دفعه، وبمقابلة ذلك يؤول إلى الشركاء في الشركة نصيبه في الأرباح، وفي موجودات الشركة (١).
يناقش هذا الدليل:
مع أن الشيخ عبد الله المبارك قد اتفق مع الشيخ عبد الله السعيدي على جواز الاستهلاك عن طريق القرعة، إلا أنه لم يقبل منه أن يقال: إن الاستهلاك يعني أن المساهم قد استرد رأس ماله، وأن ذلك قد تم بطريق المعاوضة بين المساهم الذي استهلكت أسهمه، وبين بقية المساهمين. وأن صلة المساهم التي استهلكت أسهمه قد انقطعت بالشركة بذلك.
فليس رأس مال المساهم يتمثل فقط في القيمة الاسمية للسهم، بل إن رأس مال المساهم يتمثل في القيمة الاسمية مضافاً إليه نصيبه من الربح والاحتياطيات. فإعطاؤه منه القيمة الاسمية إعطاء له لبعض حقه، وليس كل حقه. وعلى التسليم بأن ما أخذه هو رأس ماله (القيمة الاسمية) فأين حقه في أرباح الشركة، واحتياطياتها، فلا يصح أن يحكم بخروجه من الشركة قبل أن يستوفيه.
فإن قيل: قد رضي بإسقاطه مقابل حصوله على قيمة أسهمه، وقد كان ذلك برضاه فيكون جائزاً، ويترتب على ذلك خروجه من الشركة.
فالجواب: أن المساهم إنما رضي باستهلاك أسهمه مقابل أن يعطى سهم تمتع يخوله الحصول على نصيبه من الأرباح، ومن موجودات الشركة عند تصفيتها، فالقول بخروجه من الشركة بالاستهلاك الذي لا يسترد فيه إلا جزءاً من حقه، يتمثل فيما يعادل القيمة الاسمية لأسهمه، وهي أقل من حقه قطعاً؛ لأن
стр. 6092
الاستهلاك لا يكون إلا من الأرباح، لا من رأس المال، أقول: إن في ذلك ظلماً له، وهضماً لحقه، وفي هذا أكل للمال بالباطل، وهو محرم في شرع الله، وهذا كما قال العلماء في مسألة الصلح على الإقرار: إذا منع المقرُّ المقرَّ له من حقه حتى يضع عنه بعضه، فالصلح باطل.
الترجيح:
الذي أميل إليه هو جواز الاستهلاك، إذا كان ذلك منصوصاً عليه في نظام الشركة، وقد دخل المساهم على ذلك، إلا أن من استهلكت أسهمه لا يعتبر قد خرج من الشركة بذلك، أو انقطعت علاقته بها، وهو نفس ما رآه الشيخ مبارك آل سليمان حين مناقشته للدكتور عبد الله السعيدي، والله أعلم.
* * *
стр. 6093
المسألة الثانية
حكم إصدار أسهم التمتع
[ن-١٥٧] اختلف العلماء في حكم إصدار أسهم التمتع على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور من الباحثين المعاصرين إلى أنه لا يجوز إصدار أسهم التمتع على اختلاف بينهم في الحامل على المنع:
فبعضهم يرى أن إعطاء أسهم تمتع يؤدي إلى إعطاء المساهم ما لا يستحقه ومنهم الشيخ محمد عثمان شبير (١)، والشيخ علي القره داغي (٢)، والأستاذ أحمد محيى الدين أحمد (٣)، والشيخ عبد الله السعيدي (٤).
بينما يرى بعضهم أن إعطاء المساهم سهم تمتع يؤدي إلى حرمانه من كامل حقه، ومن هؤلاء الأستاذ عطية فياض (٥)، والشيخ صالح بن زابن المرزوقي (٦). والشيخ محمد عبد الغفار الشريف (٧).
стр. 6094
دليل من قال: لا يجوز باعتبار أنه يأخذ ما لا يستحق:
الدليل الأول:
«إذا كانت أسهم الشركة نوعين: أسهماً عادية، يبقى أصحابها ملتزمين بالتزامات الشركة، وأسهم تمتع يستهلكها أصحابها، ويتخلصون من خسارتها، فهذا لا يجوز؛ لأنه مخالف لمقتضى عقد الشركة من المساواة بين الجميع، واحتمال المخاطرة للجميع، فلا يجوز أن ينجو مساهمون من تحمل الخسارة حين يأخذون قيمة أسهمهم، ويتحمل الباقون الخسارة كلها، فهذا ظلم، وإجحاف، وضرر لا يجوز شرعاً».
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
دعوى أن ما يأخذه أصحاب أسهم التمتع إنما هو ظلم وإجحاف وضرر وبلا وجه حق دعوى غير صحيحة، بل الظلم هو في حرمان صاحب أسهم التمتع من ربح ماله وإسقاط حقه في هذا المال؛ لأن ما يجنيه صاحب أسهم التمتع إنما هو في مقابل ما بقي له من مال في الشركة، وهو أقل مما يأخذه أصحاب الأسهم التي لم تستهلك، وقد بينت ذلك عند الكلام على حكم استهلاك الأسهم فأغنى عن إعادته هنا.
الوجه الثاني:
أن القول بأن من استهلك أسهمه فقد نجا من الخسارة، وهذا مخالف لمقتضى عقد الشركة، فالجواب عنه: إن أريد أنه نجا من الخسارة مطلقاً فغير صحيح؛ لأنه قد بقي له مال في الشركة، فلو حصلت خسارة لخسر هو أيضاً هذا المال.
стр. 6095
وإن أريد أنه نجا من أن يخسر ماله الذي دخل به في الشركة في حين أن بقية المساهمين عرضة لهذه الخسارة، فإنه من نافلة القول بأن المساهم الذي تستهلك أسهمه يقل نصيبه في الخسارة كما يقل نصيبه في الأرباح بقدر ما رد إليه من ماله؛ لأن الربح والخسارة على قدر مال كل منهم، وهذا هو تمام العدل، والمساواة في الربح والخسارة؛، وقد تم ذلك الاستهلاك برضا المساهمين من خلال قبولهم لنظام الشركة، وهو حق لجميع المساهمين، إلا أنه لما تعذر استهلاك جميع الأسهم مرة واحدة كان لا بد من تعيين من تستهلك أسهمه بطريق القرعة، والقرعة طريق شرعية في القسمة (١).
الدليل الثاني:
المساهم قد استوفى من الأموال ما يساوي حصته، فلا يستحق المشاركة في الأرباح؛ لأن الربح في الشركات يستحق بأحد أسباب ثلاثة: وهي المال، والعمل، والضمان. ولا يوجد أي سبب منها في صاحب سهم التمتع.
ويناقش:
بأن السهم بعد أن عملت الشركة لم يعد يمثل فقط (قيمته الاسمية) حتى يقال: إذا استرد قيمة السهم الاسمية فقد استرد رأس ماله، بل إن رأس مال المساهم يتمثل في القيمة الاسمية مضافاً إليه نصيبه من الربح، فإعطاؤه منه القيمة الاسمية إعطاء له لبعض حقه، وليس كل حقه. وعلى التسليم بأن ما أخذه هو رأس ماله (القيمة الاسمية) فأين حقه في أرباح الشركة واحتياطياتها، فلا يصح أن يقال: إن المساهم قد استوفى من الأموال ما يساوي حصته، فلا يستحق المشاركة في الأرباح.
стр. 6096
وجه من قال بمنعها باعتبار أنها تحرم المساهم من كامل حقه:
يقول الدكتور عطية فياض: «إنشاء أسهم التمتع غير جائز شرعاً؛ لأنه لا حقيقة له في الواقع؛ ولأنه يجحف بالذين أنشئت لهم هذه الأسهم حيث ينقص من ربح أسهمهم الحقيقية، والأصل أن يتساوى الشركاء جميعاً في الربح والخسارة، والمغنم، والمغرم» (١).
يناقش:
هذا الاستدلال تضمن أمرين:
الأمر الأول:
أن الاستهلاك لا حقيقة له، وهذا يعني أنه استهلاك صوري.
الأمر الثاني:
أن فيه إجحافاً في أصحاب أسهم التمتع، حيث ينقص من ربح أسهمهم الحقيقية.
والجواب على ذلك أن يقال:
أما القول بأن الاستهلاك صوري لا حقيقي فغير صحيح؛ لأن ما يأخذه المساهم، وإن كان من أرباح الشركة، إلا أنها مملوكة له ولغيره من المساهمين، فما أخذه، بعضه جزء من نصيبه من الربح، وبعضه الآخر جزء من نصيب بقية المساهمين. نعم قد يسلم لهم أن الاستهلاك صوري، لو كان ما يعطى المساهم على أنه القيمة الاسمية لأسهمه بقدر نصيبه من الربح لا يتجاوزه، وقد أعطي بقية المساهمين نصيبهم من الأرباح مثله، والأمر ليس كذلك.
стр. 6097
وأما القول بأن في ذلك إجحافاً في أصحاب أسهم التمتع، حيث ينقص من ربح أسهمهم الحقيقية، فيقال: بأن النقص الذي دخل عليهم، سببه أنهم قد أخذوا جزءاً من حقهم، وأصبح حقهم في الربح يعادل ما بقي لهم من مال، وهذا لا يعتبر ظلماً لأصحاب أسهم التمتع، ولا لأصحاب الأسهم التي لم تستهلك؛ بل هو مقتضى العدل؛ لأن الربح، والخسارة يجب أن يكون على قدر المال.
القول الثاني:
ذهب الأستاذ عبد العزيز خياط (١)، وفضيلة الشيخ خورشيد إقبال (٢)، إلى أن أسهم التمتع منها ما هو جائز، ومنها ما هو غير جائز على التفصيل التالي.
القيمة التي دفعت للشريك، إما أن تكون هي القيمة الحقيقية، أو لا.
فإن كانت هي القيمة الحقيقية للسهم، فقد انتهت صلة المساهم بالشركة، سواء أكانت القيمة الحقيقية أقل من القيمة الاسمية، أم أكثر، وذلك لأن المساهم قد قام باستيفاء ماله كله، فلا يستحق شيئاً من ربح الشركة، ولا يتحمل خسارتها، ولا يجوز بناء على ذلك أن يعطى أي سهم تمتع.
وإن كانت القيمة التي أعطيت للمساهم بقدر القيمة الاسمية، فينظر:
فإن كانت القيمة الاسمية للسهم أعلى من القيمة الحقيقية، فلا يجوز أن يعطى سهم تمتع؛ لأن المساهم قد استوفى رأس ماله المدفوع كاملاً، ويجب أن تنقطع صلته بالشركة.
стр. 6098
وإن كانت القيمة الاسمية للأسهم أقل من قيمتها الحقيقية، فيبقى له في موجودات الشركة، وفي رأس مالها الاحتياطي نصيب، فحينئذ يستحق أن يأخذ جزءاً من أرباح الشركة حسب النسبة الباقية من قيمة أسهمه المستردة بصورة أسهم تمتع؛ لأن علاقة الشريك بالشركة لم تنقطع، والله أعلم.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال أجد أن القول الثاني أقوى، وأنه يجوز إصدار أسهم تمتع في الحالة التي تكون القيمة الاسمية للأسهم أقل من القيمة الحقيقية، وأظن أن هذا شرط في صحة الاستهلاك، لأن الاستهلاك إنما يكون من الأرباح، لا من رأس المال، وإذا كانت القيمة الاسمية تمثل القيمة الحقيقية أو كانت أقل منها لم يكن هناك أرباح، فيمتنع الاستهلاك أصلاً، والله أعلم.
* * *
стр. 6099
المبحث الثالث
القيم التي تمثلها الأسهم
[ن-١٥٨] هناك أربع قيم للأسهم:
القيمة الأولى: القيمة الاسمية:
وهي القيمة الاسمية التي تحدد للسهم عند إنشاء الشركة، وهو ما يتكون منه رأس مال الشركة عند إنشائها، وهذه القيمة في الواقع هي حصة الشريك المساهم.
القيمة الثانية: القيمة الحقيقية:
وهي ما يمثله السهم في صافي أصول الشركة وموجوداتها، وقد تختلف هذه القيمة عن قيمة السهم الاسمية زيادة، أو نقصاناً، وذلك بحسب ما تحققه الشركة من ربح، أو خسارة.
واعتبار القيمة الحقيقية للسهم أمر جائز شرعاً؛ لأن الشركة تتعرض للربح والخسارة، وبالتالي تكون القيمة الحقيقية هي المقياس الحقيقي لأرباح الشركة، أو خسارتها، وتقدير أصولها، وهو المطلوب شرعاً، ولكن بشرط أن تكون المضاعفة عن طريق حلال، وحسب نظام الشركة المتعارف عليه عند التجار، فإن لم يكن متعارفاً عليه فلا بد من موافقة المساهمين في الجمعية العمومية للشركة.
القيمة الثالثة: القيمة السوقية:
وهي القيمة التي يباع بها السهم، وهي ترتبط بنجاح الشركة، أو فشلها، وبحسب رأس مالها الاحتياطي، وعوامل العرض والطلب، والظروف المالية والاقتصادية والسياسية، وما إلى ذلك.
стр. 6100
ومراعاة هذه القيمة، وتداول الأسهم على ضوئها لا تتعارض مع الشريعة، فلصاحب السهم الحق في بيع سهمه بأقل، أو بأكثر من قيمته الاسمية؛ لأنه كالسلعة، تختلف قيمتها حسب العرض والطلب، بل ذلك هو المطلوب لتحديد السعر به.
القيمة الرابعة: القيمة الإصدارية للسهم .
ويطلق على معنيين:
المعنى الأول: إطلاقه على نسبة محدودة تضيفها الشركة إلى القيمة الاسمية وذلك في مقابل مواجهة النفقات الإدارية، والدعائية لإصدار الأسهم، وذلك حتى تبقى قيمة الأسهم صافية لرأس مال الشركة. وهذا لا مانع منه شرعاً، إذا كانت علاوة الإصدار مقدرة تقديراً مناسباً، وكانت بقدر تلك النفقات التي تواجه الشركة.
المعنى الثاني: إطلاق هذه التسمية على ما تصدره الشركة من أسهم لزيادة رأس مالها عندما تتوسع في المشاريع، وتحتاج الشركة إلى الحصول على سيولة نقدية، فتلجأ إلى إصدار أسهم جديدة للاكتتاب فيها، قد تكون مساوية لقيمة الأسهم وقد تكون أعلى أو أقل من ذلك.
[ن-١٥٩] والحكم الشرعي في هذه المسألة: أن هذه القيمة لتلك الأسهم الجديدة، إن كانت مساوية لقيمة الأسهم الحقيقية، أو السوقية فهذا لا مانع منه شرعاً، سواء أكانت مساوية لقيمة الأسهم الاسمية، أو أعلى منها، أو أقل؛ لأن العبرة بالواقع وبسعر السوق؛ لأن الشركة قد تربح، وقد تخسر كما هو معلوم.
أما إذا كانت هذه القيمة أقل من القيمة الحقيقية لأسهم الشركة فهذا لا يجوز؛ لأن ذلك يضر بحقوق المساهمين حيث يؤدي ذلك إلى أن تتساوى
стр. 6101
الأسهم الإصدارية مع الأسهم الاسمية في اقتسام الأرباح، فتتسبب بإنقاص قيمة أسهم الشركاء، أو حرمانهم من حقهم في هذا المال، وكل ما يؤدي إلى الضرر محرم شرعاً (١).
* * *
стр. 6102
المبحث الرابع
في حقيقة السهم
السهم بحسب ما يمثله من مال مثلي أو قيمي أو منقول.
[ن-١٦٠] اختلف العلماء في توصيف السهم بناء على اختلاف نظرة كل منهم إلى حقيقة السهم، والقيمة التي يمثلها إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن السهم جزء من رأس مال شركة المساهمة عند إنشائها، ثم هو بعد ذلك حصة شائعة في ممتلكات الشركة، من أثمان، وأعيان، ومنافع، وديون.
وعليه فإن محل العقد عند بيع الأسهم هو هذه الحصة الشائعة في موجودات الشركة، ولذلك وجب مراعاة ذلك عند بيع الأسهم.
وإلى هذا القول ذهب جمهور الفقهاء والباحثين المعاصرين (١).
стр. 6103
وبه صدرت توصيات البيان الختامي لندوة الأسواق المالية المنعقدة بالرباط بين ٢٠ - ٢٥ ربيع الآخرة من عام ١٤١٠ هـ جاء في التوصيات:
انتهى المشاركون في الندوة إلى التوصيات والنتائج الآتية:
السهم: هو الوثيقة التي تصدرها الشركة، وتمثل حق المساهم في الشركة، وملكيته لحصة مشاعة في موجوداتها .... (١).
وقد تضمنت التوصيات إجابات كثيرة على أهم المسائل التي طرحت في الدراسات، أو المناقشات، والأجوبة الشرعية عنها، من ذلك جوابهم على السؤال: هل السهم مثلي، أو قيمي، منقول، أو بحسب ما يمثله؟
وكان جوابهم: السهم بحسب ما يمثله؛ لأنه حصة شائعة في الأموال التي هي محل الشركة (٢).
كما صدر بذلك توصيات الندوة الثانية للأسواق المالية المنعقدة بدولة البحرين، في الفترة:١٩ - ٢١ جمادى الأولى، عام ١٤١٢ هـ.
стр. 6104
محل العقد في بيع السهم:
«إن المحل المتعاقد عليه في بيع السهم هو الحصة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم: عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة» (١).
وبهذا أخذ قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٢).
القول الثاني:
أن السهم حصة في شركة المساهمة باعتبار الشركة شخصاً معنوياً قائماً بذاته، وليس جزءاً من رأس مالها، ولا حصة شائعة في موجوداتها، والقيمة الاسمية للسهم في الحقيقة ثمن الشركة، لا جزء من رأس مالها، وعليه فالمساهمون شركاء في هذا الشخص المعنوي شركة ملك، لا شركة عقد.
محل العقد في بيع السهم:
بيع السهم بناء على هذا التوصيف يقع على الحصة الشائعة في كيان الشركة ذاتها، باعتبارها شخصية اعتبارية، لا في موجوداتها.
وإلى هذا القول ذهب الدكتور محمد بن علي القري (٣)، والدكتور حسين
стр. 6105
حامد حسان (١)، والدكتور حسين كامل فهمي (٢).
القول الثالث:
أن السهم يعتبر من عروض التجارة، أي سلعة قائمة بذاتها؛ لأن ملاك الأسهم في الغالب يتخذونها للاتجار بها، ويكسبون من المتاجرة بها كما يكسب كل تاجر من سلعته.
محل العقد في بيع السهم:
يقع البيع على السهم (الوثيقة) ذاته، وليس واقعاً على ما يمثله السهم من أصول الشركة.
وقد قال بهذا القول جماعة من العلماء المعاصرين، منهم أبو زهرة، والدكتور يوسف القرضاوي (٣)، والشيخ حسن مأمون، والشيخ جاد الحق (٤)، والشيخ يوسف الشبيلي (٥)، والشيخ حسان السيف (٦)، والأستاذ إبراهيم السكران (٧).
стр. 6106
وجه من قال: السهم حصة شائعة في أصول الشركة .
الوجه الأول:
أن السهم عبارة عن مستند لإثبات حق المساهم في الشركة، فلا قيمة له في نفسه، وإنما قيمته تتمثل فيما يمثله من حقوق الاشتراك في الشركة، ومن رأس مالها وموجوداتها.
ويناقش:
بأن السهم لو كان يمثل موجودات الشركة فحسب، لكانت أسهم الشركات لا تتغير قيمتها إلا بتغير قيم تلك الموجودات، بيد أن الواقع بخلاف ذلك، فالعامل الأساسي في ارتفاع أسهم الشركات المساهمة هو حجم العرض والطلب، لذلك نجد أن أسهم بعض الشركات الخاسرة أعلى سعراً من أسهم الشركات الرابحة، مما يدل على أن السهم لا يمثل موجودات الشركة فقط، وإنما موجودات الشركة عامل مساعد على ارتفاع السهم وانخفاضه (١).
ورد هذا:
بأن السهم كونه حصة مشاعة في الشركة لا يعني أنه حصة فقط في موجوداتها مجرداً عن ارتباطه بالشركة، فهو مع كونه حصة شائعة في موجودات الشركة، فهو يشمل معنى أعم من ذلك باعتباره حصة في شركة غرضها تحقيق الربح، وهو معنى يكسب السهم قيمة أكبر من قيمته باعتباره مجرد حصة شائعة في موجودات الشركة، وهو الأمر الذي يفسر الاختلاف بين قيمة موجودات الشركة
стр. 6107
عند بيعها مجردة، وبين قيمة أسهمها في السوق؛ لأن الذي يشتري السهم يصبح شريكاً له حقوق الشركاء، ويستفيد من أرباحها وزيادة موجوداتها بخلاف من يشتري شيئاً من موجودات الشركة مجرداً من هذا الحق (١).
الدليل الثاني:
اعتبار السهم جزءاً من رأس مال الشركة هو المتفق مع تعريف شركة المساهمة، فقد اتفقت عباراتهم في تعريف شركة المساهمة بأنها الشركة التي يقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة ... (٢)
كما أن تعريف السهم في كتب القانون - التي استفدنا منها تصور السهم والشركات المساهمة - هو أنه حصة شائعة (٣).
الدليل الثالث:
شركة المساهمة لا تختلف عن طبيعة شركة العقود، حتى ولو لم تلحق بأي نوع من أنواع الشركات المعروفة لدى الفقهاء، ذلك أن جوهرها: هو اتفاق عدد كبير من الشركاء على أن يدفع كل واحد منهم مالاً لمن يتصرف فيه، سواء كان من الشركاء أنفسهم، أو من غيرهم بقصد الحصول على الربح، وهذا هو مضمون شركات العقود، أما اختلاف الطريقة التي يحصل بها الاشتراك، ويجمع بها المال، أو الطريقة التي تدار بها أموال الشركة، فهذه أمور تنظيمية لا تتعارض مع طبيعة شركة العقد.
стр. 6108
وجه من قال: السهم حصة في الشركة باعتبارها شخصية معنوية لا في موجوداتها:
الوجه الأول:
أن القانون التجاري بما يمنحه للشركة المساهمة من شخصية اعتبارية، يميز بين ملكية السهم، وملكية الأصول والأعيان التي يتضمنها السهم، فالسهم يملك على وجه الاستقلال عن ملكية الأصول والأعيان التي تملكها الشركة، بحيث إن الحصص المقدمة للمساهمة في الشركة تنتقل على سبيل التمليك إلى ملكية الشركة، ويفقد الشركاء المستثمرون كل حق عيني عليها. فالشخصية الاعتبارية للشركة قد جعلتها تملك، وتتصرف كالأفراد الطبيعيين، وتجب لها الحقوق، وتلزمها الواجبات، والشخصية الاعتبارية لها أصل في الفقه الإسلامي كالدولة، وبيت المال، وملكية الوقف للمستحقين فيه أو لله تعالى، فهذه الجهات ليست عبارة عن أصول وموجودات، وإن كان الوقف وبيت المال يملكان أصولاً، وديوناً، ومنافع، فالسهم إذن حصة في الشركة، وليس حصة في مفردات أصولها؛ لأن الأصول مملوكة للشركة، وليس لحملة الأسهم بدليل أن المساهم لا يملك التصرف في أعيان الشركة، أو منافع أعيانها، لا بالبيع، ولا بالرهن، ولا بالانتفاع، ولا بغيرها، فالشركة لها شخصيتها الاعتبارية، وذمتها المالية التي تستقل تماماً عن شخصيات وذمم الشركاء المكونين لها، والسهم بهذا الشكل جزء من الشخصية الاعتبارية للشركة، ويرغب الناس في بيعه وشرائه بقصد الاسترباح، وليس وعاء لما يمثله من موجودات الشركة.
وأجيب عن هذا بخمسة أجوبة:
الجواب الأول:
أن هذا التصور القانوني لأحكام شركة المساهمة، وفي مقدمة هذه الأحكام
стр. 6109
أن أموال الشركة ليست ملكاً للشركاء، وإنما هو ملك للشركة ذاتها، هذا تصور قانوني لا يلزم الفقيه، ولا يستند إلى عرف واقعي، ولا إلى دليل شرعي، إذ من المعلوم أن هذه الأموال هي ملك للمساهمين قبل أن يكتتبوا في أسهم الشركة، وهي باقية على ملكهم بعد الاكتتاب، إذ لم يوجد ما يخرجها عن ملكهم، وكيف يتصور أن موجودات الشركة هي ملك للشركة ذاتها، وليست ملكاً للمساهمين. وعقد الشركة ليس هو من عقود التمليك، بل هو عقد يترتب عليه اشتراك الشركاء في تلك الأموال اشتراكاً مشاعاً، من غير أن يخرج مال كل واحد منهم عن ملكه.
يقول الدكتور الصديق الضرير: «القول بأن الشركة هي المالك، وإن كان هذا رأي القانونيين إلا أنني لا أوافق عليه، بدليل أنهم أعطوا لصاحب هذا السهم حق التصرف كما يتصرف المالك، كل ما هنالك أنه ليس له حق في أن يطالب بالمال الذي دفعه، وعندما تنحل الشركة يأخذ نصيبه، فهو المالك الحقيقي» (١).
الجواب الثاني:
لو سلمنا بأن وصف القانون التجاري حجة، وهذا نقوله من باب المناظرة، فإن كتب القانون ليست متفقة على ذلك، فقد ذكر الدكتور عبد العزيز خياط ثلاثة مذاهب لهم فيها، فمنهم من ينفيها، ولا يعتبر الشركة إلا بأشخاص مساهميها، ومنهم من يعتبرها مجازاً قانونياً، ومنهم من يعتبرها حقيقة قانونية، فإذا كان القول الفقهي إذا لم يتفق عليه لا يعتبر حجة بمجرده، فما بالك بآراء أهل القانون الوضعي.
стр. 6110
الجواب الثالث:
أن قيام شركة المساهمة لا يتوقف على اعتبار الشركة ذات شخصية اعتبارية، بل يمكن أن تقوم شركة المساهمة بكل ما هو مقرر لها من أحكام، وخاصة فيما يتعلق بتداول الأسهم، دون أن توصف بالشخصية الاعتبارية، ودون أن تكون مسئولية الشركاء فيها محدودة، ودون أن يحكم بنزع ملكية الشركاء لأموالهم، وإذا لم يكن هذا التكييف ضرورياً لم يكن لازماً.
الجواب الرابع:
كون المساهمين لا يتصرفون في تلك الأموال طيلة مدة الشركة لا يعني أنها قد خرجت عن ملكهم، بل مرد ذلك إلى العرف الذي هو كالشرط، والمسلمون على شروطهم، وله نظير في الشرع، وهو المال المرتهن حيث يبقى على ملك الراهن، ولا يخرج عن ملكه، وليس له أن يتصرف فيه بالبيع مدة الرهن على القول الصحيح، وهو قول جماهير أهل العلم، فامتناع التصرف من أجل حق الغير لا يمنع ثبوت الملك لأصحابها.
الجواب الخامس:
إذا جاز لكم أن تقولوا: إن السهم لا يمثل حصة شائعة في موجودات الشركة بناء على أن قيمته لا تعبر عن قيمة تلك الموجودات، جاز لنا أن نقول: إن السهم أيضاً لا يمثل حصة في الشخص الاعتباري الذي هو الشركة، بناء على أن قيمته لا ترتبط بالشركة نفسها، بل بالعرض والطلب، فما جاز لكم أن تجيبوا به جاز لنا أن نجيب بمثله (١).
стр. 6111
الوجه الثاني:
لو كان السهم هو حصة الشريك في رأس المال لكانت الشركة لا تقوم إلا بعد أن يدفع الشركاء رأس المال؛ لأنه بناء على ذلك يتحدد رأس مال الشركة، فلما كانت الشركة تولد في ظل القانون كشخصية اعتبارية قبل أن يتحدد رأس المال، دل على أن الشركة تبيع نفسها حصصاً لمن يشتري، وأن المساهم يصبح عند شرائه السهم مالكاً، وليس شريكاً.
يقول الدكتور محمد بن علي القري: «لقد قام التصور المعاصر على أن الشركة تقوم باجتماع الشركاء لإنشائها، ودفعهم لحصصهم من رأس المال بالاكتتاب، وهذا غير صحيح، إذ الشركة تكتسب الشخصية القانونية قبل ذلك عند صدور الموافقة من الجهات الرسمية على إنشائها، بعد أن تمر بمرحلة الإشهار، وهي سابقة لمرحلة الاكتتاب في كل القوانين المعاصرة، ولذلك فإن الناس عند الاكتتاب لا ينشئون شركة، بل هم يشترون أسهماً في شخصية اعتبارية قد أوجدها القانون، ثم هم بشراء هذه الأسهم يصبحون شركاء في ملكية شركة قائمة من الناحية القانونية» (١).
وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
منح الشركة وصف الشخصية الاعتبارية يختلف من قانون لآخر، ففي بعض القوانين كالقانون المصري لا تكتسب الشركة هذا الوصف إلا بعد القيد في السجل التجاري، الذي لا يتم إلا بعد انتهاء مرحلة الاكتتاب.
стр. 6112
وفي النظام السعودي لا تكتسب الشركة الشخصية الاعتبارية إلا بعد الاكتتاب، واجتماع الجمعية التأسيسية، بحيث تصدق على صحة إجراءات التأسيس، وتقويم الحصص العينية إن وجدت، والتصديق على نظام الشركة، ونفقات التأسيس، وتعيين الهيئات الإدارية الأولى اللازمة للشركة، كل ذلك يسبق قرار إعلان التأسيس، فإذا تم كل ذلك رفع طلب إلى وزير التجارة لاستصدار قرار بإعلان تأسيس الشركة، ويكون الطلب مصحوباً بالمستندات الدالة على استيفاء وصحة إجراءات التأسيس السابقة، وبعد أن يتحقق الوزير من صحة إجراءات التأسيس، فإنه يصدر قراره بإعلان تأسيس الشركة.
وبصدور هذا القرار يصبح للشركة وجود قانوني، وتكتسب الشخصية المعنوية (١).
وقد جاء في نظام الشركات السعودي: «ولا يتم تأسيس الشركة إلا إذا اكتتب بكل رأس المال» (٢).
فكيف يصح القول بأن المساهمين بالاكتتاب يصبحون شركاء في ملكية شركة قائمة من الناحية القانونية.
الجواب الثاني:
لا يلزم من اعتبار شركة المساهمة ذات شخصية اعتبارية أن يكون السهم مفصولاً عن موجودات الشركة، وكوننا نقر للشركة شخصية اعتبارية لا يعني هذا
стр. 6113
أن نجعل ذمة الشركة مستقلة عن ذمة الشركاء من كل وجه، وإنما نأخذ به بالقدر الذي يساعد على تنظيم أعمال الشركة، والقيام بنشاطها دون تدخل مباشر من المساهمين مع بقاء أصحاب الأسهم يملكون حصة شائعة في رأس مال الشركة، وفي موجوداتها، وفي كافة حقوقها؛ لأن وجود الشخصية الاعتبارية ليس أمراً جوهرياً تتغير به الحقيقة المقررة، وهي ملكية المساهمين للشركة وموجوداتها؛ لأنه من غريب القول أن يكون السهم يعبر عن حصة في الشركة، ثم هو لا يعبر عن حصة في مفردات أصولها، فما هي إذن هذه الشركة إن لم يكن تملكها تملكاً لما تمثله؟!
وجه من قال: السهم سلعة قائمة بذاته مهما كانت موجودات الشركة:
الدليل الأول:
(ح-٨٦٠) ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ...... من ابتاع عبداً، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (١).
وجه الاستدلال:
أن هذه الصورة جاز فيها بيع المال تبعاً للعبد؛ لأن رغبة المبتاع في العبد، لا في المال الذي معه، فجاز ذلك؛ لأنه دخل في البيع تبعاً، فأشبه أساسات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف.
والمشتري للسهم كذلك، فإنه حين يشتري السهم ليس مقصوده ما يمثله السهم من موجودات الشركة، وإنما يقصد القيمة السوقية للسهم، يدل على ذلك
стр. 6114
أن السهم تكون قيمته أضعاف ما يمثله من موجودات الشركة، ورغم ذلك فإن مشتري السهم يرضى به؛ لأنه يعلم أن المؤثر الحقيقي في قيمة السهم: هو حجم العرض، والطلب، لا ما يمثله السهم من موجودات الشركة، ولذا تجد كثيراً من المضاربين ينظر عند الشراء إلى حجم العرض والطلب، لا إلى موجودات الشركة (١).
ويجاب عن هذا الاستدلال بجوابين:
الجواب الأول:
أن العبد مال بذاته، مقصود بنفسه، وأما السهم فإنه ليس مالاً بنفسه، ولا يقصد لذاته، ولا قيمة له إلا بالشركة، وهذا فرق مؤثر جداً.
الجواب الثاني:
أن هذا ينطبق فقط على المتاجر بالأسهم (المضارب) وليس على المستثمر، والسهم إنما تكون بسبب الاستثمار، وليس بسبب الاتجار (المضاربة)، وإذا كان ذلك كذلك، فالمضارب قد حل محل المستثمر، فيأخذ حكمه.
يقول الشيخ مبارك آل سليمان: «أما اعتبار الأسهم عروض تجارة كسائر عروض التجارة فإنه غير سديد؛ لأن التعامل بالأسهم كعروض تجارة شيء طارئ على السهم، وليس هو الأصل فيه، بل الأصل فيه أنه حصة شائعة في شركة من شركات العقود يخول مالكه حقوق الشركاء، ومنها ملكيته لموجودات الشركة، والتعامل به كعرض تجارة لا ينافي هذا الأصل، ولهذا ينقسم مالكو الأسهم إلى قسمين: قسم يساهم بقصد البقاء في الشركة، والحصول على
стр. 6115
أرباحها الموزعة، وقسم يساهم بقصد المتاجرة، فإذا صح أن السهم في حق الثاني يعامل معاملة عروض التجارة، فليس كذلك في حق الأول ..... على أن الراجح أيضاً عدم الجواز حتى في حق من يساهم بقصد المتاجرة؛ لأنه بشراء السهم قد حل محل الشريك السابق، فأصبح شريكاً كسائر الشركاء، يتعلق به من الأحكام ما يتعلق بهم، وكون السهم في حقه عرض تجارة حتى يجب عليه أن يزكيه زكاة عروض التجارة لا ينافي كون السهم حصة شائعة في موجودات الشركة كما تقدم، فيقع عليه البيع، لا على السهم مجرداً مما يمثله من تلك الموجودات، والله أعلم» (١).
الدليل الثاني:
أن هذه الأسهم تعتبر صكوكاً مالية قابلة للتداول، وتداولها منفصل عن نشاط الشركة، فلا ترتبط قيمة الأسهم بنشاط الشركة، وصاحب الأسهم يتجر فيها بالبيع والشراء، ويكسب منها كما يكسب كل تاجر من سلعته بصرف النظر عن قيمة موجودات الشركة، لذلك تجد أن أسهم بعض الشركات الخاسرة أعلى سعراً من أسهم الشركات الرابحة، مما يدل على أن السهم له قيمة ذاتية، لا تمثل موجودات الشركة، كما أن ارتفاع قيمة الأسهم، أو انخفاضها لا يؤثر بشكل مباشر إيجاباً، أو سلباً على نشاط الشركة؛ لأن ما يدفعه المساهم لشراء الأسهم بعد طرحها للتداول لا تأخذ منه الشركة ريالاً واحداً، ولا يدعم به نشاط الشركة، بل يذهب جميعه للمساهم البائع، وكذلك المساهم البائع لا يأخذ ثمن أسهمه من الشركة، بل من المساهم المشتري.
стр. 6116
ويجاب عن هذا بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
قد يصدق هذا التوصيف على من يتملك الأسهم بقصد الاتجار بها (المضاربة)، ولكنه لا يصدق أبداً على من ساهم بماله في الاكتتاب بالشركة بقصد الاستثمار، وذهب ماله مباشرة إلى خزينة الشركة، مع أن هذا العمل هو الأصل في تكوين السهم، ومبدأ نشأته، وبيان حقيقته، وقيام الحقوق المترتبة على تملكه، فإذا جاء المتاجر بالأسهم (المضارب) فاشترى من هذا أسهمه فقد حل محله في الشركة، وأخذ موقعه، واستحق على الشركة ما يستحقه المستثمر الأول، فكان المضارب امتداداً للمستثمر، وكان شريكاً ضرورة، فثبت أن المساهم، ولو كان مضارباً، فإنه بملكيته للسهم أصبح شريكاً.
الجواب الثاني:
لا يصح أن يقال: إن المساهم يبيع الوثيقة؛ لأن الوثيقة لا قيمة لها إذا جردناها عما تدل عليه، ولا تشتمل الوثيقة على أي منفعة ذاتية، بحيث يقال: إنه يجوز بيعها وشراؤها لمنفعتها كالسلع، وإنما قيمة الوثيقة تتمثل فيما تمثله من حقوق الاشتراك في الشركة، ومن كونها حصة شائعة في رأس مال الشركة وفي موجوداتها، بدليل أن الشركة لو أفلست لعاد ذلك بالخسران على السهم، ولذهبت قيمته، كما أن مقدار استحقاقه من أرباح الشركة يرجع تقديره إلى عدد ما يملكه من هذه الأسهم، ولو صفيت الشركة لم يستحق من موجودات الشركة إلا بمقدار ما يملكه من أسهمها، فامتلاك المساهم نصيباً في موجودات الشركة عند تصفيتها دليل على أنه يملك حصة شائعة.
الجواب الثالث:
أن فصل السهم عما يمثله يؤدي إلى جواز المساهمة في البنوك الربوية،
стр. 6117
وشركات القمار، والخمور، وسائر الشركات المحرمة، لأن السهم سلعة بذاته، مفصول عن موجودات الشركة، وما تمثله، وهذا لم يقل به أحد.
الدليل الثالث:
أن القانون التجاري بما يمنحه للشركة المساهمة من شخصية اعتبارية يميز بين ملكية السهم، وملكية الأصول والأعيان التي يتضمنها السهم، فالسهم يملك على وجه الاستقلال عن ملكية الأصول والأعيان التي تملكها الشركة، بحيث إن الحصص المقدمة للمساهمة في الشركة تنتقل على سبيل التمليك إلى ملكية الشركة، ويفقد الشركاء كل حق عيني عليها، ولا يبقى لهم إلا حق في الحصول على نصيب من أرباح الشركة أثناء وجودها، وفي اقتسام قيمة بيع موجوداتها عند التصفية.
ويناقش:
بأن الكلام على الشخصية الاعتبارية للشركة سبق الكلام عليه، ومناقشته، فأغنى عن إعادته هنا، وقد أخذ بعض الباحثين المعاصرين بالشخصية الاعتبارية للشركة مع قوله: بأن السهم حصة شائعة، كما أن كثيراً من كتب القانون قد قالت بالشخصية الاعتبارية مع تعريفها للسهم بأنه حصة شائعة، فلا تلازم بين اعتبار الشخصية المعنوية للشركة، وبين كون السهم حصة شائعة فيها.
الدليل الرابع:
اعتبار السهم حصة منقولة ومالاً مثلياً، ولو كانت موجودات الشركة من العقارات، أو من الأموال القيمية؛ كل ذلك دليل على أن السهم شيء قائم بذاته، لا علاقة له بموجودات الشركة.
стр. 6118
ويناقش:
بأنه لم يتفق على كون السهم مالاً مثلياً، ولا على أنه منقول، وكون الوثيقة منقولة لا يعني أن ما تمثله مال منقول، فما هو الدليل على اعتبار السهم مالاً منقولاً، فليس فيه إلا مجرد الدعوى، أو ما نصت عليه بعض كتب القانون، وكل ذلك ليس بحجة.
وقد جاء في توصيات البيان الختامي لندوة الأسواق المالية المنعقدة بالرباط بين ٢٠ - ٢٥ ربيع الآخرة من عام ١٤١٠ هـ
وفيما يلي أهم المسائل التي طرحت في الدراسات، أو المناقشات، والأجوبة الشرعية عنها:
السؤال (١) هل السهم مثلي، أو قيمي، منقول، أو بحسب ما يمثله؟
الجواب (١) السهم بحسب ما يمثله؛ لأنه حصة شائعة في الأموال التي هي محل الشركة (١).
الراجح من الخلاف:
لا شك أن الخلاف في توصيف السهم من أهم المسائل المتعلقة بالسهم لما يترتب عليها من أحكام هي محل اختلاف بين الباحثين المعاصرين، وأهم هذه المسائل: حكم المساهمة في الشركات التي اصطلح على تسميتها بالمختلطة، ويجب على الباحث أن يبحث هذه المسائل في معزل عن تكييف أهل القانون، وإذا نظر فيها فليعرض هذا على القواعد الشرعية، ولا يأخذ تكييفهم وما تواضعوا عليه على أنه من المسلمات.
стр. 6119
وأريد أن ألفت الانتباه، وأنا أرجح أحد الأقوال بتكييف السهم بما رجحته في توصيف شركات المساهمة؛ لأن هذا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتوصيف السهم، فالشركة عبارة عن أسهم متساوية القيمة، من ذلك:
(أ) شركة المساهمة من شركات العقود، وليست من شركات الأملاك
(ب) لسنا مضطرين لقبول الشخصية الاعتبارية للشركة بالشكل الذي يقرره القانون، ولا يلزم من اعتبار شركة المساهمة ذات شخصية اعتبارية أن يكون السهم مفصولاً عن موجودات الشركة، فأكثر القائلين بالشخصية الاعتبارية للشركة، ومنها كتب القانون يعرفون السهم بأنه حصة مشاعة.
(ج) أن السهم حصة شائعة في الشركة، وفي ما تملكه الشركة، فهو يمثل حقوقاً مالية، من ذلك:
(١) قيمة السهم (اسمية كانت، أو سوقية، أو حقيقية).
(٢) نصيب السهم من أرباح الشركة حتى الاحتياطي منها.
(٣) نصيب السهم فيما تملكه الشركة، من اسم تجاري، وعلامة تجارية، وتراخيص ممنوحة.
(٤) حق الأولوية في الاكتتاب بالأسهم الجديدة.
وهذا الذي جعل السهم تختلف قيمته عن قيمة موجودات الشركة، ولا أعتقد أن الذين قالوا: إن السهم حصة شائعة في موجودات الشركة، أرادوا أن المساهمين يملكون تلك الحصة الشائعة في هذه الموجودات بمعزل عن الشركة، ونشاطها، وما تعطيه الشركة للمشارك من حقوق وامتيازات.
هذا هو ما ترجح لدي في توصيف السهم، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 6120
المبحث الخامس
الموقف الفقهي من إصدار الأسهم
[ن-١٦١] بعد أن استعرضنا الأقوال في تكييف السهم، وتم ترجيح أن السهم حصة شائعة يمنح حق المشاركة في الشركة مع ما يمثله من حصة شائعة في موجوداتها، نستطيع أن نتكلم من الناحية الفقهية في حكم إصدار الأسهم.
النوع الأول:
إصدار أسهم لشركات مباحة، يكون رأس مالها حلالاً، وتتعامل في مجالات مباحة، وينص عقدها التأسيسي على أنها لا تتعامل في المجالات المحرمة، ولا تتعامل بالربا إقراضاً، أو اقتراضاً.
وهذا النوع من الأسهم لا خلاف بين العلماء القائلين بجواز شركات المساهمة من حيث الأصل في جواز الاكتتاب فيها، ودليله عموم الأدلة الدالة على جواز الشركات بأنواعها المعروفة في الفقه الإسلامي، باعتبار أن شركة المساهمة نوع من أنواع الشركات، سواء خُرِّجت على أحد هذه الأنواع، أو قيل: إنها نوع جديد.
وقد خالف بعض المعاصرين ممن لا يرون جواز شركات المساهمة أصلاً، وهو قول مهجور، ولم يبن على حجة واضحة، وقد ذكرت حجته وتمت مناقشتها في حكم شركات المساهمة، فأغنى عن إعادته هنا.
النوع الثاني:
إصدار أسهم لشركات يكون مجال استثمارها كله، أو غالبه في أمور محرمة،
стр. 6121
مثل شركات الخمور، ولحوم الخنزير، والأفلام الخليعة، والمصارف الربوية، ونحوها.
وهذا لا خلاف بين العلماء في تحريم إصدار مثل هذه الأسهم، والاكتتاب فيها. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي:
«لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا، أو إنتاج المحرمات، أو المتاجرة بها» (١).
النوع الثالث:
إصدار أسهم لشركات يكون أصل نشاطها وغالبه حلالاً، مثل الشركات الصناعية، والتجارية، وشركات الخدمات، ولكنها لها معاملات محرمة، كالاقتراض، أو الإقراض بالربا، وقد اصطلح على تسميتها بالأسهم المختلطة.
وفي هذا النوع وقع خلاف بين العلماء المعاصرين، ولأهمية هذه المسألة سوف أفردها بالبحث في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 6122
فرع
حكم المساهمة في الشركات المختلطة
جاء في التاج والإكليل: «بالنسبة للربا لا يجوز منه قليل ولا كثير، لا لتبعية ولا لغير تبعية» (١).
وقال ابن عبد البر: «الربا لا يجوز قليله، ولا كثيره، وليس كالغرر الذي يجوز قليله، ولا يجوز كثيره» (٢).
أخذ الربا بنية التخلص منه مبني على عقد فاسد، وهو عقد الربا، وما بني على الفاسد فهو فاسد.
الفقهاء متفقون على أن العقد الفاسد فضلاً عن الباطل يجب فسخه، وأخذ الربا بنية التخلص إمضاء له، وتكرار لفعله.
لما كان القليل من الربا حراماً كالكثير وهذا بالاتفاق صار أخذه بشرط التخلص حراماً كالكثير.
[ن-١٦٢] اتفق على إطلاق مصطلح الأسهم المختلطة: على أسهم الشركات المباحة التي يكون أصل نشاطها وغالبه حلالاً، مثل الشركات الصناعية، والتجارية، وشركات الخدمات، ولكن لها معاملات محرمة كالاقتراض أو الإقراض بالربا.
وفي هذا النوع وقع خلاف بين العلماء المعاصرين في حكم الاكتتاب في أسهمها وفي حكم تداولها، بعد اتفاقهم على ما يأتي:
стр. 6123
اتفقوا على تحريم الاشتراك في تأسيس مثل هذه الشركات التي ينص نظامها على تعامل محرم في أنشطتها، أو أغراضها.
واتفقوا على أن من يباشر هذه العقود المحرمة في الشركة كأعضاء مجلس الإدارة والراضين بذلك أن عملهم محرم.
واتفقوا على أن المساهم لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن ينتفع بالكسب المحرم من السهم، بل يجب عليه إخراجه والتخلص منه.
واتفقوا أيضاً على أن المساهمة في الشركات التي يغلب عليها المتاجرة بالأنشطة المحرمة محرم.
وإنما الخلاف الواقع بين العلماء هو في حكم الاكتتاب في مثل هذه الشركات المختلطة، والمتاجرة في أسهمها إذا كان المحرم شيئاً يسيراً.
وهذه المسألة نظراً لخطورتها، ولكونها فتحت للمساهمين والمتداولين قبول عقود الربا، والمضي فيها، ووقفت الفتوى بجوازها حجر عثرة في طريق تنقية تلك الشركات أستبيح القارئ أن يلتمس لي العذر إذا أعدت بعض الكلام السابق حول توصيف شركات المساهمة، وتوصيف السهم، فإن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى تلك المسألتين.
وكان الخلاف في الشركات المختلطة راجعاً إلى ثلاثة أقوال.
القول الأول:
ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الاكتتاب في الأسهم المختلطة، وجواز تداولها بشروط وضوابط، مع وجوب التخلص من الكسب الحرام.
وممن ذهب إلى هذا القول الهيئة الشرعية لشركة الراجحي (١)، والهيئة
стр. 6124
الشرعية للبنك الإسلامي الأردني (١)، وندوة البركة السادسة (٢)، وهو أحد القولين لشيخنا ابن عثيمين ﵀ (٣)، والشيخ عبد الله بن منيع (٤)، والشيخ يوسف القرضاوي (٥)، والشيخ. تقي العثماني (٦)، و الشيخ نزيه حماد (٧)، والشيخ علي محي الدين القره داغي (٨)، والشيخ يوسف الشبيلي (٩).
ضوابط القول بالجواز ومناقشتها:
القائلون بالجواز وضعوا ضوابط وشروطاً للقول بالجواز، إذا اختل ضابط منها رجع القول إلى التحريم، فيستحسن قبل أن ندخل في ذكر أدلتهم، أن نعرف هذه الضوابط، ومدى وجاهتها:
الضابط الأول: مناقشة تحديد نسبة الحرام المغتفر في الشركة.
* ففي تحديد نسبة الاقتراض الربوي من حجم الموجودات .
стр. 6125
آخر ما استقرت عليه أكثر الهيئات الشرعية في البنوك السعودية ألا تزيد القروض المحرمة عن ٣٠% من إجمالي موجودات الشركة (١).
* وفي تحديد نسبة الإيرادات المحرمة من الإيرادات .
أخذت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي في قرارها ٤٨٥. والأهلي وهيئة المعايير المحاسبية في البحرين إلى ألا يتجاوز مقدار الإيراد الناتج من عنصر محرم ٥% من إجمالي إيرادات الشركة، سواء كان هذا الإيراد ناتجاً عن الاستثمار بفائدة ربوية، أم عن ممارسة نشاط محرم، أم عن تملك لمحرم، أم عن غير ذلك، ونص قرار الراجحي بأنه إذا لم يتم الإفصاح عن بعض الإيرادات فيجتهد في معرفتها، ويراعى في ذلك جانب الاحتياط.
وأشار الدو جونز الإسلامي إلى ألا تتجاوز الإيرادات غير التشغيلية ٩% من الإيرادات التشغيلية (٢).
стр. 6126
ويبدو من التفريق بين الإقراض بفائدة، والاقتراض بفائدة أن الأول ينتج عنه كسب محرم، بينما الثاني تصرف محرم، لذا كان الأول ٥%، والثاني: ٣٠%.
* وفي تحديد حجم العنصر المحرم من حجم الموجودات .
نص قرار الراجحي رقم ٤٨٥ على ألا يتجاوز حجم العنصر المحرم، استثماراً كان، أو تملكاً لمحرم نسبة ١٥% من إجمالي موجودات الشركة.
ثم وجهت الهيئة الشرعية في مصرف الراجحي من خلال خطابها المبلغ من رئيسها الآنف الذكر إلى عدم اعتبار هذا الضابط.
ولم يعتبر الداو جونز هذا الضابط، ولم يشر قرار الأهلي لهذا الضابط أيضاً.
* وفي تحديد نسبة المصروفات المحرمة لجميع مصروفات الشركة .
حددت هذه النسبة بـ ٥% من إجمالي المصروفات، وهذا الضابط توجهت إليه الهيئات أخيراً.
مناقشة هذه الضوابط:
«هذه النسب اجتهادية في تقدير اليسير، ولم يرد في القرارات ما يوضح المستند الشرعي لهذه النسب، غير أنه ورد في قرار الراجحي (٣١٠): (رأت الهيئة بنظر اجتهادي منها، واستناداً إلى دلائل في بعض النصوص الشرعية، وإلى المعقول، أن تعتمد الثلث حداً بين القلة والكثرة).
стр. 6127
وفي القرار رقم ٤٨٥ (والهيئة توضح أن ما ورد من تحديد للنسب في هذا القرار مبني على الاجتهاد، وهو قابل لإعادة النظر حسب الاقتضاء)» (١).
والسؤال الفقهي المشروع: من قال من أهل العلم من المتقدمين بأن الربا يفرق بين قليله وبين كثيره في قبوله والتعامل به، فإذا لم يثبت أن هناك فرقاً في التحريم بين القليل والكثير لم يكن هذا التفريق قائماً على دليل شرعي، وإذا ثبت أن هناك فرقاً في التحريم بين القليل والكثير، فمن قال باعتبار الثلث حداً بين القلة والكثرة؟
وللجواب على ذلك نقول: لا أعلم أن أحداً من أهل العلم من المتقدمين قال بأن قليل الربا حلال.
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. فالآية لم تفرق بين قليل الربا وبين كثيره في التحريم.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨، ٢٧٩].
فكل زيادة على رأس المال فهي داخلة في الظلم، قليلة كانت الزيادة أم كثيرة.
(ح-٨٦١) ومن السنة ما روه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... مثلاً بمثل، يداً بيد، من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (٢).
стр. 6128
فقوله: (من زاد أو استزاد فقد أربى) نص في شمول التحريم للقليل والكثير من الربا، فإذا ثبت التحريم لقليل الربا وكثيره سقط ما يقال في التفريق بين القليل والكثير.
فإن قال المخالف: نحن نقول: إن يسير الربا حرام ككثيره، ولكن الجواز مشروط بأن يأخذه على أن يتخلص منه.
قيل لهم: لم فرقتم بين الكثير والقليل؟ لما كان القليل من الربا حراماً كالكثير وهذا بالاتفاق صار أخذه بشرط التخلص حراماً كالكثير.
وإذا تجاوزنا موضوع الربا، فمن قال من أهل العلم من المتقدمين باعتبار الثلث حداً بين القلة والكثرة؟
وللجواب على ذلك يقال:
لا يعرف هذا إلا للمالكية وحدهم فهم من جعل الثلث فرقاً بين القليل والكثير، إلا أن اعتبار هذا التقدير مشروط بشرطين:
الشرط الأول:
أن لا يكون للأقل حكمه المنصوص عليه، فإذا كان للأقل حكمه المنصوص عليه لم يفرق بين القليل والكثير (١).
مثال القليل الذي نص عليه: مثل كون يسير البول ناقضاً للوضوء، فالنقطة والنقطتان ناقضتان للوضوء، فالقليل له حكم الكثير هنا.
ومثله يسير الخمر، فإنه حرام ككثيره، للحديث: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) رواه أحمد وغيره، وهو حديث صحيح (٢).
стр. 6129
ومثله لو كان الأقل مقيساً على منصوص عليه: كما لو ترك الإنسان بقعة في غسل يده في الوضوء، فإن وضوءه غير صحيح، ولا يقال: هذا قليل بالنسبة لأعضاء الوضوء قياساً على قوله ﷺ : (ويل للأعقاب من النار).
فإذا طبقنا هذا الشرط على يسير الربا، فيسير الربا لم يقل أحد إنه لم ينص على تحريمه، ولم يدع أحد أنه حلال، فقد أجمع العلماء على تحريم ربا النسيئة قليله وكثيره، وقد نقلت النصوص من القرآن والسنة على تحريم يسير الربا، وهو محل إجماع وسيأتي نقل ما تبقى من النصوص في معرض الاستدلال.
وبالتالي لا يصح الاحتجاج بقول المالكية في الأخذ بالثلث فرقاً بين القليل والكثير؛ لأنهم لا يقولون بهذا؛ لأن القليل ما دام قد نص على تحريمه لم يكن هناك مجال للتفريق بين القليل والكثير، بل إن المالكية قد نصوا على أن يسير الربا حرام.
جاء في التاج والإكليل: «بالنسبة للربا لا يجوز منه قليل ولا كثير، لا لتبعية ولا لغير تبعية» (١).
وقال ابن عبد البر: «الربا لا يجوز قليله، ولا كثيره، وليس كالغرر الذي يجوز قليله، ولا يجوز كثيره» (٢).
وإذا لم يقل به المالكية لم يقل به أيضاً أحد من الأئمة الأربعة.
стр. 6130
والخلاصة: أن قول الهيئات الشرعية بالثلث في باب الربا فرقاً بين القليل والكثير هو قول لم يكن لهم فيه سلف، ولا يسوغ الاجتهاد فيه، بإحداث قول جديد.
الشرط الثاني:
أن المالكية جعلوا الثلث فرقاً بين القليل والكثير في مسائل معدودة، ولم يعمموه في كل أبواب الفقه، جاء في الذخيرة: «الثلث في حد القلة في ست مسائل: الوصية، وهبة المرأة ذات الزوج إذا لم ترد الضرر، واستثناء ثلث الصبرة إذا بيعت، وكذلك ثلث الثمار والكباش، والسيف إذا كان حليته الثلث يجوز بيعه بجنس الحلية» (١).
ويستدل المالكية بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ .
(ح-٨٦٢) فقد روى البخاري من طريق عامر بن سعد.
عن سعد، قال: كان النبي ﷺ يعودني، وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ... الحديث، والحديث رواه مسلم (٢).
هذا هو قول المالكية، وهذا هو دليلهم، فإن كانت هذه الهيئات أخذت هذا التحديد من قول المالكية فلا أراه متوافقاً مع مذهب الإمام مالك، وإن كان هذا القول قد قالوه ابتداء من عندهم فلا أرى أنه يسوغ لهم إحداثه.