هذه تقريباً خصائص الأسهم (١).
ثالثاً: حقوق السهم:
حقوق السهم هي حقوق مالكه، ومن هذه الحقوق:
١ - حق المساهم في الحصول على نصيبه من الربح.
٢ - حق المساهم في توجيه ومراقبة نشاط الشركة، ويتمثل فيما يلي:
(أ) حق مراجعة ميزانية الشركة، وحساب الأرباح والخسائر، وتقارير مجلس إدارة الشركة.
(ب) حق طلب الأمر بالتفتيش على الشركة إذا تبين من تصرفات مجلس الإدارة أو مراقب الحسابات الداخلي ما يدعو إلى الريبة.
(ج) حق رفع دعوى مسئولية على أعضاء مجلس الإدارة.
(د) حق التصويت في الجمعية العمومية، وهو سبيل المساهم إلى الاشتراك في إدارة الشركة، ويجوز له التنازل عنه لغيره.
٣ - حق المساهم في الحصول على نصيبه من موجودات الشركة عند تصفيتها.
٤ - حق البقاء في الشركة، فلا يحق لأحد إلزام المساهم بالبقاء في الشركة، ولا يملك أحد طرده منها دون ارتكاب ما يستوجب ذلك نظاماً.
٥ - حق الأولوية في الاكتتاب في الأسهم الجديدة.
المبحث الثاني
أنواع الأسهم وبيان حكم كل نوع
الفرع الأول
أقسام الأسهم من حيث طبيعة الحصة التي يدفعها الشريك
تنقسم الأسهم إلى أنواع مختلفة بحسب الوجهة التي تتخذ أساساً للتقسيم:
فمن حيث الحصة التي يدفعها الشريك تنقسم الأسهم إلى:
أسهم نقدية - وأسهم عينية.
(أ) أسهم نقدية، وهي التي يدفع المساهم قيمتها نقداً.
[م-١٢٥٣] وقد أجمع الفقهاء على جواز أن تكون حصص الشركاء من الأثمان (الدراهم والدنانير) ويقاس عليها النقود الرائجة:
قال ابن قدامة: «ولا خلاف في أنه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير، فإنها قيم الأموال، وأثمان المبيعات، والناس يشتركون بها من لدن النبي ﷺ إلى زماننا من غير نكير» (١).
وجاء في أسنى المطالب: «وتجوز الشركة في الدراهم والدنانير بالإجماع» (٢).
стр. 6059
وقال في الجوهرة النيرة: «ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة ... » (١).
(ب) أسهم عينية: وهي الأسهم التي تمثل حصصاً عينية في رأس مال الشركة، مثل العقارات، والمصانع، والآلات، والاسم التجاري، وبراءة الاختراع).
[م-١٢٥٤] وقد اختلف الفقهاء المتقدمون في جواز أن يكون رأس مال الشريكين أو أحدهما من العروض على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا تصح المشاركة بالعروض مطلقاً، سواء أكانت من المثليات أم من القيميات، وسواء أكانت من الطرفين أم من أ حدهما، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف (٢)، والمشهور من المذهب عند الحنابلة (٣)، واختيار ابن حزم (٤).
جاء في العناية شرح الهداية: «ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة» (٥).
стр. 6060
وجاء في الروض المربع: «ويشترط لشركة العنان والمضاربة أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين؛ لأنهما قيم الأموال، وأثمان البيعات فلا تصح بعروض» (١).
القول الثاني:
تصح الشركة في العروض، مثلية كانت أو قيمية، اتفقت جنساً أم اختلفت، على أن تكون قيمتها المتفق عليها يوم العقد هي رأس مال الشركة.
وهذا القول قد اختاره من الحنفية ابن أبي ليلى (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، ورواية في مذهب الحنابلة، اختارها أبو بكر الخلال، وأبو الخطاب، وصوبه في الإنصاف، ورجحه ابن تيمية (٤).
جاء في تهذيب المدونة: «ولا بأس أن يشتركا بعرضين مختلفين أو متفقين، أو طعام وعروض على قيمة ما أخرج كل واحد منهما يومئذ» (٥).
стр. 6061
القول الثالث:
تصح الشركة بالعروض بشرط أن تكون مثلية، كالحبوب، والأدهان، ولا تصح الشركة بالعروض إن كانت متقومة، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (١)، والأظهر عند الشافعية (٢).
جاء في مغني المحتاج: «وتصح الشركة في كل مثلي، أما النقد الخالص فبالإجماع ..... وأما غير النقدين من المثليات كالبر، والشعير، والحديد فعلى الأظهر؛ لأنه إذا اختلط بجنسه ارتفع التمييز فأشبه النقدين .... » (٣).
وانظر أدلة الأقوال في عقد الشركة فقد ذكرتها هناك، وبينت أن الراجح صحة عقد الشركة في العروض مطلقاً إلا أن الشركة فيها لا تتم إلا بعد تقويمها، والاتفاق على القيمة، ثم تصبح القيمة هي محل الشركة، وإذا لم يتم الاتفاق على القيمة لم تنعقد.
стр. 6062
الفرع الثاني
أنواع الأسهم من حيث الشكل والتداول
تنقسم الأسهم من حيث الشكل والتداول إلى:
أسهم اسمية، وأسهم لحاملها، وأسهم لأمر.
(أ) الأسهم الاسمية: وهو السهم الذي يسجل فيه اسم صاحبه، وجنسيته على وجه الصك، وتثبت ملكيته له بقيد أسهمه في سجل المساهمين بالشركة.
الحكم الفقهي لهذا النوع من الأسهم:
[ن-١٤٨] لما كان السهم جزءاً من شركة المساهمة، كان القول بجواز الأسهم العادية راجعاً إلى القول بجواز شركة المساهمة، وقد بينت فيما سبق الخلاف في هذه المسألة، ويكاد يكون القول بالتحريم قولاً مهجوراً، إلا أن تكون الشركة المساهمة قد تطرق إليها التحريم لأمر آخر، كما لو كان الغرض من الشركة غير مشروع، أو كان لها ممارسات محرمة تدخل عليها كسباً غير مشروع، فحينئذ يكون القول بتحريمها له ما يبرره.
(ب) أسهم لحاملها. وهو صك لا يحمل اسم المساهم، وإنما يذكر فيه أن السهم لحامله، ويحمل رقماً مسلسلاً.
حكم إصدار الأسهم لحاملها:
[ن-١٤٩] اختلف العلماء في حكم إصدار الأسهم لحاملها على قولين:
القول الأول:
لا يجوز، وهذا قول عامة الباحثين المعاصرين (١)، حتى حكي الإجماع على
стр. 6063
منعه! (١)، وبه صدرت توصيات ندوة الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية المنعقدة بالرباط (٢).
قال الدكتور عطية فياض: «وأما الأسهم لحامليها فقد ذهب الفقهاء المعاصرون إلى عدم جوازها ... » (٣).
وقال الدكتور خورشيد إقبال: «وهو رأي غالبية العلماء المعاصرين» (٤).
القول الثاني:
يجوز، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٥).
стр. 6064
وبه صدرت توصيات الندوة الثانية للأسواق المالية المنعقدة بالبحرين (١)، ورجحه بعض الباحثين (٢).
تعليل القائلين بالمنع:
التعليل الأول:
أن عدم كتابة اسم صاحب السهم يؤدي إلى الجهل بالشريك، وبالتالي يفضي إلى النزاع والخصومة. والشرع يقطع كل ما يؤدي إلى ذلك، بل اعتقد بعضهم أن الجهل المحيط بالشريك الذي لا يتم التعاقد إلا به، ولا ينعقد الإيجاب والقبول إلا عن طريقه، وبه تكون الشركة أو لا تكون، وعن طريقه يتم تعيين مجلس الإدارة وعزلهم، أن الجهل بهذا الشريك يعتبر من الغرر الفاحش المفسد للعقد (٣).
ويناقش من أربعة وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم أن الشريك مجهول، وذلك لأن الاكتتاب في الأسهم إنما يكون بالتوقيع على نشرة الاكتتاب المشتملة على بعض البيانات، ومنها اسم الشريك، والسهم إنما يصدر في وقت لاحق بعد إنهاء إجراءات الاكتتاب، وما يرتبط بذلك من تخصيص الأسهم ونحوه، وهذا المعنى يرفع جهالة الشريك، ثم إذا
стр. 6065
سلم السهم للشريك بعد ذلك، وباعه لغيره، فإنه يكون أيضاً معروفاً لديه، وهذا يرفع جهالة الشريك أيضاً، كما أن حمل الصك وسيلة لمعرفة الشريك، فيعرف أنه شريك بكونه حاملاً له، فصار الشريك معروفاً على كل حال.
الوجه الثاني:
لا يلزم من عدم تدوين اسم الشريك في سجلات الشركة كون الشريك مجهولاً، فإن هذا المعنى موجود أيضاً في الأسهم لأمر؛ لكون بائعها يحولها باسم المشتري الجديد دون أن يشعر الشركة بذلك، فهو أيضاً غير معلوم لديها، وقد قلتم بجوازها (١).
الوجه الثالث:
على التسليم بأن الشريك مجهول، فإن طبيعة شركة الأموال قائمة على المال، وليس هناك اعتبار للأشخاص، ولذلك يدخل الشريك بدون موافقة الشركاء، بل وبدون معرفتهم، ويخرج من الشركة بدون رضاهم، فلا مانع من الجهل بالشريك؛ لأن أساس شركة الأموال لم يقم على اعتبار معرفة شخص الشريك، ولا رضاه، فلا ضير إذا لم تعرف عينه.
الوجه الرابع:
بعض الأنظمة لا تجعل لمالكي مثل هذه الأسهم من هذا النوع حقاً في التصويت على قرارات الجمعيات العامة للشركة، وبالتالي لا يؤدي جهالة الشريك إلى ضياع مثل هذا الحق الإداري، وليس المالي، لأنه لم يثبت هذا الحق في الأصل لهذا الشريك. وسيأتي مزيد نقاش حول هذه النقطة.
стр. 6066
التعليل الثاني:
أن عدم تحديد المساهم قد يؤدي إلى إضاعة الحقوق إذا سرقت هذه الأسهم أو ضاعت؛ حيث يكون حاملها هو المالك لها في مواجهة الشركة، ومن ثم يكون شريكاً بدون سبب صحيح، وفي هذا إهدار لحقوق العباد وضرر واقع بهم، ولا شك أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
ويناقش:
بأن الأصل والظاهر أن الشريك هو حامل السهم، وكونه قد يستولي على السهم غير الشريك عن طريق السرقة أو الغصب أو الضياع لا يلتفت إليه؛ لكونه خلاف الأصل والظاهر، وليس هذا خاصاً بالأسهم فإن جميع الأملاك التي ليس عليها ما يثبت ملكيتها إذا سرقت، أو غصبت، فإن غاصبها، أو سارقها، إذا لم يعلم كونه غاصباً، أو سارقاً يكون مالكاً لها في الظاهر، ومع ذلك لم يقل أحد بوجوب كتابة اسم المالك على أملاكه حفاظاً على الحقوق. وإذا تقدم أحد لدى الشركة، وادعى أن السهم له، وأقام بينة على ذلك عمل بالبينة، ولكن ليس قبل ذلك؛ لأن الأصل أن اليد دليل الملك.
وعلى التسليم بوجود مثل هذا الاحتمال، فإن هذا لا يرجع إلى ذات السهم، فيمكن معالجة مثل ذلك باتخاذ بعض الإجراءات التي تمنع وقوع مثل هذه المفسدة، كاشتراط إظهار فاتورة الشراء عند تبادل السهم بالبيع.
التعليل الثالث:
أن عدم معرفة المساهم قد يؤدي إلى وجود حصص لا يوجد ملاك لها عند تصفية الشركة فيما لو ضاعت الأسهم أو لم تقدم.
стр. 6067
ويناقش:
بأن هذا الأمر مع أنه أمر محتمل، وليس متيقناً، إلا أنه لا يعود بالتحريم على تملك مثل هذه الأسهم، فإن ضياع الأموال ليس خاصاً بالأسهم، فقد يجد الرجل مالاً، ولا يتمكن من معرفة صاحبه، وتنزل عليه أحكام اللقطة، ولم يوجب مثل هذا الاحتمال كتابة اسم المالك على كل مال خشية أن يوجد مال لا يعرف مالكه.
التعليل الرابع:
أن جهالة الشريك قد تؤدي إلى جهالة أهليته، فيحتمل أن يكون حامله فاقد الأهلية، فيكون شريكاً، وفاقد الأهلية لا يصح اشتراكه بنفسه.
ويناقش:
بأننا قد ناقشنا جهالة الشريك في التعليل الأول، ومع ذلك فإن الأحكام التكليفية مرتبطة بالعلم، فمتى علمنا أن الشريك فاقد للأهلية فإنه لا يقبل منه؛ لأنه يشترط أن يكون الشريك أهلاً للتصرف، وقبل العلم بذلك لا تكليف.
التعليل الخامس:
بعض الأنظمة لا تجعل لمالكي (الأسهم لحاملها) حقاً في التصويت على قرارات الجمعيات العامة للشركة، وهذا لا يجوز؛ لأن الأصل المساواة بين أصحاب الأسهم في الحقوق، ومنها حق التصويت.
ويناقش:
بأن الفقهاء المعاصرين قد اختلفوا في جواز تخصيص بعض المساهمين بالتصويت، أو إعطاء بعضهم أكثر من صوت وهو ما يسمى بـ (الصوت المتعدد)، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، والذي أميل إليه أن ذلك لا يقدح في جواز
стр. 6068
إباحة السهم لحامله، خاصة إذا كان الحامل على ذلك غرضاً صحيحاً يتعلق بكيفية إدارة الشركة، وكان ذلك منصوصاً عليه في نظام الاكتتاب، وبعيداً عن المحاباة والاستغلال، وقد دخل الشريك على بينة بطبيعة السهم لحامله، وعرف ما يعطيه من الحقوق، وما يمنعه منها.
وجه من قال: يجوز إصدار الأسهم لحاملها:
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، رقم ٦٥/ ١/٧ ما نصه: «بما أن المبيع في السهم لحامله هو حصة شائعة في موجودات الشركة، وأن شهادة السهم هي وثيقة لإثبات هذا الاستحقاق في الحصة، فلا مانع شرعاً من إصدار أسهم في الشركة بهذه الطريقة وتداولها» (١).
وقال الشيخ مبارك آل سليمان: «الذي يترجح لي - والله أعلم - القول بالجواز، وذلك أن الصك لا يعدو أن يكون وثيقة لإثبات الحق، ولما كانت الكتابة في أصلها غير واجبة شرعاً لم يلزم إذا وجدت أن تلزم صفة بعينها.
ومع ذلك فإن الأولى عدم إصدار هذا النوع من الأسهم، لما قد يؤدي إليه من المحاذير المذكورة من استيلاء غير مالكها عليها، مع عدم قدرة المالك على إثبات حقه، وبخاصة أنه قد لا يعلم غاصبه، أو سارقه بعينه حتى يقيم عليه الدعوى، ولكن التحريم حكم شرعي، لا يصار إليه إلا بدليل واضح، والله أعلم» (٢).
стр. 6069
وهذا هو الراجح؛ لأن أدلة القائلين بعدم جواز الأسهم لحاملها لا تعود إلى الأسهم، وإنما لما قد تجره من مشكلات، ومنازعات، وأرى أن هذه الأسهم لو كانت تصدر بأرقام تسلسلية، وكان تبادلها مصحوباً بورقة بفاتورة، أمكن معرفة السارق، أو الغاصب، وبالتالي لا يكون هناك تحفظ من جواز إصدارها، وتداولها، والله أعلم.
(ج) أسهم لأمر: وهو السهم الذي يصدر لأمر، أو لإذن شخص معين، إذ ترد عبارة الأمر أو الإذن مقرونة باسم صاحب السهم، ويتم تداوله بالتظهير. أي الكتابة على ظهر السهم بما يفيد انتقال الملكية إلى المظهر إليه.
وهذا النوع نادر الوقوع، وكذلك نادر في التشريعات حيث لم تتناوله أكثرها (١).
الحكم الفقهي لهذا السهم:
[ن-١٥٠] ذهب عامة العلماء المعاصرين إلى جواز إصدار مثل هذا السهم، وندرة إصداره لا تمنع جوازه شرعاً.
وحجتهم في ذلك:
أن هذا السهم في حقيقته يلحق بالأسهم الاسمية، لكونه يحدد اسم مالكه حتى بعد تظهيره، وإذا لم يحدد في التظهير اسم من انتقل إليه يبقى السهم على ملكية الأول حتى ولو حازه الثاني، وإذا كان الشأن كذلك فإن صاحب السهم يبقى معروفاً على كل حال، فالجهالة منتفية، كما لا يخشى عليه من الضياع، ولا من السرقة، ولا يؤدي تداوله إلى الوقوع في الخصومات.
стр. 6070
ويرى بعضهم أنها غير جائزة؛ لأنها تصدر سائبة لغير مالك معين يتأتى منه تظهيرها (١).
والصحيح القول بالجواز؛ لأن الشريك الأول كان معروفاً لدى الشركة، وقد أجازت له حق نقل أسهمه عن طريق التظهير من خلال النظام التأسيسي لها، ثم تخلى هذا الشريك عن حقه، وقام بنقل ملكية السهم إلى شريك آخر حسب الشروط المتفق عليها، والمسلمون عند شروطهم، فلا مانع شرعاً من جوازه، ولأن باقي الشركاء قد ارتضوا شركة الثاني بموافقتهم على نظام الشركة الذي يبيح مثل ذلك.
* * *
стр. 6071
الفرع الثالث
أنواع الأسهم من حيث الحقوق
تنقسم الأسهم من حيث الحقوق التي تعطيها لصاحبها إلى:
(أ) أسهم عادية، وهي التي تتساوى في قيمتها، وتخول المساهمين حقوقاً متساوية، ولا يتقرر لها امتياز خاص على غيرها من الأسهم، سواء عند توزيع أرباح الشركة، أو عند قسمة صافي موجوداتها، وكذلك عند التصويت في الجمعيات العامة للشركة.
[ن-١٥١] ولا يختلف العلماء القائلون بجواز شركة المساهمة بشرعية مثل هذه الأسهم ما دامت تمثل شركة مباحة قامت من أجل غرض مباح، ولا تتعامل بالربا إقراضاً، أو اقتراضاً، ولا في المحرمات بيعاً، وشراء (١).
(ب) أسهم ممتازة: وهي الأسهم التي تختص بمزايا لا تتمتع بها الأسهم العادية.
وتتنوع هذه المزايا إلى قسمين:
(أ) مزايا مالية: كحق الأولوية في الحصول على الأرباح، أو الحصول على نسبة أعلى في الربح، أو استيفاء فائدة سنوية ثابتة، سواء ربحت الشركة أم خسرت، ومنها حق استعادة قيمة الأسهم بكاملها عند تصفية الشركة قبل إجراء القسمة بين سائر المساهمين، والحامل على ذلك، أن الشركة قد ترغب في
стр. 6072
زيادة رأس مالها، فتعطي الأسهم الجديدة امتيازات لا تتمتع بها الأسهم القديمة، لتغري الجمهور بالاكتتاب بها.
(ب) مزايا غير مالية. كأن يكون للسهم الممتاز أكثر من صوت واحد في الجمعية العمومية.
حكم هذه الأسهم من الناحية الفقهية:
[ن-١٥٢] قبل استعراض حكم هذه الأسهم، نعرض لأقوال الفقهاء في تفاضل بعض الشركاء على بعض في مقدار الربح في شركة العنان، فقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول:
لا مانع من تفاضل بعض الشركاء على بعض في مقدار الربح، سواء تساويا في رأس المال، أو تفاضلا فيه. وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وجه القول بالجواز:
أن الربح لا يتعلق برأس المال وحده كالخسارة، وإنما يتعلق بالمال
стр. 6073
والعمل، فالربح كما يستحق بالمال يستحق بالعمل أيضاً بدليل أن العامل في المضاربة يستحق الربح مقابل عمله.
ولأن بعض الشركاء قد يكون أحذق من بعض وأعرف بوسائل التجارة فيستحق زيادة في الربح على ربح صاحبه.
القول الثاني:
الربح والخسارة بقدر المالين، وتفسد الشركة بشرط التفاوت، وهذا رأي زفر من الحنفية، ومذهب المالكية، والشافعية، واختيار ابن حزم (١).
إلا أن المالكية جعلوا الربح والعمل على قدر المال، فإذا كان سهمه في الشركة الثلث كان عليه من العمل مقدار الثلث، وله من الربح مقدار الثلث، وجعل الشافعية الربح فقط على قدر المال، وإن تفاوتا في العمل.
وجه هذا القول:
أن الربح نماء المال فتكون قسمته على قدر المال، ولا يجوز التفاضل فيه.
وللقياس على الخسارة، فإذا كانت الوضيعة على مقدار المال بالاتفاق فلا يتحمل الشريك خسارة أكثر من مقدار نصيبه في الشركة، فكذلك لا يستحق من الربح أكثر من مقدار ماله.
ويناقش:
يقال للمالكية: إذا جاز أن يتفاوتا في الشركة في المال، جاز أن يتفاوتا في
стр. 6074
العمل، فالشركة تقوم على مجموعي المال والعمل، وكلاهما يعتبر مالاً له قيمته، فالقول بأن العمل يجب أن يكون على قدر المال لم يقم دليل على اعتباره، والأصل القول بالجواز، فما جاز في مال الشركة جاز في العمل.
ويقال للشافعية: إذا جاز التفاوت في العمل عندكم جاز التفاوت في الربح أيضاً، وإن تساويا في المال، لأن الربح كما يستحق بالمال يستحق بالعمل أيضاً فالعامل في عقد المضاربة يستحق نصيبه من الربح بسبب عمله، فدل على جواز التفاوت في الربح وإن تساويا في المال، والله أعلم.
وأما القياس على الخسارة فهو قياس غير صحيح؛ لأن الخسارة عبارة عن نقصان رأس المال؛ لأنها اسم لجزء هالك من المال فتقدر الخسارة بحسب نصيب كل واحد منهما في هذا المال بخلاف الربح، فإنه لم يتعين أن يكون نماء للمال وحده، فقد يكون نماء للعمل أيضاً، والله أعلم.
الترجيح:
الراجح أن الربح بالشركة على ما اصطلحا عليه، ولا مانع من التفاوت فيه، والله أعلم.
[ن-١٥٣] إذا علم ذلك فإن الأسهم الممتازة ممكن تقسيمها من حيث الحكم الفقهي إلى ثلاثة أقسام:
قسم جائز بالاتفاق.
وقسم ممنوع بالاتفاق.
وقسم مختلف فيه.
أما القسم الجائز بالاتفاق:
فهو إعطاء امتياز لأصحاب الأسهم القدامى، بأن يكون لهم حق الأولوية في
стр. 6075
الاكتتاب في الأسهم الجديدة؛ لأنهم الشركاء الأولون، وهم أولى من غيرهم بأن تظل الشركة منحصرة فيهم، بل ولا يصح أصلاً أن تصدر أسهم جديدة إلا بموافقتهم في الجمعية العمومية (١).
وأما القسم الممنوع بالاتفاق:
فهو إعطاء فائدة سنوية ثابتة محسوبة كنسبة مئوية من رأس المال المدفوع، سواء ربحت الشركة أو خسرت، أو إعطاؤهم نسبة ثابتة من الأرباح يأخذها أصحاب الأسهم الممتازة أولاً، ثم توزع باقي الأرباح على الأسهم جميعاً بما فيها الأسهم الممتازة. فهذا الفعل غير جائز بإجماع المسلمين لما في هذه الزيادة من الظلم.
وجه كون هذه الزيادة ظلماً ما يلي:
أولاً: أن هذه الزيادة لا يقابلها شيء.
ثانياً: يحتمل ألا تربح الشركة غير هذه النسبة، فيكون في ذلك ضرر على المساهمين الآخرين، وظلم لهم.
ثالثاً: أن الشركة تقوم على المخاطرة، والمشاركة في الغنم والغرم على قدر الحصص، فإذا ضمن لهم نصيب معين، أو خسرت الشركة وتحمل الخسارة أصحاب الأسهم العادية وحدهم كان في ذلك ظلم ظاهر، فظهر بهذا أن هذا الامتياز مناف لمقتضى عقد الشركة في الإسلام.
ومثل هذا في الحكم أي امتياز مالي يعطى لأصحاب الأسهم الممتازة، كما لو أعطوا الأولوية في الحصول على الأرباح دون بقية الشركاء، وكذلك أسبقية
стр. 6076
الحصول على قيمة الأسهم الممتازة من الشركة عند تصفيتها؛ لأنه ليس لأصحاب الأسهم الممتازة أي زيادة مال أو عمل، أو ضمان يستحقون به هذا الاختصاص المالي (١).
وأما القسم المختلف فيه:
فهو في منح صاحب الأسهم الممتازة مزايا غير مالية، كمنحهم أكثر من صوت في الجمعية العامة للشركة، فقد اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول:
ذهب عامة الباحثين المعاصرين إلى القول بالتحريم (٢).
وجه القول بالتحريم:
الوجه الأول:
أن استحواذ أقلية من المساهمين على أغلبية الأصوات في الجمعية العامة أمر
стр. 6077
لا يخلو من الضرر، حيث يتحكم هؤلاء في فرض رأيهم على الشركة، وتغيير مجريات الأمور فيها، وهو أمر مرفوض شرعاً.
ويجاب عنه:
بأن هذا المعنى موجود أيضاً في إعطاء المساهم أصواتاً بعدد الأسهم التي يمتلكها، فإنه يؤدي إلى تحكم أقلية في قرارات الشركة، وهم الذين يملكون الأسهم الكثيرة، فلتقولوا بعدم الجواز، وإلا لزمكم التناقض.
الوجه الثاني:
طالما أن رأس مال الشركة يتجزأ إلى أسهم متساوية القيمة، فيجب أن تكون هذه الأسهم متساوية فيما لها من حقوق، وما عليها من واجبات.
وأجيب على هذا بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
لا نسلم أن التصويت من الحقوق ا لتي تجب التسوية فيها، بل هو في الأصل من الأمور الإجرائية التي تتعلق بكيفية إدارة الشركة، والترجيح بين الآراء المختلفة.
الجواب الثاني:
على التسليم أن التصويت من الحقوق؛ فإن مقتضى القول بوجوب التساوي في الأصوات يلزم منه أن يقولوا بوجوب التساوي بينهم في الأصوات بحسب الرؤوس، لا بحسب عدد الأسهم، إذ هو مقتضى وجوب التساوي في الحقوق، وهم لا يقولون به؛ ذلك أن إعطاء بعض المساهمين ألف صوت مثلاً، وبعضهم مائة صوت بالنظر إلى عدد الأسهم التي يملكونها ليس فيه مساواة في الحقوق على الحقيقة، بل هو مفاضلة بينهم في الحقوق بناء على التفاضل بينهم في عدد
стр. 6078
الأسهم التي يملكونها، كما فوضل بينهم في الأرباح لتفاضلهم في ذلك، فليكن بينهم تفاضل في الأصوات بناء على تفاوتهم في الخبرة والدراية (١).
الجواب الثالث:
أن إصدار مثل هذه الأسهم لا يؤدي في حقيقته إلى إخلال بقاعدة المساواة بين الشركاء، طالما كان التفاوت بينهم يرجع إلى أنواع الأسهم، وليس الشركاء في السهم من النوع الواحد، بمعنى أن الشركة لا تقصر حق الاكتتاب في الأسهم الممتازة على أشخاص معينين، وإنما ينص مقدماً في نظام الشركة على أنها تتضمن نوعين من الأسهم، وتضع مقدماً مزايا وشروط كل نوع، ولكل مكتتب أن يختار ما يشاء من الأسهم بشرط أن يؤدي قيمة ما اكتتب فيه، ولا يجوز للشركة أن تصدر أسهمها إلا إذا كان نظامها يبيح ذلك (٢).
القول الثاني:
ذهب بعض أهل العلم إلى القول بالجواز، وأنه لا مانع من منح بعض الأسهم الممتازة أكثر من صوت في الجمعية العمومية، اختار ذلك الدكتور علي محيي الدين القره داغي (٣).
وصوبه الشيخ مبارك آل سليمان، واشترطا أن يكون هذا الامتياز منصوصاً عليه في نظام الاكتتاب، وبعيداً عن الاستغلال، وزاد الشيخ مبارك: وأن يكون صاحبه معروفاً بسداد الرأي، أو الخبرة في المجال المرتبط بنشاط الشركة، ونحو ذلك (٤).
стр. 6079
وحجتهم:
أن هذا الامتياز لا يعود إلى الجوانب المالية، وإنما يعود إلى الجوانب الإدارية، والإشراف على العمل الذي يتحكم فيه الاتفاق، وليس فيه أي مخالفة لنصوص الشرع، ولا لمقتضى عقد الشركة.
ونص قرار مجمع الفقه الإسلامي على جواز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالأمور الإجرائية، أو الإدارية.
جاء في قرار المجمع: «لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال، أو ضمان قدر من الربح، أو تقديمها عند التصفية، أو عند توزيع الأرباح، ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالأمور الإجرائية، أو الإدارية» (١).
وجاء في توصيات الندوة الثانية للأسواق المالية المنعقدة في البحرين، في الفترة ما بين ١٩ - ٢١ جمادى الأولى ما نصه:
«لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال، أو ضمان قدر من الربح، وذلك بتقديمها عند التصفية، أو تحديد ربح لأصحابها بصورة ثابتة منسوبة للسهم.
وأما إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالتصويت ونحوه من الأمور الإجرائية أو الإدارية، فلا مانع منه شرعاً» (٢).
وهذا ما أميل إليه، والله أعلم، والغريب أن الشركات في النظام السعودي
стр. 6080
أعطاها النظام الحق في إصدار أسهم ممتازة في الحقوق المالية، ومنعها في الحقوق الإدارية، مع أن الأولى أن يكون العكس تماماً.
ففي المادة: ١٠٣/ ١، ٢ نص على أنه يحق حسب نظام الشركات للجمعية العامة إذا لم يوجد نص مانع في نظام الشركة أن تقرر إصدار أسهم ممتازة، أو أن تقرر تحويل الأسهم العادية إلى أسهم ممتازة.
وإذا كان هناك أسهم ممتازة فلا يجوز إصدار أسهم جديدة تكون لها الأولوية إلا بموافقة جمعية خاصة مكونة وفقاً للمادة (٨٦) من أصحاب الأسهم الممتازة الذين يضارون من هذا الإصدار، وبموافقة جمعية عامة مكونة من جميع فئات المساهمين، وذلك ما لم ينص نظام الشركة على غير ذلك، ويسري هذا الحكم أيضاً عند تعديل، أو إلغاء حقوق الأولوية المقررة للأسهم الممتازة.
وجاء أيضاً في المادة (١٠٣): «يجوز أن ترتب الأسهم الممتازة لأصحابها أولوية في قبض ربح معين، أو أولوية في استرداد ما دفع من رأس المال عند التصفية، أو أولوية في الأمرين معاً، أو أية مزية أخرى .....
ولا يجوز إصدار أسهم تعطي أصواتاً متعددة».
* * *
стр. 6081
الفرع الرابع
تقسيم الأسهم من حيث الاستهلاك وعدمه
تنقسم الأسهم من حيث الاستهلاك وعدمه إلى قسمين:
(أ) أسهم رأس المال:
وهي الأسهم التي يقدمها المساهم للشركة، ولا تعود إليه إلا عند فسخ الشركة، أو انقضائها بأي سبب من أسباب الانقضاء.
[ن-١٥٤] وهذا النوع جائز شرعاً من حيث المبدأ، فهو الأصل والقاعدة في الشركات، وقد استقر الاجتهاد الفقهي المعاصر على جوازها بالشروط التي سوف نذكرها في حكم تداول الأسهم، والله أعلم (١).
(ب) أسهم تمتع:
وهي الأسهم التي تعطى للمساهم بعد رد القيمة الاسمية لأسهمه في أثناء قيام الشركة.
ويسمى رد قيمة الأسهم الاسمية لصاحبها بالاستهلاك، أو إطفاء الأسهم (٢).
стр. 6082
وتعود قيمة الأسهم إلى المساهم إما تدريجياً، أو مرة واحدة إلى أن يسترد جميع ما دفعه من أسهم أثناء قيام الشركة.
ولا يكون استهلاك الأسهم إلا من الأرباح، أو من الاحتياطي، ولا يجوز أن يكون الاستهلاك من رأس المال إذ يجب أن يكون رأس المال كاملاً لضمان حقوق الدائنين.
ولا يتم الاستهلاك إلا إذا كان منصوصاً عليه في نظام الشركة، أو تقره الجمعية العامة غير العادية لما لها من حق في تعديل نظام الشركة، فلها أن تنص على استهلاك الأسهم ولو لم يكن منصوصاً عليه في نظام الشركة (١).
الحامل على الاستهلاك:
الأصل أن الأسهم لا تستهلك ما دامت الشركة قائمة؛ لأن من حق الشريك البقاء في الشركة إلا أن الاستهلاك قد يكون حتمياً كما لو كان مشروع الشركة يهلك تدريجياً، أو يقوم على حقوق مؤقتة.
فيحدث الاستهلاك مثلاً:
(أ) إذا كانت موجودات الشركة مما يستهلك بالاستعمال بعد مدة من الزمن،
стр. 6083
كأن يكون موضوع الشركة استغلال منجم، أو محجر، أو سفن بحرية بحيث يفنى المنجم، أو المحجر، أو تبلى السفن.
(ب) إذا كان مشروع الشركة يقوم على حقوق مؤقتة، كما إذا كانت حاصلة على امتياز حكومي تؤول بانتهائه جميع منشآتها إلى الدولة، مثل شركات الكهرباء والبترول والماء وسكك الحديد (١).
الطرق التي يتم بها عملية الاستهلاك:
يتم الاستهلاك بطرق منها:
(أ) الاستهلاك الشامل، وذلك باستهلاك جميع الأسهم استهلاكاً تدريجياً، وذلك بأن يرد إلى المساهمين كل سنة جزء من القيمة الاسمية حتى تستهلك جميعها عند انتهاء الشركة.
(ب) الاستهلاك الجزئي. وذلك يكون بطريق القرعة السنوية لعدد من الأسهم، فترد على ملاك هذه الأسهم قيمة أسهمهم الاسمية.
(ج) الاستهلاك بشراء الشركة لأسهمها، وإعدامها (٢).
стр. 6084
ما يترتب على الاستهلاك:
خروج المساهم الذي تستهلك أسهمه من الشركة، وانقطاع علاقته بها، ويجوز أن يعطى المساهم الذي يستهلك سهمه سهم تمتع يخوله حقاً في الأرباح السنوية التي تحققها الشركة، وحقاً في موجودات الشركة عند تصفيتها، كما يكون له الحق في حضور الجمعية العامة للمساهمين، والتصويت على قراراتها، إلا أن إعطاء من استهلكت أسهمه سهم تمتع ليس بلازم، وإذا أعطي ذلك فلا بد أن يكون ما يأخذه صاحب سهم التمتع أقل مما يأخذه صاحب السهم الذي لم يستهلك (١).
أوجه الشبه والاختلاف بين أسهم التمتع وبين أسهم رأس المال:
أما أوجه الشبه: فإن سهم التمتع يمنح صاحبه صفة الشريك، والحقوق المتصلة بهذه الصفة، فيعطي سهم التمتع لحامله حق التصويت في الجمعيات العامة، وحقاً في الأرباح السنوية، وحقاً في موجودات الشركة عند تصفيتها بعد استيفاء أصحاب الأسهم التي لم تستهلك حقوقهم من الشركة.
وأما أوجه الاختلاف: فهي أن نظام الشركة ينص في العادة على إعطاء أسهم رأس المال نسبة معينة من الأرباح (٥% من قيمتها مثلاً) وهو ما يسمى بالربح الثابت، ثم يوزع فائض الربح بالتساوي بين أسهم رأس المال، وأسهم التمتع.
كما أن صاحب أسهم التمتع لا يشتركون في قسمة موجودات الشركة عند حلها إلا بعد أن يستوفي أصحاب أسهم رأس المال قيمة أسهمهم، نظراً لأن القيمة الاسمية لأسهم التمتع قد دفعت من قبل (٢).
* * *
стр. 6085
المسألة الأولى
استهلاك الأسهم من الناحية الفقهية
مر معنا كما سبق أن الاستهلاك له أكثر من طريقة، والحكم يختلف تبعاً للطريقة المتبعة في استهلاك الأسهم، ونستطيع أن نقول:
[ن-١٥٥] إن كان الاستهلاك لجميع الأسهم تدريجياً بنسبة معينة من قيمة الأسهم إلى أن يتم استهلاكها جميعاً في وقت واحد، وهو ما يطلق عليه (الاستهلاك الشامل، أو الاستهلاك الكلي)، أو كان استهلاك الأسهم عن طريق اقتطاع مبلغ معين من أرباح الشركة سنوياً، وإيداعه باسم المساهمين إلى أن يبلغ قيمة الأسهم جمعياً إلى حين انتهاء الشركة، أو انتهاء امتيازها فيأخذوه، فهذا لا مانع منه؛ لأن الاستهلاك سيكون على الجميع، وبطريقة متساوية، وبهذا تتم المساواة والعدل بين جميع الشركاء، ويتم صرف الأرباح بنسبة واحدة على أن يأخذ كل مساهم نصيبه من موجودات الشركة عند التصفية. وأن ذلك يوصف شرعاً على أن ما يعطى يمثل جزءاً من الأصول، والأرباح، أو بعبارة أخرى: أن ذلك كان بمثابة تصفية جزئية مستمرة في كل سنة إلى أن تنتهي، وتنتهي معها موجودات الشركة (١).
إلا أنه في هذه الحالة لا يجوز أن يرتب على استهلاك الأسهم وجود أسهم
стр. 6086
تمتع، وإنما يبقى جميع المساهمين: مساهمين عاديين لهم كامل حقوق المساهم (١).
[ن-١٥٦] وإن كان الاستهلاك عن طريق القرعة، فقد اختلف الباحثون المعاصرون في حكم الاستهلاك بهذه الطريقة إلى قولين:
القول الأول:
لا يجوز استهلاك الأسهم بطريق القرعة، وقد أخذ بهذا القول جماعة من الباحثين (٢).
القول الثاني:
يجوز، وهو رأي الشيخ عبد الله السعيدي (٣)، والشيخ مبارك آل سليمان (٤).
دليل المانعين للاستهلاك:
الدليل الأول:
القول بأن الاستهلاك صوري لا حقيقي، وذلك أن البائع قد أخذ ثمن أسهمه من عين ماله.
стр. 6087
يقول الدكتور عطية فياض: «إن استهلاك الأسهم بالصورة التي وضحها القانون هو استهلاك صوري لا حقيقي، وذلك لأن الذي يأخذه المساهمون في مقابل أسهمهم أو في مقابل أجزاء منها هو حقهم في الربح، وليس شيئاً آخر، فهم يأخذون حقوقهم، وما يسمى في الاستهلاك لا وجود له في الحقيقة؛ لأن السهم يظل على ملك صاحبه، وليس هناك من طريق شرعية باعتباره مبيعاً أو مسقطاً، ولذلك فإن الحكم على الأسهم بالاستهلاك هو حكم قانوني، لا شرعي، وكل ما يأخذه الشركاء من الربح فهم حقهم، سواء أخذوه في صورة ربح، أو صورة من الإجراءات المستهلكة من الأسهم» (١).
ويناقش:
بأن القول بأن المساهم قد أخذ قيمة أسهمه من عين ماله قول تنقصه الدقة من وجهين:
الوجه الأول:
أن ما يأخذه المساهم، وإن كان من أرباح الشركة، إلا أنها مملوكة له، ولغيره من المساهمين، فما أخذه بعضه جزء من نصيبه من الربح، وبعضه الآخر جزء من نصيب بقية المساهمين. نعم قد يسلم لهم أن الاستهلاك صوري لو كان ما يعطى المساهم على أنه القيمة الاسمية لأسهمه بقدر نصيبه من الربح لا يتجاوزه، وقد أعطي بقية المساهمين نصيبهم من الأرباح مثله، والأمر ليس كذلك.
стр. 6088
الوجه الثاني:
على التسليم بأن ما أخذه هو نصيبه من الأرباح، فإن ذلك لا يعتبر مانعاً من الاستهلاك؛ لأن ما أخذه لم يأخذه بقية المساهمين، ومعلوم أن توزيع الأرباح في أثناء قيام الشركة غير لازم إلا برضا جميع الشركاء؛ إذ الربح وقاية لرأس المال، فإذا أعطي ذلك دونهم مقابل أن يسقط من حقه في الشركة بقدر ما أخذ كان ذلك حقيقياً، وليس صورياً.
الدليل الثاني:
أن الخشية من عدم وجود رأس مال الشركة حال انتهائها بسبب تلف الموجودات، أو انتهاء مدة امتيازها لا يكفي لجواز استهلاك الأسهم؛ لأن في ذلك إجحافاً بالشركاء الباقين الذين لم تستهلك أسهمهم، فإذا كانت المصلحة هي في استهلاك الأسهم كما تدعي الشركة، فلماذا اختص بها طائفة من الشركاء دون الآخرين، فالأصل أن يبقى السهم لأصحابه إلى أن تصفى الشركة، فيؤول إليه من موجودات الشركة عند التصفية سواء قلت، أم كثرت، أم انعدمت، أو يهبه للدولة إن شرط في نظام الشركة أنها تؤول إلى ملك الدولة.
ويناقش:
بأن الشريك قد دخل في الشركة، وهو يعلم نظام الشركة، وقد نص على أن الشركة سوف تستهلك بعض الأسهم قبل انتهائها فليس في ذلك غرر على الشريك، وما دام أن اختيار الشركاء الذين تستهلك أسهمهم سيكون عن طريق القرعة، وهي طريقة عادلة لا توجب تفضيل بعض الشركاء على بعض، لا يصح أن يقال: إن فيها تفضيلاً لبعض الشركاء على بعض.
стр. 6089
الدليل الثالث:
أن استهلاك الأسهم لا يخلو من ضرر؛ لأن الشركة إما أن تكون رابحة فيكون الضرر قد لحق بالذين استهلكت أسهمهم، أو تكون الشركة خاسرة فيكون الضرر قد لحق بباقي الشركاء ممن لم تستهلك أسهمهم. وما دام أن استهلاك الأسهم قائم على الضرر بأحد الشركاء فلا يجوز.
ويناقش:
بأن الربح أو الخسارة إذا لم يكن متعلقاً بالاستهلاك نفسه لم يعد على الاستهلاك بالتحريم؛ لأن نظام الشركة قد نص على ذلك، وهو سابق لحصول الربح والخسارة.
وفي حالة ما إذا كانت الشركة رابحة، واستهلك سهم أحد الشركاء لا يقال: إنه وقع عليه ضرر، لأن فوات الربح لا يسمى ضرراً، وقد تكون الشركة رابحة في وقت الاستهلاك، وتلحقها الخسارة فيما بعد، والعكس صحيح، فقد تكون الشركة خاسرة وقت الاستهلاك، ثم تربح فيما بعد.
وجه من قال: يجوز استهلاك الأسهم عن طريق القرعة:
الوجه الأول:
أن الاستهلاك يمكن تخريجه على أنه إقالة، أو أنه شديد الشبه بها إن لم يكنها، وأوجه الاتفاق بين الاستهلاك والإقالة: أن الغرض من الإقالة تجنب الندم والخسارة، وأن تكون بنفس الثمن، لا أقل، ولا أكثر، وثمرتها فسخ العقد. والاستهلاك من هذه الوجوه لا يختلف شيئاً عن الإقالة.
فقد تقدم لنا أن الاستهلاك يكون برد القيمة الاسمية التي دفعها، لا أقل، ولا
стр. 6090
أكثر، وجاء في القانون التجاري: «الأصل أنه إذا استهلك السهم انقطعت كل علاقة بين المساهم وبين الشركة» (١).
فإن قيل: إن كان علاقة المساهم بالشركة قد انقطعت، ورد نصيبه من الربح إلى بقية الشركاء، فما باله يناله نصيب من الربح بعد استهلاك أسهمه، وذلك بإعطائه أسهم تمتع.
فالجواب عن ذلك:
أن ذلك الاستحقاق جاء بعبارة (يجوز) وهي لا يفهم منها اللزوم، فقد يجوز الشيء استثناء، وإن كان على خلاف القاعدة والقياس، فلا يخرم القاعدة.
الوجه الثاني:
أن استهلاك الأسهم قد تم بالتراضي؛ إذ من شرطه أن يكون منصوصاً عليه في نظام الشركة، ومعلوم أن الشركاء قد تراضوا على نظامها.
الوجه الثالث:
أنه قد تم بطريقة عادلة، وهي القرعة، والقرعة طريق شرعي معتبر في القسمة.
الوجه الرابع:
أن فيه مصلحة للشركاء، إذ يستغلون فتوة الشركة وقيامها في استرجاع ما بذلوه فيها.
الوجه الخامس:
أن المعاوضة فيه عادلة، فصاحب الأسهم المستهلكة يسترد رأس ماله الذي
стр. 6091
دفعه، وبمقابلة ذلك يؤول إلى الشركاء في الشركة نصيبه في الأرباح، وفي موجودات الشركة (١).
يناقش هذا الدليل:
مع أن الشيخ عبد الله المبارك قد اتفق مع الشيخ عبد الله السعيدي على جواز الاستهلاك عن طريق القرعة، إلا أنه لم يقبل منه أن يقال: إن الاستهلاك يعني أن المساهم قد استرد رأس ماله، وأن ذلك قد تم بطريق المعاوضة بين المساهم الذي استهلكت أسهمه، وبين بقية المساهمين. وأن صلة المساهم التي استهلكت أسهمه قد انقطعت بالشركة بذلك.
فليس رأس مال المساهم يتمثل فقط في القيمة الاسمية للسهم، بل إن رأس مال المساهم يتمثل في القيمة الاسمية مضافاً إليه نصيبه من الربح والاحتياطيات. فإعطاؤه منه القيمة الاسمية إعطاء له لبعض حقه، وليس كل حقه. وعلى التسليم بأن ما أخذه هو رأس ماله (القيمة الاسمية) فأين حقه في أرباح الشركة، واحتياطياتها، فلا يصح أن يحكم بخروجه من الشركة قبل أن يستوفيه.
فإن قيل: قد رضي بإسقاطه مقابل حصوله على قيمة أسهمه، وقد كان ذلك برضاه فيكون جائزاً، ويترتب على ذلك خروجه من الشركة.
فالجواب: أن المساهم إنما رضي باستهلاك أسهمه مقابل أن يعطى سهم تمتع يخوله الحصول على نصيبه من الأرباح، ومن موجودات الشركة عند تصفيتها، فالقول بخروجه من الشركة بالاستهلاك الذي لا يسترد فيه إلا جزءاً من حقه، يتمثل فيما يعادل القيمة الاسمية لأسهمه، وهي أقل من حقه قطعاً؛ لأن
стр. 6092
الاستهلاك لا يكون إلا من الأرباح، لا من رأس المال، أقول: إن في ذلك ظلماً له، وهضماً لحقه، وفي هذا أكل للمال بالباطل، وهو محرم في شرع الله، وهذا كما قال العلماء في مسألة الصلح على الإقرار: إذا منع المقرُّ المقرَّ له من حقه حتى يضع عنه بعضه، فالصلح باطل.
الترجيح:
الذي أميل إليه هو جواز الاستهلاك، إذا كان ذلك منصوصاً عليه في نظام الشركة، وقد دخل المساهم على ذلك، إلا أن من استهلكت أسهمه لا يعتبر قد خرج من الشركة بذلك، أو انقطعت علاقته بها، وهو نفس ما رآه الشيخ مبارك آل سليمان حين مناقشته للدكتور عبد الله السعيدي، والله أعلم.
* * *
стр. 6093
المسألة الثانية
حكم إصدار أسهم التمتع
[ن-١٥٧] اختلف العلماء في حكم إصدار أسهم التمتع على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور من الباحثين المعاصرين إلى أنه لا يجوز إصدار أسهم التمتع على اختلاف بينهم في الحامل على المنع:
فبعضهم يرى أن إعطاء أسهم تمتع يؤدي إلى إعطاء المساهم ما لا يستحقه ومنهم الشيخ محمد عثمان شبير (١)، والشيخ علي القره داغي (٢)، والأستاذ أحمد محيى الدين أحمد (٣)، والشيخ عبد الله السعيدي (٤).
بينما يرى بعضهم أن إعطاء المساهم سهم تمتع يؤدي إلى حرمانه من كامل حقه، ومن هؤلاء الأستاذ عطية فياض (٥)، والشيخ صالح بن زابن المرزوقي (٦). والشيخ محمد عبد الغفار الشريف (٧).
стр. 6094
دليل من قال: لا يجوز باعتبار أنه يأخذ ما لا يستحق:
الدليل الأول:
«إذا كانت أسهم الشركة نوعين: أسهماً عادية، يبقى أصحابها ملتزمين بالتزامات الشركة، وأسهم تمتع يستهلكها أصحابها، ويتخلصون من خسارتها، فهذا لا يجوز؛ لأنه مخالف لمقتضى عقد الشركة من المساواة بين الجميع، واحتمال المخاطرة للجميع، فلا يجوز أن ينجو مساهمون من تحمل الخسارة حين يأخذون قيمة أسهمهم، ويتحمل الباقون الخسارة كلها، فهذا ظلم، وإجحاف، وضرر لا يجوز شرعاً».
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
دعوى أن ما يأخذه أصحاب أسهم التمتع إنما هو ظلم وإجحاف وضرر وبلا وجه حق دعوى غير صحيحة، بل الظلم هو في حرمان صاحب أسهم التمتع من ربح ماله وإسقاط حقه في هذا المال؛ لأن ما يجنيه صاحب أسهم التمتع إنما هو في مقابل ما بقي له من مال في الشركة، وهو أقل مما يأخذه أصحاب الأسهم التي لم تستهلك، وقد بينت ذلك عند الكلام على حكم استهلاك الأسهم فأغنى عن إعادته هنا.
الوجه الثاني:
أن القول بأن من استهلك أسهمه فقد نجا من الخسارة، وهذا مخالف لمقتضى عقد الشركة، فالجواب عنه: إن أريد أنه نجا من الخسارة مطلقاً فغير صحيح؛ لأنه قد بقي له مال في الشركة، فلو حصلت خسارة لخسر هو أيضاً هذا المال.
стр. 6095
وإن أريد أنه نجا من أن يخسر ماله الذي دخل به في الشركة في حين أن بقية المساهمين عرضة لهذه الخسارة، فإنه من نافلة القول بأن المساهم الذي تستهلك أسهمه يقل نصيبه في الخسارة كما يقل نصيبه في الأرباح بقدر ما رد إليه من ماله؛ لأن الربح والخسارة على قدر مال كل منهم، وهذا هو تمام العدل، والمساواة في الربح والخسارة؛، وقد تم ذلك الاستهلاك برضا المساهمين من خلال قبولهم لنظام الشركة، وهو حق لجميع المساهمين، إلا أنه لما تعذر استهلاك جميع الأسهم مرة واحدة كان لا بد من تعيين من تستهلك أسهمه بطريق القرعة، والقرعة طريق شرعية في القسمة (١).
الدليل الثاني:
المساهم قد استوفى من الأموال ما يساوي حصته، فلا يستحق المشاركة في الأرباح؛ لأن الربح في الشركات يستحق بأحد أسباب ثلاثة: وهي المال، والعمل، والضمان. ولا يوجد أي سبب منها في صاحب سهم التمتع.
ويناقش:
بأن السهم بعد أن عملت الشركة لم يعد يمثل فقط (قيمته الاسمية) حتى يقال: إذا استرد قيمة السهم الاسمية فقد استرد رأس ماله، بل إن رأس مال المساهم يتمثل في القيمة الاسمية مضافاً إليه نصيبه من الربح، فإعطاؤه منه القيمة الاسمية إعطاء له لبعض حقه، وليس كل حقه. وعلى التسليم بأن ما أخذه هو رأس ماله (القيمة الاسمية) فأين حقه في أرباح الشركة واحتياطياتها، فلا يصح أن يقال: إن المساهم قد استوفى من الأموال ما يساوي حصته، فلا يستحق المشاركة في الأرباح.