← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

ويبدو من التفريق بين الإقراض بفائدة، والاقتراض بفائدة أن الأول ينتج عنه كسب محرم، بينما الثاني تصرف محرم، لذا كان الأول ٥%، والثاني: ٣٠%. * وفي تحديد حجم العنصر المحرم من حجم الموجودات . نص قرار الراجحي رقم ٤٨٥ على ألا يتجاوز حجم العنصر المحرم، استثماراً كان، أو تملكاً لمحرم نسبة ١٥% من إجمالي موجودات الشركة. ثم وجهت الهيئة الشرعية في مصرف الراجحي من خلال خطابها المبلغ من رئيسها الآنف الذكر إلى عدم اعتبار هذا الضابط. ولم يعتبر الداو جونز هذا الضابط، ولم يشر قرار الأهلي لهذا الضابط أيضاً. * وفي تحديد نسبة المصروفات المحرمة لجميع مصروفات الشركة . حددت هذه النسبة بـ ٥% من إجمالي المصروفات، وهذا الضابط توجهت إليه الهيئات أخيراً. مناقشة هذه الضوابط: «هذه النسب اجتهادية في تقدير اليسير، ولم يرد في القرارات ما يوضح المستند الشرعي لهذه النسب، غير أنه ورد في قرار الراجحي (٣١٠): (رأت الهيئة بنظر اجتهادي منها، واستناداً إلى دلائل في بعض النصوص الشرعية، وإلى المعقول، أن تعتمد الثلث حداً بين القلة والكثرة).

стр. 6127

وفي القرار رقم ٤٨٥ (والهيئة توضح أن ما ورد من تحديد للنسب في هذا القرار مبني على الاجتهاد، وهو قابل لإعادة النظر حسب الاقتضاء)» (١). والسؤال الفقهي المشروع: من قال من أهل العلم من المتقدمين بأن الربا يفرق بين قليله وبين كثيره في قبوله والتعامل به، فإذا لم يثبت أن هناك فرقاً في التحريم بين القليل والكثير لم يكن هذا التفريق قائماً على دليل شرعي، وإذا ثبت أن هناك فرقاً في التحريم بين القليل والكثير، فمن قال باعتبار الثلث حداً بين القلة والكثرة؟ وللجواب على ذلك نقول: لا أعلم أن أحداً من أهل العلم من المتقدمين قال بأن قليل الربا حلال. قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. فالآية لم تفرق بين قليل الربا وبين كثيره في التحريم. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨، ٢٧٩]. فكل زيادة على رأس المال فهي داخلة في الظلم، قليلة كانت الزيادة أم كثيرة. (ح-٨٦١) ومن السنة ما روه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... مثلاً بمثل، يداً بيد، من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (٢).

стр. 6128

فقوله: (من زاد أو استزاد فقد أربى) نص في شمول التحريم للقليل والكثير من الربا، فإذا ثبت التحريم لقليل الربا وكثيره سقط ما يقال في التفريق بين القليل والكثير. فإن قال المخالف: نحن نقول: إن يسير الربا حرام ككثيره، ولكن الجواز مشروط بأن يأخذه على أن يتخلص منه. قيل لهم: لم فرقتم بين الكثير والقليل؟ لما كان القليل من الربا حراماً كالكثير وهذا بالاتفاق صار أخذه بشرط التخلص حراماً كالكثير. وإذا تجاوزنا موضوع الربا، فمن قال من أهل العلم من المتقدمين باعتبار الثلث حداً بين القلة والكثرة؟ وللجواب على ذلك يقال: لا يعرف هذا إلا للمالكية وحدهم فهم من جعل الثلث فرقاً بين القليل والكثير، إلا أن اعتبار هذا التقدير مشروط بشرطين: الشرط الأول: أن لا يكون للأقل حكمه المنصوص عليه، فإذا كان للأقل حكمه المنصوص عليه لم يفرق بين القليل والكثير (١). مثال القليل الذي نص عليه: مثل كون يسير البول ناقضاً للوضوء، فالنقطة والنقطتان ناقضتان للوضوء، فالقليل له حكم الكثير هنا. ومثله يسير الخمر، فإنه حرام ككثيره، للحديث: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) رواه أحمد وغيره، وهو حديث صحيح (٢).

стр. 6129

ومثله لو كان الأقل مقيساً على منصوص عليه: كما لو ترك الإنسان بقعة في غسل يده في الوضوء، فإن وضوءه غير صحيح، ولا يقال: هذا قليل بالنسبة لأعضاء الوضوء قياساً على قوله ﷺ : (ويل للأعقاب من النار). فإذا طبقنا هذا الشرط على يسير الربا، فيسير الربا لم يقل أحد إنه لم ينص على تحريمه، ولم يدع أحد أنه حلال، فقد أجمع العلماء على تحريم ربا النسيئة قليله وكثيره، وقد نقلت النصوص من القرآن والسنة على تحريم يسير الربا، وهو محل إجماع وسيأتي نقل ما تبقى من النصوص في معرض الاستدلال. وبالتالي لا يصح الاحتجاج بقول المالكية في الأخذ بالثلث فرقاً بين القليل والكثير؛ لأنهم لا يقولون بهذا؛ لأن القليل ما دام قد نص على تحريمه لم يكن هناك مجال للتفريق بين القليل والكثير، بل إن المالكية قد نصوا على أن يسير الربا حرام. جاء في التاج والإكليل: «بالنسبة للربا لا يجوز منه قليل ولا كثير، لا لتبعية ولا لغير تبعية» (١). وقال ابن عبد البر: «الربا لا يجوز قليله، ولا كثيره، وليس كالغرر الذي يجوز قليله، ولا يجوز كثيره» (٢). وإذا لم يقل به المالكية لم يقل به أيضاً أحد من الأئمة الأربعة.

стр. 6130

والخلاصة: أن قول الهيئات الشرعية بالثلث في باب الربا فرقاً بين القليل والكثير هو قول لم يكن لهم فيه سلف، ولا يسوغ الاجتهاد فيه، بإحداث قول جديد. الشرط الثاني: أن المالكية جعلوا الثلث فرقاً بين القليل والكثير في مسائل معدودة، ولم يعمموه في كل أبواب الفقه، جاء في الذخيرة: «الثلث في حد القلة في ست مسائل: الوصية، وهبة المرأة ذات الزوج إذا لم ترد الضرر، واستثناء ثلث الصبرة إذا بيعت، وكذلك ثلث الثمار والكباش، والسيف إذا كان حليته الثلث يجوز بيعه بجنس الحلية» (١). ويستدل المالكية بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ . (ح-٨٦٢) فقد روى البخاري من طريق عامر بن سعد. عن سعد، قال: كان النبي ﷺ يعودني، وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ... الحديث، والحديث رواه مسلم (٢). هذا هو قول المالكية، وهذا هو دليلهم، فإن كانت هذه الهيئات أخذت هذا التحديد من قول المالكية فلا أراه متوافقاً مع مذهب الإمام مالك، وإن كان هذا القول قد قالوه ابتداء من عندهم فلا أرى أنه يسوغ لهم إحداثه.

стр. 6131

وعلى التنزل أن يكون هذا القول متسقاً مع قول المالكية فإنه لا بد من النظر في دليله، فالرسول ﷺ لو قال: الثلث والثلث كثير في أمور محرمة، لأمكن الأخذ بعموم اللفظ، أما والحديث وارد في باب الوصية، وهو عمل مشروع، فسحب هذا الحكم على كل شيء في أبواب الفقه، في العبادات والمعاوضات، بل حتى في المحرمات، فيجعل ما نقص عن الثلث يسيراً في كل شيء فيه تكلف لا يخفى، وفيه قياس أمور على أخرى دون أن يكون هناك علة جامعة، فلا أعرف مسوغاً شرعياً أن يقاس الربا الذي حرمه الشارع بنصوص قطعية، حتى جعله من الموبقات، وقرنه بالشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، والزنا، أن يقاس مثل هذا على الوصية التي ندب إليها الشارع وأقرها وقدمها على الميراث في توزيع التركات. فكيف يقاس الخبيث على الطيب، ما لكم كيف تحكمون؟ هذا ما يمكن أن يقال في جعل الثلث فرقاً بين القليل والكثير في باب الاقتراض من الربا. أما التحديد بـ ٥% من الإيراد المحرم حداً لليسير، فيقال في الجواب عليه: أولاً: جميع المقادير في الشريعة يحتاج الأمر فيها إلى توقيف، وذلك مثل تقدير خيار التصرية بثلاثة أيام حيث جاء فيه الحديث، وتقدير المسح للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام، فأين التوقيف في تقدير مثل ذلك، خاصة أن ذلك يقلب الحرام إلى حلال، والحضر إلى إباحة. ثانياً: إن كان المرجع في تقدير مثل ذلك إلى العرف، فإن هذا العمل لم يكن موفقاً؛ لأنه لا يمكن الأخذ بالعرف فيما ورد فيه نص شرعي؛ لأن ذلك يؤدي حتماً إلى تعطيل النص الشرعي.

стр. 6132

قال السرخسي: «كل عرف ورد الشرع بخلافه فهو غير معتبر» (١). ولأن الأمور العرفية تتغير بتغير العرف بخلاف النص الشرعي فإن حكمه ثابت لا يتغير. فالأخذ بالعرف إنما يكون مقبولاً في يسير لم يرد النص في تحريمه كيسير الغرر، ويسير النجاسة، أما إذا ورد نص في تحريم اليسير كما هو الشأن في يسير الربا لم يكن هناك مجال للفقيه للتفريق بين القليل والكثير استناداً إلى العرف. الضابط أو الشرط الثاني: نصهم على ألا يجوز الاشتراك في تأسيس الشركات التي ينص نظامها على تعامل محرم في أنشطتها، أو أغراضها. وجه اعتبار هذا الشرط: أنه إذا نص على ذلك في نظام الشركة لم يكن بإمكان أحد من المساهمين الاعتراض على ذلك، بخلاف الأمر في حالة عدم النص، أو لأن الدخول في الشركة مع كون المحرمات منصوصاً عليها في نظامها الأساسي يجعل المساهم بمنزلة الراضي بذلك. مناقشة هذا الشرط: أولاً: إذا كان الأمر معلقاً على قدرة المساهم على الاعتراض على نظام الشركة لم يكن الدخول في المساهمة معلقاً على تحديد نسبة المحرم بل يكون الحكم معلقاً على القدرة على الاعتراض على نظام الشركة، وتغييره، سواء كان

стр. 6133

الحرام قليلاً أم كثيراً، فليعلق الحكم به، ويقال بالجواز بالنسبة لمن يقدر على تغيير هذا المنكر، والمنع لمن لا يقدر، كما قال به بعض أهل العلم، ولو علق به الحكم لكان معناه عدم جواز المساهمة في الشركات المختلطة إلا لقلة من أصحاب رؤوس الأموال التي يستطيعون بها تملك كميات كبيرة من الأسهم، بحيث يكون لهم ثقل في الشركة يقدرون معه على التغيير، وبشرط أن يسعوا إلى التغيير فعلاً، لا أن يتخذوا ذلك ذريعة للمساهمة مع عدم سعيهم، أو نيتهم في التغيير (١). ثانياً: إذا كانت المساهمة تَحْرم في الشركات المختلطة إذا كان نظامها التأسيسي ينص على تعامل محرم في أنشطتها، فينبغي أن تحرم المساهمة إذا كانت الشركة تمارس المحرم فعلاً؛ لأن كتابة النظام إنما هو وسيلة إلى فعل الحرام، وليس هو ارتكاباً للحرام، فما بالك بارتكاب الحرام ذاته، أتكون الوسيلة أولى بالتحريم من الممارسة الفعلية!؟ ثالثاً: كتابة الممارسات المحرمة في نظام الشركة ليس لها تلك الأهمية خاصة إذا علمنا أن الجمعية العامة غير العادية لها الحق في تعديل نظام الشركة سلباً أو إيجاباً، فيجب أن يعلق الأمر على الممارسة، وليس على مجرد نص في نظام شركة قابل للتغيير. رابعاً: إن كان سبب التحريم أنه إذا دخل في شركة ينص نظامها التأسيسي على فعل الحرام فإن ذلك يعتبر رضا منه بهذا الفعل، فإن الحكم لن يختلف إذا أقدم واشترى أسهم شركة، وهو يعلم أنها تمارس الحرام لكن لم ينص نظامها على ذلك. بل إن المحاسبة ستكون أوجب على المساهم مما لو دخل، وقد

стр. 6134

نص على ذلك في النظام التأسيسي؛ لأن هذا سيكون من باب تعدي مجلس الإدارة، ومخالفة نظام الشركة، ومعلوم أن آحاد المساهمين، ولو كان من صغارهم يعطيه الحق في التفتيش على الشركة إذا تبين من تصرفات مجلس الإدارة أو مراقب الحسابات الداخلي ما يدعو إلى الريبة، كما يعطيه حق رفع دعوى مسئولية على أعضاء مجلس الإدارة إذا تعدوا في مسئولياتهم، وأي تعد أعظم من أن يحول مجلس الإدارة الشركة إلى مؤسسة تعلن الحرب على الله وعلى رسوله دون أن يكون هناك نص في نظامها التأسيسي، فإن استطاع المساهم المحاسبة والتغيير، وإلا وجب عليه الخروج منها. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]. خامساً: لا يمكن فك الارتباط بين المكتتبين، وبين نظام الشركة، فإن الذي يتولى التصديق على نظام الشركة: هي الجمعية التأسيسية، ولا يمكن صدور قرار الوزير بإعلان تأسيس الشركة إلا بعد اجتماع الجمعية التأسيسية، والتي يدعو فيها المؤسسون جميع المكتتبين إلى الاجتماع لاستكمال إجراءات التأسيس، ومن ذلك التصديق على نظام الشركة، فكيف يفصل نظام الشركة وهو معلق بموافقة المكتتبين، أو أغلبهم عن الاكتتاب. هذه هي شروط وضوابط القول بالجواز، وأما أدلتهم على ا لجواز فهي كالتالي:

стр. 6135

الدليل الأول: من أدلة هذا القول ما يرجع إلى الخلاف في توصيف شركة المساهمة، وقد سبق تحرير الخلاف فيها بشيء من التفصيل، وأنا مضطر إلى إعادته لأهمية هذه المسألة. فالقائلون بجواز المساهمة في الشركات المختلطة يرون فيما يتعلق في تكييف الشركة الآتي: الشركة بشخصيتها الاعتبارية مستقلة عن المساهمين، وتصرفاتها المحرمة لا تعد تصرفاً للمساهمين، فالشخصية الاعتبارية للشركة قد جعلتها تملك، وتتصرف كالأفراد الطبيعيين، وتجب لها الحقوق، وتلزمها الواجبات، فالشركة لها شخصيتها الاعتبارية، وذمتها المالية، وهي بهذا تستقل تماماً عن شخصيات وذمم الشركاء المكونين لها، والسهم بهذا الشكل جزء من الشخصية الاعتبارية للشركة، ويرغب الناس في بيعه وشرائه بقصد الاسترباح، وليس وعاء لما يمثله من موجودات الشركة. والدليل على ذلك هو الاعتبار القانوني للشركة. والحصص ا لمقدمة للمساهمة في الشركة تنتقل على سبيل التمليك إلى ملكية الشركة، ويفقد الشركاء المستثمرون كل حق عيني عليها. والدليل على أن الأصول مملوكة للشركة، وليس لحملة الأسهم أن المساهم لا يملك التصرف في أعيان الشركة، أو منافع أعيانها، لا بالبيع، ولا بالرهن، ولا بالانتفاع، ولا بغيرها، وأن القوانين تنص على أن أموال الشركة المساهمة ليست ملكاً لحملة أسهمها. والشخصية الاعتبارية لها أصل في الفقه الإسلامي كالدولة، وبيت المال،

стр. 6136

وملكية الوقف فهذه الجهات ليست عبارة عن أصول وموجودات، وإن كان الوقف وبيت المال يملكان أصولاً، وديوناً، ومنافع. هذا هو توصيف الشركة بالنسبة إليهم، ويبنون بناء على هذا التوصيف جملة من الأحكام منها: * تصرف مجلس الإدارة في أموال الشركة ليس مبنياً على الوكالة، حتى يكون المساهمون مسئولين عن هذا التصرف. * لا تتعدى تبعة الربا مجلس الإدارة، لأنهم هم المباشرون للعقود الربوية، وأما المساهم المستثمر فغير مباشر، فلا يكون مؤاخذاً، ومع هذا فإنه لا يحل له أخذ الربح الناتج عن الربا، أو العنصر المحرم، بل يجب عليه أن يتحرى مقدار ما دخل على عائدات أسهمه من الإيرادات المحرمة، فيتخلص منها. ونوقش هذا: سبق لنا في فصل مستقل مناقشة القول بالشخصية الاعتبارية بما يكفي، ونبهت بأن القول بالشخصية الاعتبارية «لم تتوفر حتى الآن على هذا المفهوم المستحدث بأبعاده القانونية ندوات، أو مؤتمرات فقهية بغرض دراسته، واتخاذ الموقف الإسلامي المناسب تجاهه، وإن لم يخل الموضوع من دراسة منفردة هنا، أو هناك في محاولة لاستكشاف جوانبه، والحكم له أو عليه» (١). فهناك من ينكر إثبات هذه الشخصية الاعتبارية للشركة مطلقاً، ويرى أن قيام شركة المساهمة لا يتوقف على اعتبار الشركة ذات شخصية اعتبارية، بل يمكن

стр. 6137

أن تقوم شركة المساهمة بكل ما هو مقرر لها من أحكام، وخاصة فيما يتعلق بتداول الأسهم، دون أن توصف بالشخصية الاعتبارية، وإذا لم يكن هذا التكييف ضرورياً لم يكن لازماً. وهناك فريق آخر يذهب إلى القول بوجود هذه الشخصية الاعتبارية للشركة، بالقدر الذي يساعد على تسهيل معاملات الشركة، ويعترف لها بحق التقاضي لكنه يرفض بعض هذه الآثار القانونية المترتبة عنها، ويرى أنها مصادمة لروح الفقه الإسلامي وعدالته، فالآثار التي رتبت على القول بالشخصية الاعتبارية ليست مبنية على لوازم فقهية، وإنما مبنية على أحكام قانونية، وهي لا تلزم الفقيه. وبناء عليه فيمكن القول بالشخصية الاعتبارية للشركة، ولا يعني هذا الأخذ بتلك اللوازم القانونية، فلا نجعل ذمة الشركة مستقلة عن ذمة الشركاء من كل وجه، بل نأخذ به بالقدر الذي يساعد على تنظيم أعمال الشركة، والقيام بنشاطها دون تدخل مباشر من المساهمين؛ لأن وجود الشخصية الاعتبارية ليس أمراً جوهرياً تتغير به الحقيقة المقررة، وهي ملكية المساهمين للشركة، وموجوداتها. ولو سلمنا بأن وصف القانون التجاري حجة، وهذا نقوله من باب المناظرة، فإن كتب القانون ليست متفقة على ذلك، فقد ذكر الدكتور عبد العزيز خياط في كتابه الشركات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي: ثلاثة مذاهب لهم فيها، فمنهم من ينفيها، ولا يعتبر الشركة إلا بأشخاص مساهميها، ومنهم من يعتبرها مجازاً قانونياً، ومنهم من يعتبرها حقيقة قانونية، فإذا كان القول الفقهي إذا لم يتفق عليه، لا يعتبر حجة بمجرده، فما بالك بآراء أهل القانون الوضعي. وشركة المساهمة لا تختلف عن طبيعة شركة العقود، حتى ولو لم تلحق بأي نوع من أنواع الشركات المعروفة لدى الفقهاء، ذلك أن جوهرها: هو اتفاق عدد

стр. 6138

كبير من الشركاء على أن يدفع كل واحد منهما مالاً لمن يتصرف فيه، سواء كان من الشركاء أنفسهم، أو من غيرهم بقصد الحصول على الربح، وهذا هو مضمون شركات العقود، أما اختلاف الطريقة التي يحصل بها الاشتراك، ويجمع بها المال، أو الطريقة التي تدار بها أموال الشركة، فهذه أمور تنظيمية لا تتعارض مع طبيعة شركة العقد. وإذا كان الشأن كذلك فكل ما يقال عن أحكام للشركات المساهمة تخالف فيه أحكام الشركات في الفقه الإسلامي فهو من قبيل الدعوى التي تفتقر فيه إلى برهان من كتاب، أو سنة، أو إجماع. وإذا تقرر بأن اعتبار الشخصية الاعتبارية للشركة لا يعني الأخذ بتلك اللوازم القانونية لم يلزم من القول بإثبات الشخصية الاعتبارية للشركة في جواز المساهمة في الأسهم المختلطة، وذلك لأمور منها: أولاً: أن تصرفات مجلس الإدارة في أموال الشركة: إما أن يكون التصرف منهم لمصلحتهم، أو لمصلحة المساهمين، أو لمصلحتهما معاً، ولا يوجد قسمة غير هذه. فإن كانت تصرفاتهم في أموال الشركة لمصلحتهم، فما أخذوه من المساهمين بمنزلة القرض، ويجب عليهم أن يردوا مثله، فإن ردوا أكثر منه كان ذلك من الربا المحرم؛ لأنه من قبيل القرض الذي جر نفعاً. وإن كان تصرفهم لمصلحة المساهمين، أو لمصلحتهما معاً، فإن تصرفهم في أموال المساهمين من قبيل الوكالة، وقول غير هذا قول لا برهان عليه، ولا دليل عليه لا من الواقع، ولا من الشرع، وإذا كان تصرفهم من قبيل الوكالة كانت التصرفات المحرمة من مجلس الإدارة منسوبة إلى جميع المساهمين.

стр. 6139

ثانياً: إذا كانت حصتي في الشركة هي حصة ملك، وليست حصة اشتراك، فإذا تصرف أحد في حصتي فإما أن يتصرف بدون تفويض مني، فيعتبر تصرفه باطلاً؛ لأنه تصرف فيما لا يملك، أو يتصرف بتفويض، فيكون نائباً عني، وهذا هو التوكيل، فكل تصرفاته المحرمة أنا مسئول عنها؛ لأنه نائب عني. ثالثاً: أن الذي عين مجلس الإدارة، وفوض إليه التصرف، هو المسئول عن تصرفاتها، فمجلس الإدارة إما أن يكون قد عينه الأعضاء المؤسسون، وأقرته الجمعية التأسيسية للشركة ممثلة بالمكتتبين كلهم، أو غالبهم، أو عينته ابتداء الجمعية التأسيسية. فكيف يقال: إن تصرفات مجلس الإدارة لا يعتبر تصرفاً للمساهمين، وأنهم يمثلون أنفسهم، ولا يمثلون من عينهم، وأن الإثم عليهم وحدهم دون من كلفهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المكتتب مسئول عن نظام الشركة أيضاً لأنه لا بد أن يصدق عليه في الجمعية التأسيسية. والتي يدعو فيها المؤسسون جميع المكتتبين إلى الاجتماع لاستكمال إجراءات التأسيس، ومن ذلك التصديق على نظام الشركة. وكل هذه الإجراءات قبل أن تكتسب الشركة ما يسمى بالشخصية الاعتبارية؛ لأن هذه الإجراءات تسبق صدور القرار من وزير التجارة بإعلان تأسيس الشركة، ولا يمكن أن تكتسب الشركة شخصيتها القانونية والمعنوية إلا بعد صدور قرار وزير التجارة بإعلان التأسيس. فتبين بهذا مسئولية المكتتب في الشركة من ناحيتين: مسئوليته عن تصرف مجلس الإدارة؛ لأن المجلس نائب عنه. مسئوليته في إقرار نظام الشركة.

стр. 6140

فإن كان المساهم يملك أسهماً كثيرة تمكنه من تغيير كل نظام يخالف الشرع فهذا هو المطلوب، وإلا كان المطلوب منه ألا يمنح التفويض لمجلس الإدارة ابتداء، وذلك بعدم الدخول في الشركة، والمساهمة فيها. رابعاً: من المعلوم أن هذه الأموال هي ملك للمساهمين قبل أن يكتتبوا في أسهم الشركة، وهي باقية على ملكهم بعد الاكتتاب، إذ لم يوجد ما يخرجها عن ملكهم. خامساً: إذا جاز لكم أن تقولوا: إن السهم لا يمثل حصة شائعة في موجودات الشركة بناء على أن قيمته لا تعبر عن قيمة تلك الموجودات، جاز لنا أن نقول: إن السهم أيضاً لا يمثل حصة في الشخص الاعتباري الذي هو الشركة، بناء على أن قيمته لا ترتبط بالشركة نفسها، بل بالعرض والطلب، فما جاز لكم أن تجيبوا به جاز لنا أن نجيب بمثله سادساً: كون المساهمين لا يتصرفون في تلك الأموال طيلة مدة الشركة لا يعني أنها قد خرجت عن ملكهم، بل مرد ذلك إلى العرف الذي هو كالشرط، والمسلمون على شروطهم، وله نظير في الشرع، وهو المال المرتهن حيث يبقى على ملك الراهن، ولا يخرج عن ملكه، وليس له أن يتصرف فيه بالبيع مدة الرهن على القول الصحيح، هو قول جماهير أهل العلم، فامتناع التصرف من أجل حق الغير لا يمنع ثبوت الملك لأصحابها. والله أعلم. الدليل الثاني: من أدلة هذا القول ما يرجع إلى الخلاف في تكييف السهم، وهذه المسألة سبق بحثها في فصل مستقل، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً في مسألة: تكييف شركة المساهمة، ومتفرعة عنها، والأقوال فيها ثلاثة، ولا أريد أن أعيد البحث السابق، ولكن أريد أن أشير إليه إشارة لما لا بد منه في هذا البحث.

стр. 6141

فالقائلون بجواز المساهمة في الشركات المختلطة يرون أن السهم سلعة قائمة بذاتها، فهو صك مالي قابل للتداول، وتداوله منفصل عن نشاط الشركة، فلا ترتبط قيمة السهم بنشاط الشركة، بل بالعرض والطلب، كما أن ارتفاع قيمة الأسهم، أو انخفاضها لا يؤثر بشكلٍ مباشرٍ إيجاباً أو سلباً على نشاط الشركة؛ لأن ما يدفعه المساهم لشراء الأسهم بعد طرحها للتداول لا تأخذ منه الشركة ريالاً واحداً، ولا يدعم به نشاط الشركة، بل يذهب جميعه للمساهم البائع، وكذلك المساهم البائع لا يأخذ ثمن أسهمه من الشركة بل من المساهم المشتري. والمشتري للسهم حين يشتري السهم ليس مقصوده ما يمثله السهم من موجودات الشركة، وإنما يقصد القيمة السوقية للسهم بدليل أن السهم تكون قيمته أضعاف ما يمثله من موجودات الشركة، ورغم ذلك فإن مشتري السهم يرضى به؛ لأنه يعلم أن المؤثر الحقيقي في قيمة السهم: هو حجم العرض والطلب، لا ما يمثله السهم من موجودات الشركة، ولذا تجد كثيراً من المضاربين ينظر عند الشراء إلى حجم العرض والطلب، لا إلى موجودات الشركة. وإذا كان تداول السهم منفصلاً عن نشاط الشركة، لم يحرم تداول السهم في الشركات المختلطة. ونوقش هذا: الصحيح أن السهم حصة شائعة في ممتلكات الشركة، من أثمان، وأعيان، وديون، ومنافع، ولا يمكن فصل السهم عن أرباح الشركة لما يلي: أولاً: فصل السهم عن نشاط الشركة قول لا يدرك قائله مدى خطورته؛ لأنه

стр. 6142

يؤدي إلى جواز المساهمة في البنوك الربوية، وشركات القمار والخمور، وسائر الشركات المحرمة، لأن السهم سلعة بذاته مفصول عن موجودات الشركة، وما تمثله، وهذا لم يقل به أحد. ثانياً: القول بأن تداول السهم منفصل عن نشاط الشركة، وما يدفعه المساهم لشراء الأسهم بعد طرحها للتداول لا تأخذ منه الشركة ريالاً واحداً، ولا يدعم به نشاط الشركة، بل يذهب جميعه للمساهم البائع، قد يصدق هذا التوصيف على من يتملك الأسهم بقصد الاتجار بها (المضاربة)، ولكنه لا يصدق أبداً على من ساهم بماله في الاكتتاب بالشركة بقصد الاستثمار، وذهب ماله مباشرة إلى خزينة الشركة، مع أن هذا العمل هو الأصل في تكوين السهم، ومبدأ نشأته، وبيان حقيقته، وقيام الحقوق المترتبة على تملكه، فإذا جاء المتاجر بالأسهم (المضارب) فاشترى من المستثمر أسهمه فقد حل محله في الشركة، وأخذ موقعه، واستحق على الشركة ما يستحقه المستثمر الأول، فكان شريكاً ضرورة، فثبت أن المساهم ولو كان مضارباً فإنه بملكيته للسهم أصبح شريكاً. ثالثاً: لا يصح أن يقال: إن المساهم يبيع الوثيقة؛ لأن الوثيقة لا قيمة لها إذا جردناها عما تدل عليه، ولا تشتمل الوثيقة على أي منفعة ذاتية، بحيث يقال: إنه يجوز بيعها وشراؤها لمنفعتها كالسلع، وإنما قيمة الوثيقة تتمثل فيما تمثله من حقوق الاشتراك في الشركة، ومن كونها حصة شائعة في رأس مال الشركة وفي موجوداتها، فالراجح أنه لا يمكن فصل السهم عن ممتلكات الشركة، ويستحسن أن يرجع القارئ إلى مسألة تكييف السهم، فقد بحثتها بشيء من التفصيل في مبحث مستقل. إذا عرفنا: أن شركة المساهمة شركة قائمة على الوكالة على الصحيح، وأن السهم حصة شائعة في ممتلكات الشركة، علمنا أن المساهم مسئول عن ممارسة

стр. 6143

مجلس الإدارة، وأنه لا يجوز المساهمة في الشركات المختلطة إلا لقادر على تغيير نظام الشركة، وإذا كنا نتفق نحن وإياهم على أنه لا يجوز لأعضاء مجلس الإدارة التعامل بالربا مطلقاً، يسيراً كان أو كثيراً، فإنه لا يجوز أيضاً للمساهمين، ولا فرق، ومن ادعى فرقاً فعليه أن يثبت ذلك بالحجة الواضحة، وليس بأقوال أهل القانون. الدليل الثالث: استدلوا بقاعدة: (يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً). وجه الاستدلال بهذه القاعدة: لما كان بيع السهم واقعاً على موجوداته المباحة صح فيها، وإن كان فيها نسبة من الحرام؛ لأن الحرام فيها جاء تبعاً، وليس أصلاً مقصوداً بالتصرف والتملك. وأجيب: بأن استعمال هذه القاعدة في هذا الباب استعمال في غير موضعه، وذلك أن هذه القاعدة وردت في مسائل منصوص على حرمتها استقلالاً، وجوزها الشارع تبعاً، بخلاف الربا فإنه حتى لو حكم عليه أنه تبع، فإنه محرم بالاتفاق، ولهذا أوجبتم على المساهم التخلص من نسبة الربا، فيكف يقال: يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، نعم يصح الاستدلال لو كنتم ترون إباحة الربا اليسير، وأن المساهم لا يجب عليه التخلص منه؛ لأنه تابع، لو قيل ذلك لقيل استعمال القاعدة في موضعه. يتضح ذلك من خلال الأمثلة: بيع حمل الدابة استقلالاً محرم إجماعاً، وبيع الدابة مع حملها يجوز تبعاً،

стр. 6144

فتحول بيع الحمل من كون بيعه حراماً على وجه الاستقلال إلى مباح، لكونه تابعاً. أما الشركات المختلطة فلا أحد من العلماء قال: إن الربا الموجود فيها إذا كان يسيراً فإنه حلال؛ لأنه تابع، فهو محرم مطلقاً، سواء كان تبعاً، أم أصلاً مقصوداً أم غير مقصود، فلا يصح أن يقال: إن هذه القاعدة دليل على مسألتنا مع أن الربا في هذه الشركات ليس تابعاً؛ لأن عقوده مستقلة عن عقود إقامة الشركة، وإذا كان عقد الربا عقداً قائماً بذاته لم يصح أن يقال: إنه تابع. الدليل الرابع: استدلوا بالقاعدة التي تقول: (اليسير التابع مغتفر). ويناقش: هذه القاعدة صحيحة، ولكن استعمالها في موضع الشركات المختلطة استعمال في غير محله، وذلك أنه ليس كل يسير مغتفراً، بل يشترط، ألا يكون اليسير قد نص على تحريمه، ولذلك يحرم يسير الخمر وإن لم يسكر؛ لنص الشارع بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام، ومثله يسير البول ينقض الوضوء ككثيره، فإذا كان اليسير قد نص على تحريمه فكيف يكون مغتفراً ومثله يسير الربا قد نص على تحريمه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن معنى كون اليسير مغتفراً أن يكون حلالاً، وأنتم لا تقولون: إن يسير الربا حلال. الدليل الخامس: الاستدلال بالقاعدة التي تقول: اختلاط جزء محرم بالكثير المباح لا يجعله حراماً.

стр. 6145

قال السمرقندي من الحنفية: «ولو أن رجلاً أهدى إليه إنسان يكتسب من ربا، أو رجل ظالم يأخذ أموال الناس، أو أضافه، فإن كان غالب ماله من حرام، فلا ينبغي له أن يقبل، ولا يأكل من طعامه، ما لم يخبره أن ذلك المال أصله حلال ورثه أو استقرضه أو نحو ذلك، فإذا كان غالب ماله حلالاً فلا بأس بأن يقبل هديته، ويأكل منه، ما لم يتبين عنده أنه من حرام» (١). إذا علم ذلك فإن المساهمة في الشركات المختلطة بالحرام لا تكون حراماً إلا أن يكون الحرام فيها هو الغالب. ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن هذا المسألة ليست في محل النزاع، فيجب أن يفرق بين التعامل مع المرابي في معاملة مباحة، كما لو اشتريت منه سيارة، وبين مشاركته في الربا. فمعاملة من اختلط في ماله الحلال و الحرام تعني الشراء منه، وكذلك الاستئجار، والاقتراض الحسن منه، والأكل عنده، وقبول هديته، و نحو ذلك، فهذا كله جائز ما لم يعلم أن الشيء المقدم في المعاملة حرام بعينه، بل وتجوز مشاركته في معاملة مباحة خالصة، لكن لا يجوز الاشتراك معه في أعمال الربا. ولسنا نحرم المساهمة في الشركات المختلطة؛ لأن ذلك من باب الإعانة على الإثم كما يصوره الأستاذ إبراهيم السكران، ولذلك أطال في الجواب عنه، وهو ليس في موضع النزاع، بل لأن المساهمة في تلك الشركات مشاركة في الفعل المحرم، فالمساهم كشريك في هذه الشركة يعتبر مرابياً، وليس من باب

стр. 6146

التعامل مع المرابي في معاملة مباحة قد يستعين بها المرابي بعد تملكها التملك الشرعي في فعل محرم. الوجه الثاني: أن هناك فرقاً بين رجل اختلط ماله الحلال بالحرام، وبين أن يقوم الرجل نفسه بخلط المال الحلال بمال حرام، فالمساهم في الشركات المختلطة يساهم، وهو يعلم أن الشركة تتعاطى بالربا شأنه في ذلك شأن من يقوم بخلط المال الحرام بالمال الحلال بفعله المقصود، وخلط المال الحرام بالمال الحلال محرم، كالغاصب والمرابي يحرم عليهما أن يخلطا ما كسباه من مال حرام بالمال الحلال، وهذا لا ينازع فيه أحد، فالمساهم الذي يساهم في الشركات المختلطة حكمه حكم من يخلط المال الحرام بالمال الحلال، وليس حكمه حكم من اختلط ماله الحلال بمال حرام من غير قصد حتى يكون التخلص من المال الحرام مخلصاً له، فالربا فعله حرام، وثمرته حرام أيضاً، وهب أنك أخرجت ثمرته الخبيثة، فإن فعل الموبقات، والإقدام عليها، وتكرار الفعل، وقبول تلك العقود كلها من أكبر الكبائر، ولا يخرج منها المرء إلا بالتوبة النصوح، لا بالبقاء في الشركة، وتكرار الأفعال المحرمة. الدليل السادس: الأخذ بقاعدة (الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة). وهي قاعدة شرعية لها أمثلة كثيرة، منها جواز بيع العرايا للحاجة العامة مع أن العرايا بيع مال ربوي بجنسه من غير تحقيق التماثل. قال ابن تيمية: «يجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها، كما جاز بيع العرايا بالتمر» (١).

стр. 6147

وجه الاستدلال بهذه القاعدة: أن الشركات المساهمة في عصرنا تشكل عنصراً اقتصادياً مهماً في حياتنا المعاصرة، فلا غنى لكل أمة ولكل دولة عن قيام هذه الشركات، لما تحتاجه تلك الأمم، وتلك الدول من مشاريع، فهي اليوم تشكل حاجة ملحة في حياة الأمم والدول، ولا مناص لأي دولة تريد الاستفادة من منجزات العلم، والصناعة، والثقافة، وهذا ضرب من عمارة الأرض التي أمر الله بها عباده. وإذا كان هذا شأنها فإن حاجة الناس تقتضي الإسهام في هذه الشركات الاستثمارية لاستثمار مدخراتهم، كما أن حاجة الدولة تقتضي توجيه الثروة الشعبية إلى استخدامها فيما يعود على البلاد والعباد بالرفاهية والرخاء. ونظراً إلى أن الحاجة العامة سواء كانت للمجتمع، أو للدولة تنزل منزلة الضرورة للأفراد، فإن حاجة المجتمع إلى تداول أسهم هذه الشركات بيعاً، وشراءً، وتملكاً حاجة ملحة ظاهرة، لا ينكرها ذو نظر عادل وبعيد، كما أن حاجة الدولة إلى توجيه الثروات الشعبية للإسهام في توفير الخدمات العامة لأفرادها حاجة تفرضها عليها مسئولياتها. ولو قلنا بمنع بيع وشراء أسهم هذه الشركات لأدى ذلك إلى إيقاع الناس في حرج، وضيق عندما يجدون أنفسهم عاجزين عن استثمار ما بأيديهم من مدخرات، وقد يندفع كثير منهم تبعاً لذلك إلى الإيداع في البنوك الربوية، كما أن الدولة قد تقع نتيجة لذلك في حرج شديد يضطرها إلى سد الحاجة فيما كانت تقوم به هذه الشركات بالتقدم للبنوك الربوية لتمويل مشروعاتها العامة (١). لذلك كله نستطيع القول بجواز تداول أسهم هذه الشركات.

стр. 6148

ونوقش هذا من وجوه: الوجه الأول: قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) لا تصلح دليلاً لهذا القول، لأن هذه القاعدة إنما يصح الاستدلال بها لو كانوا يرون جواز تعاطي مجلس الإدارة للربا من أجل الحاجة، وهم لا يقولون بذلك، بل يحرمون على مجلس الإدارة التعاطي بالربا، فلم يصح الاستدلال. الوجه الثاني: أن المقصود بالحاجة هنا هي الضرورة، والفقهاء يعبرون بالحاجة تارة ويقصدون بها الضرورة. وذلك أن مجرد الحاجة لا تبيح المحرم، خاصة إذا كان محرماً لذاته كربا النسيئة، وإنما الضرورة هي التي تبيح المحرم. قال الشافعي ﵀: «وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات» (١). الوجه الثالث: على فرض أن تكون الحاجة على وجهها، فإن المقصود بالحاجة، هي الحاجة العامة، وليس المشاركة في المساهمات من الحاجات العامة. جاء في الموسوعة الكويتية «ومعنى كون الحاجة عامة: أن الناس جميعاً يحتاجون إليها فيما يمس مصالحهم العامة، من تجارة، وزراعة، وصناعة، وسياسة عادلة، وحكم صالح.

стр. 6149

ومعنى كون الحاجة خاصة: أن يحتاج إليها فرد أو أفراد محصورون أو طائفة خاصة كأرباب حرفة معينة. والمراد بتنزيلها منزلة الضرورة: أنها تؤثر في الأحكام فتبيح المحظور وتجيز ترك الواجب وغير ذلك مما يستثنى من القواعد الأصلية» (١). الوجه الرابع: أن الذي ورد أن الحاجة تبيحه هو ربا الفضل، كالعرايا مثلاً، أما مسألة المساهمة في الشركات المختلطة فهو في ربا النسيئة، وهناك فرق بينهما من حيث: إن ربا النسيئة مجمع على تحريمه، لا خلاف فيه بين الفقهاء ولم يستثن منه شيء، وأما ربا الفضل ففيه خلاف في تحريمه، واستثني منه العرايا. ولا يقاس ما أجمع على تحريمه على ما اختلف فيه. يقول الشيخ أحمد الزرقاء «والظاهر أن ما يجوز للحاجة إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوزه، أو تعامل، أو لم يرد فيه شيء منهما، ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه .... وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه فعدم الجواز فيه واضح، ولو ظنت فيه مصلحة؛ لأنها حينئذ وهم» (٢). الوجه الخامس: أن العرايا قد نص على أنه لا يقاس عليها، وأنه لم يرخص في غيرها، فتعميم الرخصة مخالف للنص الشرعي.

стр. 6150

(ح-٨٦٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر. عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك - أي بعد نهيه عن بيع الرطب بالتمر - في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غيره (١). فقوله: (ولم يرخص في غيره) دليل على قصر الرخصة على العرايا خاصة، ومما يدل على قصر الرخصة في العرايا نهيه ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة. مع العلم أن الشارع لم يأذن بالفاضل المتيقن في العرايا، فلم يبح يقين الربا في العرايا، وإنما سوغ الشارع المساواة بالخرص من أهل الخبرة بالخرص في مقدار قليل تدعو إليه الحاجة، وهو قدر النصاب خمسة أوسق فما دون، والخرص معيار شرعي للتقدير إذا تعذر الكيل في أمور كثيرة منها الزكاة، بينما أنتم تبيحون الوقوع في يقين الربا في الشركات المختلطة، وليس احتمال الوقوع في الربا، وفي ربا النسيئة المجمع على تحريمه، وليس في ربا الفضل، فشتان بين المسألتين. الوجه السادس: أنها لم تتعين طريقاً للكسب، إذ يوجد طرق أخرى من الكسب المشروع الحلال تغني عنها، كالمساهمات العقارية، والبيع والشراء. الوجه السابع: أن من شروط استباحة المحظور أن يقطع بارتفاع الضرر به، ولذلك لا يباح التداوي بالحرام؛ لأن الدواء ليس طريقاً مؤكداً للشفاء، فقد يتعاطى الدواء ولا يشفى، وكذلك المساهمة في الشركات المختلطة، فقد نرتكب مفسدة الربا

стр. 6151

بالمساهمة ونخسر فتزداد الحاجة، وإذا لم نخسر فقد لا نربح، فلا تندفع الحاجة، ونكون حينئذ قد ارتكبنا مفسدة الربا دون مصلحة تذكر. الوجه الثامن: إذا أبيحت الشركات المساهمة المختلطة لقيام الحاجة، فهل هي حاجة للأفراد، أو حاجة للأمة، أو حاجة للشركة، ولا يوجد قسم رابع: فإن قيل: هي حاجة للأفراد، فالجواب: أنها لا تكون كذلك إلا إذا لم يوجد طرق أخرى للكسب المشروع يغني عنها، ومن ادعى أن الحرام عم الأرض بحيث لا يوجد طريق للكسب المشروع يغني عن المشبوه فعليه الدليل. ولو سلم أن الفرص المشروعة لا تكفي، ومنها الشركات النقية، فهل إذا ساهم الفرد في هذه الشركات المختلطة تندفع حاجته يقيناً؟ فالجواب: لا، قد تندفع حاجته، وقد تزداد حاجته كما لو وقع في خسائر، وهو أمر متوقع مع ارتفاع نسبة الخطورة، فكيف نبيح الربا الصريح، والمفسدة المتحققة لمصلحة محتملة؟ وإن قيل: هي حاجة للأمة فالجواب: (أ) لو سلمنا حاجة البلاد إلى بعض الشركات المساهمة، والتي تقوم بمصالح حيوية للمجتمع، فهل قيامها بهذا الدور الحيوي لا يمكن إلا إذا كانت تتعامل بالربا، ألا يمكن أن تقوم بهذا الدور، وهي نقية من المعاملات المحرمة، لماذا وهي تستفيد من هذا المجتمع المسلم ألا تراعي أحكام المجتمع الذي قامت فيه، فتجبر على انضباط معاملاتها؟

стр. 6152

(ب) لو سلمنا حاجة البلاد والعباد إلى بعض الشركات المختلطة، فإنه لا يمكن التسليم بها في كثير من الشركات التي يمكن الاستغناء عنها، إما لعدم الحاجة إليها بالمعنى المشار إليه، وإما لإمكان الاستغناء عنها بشركات غير مساهمة، وهذا يعني أن الدليل أخص من المدلول؛ إذ إن أصحاب هذا القول يستدلون بدليل الحاجة لإباحة جميع الشركات التي يحتاج إليها، والتي لا يحتاج إليها. (ج):هل يمكن الجزم بأن الناس يلحقهم حرج شديد، ومشقة غير محتملة إذا منعوا من المساهمة في الشركات المختلطة؟ أو أن المشقة التي تلحقهم هي المشقة المعتادة التي يشعر بها من منع من أي فرصة استثمارية لزيادة دخله، أو حتى لتلبية حاجاته الضرورية من مسكن وغيره، ومثل تلك الحاجة لا يباح بها الحرام، وإلا لأبيح كثير من الاستثمارات المحرمة التي تدر ربحاً عالياً كالإيداع في البنوك الربوية ونحوها. وإن قيل: هي حاجة للشركة: فإن الشركة لا تجد بدًّا من إتمام عملياتها إلا عن طريق الاقتراض بالربا. فالجواب: قد يكون هذا القول مقبولاً في فترة فشا فيها الربا، وكانت البنوك الإسلامية لم تقم على ساقيها، أما في هذه المرحلة فالأمر عكس ذلك، فنحمد الله أن انتشرت هذه البنوك الإسلامية في أنحاء الأرض، وهي مستعدة أن تمول الشركات بالطرق المباحة: كالمرابحة، وعقود الاستصناع، والسلم، وغير ذلك مما جاءت الشريعة بإباحته. الدليل السابع: الاستدلال بقاعدة (عموم البلوى ورفع الحرج).

стр. 6153

جاء في الموسوعة الكويتية: يفهم من عبارات الفقهاء أنّ المراد بعموم البلوى: الحالة أو الحادثة الّتي تشمل كثيراً من النّاس ويتعذّر الاحتراز عنها، وعبّر عنه بعض الفقهاء بالضّرورة العامّة وبعضهم بالضّرورة الماسّة، أو حاجة النّاس. وفسّره الأصوليّون بما تمسّ الحاجة إليه في عموم الأحوال ..... (١). وجه عموم البلوى في المساهمة في الشركات المختلطة: أن تعامل الناس اليوم في المساهمات قد شاع وانتشر بين كافة الناس بيعاً وشراء، حتى دخل ذلك كل بيت، وشارك فيه الصغار والكبار، والأغنياء والفقراء، وأن التحرز من المساهمة في هذه الشركات المختلطة يلحق بالناس حرج ومشقة، مما يجعل القول بالجواز مما تمس الحاجة إليه؛ لعموم البلوى فيه. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: يشترط للعمل بقاعدة (عموم البلوى) ألا تتعارض مع نص شرعي. قال ابن نجيم: «ولا اعتبار عنده - يعني أبا حنيفة - بالبلوى في موضع النص، كما في بول الآدمي» (٢). وقال أيضاً: «المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما مع النص بخلافه فلا» (٣).

стр. 6154

فما دام أن الدليل قائم على تحريم يسير الربا لا يمكن للمجتهد أن يستدل بقاعدة عموم البلوى؛ لأن ذلك يؤدي إلى تعطيل النص. الوجه الثاني: ذكرنا فيما سبق أن المراد بعموم البلوى: الحالة أو الحادثة التي تشمل كثيراً من النّاس، ويتعذّر الاحتراز عنها. فلا بد من هذين القيدين: أن يكون الحرج في نازلة عامة في الناس. وألا يكون للإنسان قدرة على الانفكاك عن ذلك إلا بمشقة ظاهرة. فإذا سلمنا أن المساهمة في تلك الشركات قد شاع وانتشر فهذا الشيوع والانتشار وحده لا يكفي أن يكون سبباً للتخفيف حتى يتعذر الاحتراز من ذلك، بحيث تكون المساهمات في تلك الشركات ملابسة للناس ومخالطة لهم على وجه يشق معه التحرز منها، والانفكاك عنها، كما يشق على الناس الاحتراز من مخالطة الهرة وملامستها لأواني الناس وملابسهم، ولا يستطيع أحد أن يدعي بأن المكلف اليوم لا يستطيع أن يتحرز من المساهمة في تلك الشركات المختلطة، فكثير من الناس لا يساهم في الشركات مطلقاً فلم تصح دعوى عموم البلوى. الدليل الثامن: أن القول بتحريم المساهمة في الشركات المختلطة سيؤدي إلى ضرر كبير في المؤسسات المالية الإسلامية، وذلك لأن الشركات النقية قليلة جداً مما يؤدي إلى كون الفرص الاستثمارية أمام هذه المؤسسات محدودة جداً، وسينتج عنه وجود فائض كبير من الأموال بدون استثمار لدى المؤسسات المالية مما يلحق بها ضرراً كبيراً لتحملها التكلفة الناشئة عنها.

стр. 6155

ونوقش: بأن «المصالح المترتبة على القول بالجواز: هي مصالح مستنبطة غير منصوص عليها، وهي في مقابلة دليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فإنه من المعلوم أن العلماء ﵏ اشترطوا للأخذ بالمصالح ألا تعارض النصوص، أما إذا كانت المصلحة تصادم نصاً شرعياً فهي ملغاة، ولا اعتبار لها، كما قرره الغزالي وغيره من الفقهاء، بل أجمع الفقهاء على ذلك، أي على عدم اعتبار المصلحة إذا كانت معارضة لنص قطعي الدلالة والثبوت» (١). ولو أخذنا بالمصالح المتوهمة لأحللنا الربا باعتباره مصلحة اقتصادية، وأبحنا الزنا والخمور من باب تشجيع السياحة، واستقطاب الأموال. وقد يقال: إن المصلحة هي في عدم مساهمة الناس في تلك الشركات المختلطة، مع بيان أن المانع للناس من الإقدام على المشاركة فيها هو وقوعها في المعاملات المحرمة، فقد يحمل هذا السلوك القائمين على الشركة للتخلص من المعاملات المحرمة طلباً لمساهمة الناس فيها، وهذه مصلحة كبرى للناس وللشركة، وقد شاهدنا هذا في تحول بعض المصارف الربوية إلى مصارف إسلامية طلباً للكسب والمنافسة، مما ساهم في نشر المصارف الإسلامية في السنوات الأخيرة. هذه تقريباً أهم الأدلة التي احتج بها من يرى الجواز مع مناقشتها. القول الثاني: القول بالتحريم، وهو قول عامة أهل العلم في عصرنا، وإليه ذهب

стр. 6156

المجمعان: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١)، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالبلاد السعودية (٣)، والهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي (٤)، وهيئة الفتوى والرقابة الشرعية لبيت التمويل الكويتي (٥)، وهيئة الرقابة الشرعية بالبنك الإسلامي السوداني (٦)، وأجمع عليه المجتمعون للفتوى والرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية بالقاهرة، عام ١٤٠٣ هـ (٧). ومن العلماء المعاصرين: سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (٨)، وأحد القولين لشيخنا ابن عثيمين عليه رحمة الله (٩). والشيخ عبد الله بن جبرين

стр. 6157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6158

يرحمه الله (١)، والشيخ عبد الرزاق عفيفي (٢)، والشيخ صالح بن فوزان الفوزان (٣)، والشيخ علي السالوس (٤)، وعدد كثير من الباحثين، منهم الشيخ صالح المرزوقي (٥)، والأستاذ أحمد محيي الدين حسن (٦)، والشيخ عبد الله السعيدي (٧)، والشيخ أحمد الخليل (٨)، وغيرهم كثير. دليل القائلين بتحريم المساهمة في الشركات المختلطة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وجه الاستدلال: أمر الله بأن نترك ما بقي من الربا مطلقاً يسيراً كان أو كثيراً إن كنا مؤمنين

стр. 6159

حقاً، ولم يأمرنا بأخذه والتخلص منه، وما كان ربك نسياً، وما استحسنه بعض الناس من أخذه وصرفه في المصالح العامة فهذا استحسان في مقابلة النص، ولأن المصلحة كلها في طاعة الله ورسوله، وليست في شيء سواهما، فلما وجه الله عباده بترك الربا، ولم يوجه العباد إلى شيء آخر كأخذه، والتخلص منه، كان أخذه مخالفاً لأمر الله سبحانه. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. وجه الاستدلال: حذرت الآية الكريمة من العود إلى الربا بعد سماع الموعظة والعلم بالتحريم، سواء عاد إليه بنية التخلص، أو بغيرها؛ لأن الوعيد مطلق، وتكفي الآية دليلاً على عظم الذنب في الربا، لقوله سبحانه ﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. الدليل الثالث: لم يأذن النبي ﷺ بأخذ الربا من أهل الجاهلية بنية التخلص، فما بالك بأخذه من أهل الإسلام بنية التخلص. (ح-٨٦٤) فقد روى مسلم في صحيحه كما في حديث جابر في حجة النبي ﷺ ، فقد جاء في خطبته للناس يوم عرفة: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع .... وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله) (١).

стр. 6160

وجه الاستدلال من الحديث: أن الرسول وضع الربا الذي كان معقوداً في الجاهلية قبل تقرر الأحكام في الإسلام، فما بالك بربا حصل بعد تقرر الأحكام في الإسلام؟ الدليل الرابع: القول بأن المساهم في الشركة إذا أخرج نسبة معينة تبرأ ذمته، و يتخلص من الإثم قول فيه نظر، وذلك أن العقود المحرمة، ومنها الربا، لا يجوز إقرارها، ولا الموافقة عليها، ولا الإسهام فيها، والمساهم حين يساهم في الشركات المختلطة يكون قد قام بكل ذلك، فهو يمارس الربا، ويقبله، ويوافق عليه، ويسهم فيه، وذلك بتفويض من يقوم عنه بذلك، فالمساهم شريك في هذه الشركات المحرمة، ليس شريكاً في المال فحسب، بل شريكاً في العمل أيضاً، وكونه لا يباشر العمل ليس معناه عدم مشاركته فيه، فإن مباشرة جميع الشركاء أعمال الشركة أمر غير متصور، لكنه حاصل من خلال تفويضهم من يقوم بالعمل عنهم، ويعمل لحسابهم. ولا يكفي في حله القول بإخراج قدر المحرم من السهم، فإن المساهم في الشركة المشبوهة قد أسهم في أعمالها وكسبها المحرم، سواء تصدق بما نجم عن ذلك الكسب المحرم أو لم يتصدق، والإسهام في الحرام مجمع على تحريمه، فالتخلص من الحرام لا يبرر الإقدام عليه، وتكراره، وإعانة الآخرين بالمال والعمل على إتمامه، خاصة إذا كان هذا العمل من الموبقات، ومن الظلم والفساد في الأرض (١). وأي فائدة يكسبها هذا المسلم إذا تعود على كسب الخبيث، وأعان عليه،

стр. 6161

وساهم فيه، ثم ذهب ليتطهر منه، ليس بالإقلاع عنه، والتوبة منه، ولكن بإخراج عوائده، وهو مازال منغمساً في وحله، مصراً عليه، مساهماً فيه، فالتخلص من الربا إنما ينفع التائب النادم، أو من دخل عليه الحرام دون علمه ومن المعلوم أن من شروط التوبة الإقلاع فوراً عن الذنب و العزم على ألا يعود، و هذان مفقودان فيمن يدخل هذه الشركة و أمثالها عالماً عامداً مختاراً و لو مع نية التخلص من الحرام. الدليل الرابع: إذا كان الفقهاء يمنعون الإسهام في المعصية، ولو كان بطريق غير مباشر، كمن يبيع العنب لمن يعصره خمراً، أو يبيع السلاح لمن يستعمله في الفتنة، أو في قطع الطريق، وقد تكلمنا عن هذه المسألة فيما سبق ببحث مستقل، فلأن يقال بمنع الإسهام في المعصية بطريق مباشر من باب أولى، فيمنع من الإسهام في الشركات المساهمة المشوبة بالربا، وذلك لأن الإسهام فيها مشاركة في أعمالها المحرمة (١). الدليل الخامس: حرم الإسلام الربا المحتمل في مسائل كثيرة، منها ما هو محل إجماع بين أهل العلم، من ذلك: إذا قال الرجل لآخر: أقرضك بشرط أن تبيعني. (ح-٨٦٥) فقد روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).

стр. 6162

[إسناده حسن] (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض وإن كان كل واحد منهما صحيحاً بانفراده؛ لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعاً للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع، وهو أمر محتمل، وليس أمراً متيقناً نهى عنها الشارع، وإذا كان هذا حكم الشرع بالفائدة المحتملة المستترة فكيف بالفائدة الظاهرة والمشروطة. (ح-٨٦٦) ومنه أيضاً: ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، عن عطاء. سمع جابر بن عبد الله ﵄: نهى النبي ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة وعن المزابنة وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، وألا تباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا (٢). (ح-٨٦٧) وروى البخاري من طريق الليث، عن نافع. عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله. ورواه مسلم (٣). فنهى عن المخابرة: وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض. ونهى عن المزابنة: بيع التمر بالرطب.

стр. 6163

ونهى عن المحاقلة: وهي بيع الحب في سنبله بحب صاف كيلاً. قال ابن كثير: «إنما حرمت هذه الأشياء - يعني: المخابرة، والمزابنة، والمحاقلة - وما شاكلها حسماً لمادة الربا؛ لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا، والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم ... » (١). فإذا كان يشترط لصحة العقد خلوه من احتمال الربا، فما بالك بتحريم هذه العقود مع صريح الربا. الدليل السادس: سد الذرائع المفضية إلى الحرام، فالإنسان إذا أخذ الربا، فربما تغلبه نفسه، ولا يخرجه عن ملكه، لاسيما إذا كان المال كثيراً، فليس من الحكمة أن يفتح الباب لعموم الناس أن يساهموا في الشركات المختلطة، وأن يأخذوا الربا، ثم نطالبهم بالتخلص منه، ألا منعناهم ابتداء من أخذ الحرام حتى لا نفتنهم في قدرتهم على التخلص منه. هذه بعض أدلة هذا القول، وقد تركت أدلة كثيرة لهذا القول إما لأنها أحاديث ضعيفة، وإما لأنها ليست صريحة في الباب، لأن الاستدلال بالدليل الضعيف يسيء إلى القول القوي ويضعفه. الراجح من الخلاف: إنني أتعجب من إقدام بعض طلبة العلم على القول بجواز الشركات المختلطة

стр. 6164

مع علمهم بأن ذلك يعني إمضاء عقود الربا، وتكرارها، مع أن عقود الربا يجب فسخها بالإجماع، ثم أراهم يتحرجون من القول بجواز شركات التأمين التجارية للمنشآت مع أن عقود التأمين من عقود الغرر، وهي أخف بكثير من عقود الربا بل لا مقارنة بين العقدين. لهذا أرى أن القول بالتحريم هو القول المتعين للأسباب التالية: الأول: لا يجوز الاستدلال بالقواعد العامة فيما ورد فيه نص خاص، وذلك لأن النص العام لا يقضي على النص الخاص، ولا يقدم عليه، مع العلم أن دلالة العام على أفراده أقوى من دلالة القاعدة العامة على جزئياتها، وذلك لأن النص العام تلقيناه من قبل الشارع بخلاف القواعد العامة فهي قواعد مستنبطة وليس منصوصاً عليها، ولذلك تجد كل مذهب من المذاهب الأربعة قد يستقل ببعض القواعد التي لا يحتج بها بقية المذاهب الأخرى، كما أن القواعد أغلبية وليست كلية، فإذا كان الاستدلال بها يؤدي إلى تعطيل نص قطعي خاص امتنع الاحتجاج بها، فالنصوص الخاصة بتحريم يسير الربا لا ينازع فيها أحد بما فيهم المخالف، فتجاوز تلك النصوص إلى القواعد العامة ليس بالمنهج السليم. ثانياً: أن القول بالجواز ليس منضبطاً أيضاً من الناحية الفقهية: فهم يشترطون للجواز أن يكون الربا يسيراً، ثم يقولون: لا يغتفر اليسير بل يجب التخلص منه، فإن كان اليسير لا يغتفر لم يكن هناك فرق بين القليل والكثير بجامع التحريم في كل منهما. ويشترطون التخلص من الربا لجواز المساهمة، ثم لا يرون التخلص مخلصاً إذا كان الربا كثيراً، فإن كان التخلص من الحرام هو شرط الجواز، فلماذا التفريق بين الكثير والقليل، فإذا كان التخلص من الحرام لم ينفع في الكثير فلن

стр. 6165

ينفع في القليل أيضاً، لأن القليل حرام كالكثير وهذا محل اتفاق، وهذا يدلك على عدم انضباط الفتوى. وأوجبوا بيع السهم والتخلص منه إذا تغير وضع الشركة بحيث لم يعد تنطبق عليها تلك الضوابط، كما لو زادت نسبة الحرام عن المقدار الجائز عندهم، مع تحريمهم شراءه في مثل هذه الحالة، والسؤال: إذا كان السهم حراماً فكيف يجوز بيعه، والانتفاع بثمنه؟ فإن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، أتتخلص من الحرام بإيقاع أخيك فيه، أليس مقتضى الأثر والنظر أن يقال: بعدم جواز بيعه في هذه الحالة كما قلتم بتحريم شرائه. وقالوا: إن تصرفات أعضاء مجلس الإدارة ليست محسوبة على المساهمين مع قولهم بأن الأرباح التي يجنيها مجلس الإدارة هي من حق المساهمين، كما حرموا على المساهم أن يساهم في الشركة إذا كان تصرف أعضاء مجلس الإدارة قد تعدى نسبة معينة يرونه كثيراً، فلولا أن تصرفات الشركة محسوبة على المساهمين لم يجعلوا هذه الضوابط في تصرفات الشركة؟ ثالثاً: إذا كان الربا عقداً بين الآخذ والمعطي، وهما في حكم الشرع واحد كما قال ﷺ في حديث أبي سعيد: (الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه مسلم، فالتخلص لا يخلص المعطي، وإنما يخلص الآخذ على قولكم، فإذا كان الآخذ سبباً في ربا المعطي، ولولاه لم يقع في الربا كان الآخذ شريكاً للمعطي في الإثم، لأنه السبب في وقوعه في الربا، وإن تخلص الآخذ مما أخذ لم يستطع أن يتخلص من كونه سبباً في ربا الطرف الثاني مع العلم بأن الشركات المختلطة تارة تكون آخذة للربا وتارة تكون معطية، وهي في حال تكون معطية لا يتصور أن يكون التخلص مخلصاً لها. رابعاً: الفقهاء متفقون على أن العقد الفاسد فضلاً عن الباطل يجب فسخه،
следующие страницы →