البورصة، ومقار شركات السمسرة من دون حاجة إلى ذهاب مندوب شركات السمسرة إلى البورصة لإجراء التعاملات. ثم يقومون بالاتصال بالموظف المختص لتلقي الأوامر لإدخالها الحاسب الآلي، وتتمثل هذه الأوامر إما في طلب على عدد محدد من أوراق معينة، أو في عرض عدد محدد من أوراق معينة، أو في قبول عرض، أو طلب عرضته الشاشة.
يقوم الموظفون المختصون لتلقي أوامر مندوبي شركات السمسرة بتدوين هذه الأوامر في الحاسب الآلي، ثم يتم تنفيذها تلقائياً حسب أسبقية تلقيهم لها (١).
هذه هي الخطوات باختصار شديد، وبعض هذه الخطوات قد تكون متداخلة، وإنما فصلت بينها من أجل تسهيل عملية تصور هذه المراحل على القارئ الكريم.
ولما كان التعامل في الأوراق المالية بيعاً، وشراء يتم بين العميل والسمسار، كان لا بد من أن يكون ذلك من خلال أوامر واضحة، تعبر عن رغبة العميل في نوع المعاملة من خلال ما يطلق عليه أوامر السوق المالية.
وأنواع الأوامر التي يصدرها العميل للسمسار كثيرة منها:
(١) أمر السوق: وهو أمر طلب تنفيذ الصفقة بأفضل سعر يمكن الحصول عليه في السوق بيعاً، أو شراء.
ويعتبر أمر السوق أكثر الأوامر شيوعاً في أسواق الأوراق المالية، إذ يفوق استخدامه باقي أنواع الأوامر مجتمعة، وتشكل أوامر البيع في معظم أسواق الأوراق المالية الكبرى.
стр. 5987
(٢) الأمر المحدد: وفيه يحدد العميل للوسيط مسبقاً السعر الذي يجب أن يبيع به، أو يشتري، فيحدد السعر الأدنى في حالة البيع، والسعر الأعلى في حالة الشراء. وتكون صورة الأمر كما يلي: اشتر عشرين سهماً بسعر ٥٠ دولاراً أو أقل. أو بع عشرين سهماً بسعر ٥٠ دولاراً، أو أكثر.
(٣) الأمر اليومي ، أو الأمر ليوم واحد، وهو الأمر الذي تنتهي مدة سريانه تلقائياً بنهاية يوم العمل الذي صدر خلاله، وما لم يحدد العميل مدة بعينها، فإن كل أوامر السوق عادة تعتبر ليوم واحد.
(٤) الأمر بالسعر المحدد مع التوقف . وهو عبارة عن أمر بالشراء إذا هبط السعر إلى حد معين، وأمر بالبيع إذا صعد السعر إلى مستوى معين.
(٥) الأوامر المرتبطة: في هذا النوع من الأوامر يطلب العميل من وسيطه أن يشتري أو يبيع له أوراقاً مالية معينة، إذا استطاع أن يبيع، أو يشتري له أوراقاً مالية من نوع آخر.
(٦) الأمر الساري المفعول حتى إلغائه: وهو الأمر المتعلق بشراء ما يعرض في السوق بسعر معين، دون تحديد نوع الورقة، ومدة التنفيذ.
(٧) الأمر بوقف التعامل: وينقسم إلى أمر وقف الشراء، أو وقف البيع.
(٨) الأوامر على المكشوف . في هذا النوع من الأوامر لا يتملك العميل الأوراق المالية موضوع الصفقة، وسيقوم عندما يحين موعد تنفيذها بشرائها أو استلافها من غيره من المضاربين (١).
* * *
стр. 5988
الفصل الثاني
أقسام السوق من حيث الأدوات المتداولة فيه
[ن-١٣٥] تنقسم السوق المالية من حيث الأدوات المتداولة فيه، ومن حيث المدة الزمنية التي يرغب المدخر في التخلي فيها عن فائضه، إلى: أسواق رأس المال، وأسواق النقد.
ويعتبر هذان السوقان هما أهم مكونات سوق المال، وسوف أتكلم إن شاء الله تعالى بإيجاز عن كل واحد من هذين السوقين، لأنتقل بعد ذلك إلى الكلام على الأدوات المتداولة فيهما.
* * *
стр. 5989
المبحث الأول
سوق رأس المال
تعريف سوق رأس المال:
وهي السوق التي يتم فيها إصدار أدوات مالية ذات أجل متوسط، وطويل، سواء كانت أدوات ملكية كالأسهم، أو أدوات قروض كالسندات.
على أنه لا يوجد فاصل دقيق بين الآجال المتوسطة والطويلة، ومن ثم فإن مفهومه يختلف من مؤسسة إلى أخرى، ومن سوق لآخر، بيد أنه في الغالب يراد بالأجل المتوسط: الفترة الزمنية التي تقع بين السنة والعشر سنوات، وبالأجل الطويل ما زاد عن عشر سنوات (١).
وإنما سميت سوق رأس المال: لكونها السوق التي يلجأ إليها أصحاب المشروعات لتكوين رأس المال في مشروعاتهم المختلفة (٢).
ويتم توفير ذلك عن طريقين:
الأول: الإقراض المباشر المتوسط والطويل الأجل، وتقوم بذلك البنوك المتخصصة في هذا النوع من الإقراض، وكذا الهيئات المتخصصة في ذلك.
الثاني: التعامل في سوق الأوراق المالية، وذلك ببيع الأوراق المالية طويلة الأجل أو متوسطته كالأسهم والسندات، والتعامل بهذا النوع يسهل تمويل
стр. 5990
المشروعات التجارية عن طريق تسهيل استثمارها على شكل أوراق مالية، وتسهيل عملية تداولها.
وتنقسم أسواق رأس المال إلى قسمين:
القسم الأول: أسواق حاضرة أو فورية .
وهي على ثلاثة أنواع:
(أ) بيوع عاجلة عادية.
(ب) عمليات الشراء بالهامش.
(ج) البيع على المكشوف.
القسم الثاني: أسوق العقود الآجلة .
وهي على نوعين:
(أ) البيوع الباتة القطعية.
(ب) بيوع الخيارات.
وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى لاحقاً عن حكم كل واحد من هذه البيوع سواء كانت الأدوات المتداولة في هذا البيوع أسهماً أو سندات. أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 5991
المبحث الثاني
سوق النقد
تعريف أسواق النقد:
هي السوق التي يتم فيها إصدار أدوات مالية ذات أجل قصير لا يزيد أجل استحقاقها عن سنة.
ويتم توفير ذلك عن طريق القروض المباشرة قصيرة الأجل، أو عن طريق خصم الأوراق التجارية العادية (١)، وأذونات الخزانة العامة (٢)، والقبولات البنكية، وشهادات الإيداع المصرفية القابلة للتداول (٣).
стр. 5992
وإنما سميت هذه السوق بسوق النقد؛ لأنه ربما يمكن تحويل الأصول المادية المتداولة فيها إلى نقود بسرعة وسهولة، أو لأن هذه الأصول يمكن أن تقوم بوظيفة أو أكثر من وظائف النقود، أو لمجموع الأمرين (١).
الفرق بين سوق رأس المال وسوق النقد:
[ن-١٣٦] يختلف سوق رأس المال عن سوق النقد في أمور أهمها:
الأول: الأصول المتداولة:
الأصول المتداولة في سوق النقد تتميز بالسيولة المرتفعة، وانخفاض درجة المخاطر بخلاف سوق رأس المال، وذلك راجع لاختلاف الأدوات المالية المتداولة في كل سوق.
ففي سوق النقد يتم تداول شهادات الإيداع، والأوراق التجارية، والقبولات المصرفية، وأذونات الخزانة، وغيرها، بينما في أسواق رأس المال يتم التداول على الأسهم والسندات بأنواعها.
الثاني: المدة الزمنية:
تختلف سوق رأس المال عن سوق النقد من حيث المدة الزمنية التي يرغب المدخر في التخلي فيها عن فائضه، حيث يتم التعامل في سوق النقد بأدوات مالية ذات أجل قصير، لا تزيد فترة استحقاقها عن سنة، بخلاف سوق رأس المال، فيتعامل فيها بالأدوات المالية ذات الأجل المتوسط والطويل.
الثالث: المؤسسات العاملة في كل منها:
حيث تقوم سوق النقد بأداء وظيفتها من خلال الجهاز المصرفي ممثلاً في
стр. 5993
البنك المركزي، والبنوك التجارية، إضافة إلى بعض الوكلاء المتخصصين في التعامل في بعض الأوراق المالية ذات الأجل القصير، أما في سوق رأس المال فأهم هذه المؤسسات: مصارف الاستثمار وصناديق الاستثمار وصناديق التقاعد وشركات التأمين، وشركات السمسرة.
* * *
стр. 5994
المبحث الثالث
الحكم الفقهي للأسواق المالية من حيث الجملة
[ن -١٣٧] بعد أن عرفنا الأسواق المالية، وأقسامها إلى سوق أولية، وثانوية، وسوق لرأس المال، وآخر للنقد، والأدوات المتداولة في كل سوق، هل يمكن أن نعطي حكماً فقهياً في مشروعية إنشاء مثل تلك الأسواق؟
وللجواب على ذلك نقول:
لا شك أن الأسواق المالية هي غربية النشأة، جاءت إلى أسواقنا وجاء معها منظومة اقتصادية جديدة، الكثير منها إن لم يكن أكثرها من الأمور المستجدة، والتي تحتاج إلى تكييف فقهي معاصر يتبنى منهجاً وسطياً في تناولها، والاستفادة منها، فرفض هذه الأسواق بحجة أنها تكرس التبعية للغرب الرأسمالي ليس بوجيه، ولا ينفع البلاد، ولا العباد، فإن هذه المنظومة هي تغزو أسواق المسلمين سواء أردنا ذلك أو رفضناه.
وكذلك قبولها على ما هي عليه أكثر خطورة من القول السابق.
فالأسواق المالية من حيث المبدأ تدخل تحت قاعدة المصالح المرسلة، والتنظيمات التي تعتبر من صلاحيات أولي أمر المسلمين.
وكون الأسواق المالية اليوم لا تحقق المقاصد التي يتوخاها الإسلام، فإن هذا لا يعني إغفالها، وتركها وشأنها، أو الحكم على ما فيها حكماً مطلقاً بالتحريم، وإنما الأمانة تقتضي أن نبحث عن كل تفصيلاتها، وجزئياتها، ونقدم أدق تصور شرعي يحقق المراد الإلهي، وأن نقبل كل ما يمكن أن يكون مقبولاً منها شرعاً، ونرحب به، باعتبار أن المعاملات المالية هي حاجة إنسانية تحقق
стр. 5995
الرفاه، والنمو الاقتصادي للبلاد، وأن التدخل الشرعي فيها إنما جاء ليحقق العدل، ويمنع الظلم، والاحتكار، والاستغلال، وهذه حاجات إنسانية، يشترك فيها المسلم مع غيره. وأن نبذل كل ما في وسعنا، ونستفرغ كل جهدنا للوصول إلى بديل إسلامي لما هو محرم منها، بعد التوصل إلى تصور صحيح نقطع من خلاله، أو يغلب على ظننا بأنه محرم، وأن نجمع لمجتمعنا الحديث بين الأصالة وبين التجديد، والتطوير، فإن تخلفت الجهات التنفيذية عن القيام بدورها في ذلك نكون قد قمنا بواجب البلاغ، وهل علينا إلا البلاغ؟
وقد جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي متوافقاً مع هذا الفهم، يقول المجمع في قراره رقم: ٦١/ ١٠/٦):
«إن الاهتمام بالأسواق المالية هو من تمام إقامة الواجب في حفظ المال، وتنميته باعتبار ما يستتبعه هذا من التعاون لسد الحاجات العامة، وأداء ما في المال من حقوق دينية، أو دنيوية.
إن هذه الأسواق المالية مع الحاجة إلى أصل فكرتها، هي في حالتها الراهنة ليست النموذج المحقق لأهداف تنمية المال، واستثماره من الوجهة الإسلامية، وهذا الوضع يتطلب بذل جهود علمية مشتركة، من الفقهاء، والاقتصاديين لمراجعة ما تقوم عليه من أنظمة، وما تعتمده من أليات، وأدوات، وتعديل ما ينبغي تعديله في ضوء مقررات الشريعة الإسلامية.
إن فكرة الأسواق المالية تقوم على أنظمة إدارية، وإجرائية، ولذا يستند الالتزام بها إلى تطبيق قاعدة المصالح المرسلة، فيما يندرج تحت أصل شرعي عام، ولا يخالف نصاً، أو قاعدة شرعية، وهي لذلك من قبيل التنظيم الذي يقوم
стр. 5996
به ولي الأمر في الحرف، والمرافق الأخرى، وليس لأحد مخالفة تنظيمات ولي الأمر أو التحايل عليها، ما دامت مستوفية الضوابط الشرعية، والأصول الشرعية» (١).
وأما قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، فجاء فيه ما نصه:
«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد.
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في موضوع سوق الأوراق المالية والبضائع (البورصة)، وما يعقد فيها من عقود - بيعاً وشراء - على العملات الورقية، وأسهم الشركات، وسندات القروض التجارية، والحكومية، والبضائع، وما كان من هذه العقود على معجل، وما كان منها على مؤجل.
كما اطلع مجلس المجمع على الجوانب الإيجابية المفيدة لهذه السوق في نظر الاقتصاديين المتعاملين فيها، وعلى الجوانب السلبية الضارة فيها.
(أ) - فأما الجوانب الإيجابية المفيدة فيها:
أولاً: أنها تقيم سوقاً دائمة تسهل تلاقي البائعين والمشترين، وتعقد فيها العقود العاجلة، والآجلة على الأسهم والسندات، والبضائع.
ثانياً: أنها تسهل عملية تمويل المؤسسات الصناعية، والتجارية، والحكومية، عن طريق طرح الأسهم، وسندات القروض للبيع.
стр. 5997
ثالثاً: أنها تسهل بيع الأسهم، وسندات القروض للغير، والانتفاع بقيمتها؛ لأن الشركات المصدرة لا تصفي قيمتها لأصحابها.
رابعاً: أنها تسهل معرفة ميزان أسعار الأسهم وسندات القروض والبضائع، وتموجاتها في ميدان التعامل عن طريق حركة العرض والطلب.
(ب) أما الجوانب السلبية الضارة في هذا السوق، فهي:
أولاً: أن العقود الآجلة التي تجري في هذه السوق ليست في معظمها بيعاً حقيقياً، ولا شراء حقيقياً؛ لأنه لا يجري فيها التقابض بين طرفي العقد فيما يشترط له التقابض في العوضين، أو في أحدهما شرعاً.
ثانياً: أن البائع فيها غالباً يبيع ما لا يملك من عملات، وأسهم، وسندات قروض، أو بضائع على أمل شرائه من السوق، وتسليمه في الموعد، دون أن يقبض الثمن عند العقد، كما هو الشرط في السلم.
ثالثاً: أن المشتري فيها غالباً يبيع ما اشتراه لآخر قبل قبضه، والآخر يبيعه أيضاً لآخر قبل قبضه، وهكذا يتكرر البيع والشراء على الشيء ذاته قبل قبضه إلى أن تنتهي الصفقة إلى المشتري الأخير الذي قد يريد أن يتسلم المبيع من البائع الأول، الذي يكون قد باع ما لا يملك، أو أن يحاسبه على فرق السعر في موعد التنفيذ، وهو يوم التصفية، بينما يقتصر دور المشترين والبائعين - غير الأول والأخير - على قبض فرق السعر في حالة الربح، أو دفعه في حالة الخسارة، في الموعد المذكور، كما يجري بين المقامرين تماماً.
رابعاً: ما يقوم به المتمولون من احتكار الأسهم، والسندات، والبضائع في السوق، للتحكم في البائعين الذين باعوا ما لا يملكون؛ على أمل الشراء قبل موعد تنفيذ العقد بسعر أقل، والتسليم في حينه، وإيقاعهم في الحرج.
стр. 5998
خامساً: أن خطورة السوق المالية هذه تأتي من اتخاذها وسيلة للتأثير في الأسواق بصفة عامة؛ لأن الأسعار فيها لا تعتمد كلياً على العرض والطلب الفعليين من قبل المحتاجين إلى البيع، أو إلى الشراء، وإنما تتأثر بأشياء كثيرة بعضها مفتعل من المهيمنين على السوق، أو من المحتكرين للسلع، أو الأوراق المالية فيها، كإشاعة كاذبة أو نحوها.
وهنا تكمن الخطورة المحظورة شرعاً؛ لأن ذلك يؤدي إلى تقلبات غير طبيعية للأسعار، مما يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيراً سيئاً.
وعلى سبيل المثال لا الحصر: يعمد كبار الممولين إلى طرح مجموعة من الأوراق المالية من أسهم، وسندات قروض، ويهبط سعرها لكثرة العرض، فيسارع صغار حملة هذه الأوراق إلى بيعها بسعر أقل، خشية هبوط سعرها أكثر من ذلك، وزيادة خسارتهم، فيهبط سعرها مجدداً بزيادة عرضهم، فيعود الكبار إلى شراء هذه الأوراق بسعر أقل، بغية رفع سعرها بكثرة الطلب، وينتهي الأمر بتحقيق مكاسب للكبار، وإلحاق خسائر فادحة بالكثرة الغالبة، وهم صغار حملة الأوراق المالية، نتيجة خداعهم بطرح غير حقيقي لأوراق مماثلة، ويجري مثل ذلك أيضاً في سوق البضائع.
ولذلك قد أثارت سوق (البورصة) جدلاً كبيراً بين الاقتصاديين، والسبب في ذلك أنها سببت - في فترات معينة من تأرجح العالم الاقتصادي - ضياع ثروات ضخمة في وقت قصير، بينما سببت غنى للآخرين دون جهد، حتى إنهم في الأزمات الكبيرة التي اجتاحت العالم طالب الكثيرون بإلغائها، إذ تذهب بسببها ثروات، وتنهار أوضاع اقتصادية في هاوية، في وقت سريع، كما يحصل في الزلزال والانخسافات الأرضية.
ولذلك كله فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بعد اطلاعه على حقيقة
стр. 5999
سوق الأوراق المالية، والبضائع (البورصة)، وما يجري فيها من عقود عاجلة، وآجلة على الأسهم وسندات القروض، والبضائع، والعملات الورقية، ومناقشتها في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية يقرر ما يلي:
أولاً: أن غاية السوق المالية (البورصة) في إيجاد سوق مستمرة ودائمة يتلقى فيها العرض والطلب المتعاملون بيعاً وشراء، وهذا أمر جيد، ومفيد يمنع استغلال المحترفين للغافلين، والمسترسلين الذين يحتاجون إلى بيع أو شراء، ولا يعرفون حقيقة الأسعار، ولا يعرفون المحتاج إلى البيع، ومن هو محتاج إلى الشراء.
ولكن هذه المصلحة الواضحة يواكبها في الأسواق المذكورة (البورصة) أنواع من الصفقات المحظورة شرعاً، والمقامرة، والاستغلال، وأكل أموال الناس بالباطل.
ولذلك لا يمكن إعطاء حكم شرعي عام بشأنها؛ بل يجب بيان حكم المعاملات التي تجري فيها، كل واحدة منها على حدة.
ثانياً: أن العقود العاجلة على السلع الحاضرة الموجودة في ملك البائع التي يجري فيها القبض - فيما يشترط له القبض في مجلس العقد شرعاً - هي عقود جائزة، ما لم تكن عقوداً محرمة شرعاً، أما إذا لم يكن المبيع في ملك البائع فيجب أن تتوفر فيه شروط بيع السلم، ثم لا يجوز للمشتري بعد ذلك بيعه قبل قبضه.
ثالثاً: العقود العاجلة على أسهم الشركات، والمؤسسات حيث تكون تلك الأسهم في ملك البائع جائزة شرعاً، ما لم تكن تلك الشركات، أو المؤسسات موضوع تعاملها محرم شرعاً، كشركات البنوك الربوية، وشركات الخمور، فحينئذ يحرم التعامل في أسهمها بيعاً وشراء.
стр. 6000
رابعاً: أن العقود العاجلة والآجلة على سندات القروض بفائدة، بمختلف أنواعها غير جائزة شرعاً؛ لأنها معاملات تجري بالربا المحرم.
خامساً: أن العقود الآجلة بأنواعها، التي تجري على المكشوف، أي على الأسهم، والسلع التي ليست في ملك البائع، بالكيفية التي تجري في السوق المالية (البورصة) غير جائزة شرعاً؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك، اعتماداً على أنه سيشتريه فيما بعد، ويسلمه في الموعد. وهذا منهي عنه شرعاً لما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا تبع ما ليس عندك. وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم).
سادساً: ليست العقود الآجلة في السوق المالية (البورصة) من قبيل بيع السلم الجائز في الشريعة الإسلامية، وذلك للفرق بينهما من وجهين:
(أ) في السوق المالية (البورصة) لا يدفع الثمن في العقود الآجلة في مجلس العقد، إنما يؤجل دفع الثمن إلى موعد التصفية، بينما الثمن في بيع السلم يجب أن يدفع في مجلس العقد.
(ب) في السوق المالية (البورصة) تباع السلعة المتعاقد عليها، وهي في ذمة البائع الأول - وقبل أن يحوزها المشتري الأول - عدة بيوعات - وليس الغرض من ذلك إلا قبض، أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشترين غير الفعليين، مخاطرة منهم على الكسب والربح، كالمقامرة سواء بسواء، بينما لا يجوز بيع المبيع في عقد السلم قبل قبضه.
وبناء على ما تقدم يرى المجمع الفقهي الإسلامي أنه يجب على المسؤولين في البلاد الإسلامية ألا يتركوا أسواق (البورصة) في بلادهم حرة تتعامل كيف
стр. 6001
تشاء في عقود وصفقات، سواء أكانت جائزة، أم محرمة، وألا يتركوا للمتلاعبين بالأسعار فيها أن يفعلوا ما يشاؤون، بل يوجبوا فيها مراعاة الطرق الشرعية في الصفقات التي تعقد فيها، ويمنعوا العقود غير الجائزة شرعاً ليحولوا دون التلاعب الذي يجر إلى الكوارث المالية، ويخرب الاقتصاد العام، ويلحق النكبات بالكثيرين؛ لأن الخير كل الخير في التزام طريق الشريعة الإسلامية في كل شيء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
والله سبحانه هو ولي التوفيق، والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم» (١).
وقد تضمن القرار حقائق مهمة، من أهمها:
أن وجود السوق المالية تمليه الحاجة الملحة لإقامة سوق دائمة.
وأنه لا يمكن إعطاء حكم شرعي عام بشأنها؛ بل يجب بيان حكم المعاملات التي تجري فيها، كل واحدة منها على حدة.
وهذا ما سوف أتوجه له بالبحث في الأبواب التالية، فإذا عرفنا حكم الأسواق من حيث الجملة، فإننا سوف نتناول حكمها من حيث التفصيل، وذلك بتناول حكم الأدوات المتداولة فيها، من أسهم، وسندات، وأوراق تجارية، وغيرها في المباحث التالية نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 6002
الباب الثاني
الأدوات المتداولة في سوق رأس المال
الأدوات المتداولة في سوق المال، ثلاثة: أسهم، وسندات، وحصص التأسيس.
إلا أنه لا يمكنك أن تدرس الأسهم في معزل عن دراسة الشركات المساهمة، باعتبار أن السهم يمثل جزءاً من رأس مال الشركة، كما أنه لا يمكنك أن تدرس السندات، وهي قروض ربوية دون أن تذكر البدائل الشرعية المقترحة للسندات المحرمة، لذلك سيكون البحث في خلال فصول أربعة، هي كالتالي:
الفصل الأول: عن الشركات المساهمة.
الفصل الثاني: عن الأسهم.
والفصل الثالث: عن السندات والبدائل المقترحة.
والفصل الرابع: عن حصص التأسيس.
* * *
стр. 6003
الفصل الأول
في الشركات المساهمة
المبحث الأول
التعريف بالشركات المساهمة
لما كان السهم يعتبر من أهم الأدوات ا لمتداولة في سوق رأس المال، وكان السهم يمثل في حقيقته جزءاً من رأس مال الشركة المساهمة كان الحديث عن حكم الأسهم لا ينفك عن حكم الشركة التي تصدر مثل هذه الأسهم، فكان من الضروري أن نتكلم عن تعريف الشركة المساهمة ، وحكم الاكتتاب فيها، وهل هي شركة مستحدثة أو لها نظير في الفقه الإسلامي القديم .... إلى آخر المباحث المتعلقة بالشركة المساهمة على وجه الاختصار.
تعريف الشركة المساهمة:
لم يعرف هذا النوع من الشركة عند المتقدمين من الفقهاء، وإنما عرف هذا في العصر الحديث، لذا سيكون التعريف من خلال الكتب المعاصرة.
عرفت شركات الأسهم بعدة تعريفات، منها:
عرفها الشيخ علي الخفيف بأنها «شركة يكون لها رأس مال، يقسم إلى أسهم متساوية القيمة، وتطرح هذه الأسهم في السوق لشرائها، وتداولها، فيكون لكل شريك عدد منها، بقدر ما يستطيع شراءه، ولا يكون كل شريك فيها مسئولاً إلا في حدود أسهمه» (١).
стр. 6004
شرح التعريف:
قول الشيخ: (شركة يكون لها رأس مال) هذا المال قد يكون عروضاً، وقد يكون نقوداً، وقد يكون حاضراً، وقد يكون ديوناً، وقد يكون منافع، وقد يكون خليطاً منها كلها.
وقوله: (يقسم إلى أسهم متساوية القيمة) إشارة إلى أن قيمة الأسهم في الشركة لا بد أن تكون متساوية، وغير قابل للتجزئة، بحيث يشارك كل واحد من الشركاء بسهم، أو أكثر.
وبهذا تظهر فائدة الشركة المساهمة فالمشاريع الاقتصادية الكبرى التي تحتاج إلى رأس مال ضخم، لا يمكن أن يقوم بها فرد مهما بلغت ثروته، أما في الشركة المساهمة فإن القيام بمثل هذه المشاريع يكون سهلاً؛ لأن رأس المال مجزأ على أسهم، ويمكن لعدد كبير من الناس أن يدفع قيمة الاشتراك بها، ولو كانوا من أصحاب الدخل المحدودة، بحيث يصبح بمقدور رجال الأعمال جمع الأموال الطائلة للقيام باستثمارها في ميادين مختلفة، من صناعية، وزراعية، وتجارية، ولا يتم جمع هذه الأموال إلا عن طريق المساهمة، مما أدى إلى دفع عجلة الاقتصاد العالمي إلى الأمام.
وقول الشيخ: (طرح هذه الأسهم في السوق لشرائها، وتداولها) أشار الشيخ بهذا أن أسهم الشركة قابلة للتداول بالطرق التجارية، أي بطريق المناولة، أو بطريق القيد في سجلات الشركة، حسب نوع السهم.
وهذا القيد أخرج شركة التضامن؛ لأن الشريك المتضامن لا يحق له بيع حصته في الأسواق ممن شاء؛ لأنها شركة تقوم على العنصر الشخصي، جاء في المادة الثامنة عشرة من النظام السعودي عن شركة التضامن: «لا يجوز أن تكون حصص الشركاء ممثلة في أسهم قابلة للتداول».
стр. 6005
وكذلك أخرج الشركات التعاونية؛ لأنها تؤسس وفقاً للمبادئ التعاونية بخلاف شركة المساهمة فإن القصد من تأسيسها هو الربح.
وكذلك أخرج شركة المحاصة؛ لأنها لا تصدر صكوكاً قابلة للتداول (١).
وقول الشيخ: (ولا يكون كل شريك فيها مسئولاً إلا في حدود أسهمه) هذا القيد جعل الشركة المساهمة من شركات الأموال، أي أنها تقوم على العنصر المالي، ولا تقوم على العنصر الشخصي، وذلك يعني أموراً منها:
الأول: أن أغلب الشركاء في الشركة المساهمة لا يعرف بعضهم بعضاً.
الثاني: أن شركة المساهمة تتمتع بشخصية معنوية وذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء. وهذا محل بحث سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره بشكل مستقل.
الثالث: أن خسارة الشركة لا تعطي الحق لدائنيها بملاحقة المساهمين لتحصيل ديونهم من أموال المساهمين الخاصة، ورأس مال الشركة هو وحده الضامن للوفاء بديونها خلافاً لشركات الأشخاص، كشركة التضامن فإن الشركاء فيها مسئولون عن جميع ديون الشركة في أموالهم الخاصة. وهذا محل بحث سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره بشكل مستقل.
الرابع: أن لكل واحد من الشركاء أن يبيع أسهمه لمن يشاء دون حاجة إلى إذن الشركاء، كما أن الشركة لا تنفسخ بموته، ولا بإفلاسه، ولا بالحجر عليه خلافاً لشركات الأشخاص التي تنفسخ بمثل ذلك.
الخامس: أن استقلال الشركة عن الشركاء جعل الشركة تقوم على استثمار الأموال دون حاجة لوجود أصحابها مما يسمح للكثيرين بالمشاركة فيها برؤوس
стр. 6006
أموالهم مع احتفاظهم بعملهم الأصلي مما أدى إلى سهولة تداول الأموال واشتراكها في خدمة أهداف التنمية.
* * *
стр. 6007
المبحث الثاني
في إجراءات تأسيس شركات المساهمة في النظام السعودي
[ن-١٣٨] سبق لنا الإشارة إلى إجراءات التأسيس بشكل موجز، نفصله هنا إن شاء الله تعالى، فأقول:
أهم الإجراءات النظامية التي ألزم بها نظام الشركات السعودي كل من أراد تأسيس شركة مساهمة هي كالتالي:
(١) تحرير العقد الابتدائي ونظام الشركة.
تبدأ إجراءات التأسيس بأن يقوم عدد من الأشخاص يطلق عليهم المؤسسون على مشروع تكوين الشركة، وتحرير عقدها الابتدائي، ويشتمل العقد الابتدائي على البيانات التالية:
بيانات عن المؤسسين: ويشمل أسماء الشركاء المؤسسين، ومهنتهم، وجنسيتهم، وعناوينهم.
وبيانات عن الشركة: اسمها، وغرضها، ومركزها الرئيسي، ومدتها، ومقدار رأس مالها، وقيمة السهم ونوعه.
كما يلتزم فيه المؤسسون بالقيام بالإجراءات اللازمة لتصبح الشركة نظامية. وهذا العقد ليس هو عقد شركة المساهمة؛ لأن المساهمين ليسوا الشركاء الوحيدين فيها، ولكن المقصود من هذا العقد الابتدائي هو تقرير التزام المؤسسين بالسعي لإنشاء شركة مساهمة، واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لذلك.
ولما كان المؤسس يقوم بالدعوة إلى الشركة، والترويج لها، فإنه قد يتعرض لمسئولية كبيرة إذا ما فشلت الشركة، أو تبين أنها وهمية.
стр. 6008
ومن ثم فإنه يجب تعريف المؤسس بدقة.
وقد نصت المادة (٥٣) من نظام الشركات على أن المؤسس: «هو كل من وقع عقد الشركة المساهمة، أو طلب الترخيص بتأسيسها، أو قدم حصة عينية عند تأسيسها، أو اشترك اشتراكاً فعلياً في تأسيس الشركة».
(٢) تقديم طلب ترخيص لتأسيس الشركة موقع عليه من خمسة شركاء على الأقل، ويبين في الطلب كيفية الاكتتاب برأس مال الشركة، وعدد الأسهم التي قصرها المؤسسون على أنفسهم، ومقدار ما اكتتب به كل منهم،، ويرفق به صورة من عقد الشركة ونظامها يكون موقعاً على كل صورة من الشركاء وغيرهم من المؤسسين. ولا بد أن يكون نظام الشركة مطابقاً لنموذج نظام الشركة المساهمة الذي يصدره وزير التجارة.
(٣) يصدر مرسوم ملكي ترخيصاً لتأسيس الشركة ينشر في الجريدة الرسمية إن كانت من الشركات التي يشترط لها صدور مرسوم ملكي، وهي:
(أ) ذات الامتياز.
(ب) التي تدير مرفقاً عاماً.
(ج) التي تقدم الدولة لها إعانة.
(د) التي تشترك فيها الدولة، أو غيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة.
(هـ) التي تزاول الأعمال المصرفية.
أما بالنسبة لباقي الشركات فيصدر الترخيص من قبل وزير التجارة، ولا يصدر الوزير الترخيص إلا بعد الاطلاع على دراسة تثبت الجدوى الاقتصادية لأغراض الشركة، ما لم تكن الشركة قد قدمت مثل هذه الدراسة لجهة حكومية أخرى مختصة رخصت بإقامة المشروع.
стр. 6009
(٤) الاكتتاب في رأس المال.
إذا صدر الترخيص بتأسيس الشركة، فإنه ينشر في الجريدة الرسمية، فإذا كان المؤسسون قد اكتتبوا في كل رأس المال، فإن الشركة لن تطرح أسهمها للاكتتاب العام، ويجب في هذه الحالة، ألا يقل رأس مال الشركة عن مليوني ريال سعودي وفقاً (م ٤٩).
أما إذا اكتتب المؤسسون في جزء فقط من رأس المال فإنهم يطرحون للاكتتاب العام الأسهم التي لم يكتتب بها، ويجب في هذه الحال ألا يقل رأس مال الشركة عن عشرة ملايين ريال سعودي، ولا يقل المدفوع من رأس المال عند التأسيس عن نصف الحد الأدنى، ولا تقل القيمة الاسمية للسهم عن خمسين ريالاً سعودياً (م ٤٩)، ولا يقل المدفوع من قيمة كل سهم نقدي عند الاكتتاب عن ربع قيمته الاسمية، ويؤشر على السهم بالقدر المدفوع من قيمته (م ٥٨). وقد عدلت القيمة الاسمية للسهم بقيمة عشرة ريالات.
ويجب أن تطرح الأسهم للاكتتاب العام خلال ثلاثين يوماً من تاريخ نشر القرار المرخص بتأسيس الشركة في الجريدة الرسمية، ولوزير التجارة أن يأذن عند الضرورة بمد هذا الميعاد لمدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً.
ويتم طرح الأسهم للاكتتاب عن طريق البنوك التي يعينها وزير التجارة وفقاً (م ٥٥).
ويودع المؤسسون لدى البنوك المصرح لها بتلقي الاكتتاب نسخاً كافية من نظام الشركة، ويجوز لكل ذي شأن أن يحصل على نسخة منها بثمن معقول.
ويجب أن تتضمن نشرة الدعوة للاكتتاب العام البيانات التالية:
ـ أسماء المؤسسين، ومحل إقامتهم، ومهنهم، وجنسياتهم.
стр. 6010
ـ اسم الشركة، وغرضها، ومركزها الرئيسي.
ـ مقدار رأس المال المدفوع، ونوع الأسهم، وقيمتها، وعددها، ومقدار ما طرح منها للاكتتاب العام، وما اكتتب به المؤسسون، والقيود المفروضة على تداول الأسهم.
ـ المعلومات الخاصة بالحصص العينية، والحقوق المقررة لها.
ـ المزايا الخاصة الممنوحة للمؤسسين، أو لغيرهم.
ـ طريقة توزيع الأرباح.
ـ بيان تقديري لنفقات تأسيس الشركة.
ـ تاريخ بدء الاكتتاب، ونهايته، ومكانه، وشروطه.
ـ طريقة توزيع الأسهم على المكتتبين إذا زاد عدد الأسهم المكتتب بها على العدد المطروح للاكتتاب.
ـ تاريخ صدور المرسوم الملكي المرخص بتأسيس الشركة، ورقم عدد الجريدة الرسمية الذي نشر فيه.
ويوقع مؤسسو الشركة الذين وقعوا طلب الترخيص نشرة الاكتتاب، ويكونون مسئولين بالتضامن عن أي خطأ، أو نقص في بيانات نشرة الاكتتاب، فيلتزمون بتعويض من يصيبه ضرر من ذلك، وقد يتعرضون كذلك للعقوبة المنصوص عليها في المادة ٢٢٩ من نظام الشركات (١).
стр. 6011
ويظل الاكتتاب مفتوحاً مدة لا تقل عن عشرة أيام، ولا تجاوز تسعين يوماً، وإذا لم يتم الاكتتاب في رأس المال بالكامل خلال المدة المذكورة جاز بإذن من وزير التجارة مد فترة الاكتتاب مدة لا تزيد على تسعين يوماً.
стр. 6012
ويحصل الاكتتاب بأن يوقع المكتتب، أو من ينوب عنه، على وثيقة تشتمل بصفة خاصة على اسم الشركة، وغرضها، ورأس مالها، وشروط الاكتتاب، واسم المكتتب، وعنوانه، ومهنته، وجنسيته، وعدد الأسهم التي يكتتب بها، وتعهد المكتتب بقبول نظام الشركة كما تقره الجمعية التأسيسية وفقاً (م ٥٧) (١).
ولا يصح من المكتتب أن يعلق اكتتابه على شرط، وكل ما يضعه المكتتب من شروط فإنه لا يعتد بها، ولا يلزم الشركة، ويبطل الشرط وحده، ويصح الاكتتاب.
وأن يكون الاكتتاب بكل رأس المال وفقاً (م ٥٦) وألا يقل المدفوع من قيمة كل نقدي عند الاكتتاب عن ربع قيمته الاسمية، وفقاً (م ٥٨) (٢).
وتودع حصيلة الاكتتاب باسم الشركة تحت التأسيس أحد البنوك التي يعينها وزير التجارة، ولا يجوز تسليمها إلا لمجلس الإدارة بعد إعلان تأسيس الشركة وفقاً للمادة (٦٣).
стр. 6013
(٥) دعوة الجمعية العمومية التأسيسية إلى الاجتماع.
بعد أن يتم الاكتتاب والدفع والإيداع يدعو المؤسسون جميع المكتتبين إلى الاجتماع في صورة جمعية تأسيسية للشركة، مهمتها استكمال إجراءات التأسيس، وتنعقد بعد خمسة عشر يوماً من تاريخ الدعوة، ولكل مكتتب أياً كان عدد أسهمه حق حضور هذه الجمعية، ويشترط لصحة الاجتماع حضور عدد من المكتتبين يمثل نصف رأس المال على الأقل، فإذا لم تتوفر هذه الأغلبية من المكتتبين وجهت دعوة إلى اجتماع ثان بعد خمسة عشر يوماً من تاريخ الدعوة، ويكون هذا الاجتماع صحيحاً أياً كان عدد المكتتبين الممثلين فيه، وتصدر قرارات هذه الجمعية بالأغلبية المطلقة للأسهم الممثلة فيها وفقاً (م ٦١). وتختص هذه الجمعية بالتحقيق من صحة إجراءات التأسيس، وتقويم الحصص العينية إن وجدت (١)،
والتصديق على نظام الشركة، ونفقات التأسيس، واعتماد
стр. 6014
المزايا الخاصة بالمؤسسين، وتعيين مجلس الإدارة الأول ومراقبي الحسابات (١).
стр. 6015
(٦) القرار الوزاري بإعلان التأسيس.
في خلال الخمسة عشر يوماً التالية لانعقاد الجمعية التأسيسية، يتقدم المؤسسون بطلب إلى وزير التجارة لاستصدار قرار بإعلان تأسيس الشركة، ويكون الطلب مصحوباً بالمستندات الدالة على استيفاء وصحة إجراءات التأسيس السابقة، وبعد أن يتحقق الوزير من صحة إجراءات التأسيس فإنه يصدر قراره بإعلان تأسيس الشركة.
стр. 6016
وبصدور هذا القرار يصبح للشركة وجود قانوني، وتكتسب الشخصية المعنوية، ولا تسمع بعد ذلك الدعوى ببطلان الشركة لأية مخالفة لأحكام نظام الشركات، أو لنصوص عقد الشركة، أو نظامها. وكذلك تنتقل إلى ذمتها جميع التصرفات التي أجراها المؤسسون لحسابها، وجميع المصاريف التي أنفقها المؤسسون خلال فترة التأسيس (م ٦٤/ ٢).
وإذا لم يتم تأسيس الشركة على النحو المبين في نظام الشركات كان للمكتتبين أن يستردوا المبالغ التي دفعوها، أو الحصص العينية التي قدموها، وكان المؤسسون مسئولين بالتضامن عن الوفاء بهذا الالتزام، وعن التعويض عند الاقتضاء، وكذلك يتحمل المؤسسون جميع المصاريف التي أنفقت في تأسيس الشركة، ويكونون مسئولية بالتضامن في مواجهة الغير عن الأفعال والتصرفات التي صدرت منهم خلال فترة التأسيس (م ٦٤/ ٣).
هذه هي مراحل وإجراءات التأسيس للشركة المساهمة حسب الأنظمة السعودية المتبعة (١).
* * *
стр. 6017
المبحث الثالث
التوصيف الفقهي للاكتتاب
عرفنا من خلال المبحث السابق إجراءات التأسيس للشركة المساهمة، وكان من أهم مراحلها هي دعوة الجمهور للاكتتاب، ثم قبول المكتتب الاكتتاب بتعبئة المكتتب أو من ينوب عنه وثيقة الاكتتاب، ثم تخصيص الشركة لكل مكتتب عدداً من الأسهم المكتتب بها. ونريد أن نبحث في هذا الفصل التوصيف الفقهي لهذه المراحل:
[ن-١٣٩] أما دعوة الناس للاكتتاب فهو يعتبر عرضاً للسلعة على الجمهور، مع بيان صفة هذه السلعة بذكر عدد الأسهم المطروحة، وصفتها، وقيمتها، والغرض من إنشاء الشركة، وبيان نظامها كما يعرض التاجر سلعته على المشتري، وتعد هذه الخطوة شرطاً أساسياً لصحة العقد؛ لأن من شروط صحة العقد العلم بالمعقود عليه، وانتفاء الجهالة عنه، ولا يعتبر هذا وحده إيجاباً، وإنما هو مجرد دعوة عامة للشراء أو للشراكة مثله تماماً ما يعرض بوسائل الإعلام من دعاية عن سلعة من السلع، لا يعد وحده إيجاباً، وإنما هو دعوة عامة للجمهور.
وأما إقبال المكتتب على الاكتتاب، وتسليمه الوثيقة الخاصة بذلك، وقيامه بتعبئتها فهو بمنزلة الإيجاب.
وتخصيص الشركة عدداً من الأسهم لكل مكتتب بمنزلة القبول.
وهل العقد بين المكتتب، والشركة، أو بين المكتتب، والمؤسسين؟
فالجواب على ذلك أن يقال: لا يخلو الاكتتاب في الشركة، إما أن يكون من
стр. 6018
أجل تأسيس الشركة المساهمة، أو يكون الاكتتاب بعد تأسيس الشركة، كما لو كان الاكتتاب جاء من رغبة الشركة في زيادة رأس مالها.
[ن-١٤٠] فإن كان الاكتتاب هو الاكتتاب التأسيسي للشركة، فقد اختلف القول في توصيف هذه الشركة إلى قولين:
القول الأول:
يرى أن الاكتتاب عقد بين المكتتب والشركة بوصفها شخصاً معنوياً في دور التكوين، يمثله المؤسسون باعتبارهم وكلاء عن الشركة (١).
القول الثاني:
أنه عقد بين المكتتب والمؤسسين بناء على أن الشركة لا يكون لها شخصية معنوية مستقلة عن المؤسسين حتى يتم تأسيسها.
وهذا هو ما يفهم من نظام الشركات السعودي، حيث جاء فيه ما نصه: «إذا لم يتم تأسيس الشركة على النحو المبين في نظام الشركات كان للمكتتبين أن يستردوا المبالغ التي دفعوها، أو الحصص العينية التي قدموها، وكان المؤسسون مسئولين بالتضامن عن الوفاء بهذا الالتزام، وعن التعويض عند الاقتضاء، وكذلك يتحمل المؤسسون جميع المصاريف التي أنفقت في تأسيس الشركة، ويكونون مسئولية بالتضامن في مواجهة الغير عن الأفعال، والتصرفات التي صدرت منهم خلال فترة التأسيس (م ٦٤/ ٣).
وإذا كان المؤسسون ضامنين لجميع تصرفاتهم التي صدرت أثناء تكوين
стр. 6019
الشركة دل على أن النظام يصف عقد الاكتتاب على أنه عقد بين المكتتبين والمؤسسين.
[ن-١٤١] وأما إذا كان الاكتتاب حصل بعد تأسيس الشركة، كما لو كان الاكتتاب يأتي من رغبة الشركة في زيادة رأس مالها، فإن هذا الاكتتاب حصل بعد أن اكتسبت الشركة شخصيتها المعنوية المستقلة عن الشركاء، فإنه يمكن لنا أن نصف هذا العقد بأنه عقد بين المكتتب وبين الشركة بوصفها شخصاً اعتبارياً مستقلاً.
وإذا كان الشأن كذلك، كان عقد الاكتتاب عقد شراكة بالنسبة للاكتتاب التأسيسي، وعقد بيع بالنسبة للاكتتاب اللاحق لتأسيس الشركة.
[ن-١٤٢] وأما حكم الشراكة والبيع فهذا يتوقف على مدى موافقة الشركة ونظامها ونشاطها للشريعة الإسلامية.
فهناك شركات كان الغرض من إنشائها مشروعاً (مباحاً) ولا تتعامل بالربا، ولا بغيره من المحرمات، لا إقراضاً، ولا اقتراضاً. فهذه الشركة يجوز الاكتتاب بها بناء على أن الأصل في البيع والشركة الجواز والصحة.
وهناك شركات يكون الغرض من إنشائها غير مشروع (محرماً شرعاً) كالبنوك الربوية، وشركات الخمور، ونحوها، أو كان الغالب على أنشطتها محرماً شرعاً. فهذه لا يجوز الاكتتاب بها؛ لأن الله إذا حرم شيئاَ حرم ثمنه.
وهناك قسم ثالث من الشركات يكون الغرض من إنشائها مباحاً، وتمارس أعمالاً مباحة، ولكن لها بعض الممارسات المحرمة، كأن تقترض بالربا، أو تودع بالربا، فهذه محل نزاع بين الباحثين المعاصرين، فهناك من يمنع الاكتتاب
стр. 6020
بها مطلقاً، وهم أكثر العلماء. وهناك من يجيز الاكتتاب بها بشروط وقيود سوف يأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف فيها في فصل مستقل، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 6021
المبحث الرابع
التوصيف الفقهي لشركة المساهمة
[ن -١٤٣] اختلف المعاصرون في توصيف شركة المساهمة إلى أربعة أقوال:
القول الأول:
هناك من اعتبر شركة المساهمة من شركات المضاربة. وممن قال بهذا القول الشيخ على الخفيف ﵀.
قال الشيخ: « .... وقد وضع القانون قيوداً كثيرة في تأسيس شركات المساهمة قصد بها حماية المساهمين، وحماية المتعاملين معها، ولا يجوز تأسيسها إلا بأمر يصدر من السلطة العامة، والعمل في مالها يكون عادة لغير أرباب الأموال فيها، ولذلك فهي تعد من قبيل القراض في هذه الحال ... » (١).
ويناقش:
بأنه قد يصدق هذا التوصيف على بعض الحالات، ولكن لا يصدق على ما إذا كان أعضاء مجلس الإدارة، العاملون فيها، لهم أسهم في الشركة، كما يوجبه النظام السعودي للشركات.
القول الثاني:
ذهب بعض الباحثين إلى أن شركة المساهمة تعد عناناً، ومن هؤلاء الدكتور وهبة زحيلي (٢).
стр. 6022
القول الثالث:
هناك من اعتبر شركات المساهمة شركة عنان ومضاربة معاً.
وجهه: أنه قد تبين لنا من خلال الحديث عن إجراءات التأسيس أن شركة المساهمة يديرها مجلس إدارة.
فإذا كان عضو مجلس الإدارة مساهماً كما هو شرط النظام السعودي، فإن الشركة المساهمة والحالة هذه تجمع بين شركة العنان والمضاربة.
فالعنان: لأن الشركة مكونة من مجموع المالين: مال مجلس الإدارة، ومال الشركاء.
ومضاربة من حيث إن مجلس الإدارة سيعمل في مال الشركاء بالوكالة عنهم. وقد ذكر الحنابلة صورة قريبة جداً لصورة الشركة المساهمة:
بحيث يكون من أحد الشركاء مال وعمل، ومن الآخر مال فقط.
قال في الإنصاف: « ... شركة العنان: وهي أن يشترك اثنان بماليهما ... ليعملا فيه ببدنيهما بلا نزاع، والصحيح من المذهب، أو يعمل فيه أحدهما ... وقال في التلخيص: فإن اشتركا على أن العمل من أحدهما في المالين صح، ويكون عناناً ومضاربة. وقال في المغني: هذا شركة ومضاربة. وقاله في الكافي والشرح. وقال الزركشي: هذا الشركة تجمع شركة ومضاربة، فمن حيث إن كل واحد منهما يجمع المال تشبه شركة العنان، ومن حيث إن أحدهما يعمل في مال صاحبه في جزء من الربح هي مضاربة» (١).
стр. 6023
فإذا كان عضو مجلس الإدارة مساهماً كما هو الحال في نظام الشركات المساهمة في السعودية فإنه لا يجوز أن يكون أجره مبلغاً مقطوعاً؛ لأن اشتراط مبلغ مقطوع للعامل أو للشريك محرم بالإجماع.
قال ابن المنذر: «وأجمعوا على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة» (١).
وقال ابن تيمية: «لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه ﷺ من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لرب المال زرع بقعة بعينها .... فإن مثل هذا لو شرط في المضاربة لم يجز؛ لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلاً، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان» (٢).
وإن قلنا: إن مجلس الإدارة لا يساهم، فإما أن يكون أجره نسبة من الربح، أو يكون أجره مكافأة.
فإن كان أجره مكافأة معينة، فإن الشركة تكون شركة عنان بحتة؛ لأن مجلس الإدارة حينئذ يعمل بالوكالة عن جميع الشركاء، فالشركاء دفعوا المال، وقاموا بالعمل أيضاً عن طريق استئجار مجلس الإدارة.
ولم يصح أن يكون عمل مجلس الإدارة مضاربة؛ لأن عملهم حينئذ من قبيل التوظيف، وليس من قبيل
стр. 6024
المشاركة، حيث لا يتحمل المجلس أي خسارة للشركة، ولا يناله أي ربح فيها.
وإن كان مجلس الإدارة يأخذ أجره نسبة من ربح المساهمين، فهذه شركة مضاربة، ولا توجد شركة عنان؛ لأن عمله في الشركة يأخذ طابع المشاركة في الربح والخسارة. وممن قال بهذا القول الشيخ صالح بن زابن المرزوقي (١)، والشيخ خالد المشيقح (٢)، والقول الأخير للشيخ وهبة الزحيلي (٣).
القول الرابع:
أن شركة الأموال تعتبر من الشركات الحديثة التي لم يتناولها الفقهاء المتقدمون بالدراسة والتحقيق؛ لأنها لم تكن معروفة في عهدهم، مما يجعلها محل اجتهاد المتأخرين.
والدليل على أنها نوع جديد لم يكن معروفاً أن الشركات التي ذكرها الفقهاء من شركة المضاربة، والعنان، والوجوه، والمفاوضة، والأبدان تكاد تتفق على اعتبار شخصية الشريك، بخلاف شركات الأموال (الشركات المساهمة) والتي لا يكون للشريك فيها، وشخصيته أي اعتبار، بل يكون قيامها على المال فقط، فتطرح أموالها على الجمهور، ويستطيع أن يحصل عليها كل من يقدر على دفع قيمتها، ويكون اهتمام الشركة موجهاً إلى جمع رأس المال اللازم لها، دون بحث في شخصية الشركاء (٤).
стр. 6025
وكونها تشبه من بعض الوجوه شركة المضاربة، أو شركة العنان، فإن هذا الشبه من بعض الوجوه لا يعني أنها مطابقة لها من كل الوجوه؛ لأن التشابه بين الشركات في بعض الخصائص قائم حتى في تلك الشركات القديمة، فمن المعلوم أن بعض خصائص شركة العنان مشابهة لخصائص شركة المضاربة، ولم يجعل الفقهاء هذه الشركات شركات واحدة، ولا يعلم دليل شرعي يربط مشروعية الشركات الحديثة بكونها مشابهة للشركات القديمة المذكورة في كتب الفقهاء، بل القاعدة الشرعية تنص على أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه منها (١).
وهذا القول ليس فيه تكلف، وينسجم مع القول بجواز إحداث عقود وشروط جديدة إذا كانت خالية من المحظور الشرعي.
* * *