخلت البطاقة إلى الدول العربية في بداية الثمانينات، وأول بطاقة أصدرها البنك العربي الأفريقي في مصر كانت سنة ١٩٨٢، ثم في بداية التسعينات أصدر بنك مصر بطاقة الفيزا، ثم دخل البنك الأهلي المصري في مجال البطاقة، وتبعه فيها بنك القاهرة سنة ١٩٩٦ م
وتوجد الآن ثلاث شركات منافسة في الساحة، هي الفيزا، والماستر كارد، والأمريكان ايكسبريس إلى جانب بطاقة النخبة الداينرز كلوب.
هذه لمحة سريعة موجزة عن تطور البطاقات الائتمانية، ووصولها إلى المناطق العربية.
* * *
стр. 5845
الفرع الثالث
الفرق بين بطاقة السحب من الرصيد وبين بطاقات الائتمان
قبل أن نتكلم عن الفرق بين بطاقة السحب من الرصيد وبين بطاقة الائتمان نقوم بالتعريف ببطاقة السحب من الرصيد لكي يتضح الفرق.
تسمى بطاقة السحب من الرصيد في اللغة الإنجليزية (Debit Card) ويشترط لإصدار هذه البطاقة أن يكون العميل له حساب في البنك فيه رصيد، يستطيع البنك (مصدر البطاقة) أن يخصم منه ما يحصل عليه حامل البطاقة عند استعمالها، والبنك لا يقدم قرضًا لحامل هذه البطاقة، ولا يسمح له باستعمال البطاقة إلا في حدود رصيده بالبنك، ويستطيع حامل البطاقة من الحصول على النقد، أو الحصول على السلع والخدمات، مع خصم المبلغ من حسابه فورًا، ولا تعتبر هذه البطاقة بطاقة ائتمان، وليست المقصودة عند الحديث عن بطاقات الائتمان، وتسمى هذه البطاقات بطاقة أجهزة الصرف الآلي (A.T.M)، وهذه البطاقة نوعان:
النوع الأول:
بطاقات الصرف الآلي الداخلية: وهي البطاقات التي تؤدي وظائفها عبر أجهزة حاسوبية مرتبطة بشبكة تغطي منطقة بعينها، وتضم عددًا من البنوك التجارية داخل دولة واحدة فقط، وقد انحسر التعامل بها بعد ظهور النوع الثاني، بل إن كثيرًا من المصارف توقفت عن إصدارها.
النوع الثاني:
بطاقات الصرف الآلي الدولية، وهي نفس البطاقة السابقة إلا أن هذا النوع
стр. 5846
يتم ربطه بالشبكات الدولية التابعة للمنظمات الكبيرة الراعية للبطاقات الائتمانية مثل الفيزا، والماستر كارد، وذلك لتسهيل الحصول على النقود والخدمات في الأسفار بحيث يستطيع حاملها استخدامها في جميع أنحاء العالم، ومن أمثلتها (إلكترون) التابعة لشركة فيزا، وبطاقة (ما يسترو) التابعة لماستركارد، وتتميز هذه البطاقات بإمكانية استعمالها في أجهزة الصرف الآلي، ونقاط البيع في المحلات التجارية (P.O.S) كما أنها ترتبط مباشرة بالحساب الجاري سحبًا وشراء، ولذا لا تصدرها إلا البنوك غالبًا، وتعتمد على قدرة أجهزة الاتصال الإلكتروني، ولا يمكن أن تعمل بطريقة يدوية (١).
وتتميز هذه البطاقة بنوعيها بخصائص من أهمها:
(١) - يصدر البطاقة البنك بالاشتراك مع الشركات العالمية لاستخدامها عالميًا، ولا يمكن أن تعمل البطاقة إلا بوجود اتصال الكتروني بشبكة أو حاسب مركزي، ولا يمكن أن تعمل بطريقة يدوية كبطاقات الائتمان.
(٢) - لا تصدر إلا للعملاء الذين لهم رصيد دائن بالبنك، فهي لا يوجد فيها ائتمان أو قرض.
(٣) - لكل بطاقة رقم سري شخصي (PIN) يعطيه البنك للعميل لسحب النقود من أجهزة الصرف الآلي، ويمكن للعميل تغييره عن طريق الصراف الآلي، أو عن طريق المصرف نفسه.
стр. 5847
(٤) - يمكن لصاحبها سحب النقود وإيداع الأموال.
(٥) - يقوم صاحبها بتحويل المال من حساب إلى حساب آخر.
(٦) - إعطاء المعلومات عن الرصيد الموجود.
(٧) - القيام بتسديد فواتير الكهرباء والاتصالات والماء ونحوها.
(٨) - العمل بهذه البطاقة على مدار الساعة.
إذا عرفت هذا نأتي إلى الفرق بين بطاقة السحب من الرصيد، وبين بطاقة الائتمان .
الفرق بين بطاقة السحب من الرصيد، وبين بطاقة الائتمان:
أبرز الفروق بين بطاقة السحب من الرصيد وبين بطاقة الائتمان هي ما يلي:
(١) - لا يستطيع صاحب بطاقة السحب من الرصيد أن يسحب أو يشتري بأكثر من رصيده؛ لأن بطاقته مرتبطة برصيده ارتباطًا مباشرًا، وقيمة شراء السلع أو الخدمات تحول رأسًا من حساب العميل إلى حساب التاجر، بخلاف البطاقة الائتمانية فهي لا ترتبط برصيد حاملها، بل قد لا يكون له رصيد في البنك المصدر للبطاقة وإنما يعتمد على ثقة المصدر بالملاءة المالية لحامل البطاقة، وقدرته على السداد وقت الدفع.
(٢) - صاحب بطاقة السحب من الرصيد إذا سحب أو اشترى ببطاقته لا يعتبر مدينًا للبنك بقيمة ما سحب أو اشترى، وإنما يعتبر مستوفيًا لدينه أو بعضه بخلاف صاحب البطاقة الائتمانية فإنه يعتبر مدينًا للبنك بمقدار ما سحب أو اشترى، ويعد البنك المصدر مقرضًا لحامل البطاقة بذلك المبلغ.
(٣) - بطاقة السحب من الرصيد تعتبر من بطاقات السداد الفوري، أما
стр. 5848
البطاقات الائتمانية فهي من بطاقات السداد المؤجل، سواء كان السداد دفعة واحدة، أو كان السداد على شكل أقساط وذلك بتدوير الدين.
(٤) - لا يدفع التاجر أي رسوم إذا استخدم المشتري بطاقة السحب من الرصيد، بخلاف البطاقات الائتمانية فإن التاجر (البائع) يدفع عمولة للبنك، تقدر بنسبة مئوية من قيمة الفاتورة (١).
هذه أهم الفروق تقريبًا.
* * *
стр. 5849
الفرع الرابع
في أنواع البطاقات الائتمانية
تنقسم البطاقات الائتمانية إلى نوعين:
النوع الأول:
بطاقة الائتمان المتجدد أو الدوار (evolving Credit Card) وهذه أشهر أنواع البطاقات الائتمانية، وأكثرها شيوعًا وبخاصة في الدول المتقدمة، وإليها ينصرف الاسم عند الإطلاق، ومن أمثال هذه البطاقة: الفيزا بأنواعها المختلفة، والماستر كارد، والأمريكان ايكسبريس، والداينرز كلوب.
وتسمية هذا النوع من البطاقات ببطاقة الائتمان المتجدد بمعنى أن هذه البطاقة تمكن حاملها من الحصول على القرض النقدي المتجدد، وتمكنه من شراء السلع والخدمات، ويخير حامل البطاقة بين سداد الدين كاملًا في فترة السماح المجاني لأداء الدين الناشئ عن شراء السلع والخدمات، وبين دفع جزء قليل من المستحقات ١٠% مثلًا، وتدوير الباقي إلى شهور تالية، مع زيادة الفائدة الربوية المقررة من قبل مصدر البطاقة، ويقال لهذا النوع في النشرات التجارية (الاعتماد الدائم) (Permanent Credit) وتختلف مدة السماح لأداء الديون من مصدر لآخر، وتتراوح (٣٠ - ٤٥ - ٦٠) يومًا.
وتتميز هذه البطاقة بخصائص من أهمها:
(١) تعتبر هذه البطاقة أداة حقيقية للحصول على القرض.
(٢) لا يشترط لحصولها وجود الرصيد الدائن بالبنك.
(٣) يمكن معها طلب البطاقات الإضافية لأفراد الأسرة.
стр. 5850
(٤) يمكن لحاملها شراء الحاجيات والخدمات بالبطاقة، أو برقم الحساب.
(٥) يمكن لصاحبها السحب النقدي من جهاز الصرف الآلي (A.T.M) وإذا انتهى الحد الائتماني فإن الماكينة ترفض طلب البطاقة للسحب النقدي.
(٦) تفرض الفوائد على السحب النقدي من أول يوم إلى حين السداد بالكامل، وأما الدين الناشئ عن شراء السلع والخدمات فإن حاملها يخير بين سداد الدين كاملًا في فترة السماح المجانية (Interest Free Period) وبين دفع جزء قليل من المستحقات، وتدوير الباقي إلى فترات لاحقة للتسديد بالأقساط مع الفائدة.
(٧) تتسم هذه البطاقة بفرض الفوائد المركبة مع غرامة التأخير على سداد المبلغ المدين، وقد تصل هذه الفوائد إلى ضعف فوائد الديون المصرفية العادية، وهي تزيد بزيادة المدة، فتفرض لكل شهر متأخر فوائد على المبلغ الأصلي، وعلى الفوائد نفسها، فكلما زاد الأجل زادت الفوائد، وقد يصل المجموع من هذه النسبة إلى ٢٨% أو أكثر في البنوك التقليدية.
(٨) في حالة عدم سداد المبلغ المستحق لمدة معينة يتم إيقاف البطاقة، وملاحقة حامل البطاقة بالوكالات المختصة، أو بالقضاء.
هذه أهم خصائص بطاقات الدين المتجدد، وقد يتم التعديل فيها من حين لآخر حسب ما يراه المصدر لمصلحته (١).