← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

مع فرع شقيق للبنك المصدر للبطاقة، أو بنك محلي آخر عضو في نفس البطاقة فتقيد على حساب أي منهما، ثم تتم تسوية العملية عن طريق الحسابات المتبادلة بينهما من خلال نظام (BASE II) المتخصص في إجراء عملية التسوية والمقاصة بين مختلف البنوك وبصورة عالية الدقة والكفاءة. وإن كانت الفواتير تخص بطاقة صادرة من بنك أجنبي عضو في نفس البطاقة فإن العملية تقيد على حساب المنظمة الراعية للبطاقة، والتي ترجع بدورها على البنك الأجنبي. ويأخذ البنك المصدر للبطاقة عمولة من التاجر إن كان يتعامل مع التاجر مباشرة، أو يتقاسمها مع بنك التاجر مقابل ما بذله من تكاليف فعلية، ومقابل ما قدمه من ضمان للسداد، ومن خدمات غير مباشرة، وسوف نناقش إن شاء الله تعالى حكم أخذ هذه العمولة في دراسة العلاقة بين التاجر وبين مصدر البطاقة في المبحث التالي. * * *

стр. 5882

المسألة الرابعة في توصيف العلاقة بين مصدر البطاقة (البنك) وبين التاجر يبرم البنك (مصدر البطاقة) اتفاقية مع التجار الذين يرغبون في التعامل مع البطاقات البنكية، وتبين هذه الاتفاقية التزامات الطرفين تجاه الآخر، ويتعهد مصدر البطاقة بموجب الاتفاق بالوفاء بجميع المبالغ المستحقة لطرف التاجر مقابل رسوم مقطوعة، ومبالغ مخصومة، فما حكم أخذ البنك مصدر البطاقة لهذه العمولة؟ وللجواب على ذلك أقول: الرسوم التي يأخذها البنك من التاجر تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: [ن-١١٦] رسوم مقطوعة يأخذها البنك مقابل نقاط البيع التي يدفعها البنك للتاجر، وما يلزم لتجهيزها من أوراق، وأحبار، وأدوات، ونحو ذلك، فهذه الرسوم لا خلاف في أخذها وطلب الربح في تقديمها؛ لأنها مقابل خدمات معلومة مباحة، وهي مفصولة عن عملية الضمان، ومفصولة عن فاتورة البيع والشراء. القسم الثاني: رسوم متعلقة في عملية البيع والشراء عن طريق بطاقات الائتمان، وذلك بخصم نسبة معينة من قسائم البيع لصالح مصدر البطاقة إن كان التاجر يتعامل مباشرة مع البنك الذي أصدر البطاقة، أو يتقاسمها مصدر البطاقة مع بنك التاجر

стр. 5883

إن كان لدى التاجر بنك آخر يعمل على تحصيل المبلغ من البنك الذي قام بإصدار البطاقة، وهذا المبلغ يتراوح ما بين (١% إلى ٧% وغالبًا ما يكون (٣%) من مجموع مبلغ الفاتورة، ويعتبر هذا الدخل من أهم مصادر الربح لمصدري البطاقة، فما تكييف هذا المبلغ الذي يأخذه البنك من التاجر، وهل يعتبر أخذه من قبيل المال المشروع أو المحرم؟. [ن-١١٧] اختلف العلماء في تكييف العلاقة بين مصدر البطاقة وبين أصحاب المحلات التجارية التي قبلت التعامل مع حاملي البطاقات الائتمانية إلى أقوال: القول الأول: أن العقد هو تكملة عقد الضمان؛ فقد تقدم أن العلاقة بين مصدر البطاقة (البنك) وبين حامل البطاقة هو عقد ضمان لما سوف يجب عليه من الديون بحدود مبلغ معين متفق عليه. ومعلوم أن الضمان أطرافه الرئيسية ثلاثة. فالتاجر: هو المضمون له. والبنك (مصدر البطاقة) هو الضامن. وحامل البطاقة (العميل) هو المضمون عنه. فالبنك ضامن للتاجر سداد ما يجب على حامل البطاقة من الديون، وقد تضمن نص الاتفاقية بين مصدري البطاقة وبين التاجر على حقيقة الضمان، فقد جاء في الاتفاق ما نصه: «تعهد الطرف الثاني قابل البطاقة أن يقدم إلى الطرف الأول مصدر البطاقة كشفًا رسميًا بكل الحسابات والمصاريف المترتبة على استخدام بطاقة الفيزا، سواء كان الاستخدام على شكل بضائع، أو خدمات،

стр. 5884

وتعد تلك الكشوف نافذة بحق الطرف الأول مصدر البطاقة بمجرد اعتمادها وقبولها، وترتيبًا على ذلك يتم قيد القيمة الواردة بها لحساب الطرف الثاني، أو دفعها إليه بالكيفية التي يقبلها الطرفان بعد خصم النسبة المتفق عليها» (١). حكم أخذ الزيادة بناء على هذا التوصيف: اختلف العلماء في حكم أخذ الزيادة بناء على هذا التوصيف: فقيل: لا يجوز؛ لأن المبلغ الذي يأخذه الضامن من التاجر إنما هو في مقابل التزامه بالضمان، وأخذ العوض على ضمان الدين لا يجوز. لا فرق في ذلك بين أن يأخذ الضامن العوض من رب الدين، أو من المدين، أو من رجل أجنبي؛ لأن الضمان سوف يؤدي إلى أن يكون فائدة على القرض، والفائدة على القرض لا تجوز، إلا أن يكون الضامن مدينًا للمضمون عنه بمثل المبلغ الذي ضمنه أو أكثر، وهو ما يسمى بالضمان المغطى، فهنا لا يؤدي الضمان إلى قرض جر نفعًا، والله أعلم. جاء في شرح الخرشي: «تبطل الحمالة إذا فسدت نفسها كما إذا أخذ الضامن جعلًا من رب الدين، أو من المدين، أو من أجنبي؛ لأنه إذا غرم رجع بما غرمه مع زيادة الجعل، وذلك لا يجوز؛ لأنه سلف بزيادة» (٢). وقيل: يجوز أخذ هذا العوض. ويمكن تخريجه على صورة نص عليها الحنفية في مدوناتهم على الصحيح المفتى به في المذهب من أن الكفيل بأمر المدين إذا صالح المكفول له على أنه

стр. 5885

إن وهب له بعض الدين أو أكثره فإنه يعود على المكفول بما ضمن، لا بما أدى (١). كما يمكن تخريجه على مذهب المالكية والحنابلة بأن المضمون له إذا وهب

стр. 5886

الدين للضامن فهو تمليك له، ويرجع الضامن على المكفول بما كفل، فكذا إذا وهبه بعضه (١). وتخريج العمولة على أنها نوع من صلح الإسقاط، أو أنها من قبيل الهبة للضامن لا يصح. أما كون لا يصح تخريجه على صلح الإسقاط فلأن صلح الإسقاط لا يثبت إلا بعد ثبوت الحق وحين الوفاء، مع الإقرار بجميع الدين، وهو إسقاط اختياري لا جبر فيه، وليس في مقابل شيء، بينما الخصم في بطاقات الائتمان متفق عليه بين التاجر وبين البنك قبل نشوء الحق، والتاجر مجبر عليه لا يملك المطالبة بجميع الحق، وهو مقابل الضمان للدين. وأما كونه لا يصح تخريجه على أنه هبة؛ فلأن الهبة أيضًا من عقود التبرع لا إلزام فيها، وهي ليست في مقابل شيء، بينما الخصم واجب على التاجر، وفي مقابل ضمان الدين الذي على المشتري. القول الثاني: أن العلاقة بين قابل البطاقة (التاجر) وبين مصدرها (البنك) هي وكالة في تحصيل الدين من المدين (حامل البطاقة). فالتاجر (قابل البطاقة) هو الموكل. ومصدر البطاقة (البنك أو المؤسسة المالية) هو الوكيل.

стр. 5887

والخدمات التي يقدمها مصدر البطاقة هو القيام بقبض الدين من حامل البطاقة وإيداعه في حساب قابل البطاقة مقابل عمولة متفق عليها، مثله في ذلك مثل توكيل مكاتب تحصيل الديون (١). حكم أخذ الزيادة بناء على هذا التوصيف: التوكيل بعوض جائز بلا خلاف، وهو من باب الإجارة، وقد كان الرسول ﷺ يبعث عماله لقبض الصدقات، ويجعل لهم جعلًا (٢). ويناقش هذا التخريج: بأن مصدر البطاقة (البنك أو المؤسسة المالية) قد التزمت بالتسديد الفوري للدين قبل تحصيله من المدين، وإذا التزم البنك أن يؤدي للدائن من ماله لم يصح أن يقال: إن العقد عقد وكالة، وإنما هو عقد كفالة. وقد أجيب عن ذلك: بأنه معلوم أن الوكيل لا يلزمه أن يدفع من ماله، ولكن الجهات التي تصدر هذه البطاقة ترى أن هذا المسار يسبب بطئًا وتعقيدًا في الأمور، ولا يحقق السهولة واليسر في استخدام هذه البطاقة، لهذا رأت أن تقوم بتسديد المبلغ المستحق، ثم تذهب وتطالب العميل بما دفعته، والغاية منه هو ضبط التزامات البنك مع أصحاب المحلات التجارية والخدمات، إذ لا يستطيع البنك ضبط مواعيد التحصيل من العملاء لكثرتهم، في حين أنه يمكنه التحكم فيما يدفعه

стр. 5888

إليهم، ثم يقوم هو بعد ذلك بتحصيل الدين، والتاجر قد لا يصبر فيما لو طلب منه أن ينتظر أو يتربص إلى حين أن تحصل ديونه على هذا العميل، فمصدر البطاقة إنما قام بالدفع لاختصار الإجراءات، وهذا الأمر موجود في كثير من مجالات الوكالات والسمسرة، فكثير من الذين يستقبلون البضائع للبيع بالعمولة لصالح أصحابها مجرد أن يتسلموا هذه البضائع إذا كانت سهلة التسويق يقدمون الثمن لأصحاب هذه البضائع، ويقطعون صلتهم بهم، ثم يبيعونها هم، ويأخذون الثمن ممن يشتري منهم (١). ويجاب: ما دام أن البنك قد قام بالسداد من ماله، والتزم بذلك للمحال التجارية، فإن العقد قد خرج من كونه توكيلًا في تحصيل الدين إلى كونه ضامنًا له، بغض النظر عن الدافع الذي دفع البنك إلى قبول هذا الالتزام، وقد سبق أن العقد بين مصدر البطاقة وحاملها هو من قبيل الضمان، فإذا كان كذلك فإن التاجر هو المضمون له في هذا العقد إذ لا يتصور عقد ضمان دون وجود مضمون له، والله أعلم. القول الثالث: بأن العلاقة بين التاجر ومصدر البطاقة يشبه عملية خصم الأوراق التجارية، فلو كانت السلعة قيمتها مائة ريال مثلًا، فإن التاجر حين يقدمها للبنك يخصم ٢% مثلًا من قيمتها، فيدفع إليه ٩٨ ريالًا فقط، ثم يحصل المبلغ من العميل، وبهذا يكون البنك مشتريًا للقسيمة التي ثمنها ١٠٠ بـ (٩٨)، وبهذا تكون فواتير الشراء بمثابة سند الدين، وتقديم قابل البطاقة هذا السند إلى مصدرها كما يقدم باقي الأوراق التجارية بقصد بيعه بأقل من قيمته مقابل تعجيل محتواه.

стр. 5889

حكم العمولة بناء على هذا التوصيف: إذا اعتبرنا أن العمولة من باب خصم الأوراق التجارية، فإن خصم الأوراق التجارية لا يجوز؛ لأنه من باب بيع دين بنقد أقل منه. وذلك أن التاجر يبيع الدين الثابت له على حامل البطاقة بموجب فاتورة الشراء يبيعه على مصدر البطاقة البنكية، بثمن أقل من ثمن الدين، على أن يقبض المصرف قيمة الدين كاملًا من حامل البطاقة، فيقع في محذورين: الأول: بيع الدراهم بدراهم أقل، وهذا وقوع في ربا الفضل، فبيع الدراهم بالدراهم من جنسها يجب فيه التماثل. الثاني: أن التقابض غير موجود في العقد، فإن البنك مصدر البطاقة يسلم ثمن الدين للتاجر، ثم يستلم البنك من حامل البطاقة فيما بعد، وهذا وقوع في ربا النسيئة. يقول الشيخ المترك ﵀: «إن قلنا: إن هذه العملية (يعني خصم الأوراق التجارية) من باب بيع الدين على غير من هو عليه، فهو بيع غير صحيح حتى عند من يجيز بيع الدين على غير من هو عليه؛ لأن العوضين هنا من النقود، ولا يجوز بيع النقود بجنسها مع التفاضل، وعند اختلاف الجنس يجب التقابض، ومن شروط بيع الدين ألا يؤدي إلى محظور شرعي، ومن المحظورات اشتمال عقد البيع على الربا بنوعيه: التفاضل والنسأ، وهما متحققان فيما بينا من المثال؛ لأن الدين والثمن من الأموال الربوية، والمصرف يدفع قليلًا، ليقبض أكثر منه بعد مدة» (١).

стр. 5890

ويناقش هذا التوصيف من وجهين: الوجه الأول: لو كان الشراء بالبطاقات الائتمانية من قبيل الشراء بالآجل لأمكن قبول هذا التكييف، وأصبح البنك مقابل تعجيل هذه الديون يأخذ مقابلًا بما يشبه عملية خصم الأوراق التجارية، أما ما دام أن قسائم البيع التي يقدمها التجار إلى البنوك للحصول على قيمتها تعتبر مستحقة الدفع حالًا ومعجلًا لم يصح هذا التكييف، والله أعلم. الوجه الثاني: في صورة الأوراق التجارية لا التزام من المصرف لقبول تلك الأوراق بخلاف قسائم الشراء بالبطاقات الائتمانية فإن البنك ملزم بالوفاء بمستحقاتها بموجب الاتفاق المبرم بينه وبين التجار قبل نشوء الدين. القول الرابع: أن مصدر البطاقة هو المشتري للسلع والخدمات، ثم يبيعها على حامل البطاقة بعقد جديد. صورة التوصيف: أن مصدر البطاقة (البنك) هو المشتري الحقيقي للسلع والخدمات؛ لأنه هو الذي يدفع أثمان السلع والخدمات؛ ولأن التاجر لا يعرف حامل البطاقة، ولا يطمئن إليه، بل يعرف مصدرها (البنك)؛ ولأن التاجر لا يحق له الرجوع إلى حامل البطاقة عند امتناع مصدرها عن السداد، فتبين بذلك أن المشتري الحقيقي هو البنك، وأن حامل البطاقة وكيل له في القبض، ثم يقوم مصدر البطاقة ببيعها

стр. 5891

على حاملها بعقد جديد (١). ويناقش: بأن حامل البطاقة هو العاقد حقيقة، وقد اشترى لنفسه وانتفع بالخدمات بنفسه، وليس في العقود المبرمة بين أطراف البطاقة ما يدل على هذا التخريج أو يقتضيه، فهو متصور في ذهن صاحبه بعيدًا عن واقع بطاقات الائتمان، وإذا أمكن تسويق هذا التصور على بعده في السلع، فكيف يتصور في الخدمات المقدمة لحامل البطاقة مباشرة، وكون التاجر لا يعرف حامل البطاقة ولا يطمئن إليه فلأن الضامن معلوم للتاجر، وهو ملتزم بالسداد. القول الخامس: أن العقد بين التاجر وبين مصدر البطاقة هو عقد حوالة، فيكون التاجر: محالًا. والبنك محال عليه، وحامل البطاقة هو المحيل. وقد نص الحنفية على مثل هذه الصورة. قال السرخسي: «إذا كان لرجل على رجل مال، فضمنه له على إبراء الذي عليه الأصل فهو جائز، والكفيل ضامن للمال، ولا يأخذ الطالب المكفول عنه بشيء; لأنهما أتيا بمعنى الحوالة وإن لم يصرحا بلفظها والألفاظ قوالب المعاني. والمقصود هو المعنى دون اللفظ كان العقد الذي جرى بينهما حوالة لتصريحهما بموجب الحوالة، كمن يقول لغيره: ملكتك هذا الشيء بألف درهم فيكون بيعًا وإن لم يصرح بلفظ البيع.

стр. 5892

والكفالة والحوالة يتقاربان من حيث إن كل واحد منهما إقراض للذمة والتزام على قصد التوثق، فكما أنه لو شرط في الحوالة أن يطالب بالمال أيهما شاء ; كانت الكفالة فإذا شرط في الكفالة أن يكون الأصيل بريئا ; كانت الحوالة» (١). حكم أخذ العوض بناء على هذا التكييف: أخذ العوض على الحوالة الفقهية (استثناء من الحوالة المصرفية) لا يجوز مطلقًا، سواء قلنا في تكييف الحوالة: إنها من قبيل بيع الدين بالدين، أو قلنا: إن الحوالة هي استيفاء للحق، وليست بيعًا. فإن كيفت الحوالة بأنها بيع: كان المنع من أخذ العوض يرجع إلى أمرين: الأول: أن الحوالة إذا كانت بيعًا لم تصح على من لا دين عليه لعدم الاعتياض، إذ ليس عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال (٢). الثاني: أن الحوالة في حال تكييفها بأنها بيع، يبقى إشكال آخر، فإن الشارع وإن رخص بعدم التقابض في بيع الدراهم بمثلها في عقد الحوالة، كما رخص في عقد القرض، فإن التفاضل في بيع الدراهم بالدرهم لا يجوز، وفي حال أخذ العوض على الحوالة سيكون هناك تفاضل قطعًا، فالبنك سيدفع (٩٨) ويأخذ مائة من حامل البطاقة. أما إن قلنا: إن الحوالة هي استيفاء للحق، وليست بيعًا، وهو مذهب الجمهور، وهو الراجح، فلا يجوز أخذ العوض عليه أيضًا. فقد صرح الحنابلة والشافعية بأن الحوالة عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس بمحمول على غيره، وليست الحوالة بيعًا؛ لأنها لو كانت بيعًا لما جاز التفرق

стр. 5893

قبل القبض؛ لأنها بيع دراهم بدراهم، وإذا كانت من عقود الإرفاق لم يجز أخذ العوض عليها. جاء في أسنى المطالب: «الشرط الثالث - يعني لصحة الحوالة - اتفاق الدينين جنسًا وقدرًا وحلولًا، وتأجيلًا، وصحة، وتكسرًا، وجودة، ورداءة، ولو في غير الربوي؛ لأن الحوالة ليست على حقيقة المعاوضات، وإنما هي معاوضة إرفاق جوزت للحاجة، فاعتبر فيها الإرفاق كما في القرض» (١). ولذلك نص المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) على اشتراط تساوي الدينين قدرًا وصفة. وقال ابن رشد في بداية المجتهد: وللحوالة عند مالك ثلاثة شروط: ... الثاني: أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر، والصفة؛ لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعًا، ولم يكن حوالة فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، وإذا خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين» (٥). ويقول ابن القيم: «مما يبين أن الحوالة على وفق القياس: أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي في ذمة المحيل ولهذا ذكر النبي ﷺ الحوالة في معرض الوفاء فقال في الحديث الصحيح (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع) فأمر

стр. 5894

المدين بالوفاء ونهاه عن المطل وبين أنه ظالم إذا مطل وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء وهذا كقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] فأمر المستحق أن يطالب بالمعروف وأمر المدين أن يؤدي بإحسان ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شوب المعاوضة» (١). ويناقش: تخريج العقد بأنه عقد حوالة هذا يصح على مذهب الحنفية فقط، وابن الماجشون من المالكية، وذلك لأنهم لا يشترطون لصحة الحوالة مديونية المحال عليه للمحيل، ويسمونها بالحوالة المطلقة (٢). وأما الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أن المحال عليه إذا لم يكن مدينًا للمحيل فإن العقد ليس من قبيل الحوالة، حتى ولو استعمل لفظ الحوالة. فالمالكية يعتبرونه من باب الضمان (٣). والشافعية يعتبرونها حوالة فاسدة (٤). والحنابلة يعدون ذلك وكالة في الاقتراض (٥).

стр. 5895

يقول الباجي في المنتقى: «وأما إذا لم ينعقد بسببه عقد، ولم يكن للمحيل على المحال عليه شيء، فهو على الإطلاق حمالة عند جميع أصحابنا سواء كانت بلفظ الحوالة، أو الحمالة، إلا ما قاله ابن الماجشون أنها إن كانت بلفظ الحوالة فلها حكم الحوالة، وإن لم تكن بلفظ الحوالة فهي حمالة ... » (١). القول السادس: علل بعض الباحثين جواز أخذ العمولة من التاجر بأن هذا في حقيقته خصم، وليس زيادة، فليس فيه ما يلحقه بالربا. كما أنه لا يندرج تحت مسألة ما يسمى (ضع وتعجل) إذ صفة هذا أن يكون على رجل دين لم يحل، فيقول لصاحبه: تأخذ بعضه معجلًا، وتبرئني من الباقي. وهذا رأي الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان (٢). ويناقش: الواقع أن فيه زيادة؛ لأن الضامن مصدر البطاقة يدفع للتاجر أقل مما يستوفي من حامل البطاقة، فيعود العقد عليه بالزيادة، وإذا كان يحرم على الضامن للدين أن يأخذ عوضًا في مقابل ضمانه فلا فرق في التحريم بين أن يدفع الزيادة المضمون عنه، أو المضمون له، فالتحريم من أجل ألا يعود عقد الضمان على الضامن بالنفع؛ لأنه سيؤدي في حقه إلى قرض جر نفعًا، وهذه علة التحريم. القول السابع: يمكن اعتبار هذه النسبة أجور سمسرة، فمن الجائز أن أرسل إليك زبائن على أن أتقاضى منك أجرًا مقطوعًا عن كل زبون يصل إليك، أو عن كل زبون يشتري

стр. 5896

منك حسب الشرط. وهذا ما يؤديه مصدر البطاقة للتاجر. إضافة إلى بعض الخدمات المقدمة مثل تحصيل فواتير الشراء، وخدمة الإيداع المباشر في الحساب، ونحو ذلك وبناء على ذلك فإنه يستحق عوضًا مقابل هذه الخدمات، وقد تم الاتفاق على أن يؤخذ هذا العوض عن طريق خصم نسبة معلومة من قيمة مبيعات قابل البطاقة (١). حكم أخذ العوض بناء على هذا التوصيف: يجوز أخذ هذا العوض بناء على هذا التكييف سواء كانت هذه العمولة في صورة مبلغ مقطوع، أو نسبة من قيمة المبيعات فهذا لا يؤثر شرعًا على صحتها، ويمكن لمصدر البطاقة وبنك التاجر أن يتقاسما هذه العمولة لاشتراكهما في تقديم الخدمة للتاجر. ونوقش هذا التوصيف: لا يشك أحد في جواز عقد السمسرة بانفراده لو لم يكن ذلك مشروطًا في عقد الضمان، فالبنك قد التزم للتاجر بالسداد مقابل خصم هذه العمولة من قيمة فاتورة الشراء، فأصبحنا أمام عقدين: أحدهما: يجوز أخذ العوض عليه، وهو السمسرة. والثاني: لا يجوز أخذ العوض عليه، وهو ضمان الدين. فإذا اجتمعا فإما أن تقدم السمسرة مجانية فيزول المحذور الشرعي، وإما أن يبطل العقدان معًا؛ لأن اجتماعهما قد يؤدي إلى أخذ العوض على الضمان في

стр. 5897

عقد مستتر هو السمسرة، وسيأتي مزيد بيان لأدلة هذا القول عند الكلام على الترجيح. موقف المصارف الإسلامية والهيئات الشرعية من أخذ العمولة على التاجر: أجازت أخذ هذه العمولة الهيئة الشرعية في شركة الراجحي في فتواها رقم (٤٧) «حيث لا ترى مانعًا من الحصول على نسبة من قيمة ما يشتريه حامل البطاقة ما دامت هذه النسبة تستقطع من ثمن خدمة أو سلع، وقد تم التعارف على استقطاعها من البائع لصالح البنك الذي أصدر البطاقة وشركة الفيزا العالمية». كما ذهبت إلى الجواز أيضًا الفتوى الصادرة عن الهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي (١). كما أجازت الهيئة الشرعية لبنك البلاد أخذ العمولة من التاجر في قرارها رقم (١٦) وموضوعه ضوابط البطاقات الائتمانية، ففي الوقت الذي رأت الهيئة أن تكييف العلاقة بين البنك المصدر للبطاقة وقابل البطاقة (التاجر) أنها علاقة ضمان وسمسرة، رأت أن الرسوم المأخوذة من التاجر جائزة مطلقًا سواء أكانت نسبة، أم مبلغًا مقطوعًا؛ لأن تكييف هذا المبلغ أجرة على السمسرة، وهي جائزة، وغضت الطرف عن اجتماع السمسرة مع عقد الضمان، وأحدهما يجوز أخذ العوض عليه، والأخر يحرم أخذ العوض عليه، فإذا كان لا يجوز اجتماع البيع أو الإجارة مع القرض، لم يجز اجتماع الإجارة (السمسرة) مع الضمان.

стр. 5898

كما أجاز ذلك البنك الإسلامي الأردني. وأفتت ندوة البركة الثانية عشرة للاقتصاد الإسلامي بجواز أخذ العمولة من التاجر، ونص الفتوى: «يجوز للبنك المصدر لبطاقة الائتمان وبنك التاجر تقاضي عمولة من التاجر القابل للبطاقة في بيع السلع أو تقديم الخدمة، وذلك مقابل الخدمات المقدمة للتاجر في منح البطاقة، وقبول الدفع بها، وتوفير العملاء، وتحصيل المستحقات بالوكالة عن التاجر، ولا مانع من اقتسام هذه العمولة بين البنك المصدر وبنك التاجر لاشتراكهما في تقديم الخدمات المشار إليها» (١). كما صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي يجيز أخذ العمولة من التاجر. ففي قرار المجمع رقم ١٠٨ (٢/ ١٢) جاء فيه: «جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد». ومع تقديري لجميع الهيئات الشرعية العاملة في المصارف، وتثمين الجهود المبذولة في سبيل أسلمة المصارف وحرصها التام في ضبط تلك العمليات بما يوافق الشرع إلا أن إطلاقها للجواز غير سديد. فالراجح أن خصم المبلغ على التاجر مقابل ثلاثة أمور: الأول: تكاليف فعلية يقدمها مصدر البطاقة للتاجر. وهذه يجوز تحميلها المستفيد منها، ولا يسمى هذا معاوضة؛ لأن البنك يأخذ ما أنفقه من هذه

стр. 5899

الجهود على المستفيدين دون أن يربح عليهم من جراء ذلك، سواء كان المستفيد حامل البطاقة أو كان المستفيد هو التاجر، وإذا كانت تكاليف القرض يجوز أخذها من المقترض، فتكاليف الضمان كذلك، وهذه ينبغي أن يعلم أنها لا تدخل في باب المعاوضات أصلًا. ولا شك أن البنك يحتاج في عملية تحصيل قيمة المبيعات وما يتبع ذلك من أعمال وإجراءات إدارية إلى توظيف كفاءات متخصصة يتقاضون أجورًا عالية على مثل هذه الأعمال التي تحتاج إلى الكثير من التعب والتكلفة والمعاناة فإنه من غير المعقول أن يقدم البنك مصدر البطاقة مثل هذه الخدمات نيابة عن التاجر مجانًا إلا أن هذا المبلغ يجب أن يكون مقطوعًا، ولا يحتسب بنسبة مئوية من مبلغ الفاتورة؛ لأن إجراءات العملية ذات المبلغ الكبير هي نفس إجراءات العملية ذات المبلغ القليل. الثاني: أخذ مبلغ مقابل التزام البنك بالسداد للتاجر. وهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى أخذ العوض على ضمان الدين. وهو محرم بالإجماع. الثالث: أخد مبلغ مقابل خدمات غير مباشرة للتاجر، مثل السمسرة والإيداع في الحساب واحتساب ذلك بنسبة مئوية من مبلغ الفاتورة. وهذه يجوز أخذ العوض عليها وطلب الربح من جراء تقديمها للتاجر لو كانت تقدم بشكل منفرد، أو مع خدمات مباحة، أما إذا اجتمعت مع الضمان فإنه لا يجوز أخذ العوض عليها حتى تفصل عن الضمان: حتى لا يؤدي ذلك إلى أخذ العوض على الضمان بالاختباء وراء ستار هذه الخدمات. فالراجح في العقود المشتركة منع الجمع بين كل عقدين يترتب على الجمع بينهما محظور شرعي، وإن كان كل واحد منهما جائزًا بمفرده.

стр. 5900

من ذلك: أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة، على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا بيع العينة المنهي عنه، فاجتماعهما أدى إلى المنع، وإن كان كل منها جائزًا بانفراده. ومنه لو باع عليه ذهبًا، واشترط عليه أن يشتري منه بثمنه ذهبًا آخر، فإنه حيلة لمبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل. ومنه لو باعه الجمع (التمر الرديء) بالدراهم، ثم ابتاع بالدراهم جنيبًا (تمرًا طيبًا) وكان ذلك عن مواطأة. فليس كل عقد جاز منفردًا جاز مضمومًا إلى غيره، فهذا عقد القرض جائز بالإجماع، وعقد البيع جائز بالإجماع، وإذا باعه بشرط أن يقرضه حرم ذلك بالإجماع. (ح-٨٥٧) لما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١). [إسناده حسن] (٢). والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض وإن كان كل واحد منهما صحيحًا بانفراده لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر

стр. 5901

القرض نفعًا للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع. وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض. قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (١). وقال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (٢). وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (٣). وقال الزركشي في البحر المحيط: «وبالإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين للذريعة إليها» (٤). كما حكى الإجماع على التحريم ابن قدامة في المغني (٥) وغيرهم. إذا علم ذلك نأتي إلى مسألتنا، فإذا كان تقديم الضمان للتاجر مشروطًا في أخذ العوض على تلك الخدمات فإن أخذ العوض على تلك الخدمات حينئذ يكون محرمًا خشية أن يؤدي ذلك إلى أخذ العوض على الضمان بعقد مستتر باسم الأجرة على تقديم تلك الخدمات، والله أعلم.

стр. 5902

ولا فرق في تحريم أخذ العوض على الضمان أن يكون الدافع للعوض هو المضمون عنه (المدين)، أو المضمون له (الدائن) في الحكم الشرعي؛ لأن ذلك في كلا الحالين سيؤدي إلى قرض جر نفعًا. جاء في شرح الخرشي: «تبطل الحمالة إذا فسدت نفسها كما إذا أخذ الضامن جعلًا من رب الدين، أو من المدين، أو من أجنبي؛ لأنه إذا غرم رجع بما غرمه مع زيادة الجعل، وذلك لا يجوز؛ لأنه سلف بزيادة» (١). وهذا هو القول هو الراجح فيما أرى، والله أعلم. * * *

стр. 5903

المسألة الخامسة في توصيف العلاقة بين التاجر وبين البنك في الفصل السابق تكلمنا عن العلاقة بين التاجر وبين مصدر البطاقة، إذا كان بنك التاجر هو نفس البنك الذي أصدر البطاقة، ولكن في حالات كثيرة يكون بنك التاجر ليس هو البنك الذي أصدر البطاقة، فقد يكون البنك الذي أصدر البطاقة بنكًا محليًا أو بنكًا أجنبيًا في بلد آخر، وبالتالي فإن التاجر سوف يقدم فاتورة البيع إلى البنك الذي يتعامل معه، والذي بدوره يقدم هذه الأوراق إلى البنك الذي أصدر البطاقة إن كان بنكًا محليًا، أو إلى المنظمة الراعية إن كان بنكًا أجنبيًا، وسوف يتقاسم بنك التاجر مع البنك المصدر للبطاقة العمولة التي تؤخذ من التاجر. [ن-١١٨] والسؤال: ما حكم أخذ بنك التاجر هذه العمولة من التاجر إذا لم يكن هو مصدر البطاقة؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: يرى جواز أخذ العمولة. وإلى هذا ذهب أكثر العلماء المعاصرين: وجه القول بالجواز: الوجه الأول: أن بنك التاجر لا يضمن للتاجر سداد قيمة الفاتورة، فلا تكون العمولة في

стр. 5904

مقابل الضمان، فلو امتنع مصدر البطاقة أو أفلس فإن الدين لا يدخل في ضمان البنك المحصل، بل يرجع البنك على التاجر بما دفع، وهذا ما نصت عليه اتفاقية فيزا التاجر حيث جاء فيه: «ثانيًا: في حال رفض البنك مصدر البطاقة دفع أوراق المبيعات المقدمة من التاجر فإن على التاجر رد جميع الدفعات المسددة له إلى البنك فورًا». وهذا يدل على أن البنك لا يضمن عملية السداد، مما يجعل حكمه مختلفًا عن حكم بنك مصدر البطاقة، والذي يقوم بعملية الضمان، والله أعلم (١). الوجه الثاني: أن حقيقة عمل بنك التاجر هو الوكالة في تحصيل الدين وتوصيله، وإذا كان دوره يقتصر على الوكالة في التحصيل فإن المال الذي يأخذه إنما هو أجرة على الوكالة في تحصيل الدين وتوصيله، والوكالة بأجر جائز، وقد يتخلل هذه العملية قرض ليس من طبيعتها، بل هو خدمة من البنك المحصل لعميله التاجر، فقد يودع البنك المحصل في حساب التاجر قبل تحصيله، ويكون الفرق بين الإيداع والتحصيل إن كان البنك محليًا ساعات محدودة، وإن كان بنكًا أجنبيًا قد يستغرق ذلك ثلاثة أيام على الأكثر (٢). القول الثاني: ذهب بعض الباحثين إلى تحريم ما يأخذه بنك التاجر من عمولة. وجه التحريم: أن بنك التاجر إذا قام بتسديد المبالغ المستحقة للتاجر حالًا، ثم رجع بها

стр. 5905

على المصدر مع خصم عمولته وعمولة المصدر فقد قام بإقراض التاجر بالفائدة المئوية؛ لأنه يحصل هذه المبالغ كاملة من المصدر، وهو بدوره يحصلها من الحامل، فالعملية تصير قرضًا جر نفعًا، وهو حرام، وليس مجرد وكالة من التاجر. وإذا كانت العملية تستغرق ثلاثة أيام فالأجل موجود والفائدة كذلك، فتتحول العملية إلى إقراض بفائدة (١). * * *

стр. 5906

المسألة السادسة في توصيف العلاقة بين المنظمة الراعية للبطاقة وبقية أطراف البطاقة [ن-١١٩] يعتقد بعض الباحثين أن المنظمات الراعية لبطاقات الائتمان كالفيزا والمستركارد وغيرها منظمات غير ربحية (١)، وهذا يخالف الواقع، لأنك حين تقدر هذه الرسوم التي تأخذها المنظمة على بلايين البطاقات المصرفية، إضافة إلى رسوم العضوية في المنظمة، ورسوم عمليات التفويض والمقاصة التي تجريها بين الأطراف المتعددة تدرك حجم الأرباح التي تجنيها تلك المنظمات من وراء هذه العمليات. ويمكن تكييف عمل هذه المنظمات كأجير مشترك يعمل لمصلحة أعضاء متعددين، ويأخذ على خدمته أجرًا متفقًا عليه، وهو نسبة معينة من كل عملية تقوم بها. فإن كانت البطاقات بطاقات ربوية تعتمد الفائدة مقابل تقسيط الدين، وتعتمد غرامة التأخير على حاملي البطاقات فإن عمل تلك المنظمات سيكون محرمًا؛ لأن عملها حينئذ سيقوم على تيسير عملية الإقراض بالفائدة، فعملها وأجرتها على ذلك حرام. أما إذا لم يترتب على وساطتها فوائد ربوية محرمه كما في بطاقات الائتمان المنضبطة فأجرتها صحيحة، ولا حرج في دفع الرسوم لها. والله أعلم. * * *

стр. 5907

المسألة السابعة في أخذ الرسوم على عملية السحب النقدي [ن-١٢٠] كثير من بطاقات الائتمان لا تتوفر فيها إمكانية السحب النقدي، وإنما يتوفر فيها إمكانية شراء السلع والخدمات، وبعض بطاقات الائتمان تتوفر فيها إمكانية السحب النقدي، ولهذه العملية حالتان: الأولى: السحب النقدي من مصدر البطاقة. وتكييف هذه العملية بأنها عملية قرض من مصدر البطاقة تنفيذًا لعقد الائتمان الذي يشمل وعدًا بالقرض. الحال الثانية: أن يكون السحب النقدي من غير مصدر البطاقة. وهذه العملية يتحصل منها عقدان: العقد الأول: عقد قرض بين حامل البطاقة والبنك المسحوب منه النقد. العقد الثاني: عقد ضمان بين البنك المسحوب منه النقد، وبين مصدر البطاقة؛ لأن القرض لن يتم إلا بعد موافقة مصدر البطاقة وتفويضه بإتمام العملية. أخذ رسوم على عملية السحب النقدي: هذه الرسوم إن كانت تكاليف فعلية تكبدها المقرض في سبيل تقديم القرض فهذه لا بأس بتحميلها المقترض؛ لأن من يستفيد من هذه الخدمات يجب أن يدفع تكاليفها، والمقرض محسن في قرضه لا يجب عليه أن يتحمل نفقات القرض، إلا أن هذه التكاليف يجب أن تحسب بدقة؛ لأن أي زيادة فيها ستؤدي إلى الوقوع في الربا، ويجب أن تكون مبلغًا مقطوعًا لا أن تكون العمولة نسبية؛ لأن تكاليف نفقات القرض واحدة مهما اختلف مقدار القرض، وما زاد على التكاليف الفعلية فأخذها يعتبر محرمًا؛ لأنه من قبيل الفائدة على القرض، وهذا محرم بالإجماع.

стр. 5908

وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ١٣ (١/ ٣): في دورته الثالثة بعمان بخصوص أجور خدمات القروض حيث جاء فيه: «أولًا: يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض على أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية. ثانيًا: كل زيادة على النفقات الفعلية محرمة؛ لأنها من الربا المحرم شرعًا». بقي إشكال آخر: أن المنظمة الراعية للبطاقة تقوم باحتساب رسوم السحب لصالح البنك المسحوب منه النقد حتى لو كان بنكًا إسلاميًا؛ لأنها تقوم بذلك بشكل تلقائي، ولا يمكن التعديل فيه، فلا يستطيع مصدر البطاقة أن يطلب من المنظمة الراعية ألا تحتسب له الفائدة، وقد أخذت البنوك الإسلامية من هذه النسبة المحسوبة موقفين. الموقف الأول: يرى جواز أخذ هذه النسبة، مثل بيت التمويل الكويتي، وندوة البركة على أساس أنها مقابل خدمات يقدمها البنك. ففي الأسئلة الموجهة إلى هيئة الفتوى والرقابة الشرعية في بيت التمويل الكويتي جاء في السؤال السادس: «ما هو الرأي الشرعي في العمولة التي يتقاضاها بيت التمويل من البنوك الخارجية لقاء دفع مبالغ نقدية لحملة بطاقة فيزا عملاء هذه البنوك؟ الجواب: إن العمولة التي يأخذها بيت التمويل كمبلغ مقطوع إضافة إلى نسبة مئوية عن إجمالي المبلغ المسحوب هي عبارة عن أجر على الخدمة المصرفية التي يقدمها

стр. 5909

بيت التمويل بما فيها من تكلفة نقل الأموال واستخدام وسائل الاتصالات التي تختلف تكلفتها من بلد إلى بلد لتمكين حامل بطاقة فيزا البنك الخارجي من سحب النقود. وإن أخذ هذا الأجر جائز شرعًا سواء أكان مبلغًا مقطوعًا، أو بنسبة مئوية أو كليهما؛ لأن إعطاء المبلغ هو على سبيل القرض الحسن، والمعاملة بالمثل بين بيت التمويل الكويتي والبنوك الأخرى المنضمة إلى منظمة فيزا» (١). ويناقش: بأن هذا العقد عقد مركب من عقدين: أحدهما: القرض. والثاني: الإجارة. ولا يجوز الجمع بين القرض وبين عقد الإجارة، وهذا النهي مجمع عليه كما سبق بيانه في الجمع بين البيع والقرض، والإجارة نوع من البيع إلا أنها بيع منافع، كما أن أخذ العمولة بالنسبة دليل على أن الأخذ لا يتعلق بالنفقات الفعلية، وإذا كانت هيئة الفتوى في بيت التمويل ترى أن إعطاء المبلغ هو من قبيل القرض الحسن، فإن أخذ العمولة على هذا القرض، وتحديد العمولة حسب النسبة المئوية للقرض لا يجعله من قبيل القرض الحسن، بل من قبيل الربا المحرم. الموقف الثاني: رأت بعض الهيئات الشرعية أن تضع صندوقًا خاصًا لهذه الفوائد المحتسبة، ثم تتخلص منها (٢).

стр. 5910

يقول الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀: «هذه المشكلة قد تدوركت بأن البنك الإسلامي الذي يريد أن يصدر بطاقة يشترط عليه أن ينشئ صندوقًا خاصًا لديه لتلك الفوائد التي تحتسب له رغمًا عنه، وليس بطلب منه، وتأتيه على المبالغ التي استعملت فيها البطاقة، وهذا الصندوق ما يتجمع فيه يوجه إلى جهات الخير الإسلامية شأن سائر الفوائد التي تحتسب لبعض المودعين في البنوك، ولا يريدون أن يقعوا في المحرم، فهم يصرفونها كما في فتوى المجمع الفقهي في مكة» (١). * * *

стр. 5911

المسألة الثامنة في أخذ الرسوم على الإصدار والتجديد والاستبدال المقصود برسوم الإصدار أو الاشتراك: المبلغ الذي يدفعه العميل عند منحه البطاقة، ويدفع مرة واحدة فقط. أما رسوم التجديد: فهو رسم سنوي يدفعه العميل كل سنة إذا رغب في استمرار عضويته في البطاقة. وأما رسوم الاستبدال: فهو المبلغ الذي يدفعه العميل عند إصداره بطاقة جديدة عوضًا عن بطاقته الضائعة أو المسروقة، أو التالفة. وهذه الرسوم يأخذها البنك المصدر للبطاقة نتيجة تحمله نفقات فعلية مباحة، من ذلك: رسوم العضوية في المنظمة الدولية، وهي رسوم باهظة التكاليف. ومنها رواتب الموظفين العاملين في مجال البطاقات. ومنها تكاليف استئجار مواقع أجهزة الصرف الآلي، ومواقع الإدارات الخاصة بالبطاقة. ومنها تكاليف الاتصال الهاتفي أثناء تنفيذ العمليات. ومنها ما تنفقه على تصنيع مختلف بطاقات الائتمان. ومنها نفقات إرسال الرسائل بالبريد إلى حامل البطاقة بالكشوف الشهرية، وإذا عرفنا أن المشتركين تصل أعدادهم بالملايين فإن التكاليف ستكون عالية جدًا.

стр. 5912

ومنها نفقات خدمات مركز البطاقات على مدار الساعة، وخدمة الهاتف المجاني على مدار الساعة. والسؤال: ما حكم أخذ العوض في مقابل هذه الرسوم: [ن-١٢١] هناك قولان لأهل العلم في أخذ العوض على هذه الرسوم: القول الأول: هناك من يجيز أخذ العوض على هذه الرسوم مطلقًا، سواء كان ذلك بقدر التكلفة أو أكثر، بشرط أن يكون مبلغًا مقطوعًا (١). وجه القول بالجواز: أن هذه العمولة لا تخرج عن كونها أجرة محددة مقطوعة على خدمة معلومة، وتسري عليها أحكام الأجرة في إجارة الأعمال ... ولأن اقترانها بضمان مصدرها لحاملها لا يلوثها بشبهة الربا ولا حقيقته، إذ لا فرق في فرضها ومقدارها بين ما إذا استخدمها حاملها بمبالغ كثيرة أو قليلة أو لم يستخدمها بتاتًا. وقد صدر عن ندوة البركة (الثانية عشرة) الفتوى التالية: يجوز للبنك المصدر لبطاقة الائتمان أن يأخذ من طالب البطاقة رسوم العضوية، ورسوم الاشتراك والتجديد، ورسوم الاستبدال، على أن تكون تلك الرسوم مقابل الخدمات المقدمة لحامل البطاقة، ولا مانع من اختلاف الرسوم باختلاف الخدمات أو

стр. 5913

المزايا، وليس باختلاف مقدار الدين (المبلغ المستخدمة له البطاقة) أو أجله (مقدار مهلة السداد) (١). ويناقش هذا: إذا أجزنا اعتبار الرسوم أجرة بمبلغ مقطوع مقابل الخدمة حتى ولو زادت على التكاليف الفعلية، فإن العقد في هذه الحالة سيكون من العقود المركبة، وذلك أنه يجتمع في هذا العقد عقدان: عقد إجارة وعقد قرض: في حالة السحب المباشر ببطاقة الائتمان. وعقد إجارة وعقد ضمان يؤول إلى قرض في حالة الشراء بواسطة نقاط البيع ببطاقة الائتمان. والجمع بين عقد الإجارة والقرض لا يجوز بالإجماع؛ لأن الإجارة نوع من البيع، وهو في حكم المشروط في عقد الائتمان، وكذا الجمع بين عقد الضمان وعقد الإجارة للسبب نفسه. القول الثاني: يجوز أخذ النفقات والتكاليف الفعلية التي أنفقها البنك، ولا يجوز أن يربح في ذلك، بل يجب أن يتم حساب هذه التكاليف بدقة وعدل، وأي زيادة عليها يعتبر زيادة محرمة، يوقع في الربا؛ لأنها ستؤدي إلى أخذ العوض على ضمان الدين، وهذا يؤول بالنهاية إلى قرض جر نفعًا. فإن قيل: إن هذه الخدمات خدمات مباحة، فلماذا لا يجوز أخذ الأجر على تقديمها زائدًا على النفقات الفعلية.

стр. 5914

فالجواب: أن هذه الخدمات لا شك أنها خدمات مباحة، فلو قدمت هذه الخدمات بشكل منفرد أو مع خدمات أخرى لجازت المتاجرة بها، وطلب الربح من وراء تقديمها، أما إذا اجتمعت مع الضمان فإنه لا يجوز أخذ العوض عليها حتى تفصل عن الضمان: حتى لا يؤدي ذلك إلى أخذ العوض على الضمان بالاختباء وراء ستار هذه الخدمات، فتؤدي إلى قرض جر نفعًا. فالراجح في العقود المشتركة منع الجمع بين كل عقدين يترتب على الجمع بينهما محظور شرعي، وإن كان كل واحد منهما جائزًا بمفرده، فليس كل عقد جاز منفردًا جاز مضمومًا إلى غيره، فهذا عقد القرض جائز بالإجماع، وعقد البيع جائز بالإجماع، وإذا باعه بشرط أن يقرضه حرم ذلك بالإجماع. فإذا كان أخذ العوض على ضمان الدين محرمًا فإن أخذ العوض على تلك الخدمات حينئذ يكون محرمًا خشية أن يؤدي ذلك إلى أخذ العوض على الضمان بعقد مستتر باسم الأجرة على تقديم تلك الخدمات، وفي نفس الوقت لا نمانع من أخذ التكاليف الفعلية التي أنفقها الضامن دون أن يربح فيها، فهذا هو مقتضى العدل. جاء في الشرح الكبير: «فمن اقترض إردبًا مثلًا فأجرة كيله على المقترض، وإذا رده فأجرة كيله عليه بلا نزاع» (١). وعلق على ذلك الدسوقي في حاشيته: «قوله: (فأجرة كيله على المقترض) أي لا على المقرض؛ لأنه فعل معروفًا، وفاعل المعروف لا يغرم» (٢).

стр. 5915

وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثالث بعمان (الأردن): «بخصوص أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية، قرر مجلس المجمع اعتماد المبادئ التالية: أ - جواز أخذ أجور عن خدمات القروض. ب - أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية. ج - كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة؛ لأنها من الربا المحرم شرعًا» (١). كما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم: ١٠٨ (٢/ ١٢) بشأن موضوع بطاقات الائتمان غير المغطاة. جاء فيه: «يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدين. ويتفرع على ذلك: أ - جواز أخذ مصدرها من العميل رسومًا مقطوعة عند الإصدار أو التجديد بصفتها أجرًا فعليًا على قدر الخدمات المقدمة منه». وإذا جاز احتساب التكاليف الفعلية السابق ذكرها والمتمثلة في تكاليف صناعة البطاقة وتكاليف الاتصالات، والكهرباء، وتكاليف الموظفين، واستئجار مواقع أجهزة الصرف والطباعة والبريد، وهي تكاليف حقيقية، فلا يجوز احتساب تكاليف غير حقيقية، مثل تكاليف الديون المعدومة أو المتعثرة، أو تكاليف احتمال التزوير والاحتيال، أو تكاليف متابعة المتأخرين عن السداد،

стр. 5916

وتحميل هذه المبالغ على حملة البطاقات ضمن رسوم الإصدار، كما لا يجوز احتساب رسوم الاشتراك في بطاقات التخفيض ضمن رسوم الإصدار. وإذا عرفنا أنه من السائغ شرعًا دفع النفقات الفعلية التي أنفقها المصدر للبطاقة، واحتساب ذلك على شكل رسوم إصدار وتجديد واستبدال، قياسًا على نفقات التسليم والوفاء والوزن في عقد القرض والتي يتحملها المقترض فإن السؤال الذي يطرح نفسه: من يقدر التكلفة الحقيقية لهذه المصروفات؟ إن نفقات القرض والتي يتحملها المقترض مثل كيل مال القرض، أو وزنه تكاليف معروفة ومحسوبة بدقة، ولا يتحكم في تحديدها المقرض، بل هي متعارف عليها في سوق التعامل، وقد يدفعها المقترض مباشرة للوازن أو الناقل دون أن يباشر ذلك المقرض، بينما الواقع في بطاقات الائتمان المعاصرة أن تحديد التكلفة الفعلية يصدر من المصرف (المقرض) وهو الذي يتحكم فيها، وهو المستفيد منها، والبنوك الربوية ليست محل ثقة في تقدير مثل ذلك خاصة أننا نرى أن التكلفة الفعلية قد تزيد من وقت لآخر زيادة ليست يسيرة من غير مبرر في السوق الاقتصادي. لذلك يجب على المؤسسات المالية الإسلامية أن تتبنى معيارًا معلومًا لتحديد التكلفة الفعلية يحدد بشكل جماعي، أو من قبل جهة محايدة موثوقة حتى لا يطرأ على ذلك شبهة الزيادة الربوية المستترة في التكلفة الفعلية (١). «ومما يدل على أن هذه الرسوم يحتسب فيها أمور أخرى غير الجهد والعمل، وما تبع ذلك ما ذكرته مجلة المجلة في شؤونها الاقتصادية في دراسة حول بطاقة الائتمان، جاء فيها:

стр. 5917

«توضح البنوك من ناحيتها أن أسباب ارتفاع رسوم البطاقات هي: حجم السوق السعودي المحدود، وانخفاض عدد البطاقات المستخدمة داخل هذه السوق، وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، بالإضافة إلى بعض الديون الرديئة». وقد ذكرت هذه الدارسة أن من بين أسباب ارتفاع رسوم البطاقات المستخدمة: ١ - انخفاض عدد البطاقات المستخدمة، ومقصوده أن كثيرًا ممن يحملون بطاقات الائتمان لا يستخدمونها في الائتمان. ٢ - كما ذكرت من بينها الديون الرديئة، والمقصود بذلك الديون التي يشك في تحصيلها، أو قد يكون من الصعب تحصيلها. وعليه فقد ارتأت البنوك تعويض النقص الناجم من تلك الأسباب بما يكتسبه من رسوم لقاء إصدار بطاقة الائتمان، أو تجديدها، فدل ذلك على أن هذه الرسوم تخضع لمعايير تجارية، وقد اعتبر فيها أمور أخرى غير ما يبذله البنك من جهد وعمل، وما يلزم ذلك من تبعات» (١). * * *

стр. 5918

المسألة التاسعة اشتراط فتح حساب لدى البنك مصدر البطاقة [ن-١٢٢] اختلف العلماء في اشتراط فتح حساب لدى البنك المصدر. فقيل: يجوز مطلقًا اشتراط فتح حساب كنوع من الرهن، ليكون بمثابة توثيق لحقوقها وأمانًا لها، وهذا الاشتراط لا حرج فيه شرعًا؛ لأنه من قبيل الرهن. جاء في فتوى ندوة البركة الثانية عشرة: (يجوز للبنك المصدر لبطاقة الائتمان أن يشترط على طالب البطاقة تقديم ضمان (كفيل أو رهن) أو رهن حساباته لدى البنك، وذلك في مقابل منح حامل البطاقة مهلة سداد محدودة بدون فوائد، مع مراعاة الشروط والأحكام الشرعية للكفالة والرهن والمقاصة) (١). وهناك من قسم اشتراط فتح الحساب لمن يرغب في الحصول على بطاقة ائتمان إلى ثلاث حالات: الحال الأولى: اشتراط غطاء معين يكون رهنًا، وتجميده دون أن يتصرف فيه المصرف إلا عند تعذر السداد. والسؤال: هل للضامن أن يأخذ رهنًا من المضمون عنه، وهل يصح رهن النقود؟

стр. 5919

جاء في البحر الرائق: «فإن قلت: هل للكفيل أخذ الرهن من الأصيل قبل أن يؤدي عنه؟ قلت: نعم» (١). وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت الرجل يتكفل عن الرجل بحق عليه، ويأخذ بذلك رهنًا من الذي تكفل عنه، أيجوز هذا أم لا في قول مالك؟ قال: نعم هذا جائز؛ لأنه إنما تكفل بالحق» (٢). وجاء في عقد الجواهر: «وليس من شرط الدين أن يكون ثابتًا قبل الرهن به، ولا مقارنًا له، بل لو قال: رهنت عندك عبدي هذا على أن تقرضني غدًا ألف درهم، أو على أن تبيعني هذا الثوب، ثم استقرض أو ابتاع، فإن الرهن يلزم، ويجب تسليمه إليه، وإن كان قد أقبضه إياه في الحين صار بذلك القبض رهنًا» (٣). ومنع من ذلك الشافعية في أصح الوجهين، وعللوا ذلك بأنه لا يجوز عقد الرهن قبل ثبوت الحق (٤). والراجح القول بالجواز . الحالة الثانية: اشتراط فتح حساب، والإذن لصاحبه أن يسحب منه دون

стр. 5920

قيود، وهذا أيضًا لا حرج في جوازه، لأن فتح الحساب هنا ليس المقصود منه القرض بدليل أن صاحبه له أن يسحبه متى شاء، وإنما الداعي لذلك هو فتح حساب يتمكن المصرف من خلاله القيد لصاحبه وعليه تسهيلًا وضبطًا للمعاملات المصرفية. الحالة الثالثة: فتح حساب برصيد معين، وللبنك الحق في الانتفاع من هذا الرصيد وحده دون صاحبه. وإذا كان البنك يتملك الرصيد وينتفع به، لم يعد وديعة، وإنما هو قرض، يجري عليه أحكام القروض، وهذا التكييف يتفق عليه الفقهاء وأهل القانون. جاء في القانون المدني المصري في مادته (٧٢٦): «إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله اعتبر قرضًا». فإذا كان هذا المبلغ يعتبر قرضًا، فإن جواز اشتراط مثل هذا يرجع إلى حكم مسألة أخرى: وهي حكم اشتراط عقد القرض في عقد القرض، وهو ما يسمى (أسلفني وأسلفك). قال في مواهب الجليل: «لا خلاف في المنع من أن يسلف الإنسان شخصًا ليسلفه بعد ذلك» (١). وقال عليش: «ولا خلاف في منع أسلفني وأسلفك، وبحث ابن عبد السلام بأن العادة المكافأة بالسلف على السلف، فقصده لا بعد فيه.
следующие страницы →