← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

وساهم فيه، ثم ذهب ليتطهر منه، ليس بالإقلاع عنه، والتوبة منه، ولكن بإخراج عوائده، وهو مازال منغمساً في وحله، مصراً عليه، مساهماً فيه، فالتخلص من الربا إنما ينفع التائب النادم، أو من دخل عليه الحرام دون علمه ومن المعلوم أن من شروط التوبة الإقلاع فوراً عن الذنب و العزم على ألا يعود، و هذان مفقودان فيمن يدخل هذه الشركة و أمثالها عالماً عامداً مختاراً و لو مع نية التخلص من الحرام. الدليل الرابع: إذا كان الفقهاء يمنعون الإسهام في المعصية، ولو كان بطريق غير مباشر، كمن يبيع العنب لمن يعصره خمراً، أو يبيع السلاح لمن يستعمله في الفتنة، أو في قطع الطريق، وقد تكلمنا عن هذه المسألة فيما سبق ببحث مستقل، فلأن يقال بمنع الإسهام في المعصية بطريق مباشر من باب أولى، فيمنع من الإسهام في الشركات المساهمة المشوبة بالربا، وذلك لأن الإسهام فيها مشاركة في أعمالها المحرمة (١). الدليل الخامس: حرم الإسلام الربا المحتمل في مسائل كثيرة، منها ما هو محل إجماع بين أهل العلم، من ذلك: إذا قال الرجل لآخر: أقرضك بشرط أن تبيعني. (ح-٨٦٥) فقد روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).

стр. 6162

[إسناده حسن] (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض وإن كان كل واحد منهما صحيحاً بانفراده؛ لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعاً للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع، وهو أمر محتمل، وليس أمراً متيقناً نهى عنها الشارع، وإذا كان هذا حكم الشرع بالفائدة المحتملة المستترة فكيف بالفائدة الظاهرة والمشروطة. (ح-٨٦٦) ومنه أيضاً: ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، عن عطاء. سمع جابر بن عبد الله ﵄: نهى النبي ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة وعن المزابنة وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، وألا تباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا (٢). (ح-٨٦٧) وروى البخاري من طريق الليث، عن نافع. عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله. ورواه مسلم (٣). فنهى عن المخابرة: وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض. ونهى عن المزابنة: بيع التمر بالرطب.

стр. 6163

ونهى عن المحاقلة: وهي بيع الحب في سنبله بحب صاف كيلاً. قال ابن كثير: «إنما حرمت هذه الأشياء - يعني: المخابرة، والمزابنة، والمحاقلة - وما شاكلها حسماً لمادة الربا؛ لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا، والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم ... » (١). فإذا كان يشترط لصحة العقد خلوه من احتمال الربا، فما بالك بتحريم هذه العقود مع صريح الربا. الدليل السادس: سد الذرائع المفضية إلى الحرام، فالإنسان إذا أخذ الربا، فربما تغلبه نفسه، ولا يخرجه عن ملكه، لاسيما إذا كان المال كثيراً، فليس من الحكمة أن يفتح الباب لعموم الناس أن يساهموا في الشركات المختلطة، وأن يأخذوا الربا، ثم نطالبهم بالتخلص منه، ألا منعناهم ابتداء من أخذ الحرام حتى لا نفتنهم في قدرتهم على التخلص منه. هذه بعض أدلة هذا القول، وقد تركت أدلة كثيرة لهذا القول إما لأنها أحاديث ضعيفة، وإما لأنها ليست صريحة في الباب، لأن الاستدلال بالدليل الضعيف يسيء إلى القول القوي ويضعفه. الراجح من الخلاف: إنني أتعجب من إقدام بعض طلبة العلم على القول بجواز الشركات المختلطة

стр. 6164

مع علمهم بأن ذلك يعني إمضاء عقود الربا، وتكرارها، مع أن عقود الربا يجب فسخها بالإجماع، ثم أراهم يتحرجون من القول بجواز شركات التأمين التجارية للمنشآت مع أن عقود التأمين من عقود الغرر، وهي أخف بكثير من عقود الربا بل لا مقارنة بين العقدين. لهذا أرى أن القول بالتحريم هو القول المتعين للأسباب التالية: الأول: لا يجوز الاستدلال بالقواعد العامة فيما ورد فيه نص خاص، وذلك لأن النص العام لا يقضي على النص الخاص، ولا يقدم عليه، مع العلم أن دلالة العام على أفراده أقوى من دلالة القاعدة العامة على جزئياتها، وذلك لأن النص العام تلقيناه من قبل الشارع بخلاف القواعد العامة فهي قواعد مستنبطة وليس منصوصاً عليها، ولذلك تجد كل مذهب من المذاهب الأربعة قد يستقل ببعض القواعد التي لا يحتج بها بقية المذاهب الأخرى، كما أن القواعد أغلبية وليست كلية، فإذا كان الاستدلال بها يؤدي إلى تعطيل نص قطعي خاص امتنع الاحتجاج بها، فالنصوص الخاصة بتحريم يسير الربا لا ينازع فيها أحد بما فيهم المخالف، فتجاوز تلك النصوص إلى القواعد العامة ليس بالمنهج السليم. ثانياً: أن القول بالجواز ليس منضبطاً أيضاً من الناحية الفقهية: فهم يشترطون للجواز أن يكون الربا يسيراً، ثم يقولون: لا يغتفر اليسير بل يجب التخلص منه، فإن كان اليسير لا يغتفر لم يكن هناك فرق بين القليل والكثير بجامع التحريم في كل منهما. ويشترطون التخلص من الربا لجواز المساهمة، ثم لا يرون التخلص مخلصاً إذا كان الربا كثيراً، فإن كان التخلص من الحرام هو شرط الجواز، فلماذا التفريق بين الكثير والقليل، فإذا كان التخلص من الحرام لم ينفع في الكثير فلن

стр. 6165

ينفع في القليل أيضاً، لأن القليل حرام كالكثير وهذا محل اتفاق، وهذا يدلك على عدم انضباط الفتوى. وأوجبوا بيع السهم والتخلص منه إذا تغير وضع الشركة بحيث لم يعد تنطبق عليها تلك الضوابط، كما لو زادت نسبة الحرام عن المقدار الجائز عندهم، مع تحريمهم شراءه في مثل هذه الحالة، والسؤال: إذا كان السهم حراماً فكيف يجوز بيعه، والانتفاع بثمنه؟ فإن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، أتتخلص من الحرام بإيقاع أخيك فيه، أليس مقتضى الأثر والنظر أن يقال: بعدم جواز بيعه في هذه الحالة كما قلتم بتحريم شرائه. وقالوا: إن تصرفات أعضاء مجلس الإدارة ليست محسوبة على المساهمين مع قولهم بأن الأرباح التي يجنيها مجلس الإدارة هي من حق المساهمين، كما حرموا على المساهم أن يساهم في الشركة إذا كان تصرف أعضاء مجلس الإدارة قد تعدى نسبة معينة يرونه كثيراً، فلولا أن تصرفات الشركة محسوبة على المساهمين لم يجعلوا هذه الضوابط في تصرفات الشركة؟ ثالثاً: إذا كان الربا عقداً بين الآخذ والمعطي، وهما في حكم الشرع واحد كما قال ﷺ في حديث أبي سعيد: (الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه مسلم، فالتخلص لا يخلص المعطي، وإنما يخلص الآخذ على قولكم، فإذا كان الآخذ سبباً في ربا المعطي، ولولاه لم يقع في الربا كان الآخذ شريكاً للمعطي في الإثم، لأنه السبب في وقوعه في الربا، وإن تخلص الآخذ مما أخذ لم يستطع أن يتخلص من كونه سبباً في ربا الطرف الثاني مع العلم بأن الشركات المختلطة تارة تكون آخذة للربا وتارة تكون معطية، وهي في حال تكون معطية لا يتصور أن يكون التخلص مخلصاً لها. رابعاً: الفقهاء متفقون على أن العقد الفاسد فضلاً عن الباطل يجب فسخه،

стр. 6166

ورده بعد قبضه ما لم يفت، ولا يتوقف فسخه على رضا الطرفين، ما دامت عينه قائمة ولم تتغير، ولم يتصرف فيها قابضها، وأخذ الربا بنية التخلص إمضاء لعقد يجب فسخه، وتكرار لفعل مأذون فاعله بحرب من الله ورسوله. قال ابن عابدين الحنفي في حاشيته: «الفاسد يجب فسخه على كل منهما بدون رضا الآخر، وكذا للقاضي فسخه بلا رضاهما» (١). وقال ابن الجلاب المالكي في كتابه التفريع: «من اشترى شيئاً بيعاً فاسداً فسخ بيعه، ورد المبيع على بائعه» (٢). وقال ابن رشد: «اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم تفت بإحداث عقد فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق أن حكمها الرد - أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون» (٣). خامساً: ليس التخلص من الربا أحب إلى الله من قطع الربا وعدم الإقدام عليه ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] ولم يوجب عليه التخلص، ثم قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥] والمساهم في الشركات المختلطة يعود إلى عقد الربا في كل صفقة تعقدها الشركة مع البنوك الربوية، وهي عقود متجددة ومستمرة، فالموافقة على فعل الربا ونشره والإقدام عليه أخطر من كون المرء أخذ هذا المال أو لم يأخذه، ولذلك كانت اللعنة للكاتب والشاهد، وهم لم يأخذوا شيئاً.

стр. 6167

سادساً: إذا كان التخلص يمكن معرفة مقداره في حالة الإقراض بفائدة، فإنه لا يمكن معرفة مقداره في حالة الاقتراض بفائدة، فإن هذا من التصرف المحرم الذي لا يمكن حسابه. سابعاً: الأرباح المحرمة ليست كلها توزع على المساهمين حتى يمكن القول بأن التخلص منها يجعل السهم نقياً، فالأرباح الاحتياطية جزء منها محرم، والسهم يمثل حصة شائعة في الشركة، وفي ما تملكه الشركة من أرباح احتياطية، وهذا لا يمكن إخراجه والتخلص منه. هذا ما تيسر جمعه والتعليق عليه أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل. * * *

стр. 6168

المبحث السادس المضاربة في الأسهم (المتاجرة) الفرع الأول في معني المضاربة و الفرق بين المضارب والمستثمر معنى المضاربة بالأسهم: لا يقصد بالمضاربة المضاربة بالمعنى الفقهي بأن يدفع الرجل ماله إلى آخر ليعمل به مقابل ربح معلوم كالربع أو الثلث، وإنما يراد بالمضاربة بالأسهم: التعامل بها بيعاً وشراء بقصد الحصول على الربح من فروق الأسعار. والتسمية الفقهية أن يقال: المتاجرة بالأسهم (١). ويقابل المضارب المستثمر: وهو من يكتتب في الأسهم التي تصدرها الشركة عند تأسيسها، أو عند زيادة رأس مالها، أو يشتري الأسهم من السوق الثانوية بقصد الحصول على أرباحها السنوية. الفرق بين المضارب والمستثمر: [ن-١٦٣] أن المستثمر يعتبر استثماره في الأسهم طويل الأجل، ومخاطره منخفضة نسبياً، وينتظر جني الأرباح من الشركة، وعائده من الأرباح قليل وبطيء. بينما المضارب استثماره فيها قصير الأجل، وينتظر ارتفاع الأسعار، ومخاطره مرتفعة، ومكاسبه عالية وسريعة.

стр. 6169

وطريقة تداول الأسهم لم تكن معروفة بالفقه الإسلامي، والقول بجوازه هو الذي أتاح لكل واحد من المستثمرين أن يبيع أسهمه لمن شاء دون حاجة إلى إذن الشركاء، وشجع على الإقبال على الاكتتاب في أسهم الشركات عند تأسيسها؛ لأن المكتتب يعلم أنه متى احتاج إلى السيولة فإن لديه سوقاً ثانوية تمكنه من بيع أسهمه، والحصول على قيمتها دون انتظار تصفية الشركة .. وأتاح إمكانية المضاربة على أسهم الشركات، والذي نحن بصدد البحث عن حكمه في هذا المبحث. * * *

стр. 6170

الفرع الثاني في حكم المضاربة في الأسهم (المتاجرة) ما جاز شراؤه من أسهم الاكتتاب صح بيعه. [ن-١٦٤] اختلف أهل العلم في حكم المتاجرة بالأسهم على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب بعض أهل العلم إلى أن المضاربة محرمة مطلقاً. وهذا القول يرى التحريم حتى ولو كانت الأسهم في شركات نقية، وإليه مال الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير (١)، والدكتور منذر قحف (٢)، والأستاذ رفيق بن يونس المصري (٣)، والشيخ صالح السلطان (٤)، والدكتور أحمد محيي الدين أحمد (٥)، والشيخ حسن عبد الله الأمين (٦). دليل من يرى هذا القول: الدليل الأول: أن «اتخاذ الأسهم سلعة تشترى وتباع بقصد الربح لا يخلو من شبهة بيع النقد

стр. 6171

بأكثر منه، ما دام مشتري السهم لا غرض له في المشاركة في موجودات الشركة، وإنما غرضه بيع السهم بأكثر مما اشتراه به» (١). وشرح هذا مبارك آل سليمان وإن كان لا يراه، فقال: «العادة في التجارة أن يشتري التاجر سلعة، ثم يبيعه لمن يرغب فيها، ثم يشتري سلعة أخرى بديلة ويبيعها، وهكذا تتجدد السلع التي يقع عليها العقد، ويستفيد عامة الناس من تلك السلع باعتبارها مقصودة لهم، وهذا بخلاف الحال بالنسبة للأسهم فإن تداولها أشبه ما يكون بتبادل سلعة واحدة بين طرفين، ثم يبيعها كل واحد منهما للآخر بحسب تقلب الأسعار، فصارت السلعة هنا، وهي السهم غير مقصودة للمتعاملين، وإنما المقصود النقود، فكان التبادل إنما يتم حقيقة بين نقود ونقود، على حد قول ابن عباس ﵄: دراهم بدراهم بينهما حريرة» (٢). ويقول الدكتور رفيق بن يونس المصري: «المضاربة عبارة عن عملية بيع وشراء متعاكسة صورية، لا يقصد بها التقابض (السلعة غير مرادة: لغو) بل يقصد بها الانتفاع من فروق الأسعار الطبيعية، أو المصطنعة، والأرباح الرأسمالية، إذا صدق التنبؤ بتغيرات الأسعار في الأجل القصير، سواء اعتمد هذا التنبؤ على المعلومات والخبرة والدراسة، أو على الإشاعات والحظ والمصادفة» (٣). ويناقش من وجهين: الوجه الأول: كون المضارب يقصد النقود من وراء شراء الأسهم، فهذا القصد مشروع،

стр. 6172

ولو سألت أي تاجر لماذا اشتريت هذه البضاعة؟ لقال: أقصد من وراء ذلك المال والربح، ولا أقصد عين السلعة، فالسلعة مجرد وسيلة للحصول على الدراهم، وهكذا الشأن في كل عروض التجارة إنما يقصد صاحبها النقود، ولا يقال: يجب أن تطبق عليه عملية الصرف، دراهم بدراهم، وهذا ليس خاصاً بالمتاجرة في الأسهم، بل حتى المكتتب، فلا أحد يقول: إن من اكتتب في شركة زراعية إنما يريد الحصول على فواكه وخضروات، ولا من اكتتب في شركة صناعية أنه يريد الحصول على مصنوعات وآلات، فليس قصد النقود في الأسهم مؤثراً، وإلا لامتنع التداول في جميع الشركات إلا بقواعد الصرف. الوجه الثاني: القول إن الأسهم سلعة واحدة يتبادلها الناس، ليس صحيحاً، فالأسهم التجارية غير الأسهم الزراعية، غير الأسهم الصناعية ولذا اختلفت أحكامها في الزكاة كما هو معلوم، كما أن اختلاف قيم الأسهم في البورصة دليل على اختلاف ذواتها، فالقول إنها سلعة واحدة يتبادلها الناس قول يفتقر إلى الدليل، وإنما يقول ذلك من ادعى أن الأسهم عروض تجارة، لا علاقة لها بممتلكات الشركة، وقد بينا خطورة هذا القول، وضعفه في مسألة تكييف السهم، فأغنى عن إعادته هنا، فالصحيح أن العقد في بيع السهم يرد على ما يمثله السهم من أصول، ومنافع، وديون، وحقوق غير مالية، كالحقوق التي يمنحها السهم لمالكه، فهو عقد بيع حقيقي وارد على سلعة حقيقية، وكون مشتري السهم يبيعه بعد ذلك بأكثر مما اشتراه به، لا يعني أن ما يجري هو بيع نقد بنقد أكثر منه. الدليل الثاني: أن الاستثمار في الإسلام زيادة في كمية وسائل الإنتاج في المجتمع الأمر الذي يزيد القدرة على إنتاج الطيبات والمنافع، وشراء الأوراق المالية بقصد

стр. 6173

بيعها لا ينتج طيبات، ولا يزيد منافع، فلا يصح شراؤها إلا بقصد الاستثمار، واستبقائها للحصول على عوائد دورية، فهذا هو الذي يحقق تلك المقاصد. ويرى الدكتور أحمد محيى الدين بأن المضاربة تعني دوران رأس المال بعيداً عن دورة الإنتاج، وفي هذا يقول: «من أنواع التأثير الضار للمضاربة على النشاط الاقتصادي أنها تصرف جزءاً من أصحاب رؤوس الأموال عن القيام بعمليات الإنتاجية الحقيقية التي يتطلبها المجتمع من صناعة، وزراعة وتعدين ... الخ وتجعلهم في انتظار الفرص التي قد تسنح من خلال تغيرات الأسعار، فإن صحت توقعاتهم وربحوا من وراء ذلك ازدادوا تعلقاً بالمضاربة، الأمر الذي يرسخ من دوران رؤوس أموال هؤلاء الأفراد بعيداً عن دورة النشاط الاقتصادي. أما إذا خسروا نتيجة مضارباتهم هذه، ويستفيد من خسارتهم عادة أفراد، ووسطاء، ومؤسسات، ومصارف ذات ارتباط مباشر أو غير مباشر بدوائر أجنبية رأسمالية .... والفكرة الأساسية في هذا الصدد أن الفرص التي قد تسنح للمضاربين تتطلب أحياناً أموالاً جاهزة لاغتنامها، ولذلك فإن من يمتهن المضاربة يجنب أمواله السائلة أو جزءاً منها ولا يستخدمها، أو يسمح للآخرين باستخدامها في دورة الإنتاج» (١). فالمضاربة تكاد تكون معطلة للنمو الاقتصادي، فأصحاب رؤوس الأموال لن يستثمروا أموالهم في المشاريع الاقتصادية، والتي يستفيد منها كافة أفراد المجتمع، بل سوف يضارب على ارتفاع وانخفاض الأسعار لتزداد سيولته وأمواله، والمستفيد هو وحده ومعه الوسطاء من المصارف، بينما المجتمع في

стр. 6174

معزل من هذا، وقد يخسر المضاربون من جراء ذلك، وتتبخر السيولة من أيدي المضاربين في ساعات، والضرر سيعود على المجتمع كله إذا خسر الناس أموالهم في الأسواق المالية، ويلمس المواطن كيف تضرر قطاع العقار من جراء سعي الناس وراء المضاربات في سوق الأسهم. ونوقش هذا: بأنه لا يوجد دليل بأن من شروط الاستثمار في الإسلام أن يكون مرتبطاً بزيادة الإنتاج على النحو الذي يقرره الاقتصاديون، فالتجار منذ عهد النبوة لم يزالوا يتداولون السلع فيما بينهم بقصد الحصول على فوارق الأسعار من غير أن ينتج عن ذلك زيادة في عوامل الإنتاج، فحكيم بن حزام وابن عمر وزيد ابن ثابت عندما كانوا يشترون السلعة من غيرهم، ثم يبيعونها لم يكن في ذلك أي زيادة في الإنتاج، فهم إنما نهوا عن بيع الشيء قبل قبضه، فإذا قبضه فله البيع بقصد الحصول على فارق السعر (١). ثم إن المضاربة قد تكون عاملاً مساعداً على الاستثمار، فإن شركات المساهمة هي شركات استثمارية، وأنشئت لهذا الغرض، والعامل الأساسي في قيامها هو وجود السوق الثانوية، والتي تتيح للمكتتب الحصول على السيولة متى ما أراد، وذلك بالخروج من الشركة، ومنع المضاربة يؤدي إلى إغلاق هذه السوق، والذي بدوره سوف يمتنع أكثر الناس من الاكتتاب في هذه الشركات الاستثمارية العملاقة، وبالتالي حرمان المجتمع من هذه الشركات الاستثمارية النافعة. وعلى التسليم فهو دليل بأن الاستثمار أفضل من المضاربة، وهذا لا يقتضي

стр. 6175

تحريم المضاربة، فإن أحداً لو حفظ ماله، ولم يستثمره لم يقل أحد بأنه فعل محرماً، وأنه يجب عليه تنميته بما يعود على الاقتصاد وعلى الناس بالنفع، فكذلك إذا فضل المضاربة على الاستثمار. الدليل الثالث: أن المضارب لا تعنيه الشركة لا من قريب ولا من بعيد، وإنما يعنيه المضاربة على السهم بعيداً عن كل شيء. وإذا كان كذلك فإنه قد يقوى قول من يقول: إن التعامل حقيقة إنما هو بقيمة هذه الورقة وثمنها ليس إلا، وأن العملية لا تعدو أن تكون متاجرة بأثمانها، وهذه الورقة مجرد غطاء لهذه العملية، والعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، وإذا كان كذلك فهل شروط تبادل الأثمان متحققة؟ (١). ويناقش: لا نسلم بأن المضارب لا تعنيه الشركة لا من قريب ولا من بعيد، بدليل أن المضارب يتجه إلى الشركات المباحة، دون الشركات المحرمة، وهذا دليل على أن الشركة مقصودة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المضارب لا يتجه لأي شركة معروضة في البورصة، بل هو ينتقي من الشركات ما يعتقد أنها تحقق له الربح المنشود، وهذا دليل على أن الشركة مقصودة في العقد. وأما القول بأن المتعامل يتعامل حقيقة بقيمة هذه الورقة، فهي متاجرة بأثمانها. فلا يوجد عندي ما يدل على أن التبادل بهذا الوجه محظور شرعاً، لأن السهم كونه يعبر عن ثمن معين فهذا شرط عندي لجواز تداوله، لأنه لا يكون

стр. 6176

مالاً إلا إذا كان له قيمة مالية، وكون السهم له قيمة مالية لا يعني هذا أنه تحول إلى أثمان في نفسه؛ لأن الثمنية تعني أمرين: أن يكون أصلاً قائماً بنفسه، ومقصوداً لذاته، وأن يكون معياراً لقيم الأشياء، كالذهب والفضة والأوراق النقدية، والسهم ليس له هذه القيمة في نفسه بل قيمته مرتبطة بالشركة التي يمثلها، وليس معياراً لقيم الأشياء عند الناس اليوم، فالوثيقة لا قيمة لها إذا جردناها عما تدل عليه، ولا تشتمل الوثيقة على أية منفعة ذاتية، بحيث يقال: إنه يجوز بيعها وشراؤها لمنفعتها كالسلع، وإنما قيمة الوثيقة تتمثل فيما تمثله من حقوق الاشتراك في الشركة، ومن كونها حصة شائعة في رأس مال الشركة وفي موجوداتها، بدليل أن الشركة لو أفلست لعاد ذلك بالخسران على السهم، ولذهبت قيمته، كما أن مقدار استحقاقه من أرباح الشركة يرجع تقديره إلى عدد ما يملكه من هذه الأسهم، ولو صفيت الشركة لم يستحق من موجودات الشركة إلا بمقدار ما يملكه من أسهمها، فامتلاك المساهم نصيباً في موجودات الشركة عند تصفيتها دليل على أنه يملك حصة شائعة. الدليل الرابع: الاحتجاج بواقع المضاربة في السوق، فالمضارب قد لا يعرف شيئاً عن الشركة، ولا عن ميزانيتها، وأرباحها، وخسائرها، ومركزها المالي، ولذلك تجد أسهم بعض الشركات الخاسرة أعلى سعراً من أسهم الشركات الرابحة، مما يدل على أن المضاربة يغلب عليها الخداع في رفع المؤشرات وهبوطها، فالارتفاع ليس لعوامل طبيعة كما يحدث في سائر المبادلات التجارية المبنية على العرض والطلب غالباً بل لعوامل غائبة مجهولة لدى الكثير، ولاسيما الصغار، وفي غاية الخطورة مما يعرض صغار المستثمرين إلى المخاطرة الكبيرة التي قد تذهب بأمواله في أي لحظة.

стр. 6177

وإذا كان هذا واقعها فإن التعامل بهذه الصورة يجمع بين الغرر وبين القمار نظراً لعظم المخاطرة فيه (١). ويقول الدكتور رفيق المصري: «في المضاربة ترتفع الأسعار إلى مستويات غير مبررة اقتصادياً، وتنخفض بمعزل عن القيمة الحقيقية للورقة أو للسلعة، وبمعزل عن الأداء الفعلي للشركة المصدرة للورقة، فالمضاربة تسخين مصطنع، ونشاط طفيلي غير مرغوب فيه إذن، والحرارة الزائدة التي تولدها المضاربة ينتفع بها السماسرة المطلعون، وليس فيها منفعة للجمهور، بل فيها مضرة ونشاط جاذب وخادع في آن معاً» (٢). ويناقش من وجوه: الوجه الأول: القول بأن المضارب لا يعرف شيئاً عن الشركة، ولا عن ميزانيتها، وأرباحها، وخسائرها، ومركزها المالي. فيقال: لا يجوز أن يتاجر الإنسان بأسهم شركة من الشركات إلا وهو يعلم ما هي الشركة، وما نشاطها؛ لأن جواز تملك هذه الأسهم موقوف على إباحة نشاط الشركة، فكيف يتاجر بأسهم شركة لا يعرف نشاطها، فهذا إن وجد فهو حرام، ولكن لا علاقة له بحكم المضاربة، وإنما يتعلق بتحرز التاجر وتحريه للحلال مضارباً كان، أو مستثمراً، فإن الذي لا يبالي قد لا يبالي أيضاً في الاكتتاب في الشركات المساهمة، هل هي شركات مباحة، أو شركات محرمة.

стр. 6178

الوجه الثاني: أما اشتراط العلم بميزانية الشركة، وأرباحها وخسائرها فإن كان هذا شرطاً في صحة بيع الأسهم، فليكن شرطاً للمضارب والمستثمر، فمن أراد أن يشتري سهماً سواء كان بقصد الحصول على أرباح الشركة، أو كان بقصد التربص بالسهم حتى يرتفع سعره، فإنه يجب عليه أن يعلم بميزانية الشركة وأرباحها، وخسائرها، وإن كان هذا ليس شرطاً للمستثمر، لم يكن شرطاً للمضارب، فالاحتجاج بهذا على تحريم المتاجرة بالأسهم فقط قول تنقصه الدقة. الوجه الثالث: كون أسهم بعض الشركات الخاسرة أعلى سعراً من بعض الشركات الرابحة. فإن كان مرد هذا إلى العرض والطلب فهذه أسباب معلومة، وهذه طبيعة السوق، فإذا كثر الطلب على السهم ارتفع سعره، وهي قيمة سوقية قد لا تعبر عن القيمة الحقيقية، وهذا بحد ذاته لا يجعل المضاربة أمراً محرماً. وإن كان مرد هذا إلى تلاعب المضاربين الكبار من إحداث صفقات وهمية، أو نشر شائعات، وتحاليل كاذبة، تخدع صغار المتاجرين بالأسهم، فليكن الحكم على هذه التصرفات الضارة التي يمارسها المتعاملون بالأسهم، دون أن يعود ذلك على المتاجرة ذاتها؛ لأنه لا يوجد في الأدلة الشرعية ما يمنع المتاجرة بالأسهم، وكل أنواع التجارة لا تسلم من الغش، والتدليس، والخداع، والنجش، ومع ذلك نحرم كل هذه التصرفات، ولا يعود التحريم إلى التجارة نفسها. إن وجود الممارسات الخاطئة يلقي عبئاً كبيراً على هيئة السوق، والتي تشرف على التداول، ولاشك أنها تعرف المتلاعبين بالسوق، فيجب أن تعزر كل

стр. 6179

متلاعب يكون هدفه الإضرار بالسوق، أو بصغار المستثمرين، وتحرمه من الدخول في السوق، وأن يكون التعامل بهذا بكل شفافية، من غير فرق بين قوي وضعيف، وأن تمنح الهيئة صلاحيات كافية لحماية السوق وصغار المستثمرين من تلاعب كبار المضاربين. الدليل الخامس: أن المضاربة تزيد من حدة تقلبات الأسعار، فهي تستند أصلاً إلى وجود هذه التقلبات، ولا تجد لها مجالاً في ظل استقرار الأسعار. ويجاب: بأن المضاربة إذا سلمت من التلاعب قد تكون سبباً في الحد من تقلبات الأسعار، فعندما تنخفض الأسعار يتدخل المضاربون بالشراء مما يؤدي إلى الحد من استمرار الانخفاض نتيجة ازدياد الطلب، وعندما ترتفع الأسعار يتدخل المضاربون بالبيع وجني الأرباح مما يؤدي إلى الحد من استمرار الارتفاع نتيجة ازدياد العرض، وبهذا تعمل المضاربة على تقليل الفارق بين الأسعار، وعلى استقرارها وإعادة توازنها. القول الثاني: ذهب عامة أهل العلم إلى أن المتاجر في الأسهم يأخذ حكم المستثمر من كل وجه (١).

стр. 6180

دليل القائلين بالجواز: الدليل الأول: أن الأصل حل البيع، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] فمن ادعى التحريم فعليه الدليل. الدليل الثاني: أن هذه الأسهم يجوز شراؤها بالاكتتاب، فيجوز بيعها لصحة الملك، وهذا هو مقتضى القواعد، فما جاز شراؤه صح بيعه. الدليل الثالث: أن السهم في ذاته: حصة شائعة في ممتلكات الشركة، وبيع الحصة المشاعة متفق على جوازه، فهو جزء مشاع مشتمل على منفعة مباحة، وما كان كذلك صح بيعه. الدليل الرابع: أنك إذا منعت بيع هذه الأسهم في السوق الثانوية فسوف يذهب أغلب المكتتبين في الشركات المساهمة، فإن المكتتب لولا علمه بأن هناك سوقاً ثانوية يستطيع أن يحصل من خلالها على السيولة التي يريد، في الوقت الذي يريد لم يساهم، خاصة إذا علمنا أن الأرباح من الشركات المساهمة هو إيراد محدود لا تغري المكتتب، وكيف يخرج المكتتب من الشركة إذا منعنا تداول الأسهم خوفاً من المضاربة فيها؟ وإعراض الناس عن الاكتتاب في السوق الأولية لا شك أنه يحرم المجتمع من إنشاء هذه الشركات العملاقة التي تقوم على رأس مال كبير جداً، لا تستطيع غالب الحكومات الفقيرة فضلاً عن الأفراد القيام بها.

стр. 6181

الدليل الخامس: أن المتاجر (المضارب) بالأسهم يحل محل المكتتب، فيأخذ حكمه، وتنتقل كافة الحقوق إليه، والبدل له حكم المبدل، وكونه يتربص بها ارتفاع الأسعار، فليس في هذا ما يقتضي التحريم شأنه في ذلك شأن كل تاجر، نعم يحرم التربص بالسلعة من أجل ارتفاع الأسعار إذا كان ذلك في قوت الناس وطعامهم حتى لا يؤدي إلى الوقوع في الاحتكار المنهي عنه، وأما ما عداه فلا حرج فيه. الدليل السادس: أن أسهم الاستثمار هي ذاتها أسهم المضاربة، فالعين واحدة، فهي إما حلال في الحالين، وإما حرام في الحالين، والفرق بينها أن هذا استثماره فيها طويل الأجل، وينتظر جني الأرباح، وهذا استثماره فيها قصير الأجل، وينتظر ارتفاع الأسعار، وهذا ليس فارقاً مؤثراً في الحل والحرمة. ويمكن تكييف عملة تداول السهم بأنها: عملية تصفية فردية يقوم بها أحد الشركاء بخصوص مساهمته ليحل آخر مكانه، ويستحق بذلك كافة ما له من الحقوق على الشركة. الدليل السابع: أن شراء الأسهم بعد مزاولة الشركة نشاطها، وبعد أن تتضح نتائج أرباحها أقرب إلى معرفة واقع الشركة، ومدى الغبطة في المشاركة فيها من الاكتتاب فيها وقت تأسيسها، فإذا كان الاكتتاب في الشركة النقية وقت التأسيس جائزاً في قول عامة الباحثين، كان شراء الأسهم بعد الاكتتاب، وطرحها للتداول جائزاً من باب أولى.

стр. 6182

الدليل الثامن: أن بيع الأسهم قد لا يرتبط بالمضاربة فيها، فهناك وجوه كثيرة تحمل من يمتلك الأسهم على بيعها، والتخلص منها، فقد لا يكون الباعث على ذلك البحث عن فروق الأسعار، وإن كان ذلك سائغاً. من ذلك: كأن يبيع المكتتب في الشركة أسهمه خوفاً من لحوق الخسارة فيما إذا تبين له أن الشركة أصبحت خاسرة، وخشي مالكها من ضرر يلحق به لو بقي متمسكاً بها مع وجود من يشتريها. وقد يكون الباعث على بيعها هو حاجة صاحبها إلى السيولة لحاجته الخاصة، أو إلى الاكتتاب في شركة أكثر ربحاً، أو إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير القابلة للحصر، فلا يلزم من بيع الأسهم أن يكون صاحبها يتربص بها فارق الأسعار. وبالتالي يمكن القول بأن تحريم المضاربة في الأسهم هو قول غير منضبط فقهياً. القول الثالث: هناك فريق يقول بعكس القول السابق تقريباً، فهو يذهب إلى جواز المتاجرة (المضاربة) في الشركات المختلطة، ويحرم الاستثمار فيها. وممن يختار هذا القول الشيخ السلامي (١). وجه هذا القول: أن الشركات إذا كانت مختلطة، فإن الاستثمار فيها يعني دخول جزء من الريع

стр. 6183

إلى المستثمر، وبعض الريع محرم نتيجة ممارسات محرمة، مما يجعل الاستثمار محرماً، وأما المتاجرة بهذه الأسهم، وبيعها قبل توزيع الأرباح، يجعل المتاجر لم يأخذ في جيبه شيئاً من الأرباح المحرمة. ولأنه لا يعلم بظهور الكسب المحرم إلا عند ظهور الميزانية، وحصول الأرباح، وهذا يتعلق بالمستثمر فقط دون المتاجر. ولأنه إذا قلنا: إن على المتاجر، والمستثمر أن يتخلص من الكسب الحرام في الشركات المختلطة أدى ذلك إلى تعدد التخلص، والتطهير للحصة الواحدة، وإذا كان المتاجر ليس عليه أن يتخلص من الكسب الحرام دل ذلك على عدم دخول الحرام عليه، وهو دليل على جواز المتاجرة دون الاستثمار. ويناقش: بأن السهم بعد اشتغال الشركة ليس هو حصة شائعة في رأس المال فقط حتى يقال: إذا لم توزع الأرباح فقد سلم الإنسان من الربح المحرم، فإن امتلاك السهم يعني: امتلاك حصة شائعة في الشركة، وفي ما تملكه الشركة، فهو يمثل حقوقاً مالية، وغير مالية. من ذلك: (١) قيمة السهم (اسمية كانت، أو سوقية، أو حقيقية). (٢) نصيب السهم من أرباح الشركة حتى الاحتياطي منها. (٣) نصيب السهم فيما تملكه الشركة، من ممتلكات عينية، واسم تجاري، وعلامة تجارية، وتراخيص ممنوحة. (٤) حق الأولوية في الاكتتاب بالأسهم الجديدة. (٥) الحقوق غير المالية، من ذلك حق التصويت، وحق مراقبة الشركة، وحق المحاسبة، وحق البقاء في الشركة، كل هذه الأشياء لا يمكن عزلها عن السهم،

стр. 6184

وهذا الذي جعل السهم تختلف قيمته عن قيمة موجودات الشركة، ولا أعتقد أن الذين قالوا: إن السهم حصة شائعة في موجودات الشركة، أرادوا أن المساهمين يملكون تلك الحصة الشائعة في هذه الموجودات بمعزل عن الشركة، ونشاطها، وما تعطيه الشركة للمشارك من حقوق وامتيازات. وإذا كان هذا حقيقة السهم فالأرباح سواء وزعت أو لم توزع فالسهم يمثلها، وتؤثر في قيمته، وإذا كان جزء من تلك الأرباح محرماً كان امتلاك السهم يعني امتلاك حصة شائعة من هذا المحرم، ولو لم توزع الأرباح، والله أعلم. ولو كان الحل والحرمة يتعلق بتوزيع الأرباح فقط، لقلنا: بجواز تملك أسهم الشركات المحرمة ما دام أن تملك تلك الأسهم سيكون عابراً، ولفترة لا تسمح بتوزيع الأرباح الناتجة عن ذلك النشاط؛ لأن رأس مال الشركات المحرمة هو مال حلال، جمع ليمارس به نشاط محرم، ومع ذلك فالمساهمة في الشركات المحرمة، أو التي غالب نشاطها محرم يكاد يجمع الباحثين على تحريم المساهمة فيها. الراجح: جواز شراء السهم سواء كان بقصد الاستثمار أو بقصد المضاربة إلا أن ذلك مشروط بأن تكون الشركة من الشركات النقية، وأن يتدخل البنك المركزي ومؤسسات النقد بأن يمنعوا المصارف من دعم المضاربة بالائتمان، بحيث لا يسمح للبنوك بأن تعطي الشخص إذا كان له حساب بمائة ألف أن يمنحه البنك مائة ألف أخرى قرضاً، فإذا خسر المضارب تضاعفت خسارته بسبب الائتمان، والبنك لم يخسر شيئاً، ومن قال بتحريم المضاربة لم يتوجه تحريمه لذات السهم، وإنما حرم المضاربة فيه للممارسات الخاطئة المؤثرة على قيمة السهم،

стр. 6185

وهذه الممارسات يجب أن يتوجه التحريم إليها، لا إلى السهم ذاته، وهذه الممارسات الخاطئة ليست ضرباً لازماً لكل المضاربات، بل منها ما هو دافعه الجشع، والطمع، والاستغلال وهذا موجود في الأسهم كما هو موجود في غيرها من المعاملات المالية، ومنها ما يعود إلى المضارب نفسه، فكثير منهم دخل السوق، وهو يجهل طبيعة السوق، وخطورتها، فلحقته الخسائر لكونه لا يحسن التعامل بهذه السوق، وهذا الجهل يتحمل تبعاته صاحبه، ولا يعود هذا إلى السهم. ومنها ما يعود إلى حداثة السوق وحداثة الهيئات الإدارية المشرفة عليها، ونقص التشريعات الضرورية، ومنها ما يعود إلى نقص الشفافية خاصة في محاسبة المتلاعبين، ووجود بعض الشخصيات الاعتبارية التي قد تمارس ممارسات خاطئة في السوق، وتكون بعيدة عن المحاسبة، ومع ذلك، فالأسواق العربية هي في تطور مستمر، لا من جهة تكامل الأنظمة التشريعية، ولا من جهة وعي المضارب، وتراكم الخبرة لديه بحيث استطاع كثير من المضاربين تعويض الخسائر التي حصلت له في السنوات الأولى من سوق الأسهم السعودية، ومن تابع مؤشر الأسهم في السوق السعودية في السنة الأخيرة، وتابع التطور في الأنظمة أدرك حجم التطور المستمر في هذه السوق، مما يجعل ضبط التلاعب في هذه السوق أمراً ممكناً يعود بالاستقرار على سوق الأسهم، ويقلل من المخاطرة فيها، ومع كل ذلك، فإنه لو أصبح التلاعب في السوق اتجاهاً غالباً، فإن القول بتحريم التداول قد يتجه حتى يضبط السوق، حفاظاً على أموال الناس، والله أعلم. * * *

стр. 6186

المبحث السابع بيع الأسهم قبل التخصيص المقصود بتخصيص الأسهم: أن يعطى كل مكتتب نصيبه من عدد الأسهم بالنسبة لعامة المكتتبين، فإن كان الاكتتاب مطابقاً لعدد الأسهم المخصصة، فيكون التخصيص موافقة الشركة على بيع المساهم الأسهم التي اكتتب بها، وإن كان عدد الأسهم غير مطابق، كان التخصيص يعني بيع بعض المبيع مقسماً إلى أجزاء متساوية، ومعلومة قيمته، وإعادة بقية الأموال إلى المكتتبين بعد التخصيص. وعلى هذا يكون المقصود بتخصيص الأسهم: هو إفراد كل مكتتب بعدد من الأسهم تكون ملكاً له ينفرد به عن غيره، ويختص به (١). [ن-١٦٥] إذا علم هذا، فما حكم بيع الأسهم بعد الاكتتاب وقبل التخصيص: وللجواب على ذلك نقول: إذا كان الاكتتاب بمنزلة الإيجاب من المكتتب، والتخصيص بمثابة القبول من الشركة، أو من مدير الاكتتاب، فإن بيع الأسهم قبل التخصيص فيه محذوران: المحذور الأول: أنه من بيع السلعة قبل دخولها ملكه، فهو بيع ما لا يملك، وبيع الإنسان ما لا

стр. 6187

يملكه منهي عنه، وقد نقلت إجماع أهل العلم على تحريم بيع المعين الذي لا يملكه الإنسان. المحذور الثاني: أن المكتتب لا يعلم نصيبه من الأسهم، فقد يكون التخصيص لبعض الأسهم التي اكتتب بها، وليس لكل الأسهم، فيكون باع شيئاً مجهولاً قدره. وعلى هذا لا يجوز بيع الأسهم قبل التخصيص، ولا أعلم في هذا خلافاً بين الباحثين. * * *

стр. 6188

المبحث الثامن حكم استثمار أموال الاكتتاب قبل التخصيص [ن-١٦٦] إذا انتهى الاكتتاب فقد نص نظام الشركات في مادته ٥٨ على أن تودع حصيلة الاكتتاب باسم الشركة تحت التأسيس لأحد البنوك التجارية التي يعينها وزير التجارة، ويلتزم البنك بتسليم الشركة نصيبها من تلك الأموال بعد إعلان تأسيس الشركة وفقاً للمادة ٦٣ من النظام، كما يلتزم بإعادة الفائض منها إلى المكتتبين بعد التخصيص. والسؤال: هل يحق للبنك الاستفادة من تلك الأموال، واستثمارها في الحلال إلى حين تسليم الفائض للمكتتبين بعد التخصيص، وتسليم الشركة نصيبها من تلك الأموال؟ وللجواب على ذلك نقول: ما دام أن يد البنك يد ضمان في هذه الفترة، فهو ملتزم بتسليم الشركة نصيبها، وملتزم كذلك بإعادة الفائض منها إلى المكتتبين وأن إيداعها للبنك يعتبر قرضاً فلا يوجد حرج من استثمار تلك الأموال إلى حين تسليم كل ذي حق حقه. * * *

стр. 6189

المبحث التاسع في بيع الأسهم بعد التخصيص وقبل التداول [ن-١٦٧] اختلف العلماء في بيع الأسهم بعد التخصيص وقبل التداول، وهذا الخلاف مرده إلى الاختلاف في توصيف السهم. فقيل: لا يجوز مطلقاً، إما لأن بيعه يعني جواز تداوله، وتداوله مشروط بإدراجه في البورصة، وهذا ما لم يحصل، فيكون تداوله مخالفاً للأنظمة، ومخالفاً لعقد الشراكة بين المساهم والشركة. أو لأن رأس مال الشركة غالبه من النقود. وقيل: يجوز مطلقاً. وهذا: إما بناء على أن السهم سلعة قائمة بذاتها مفصولة عن موجودات الشركة كما يراه من يعتبر السهم من عروض التجارة. أو لأن النقود غير مقصودة في العقد، وإن كان السهم حصة شائعة في موجودات الشركة. والقائلون بالجواز منهم من يرى أن المشتري للسهم من المكتتب لا يحق له بيعه إذا اشتراه؛ لأن المشتري لهذه الأسهم لا يجوز له بيعها إلا بعد أن يقبضها القبض التام، وقبض السهم لا يمكن إلا بعد إدراج أسهم الشركة في سوق التداول، حتى يمكن تقييده وتسجيله باسمه. وبيع الشيء قبل قبضه مسألة خلافية بين أهل العلم، سبق تحرير الخلاف فيها في مبحث مستقل أغنى عن إعادته هنا، والراجح أن الذي ليس فيه حق توفية يجوز بيعه قبل قبضه، والله أعلم. وقيل: يجوز تداوله بقيود، وهؤلاء اختلفوا في اعتبار هذه القيود:

стр. 6190

فمنهم من يشترط لجواز التداول أن تكون الأعيان والمنافع هي الغالب على الشركة، فإن كان الغالب على موجودات الشركة النقود أو الديون فيحرم التداول إلا بمراعاة أحكام الصرف والتصرف في الديون. ومنهم من يشترط لجواز التداول أن يكون الثمن (القيمة السوقية) أكثر من النقود التي مع الأعيان. هذه هي الأقوال مجملة، وإليك بيانها بالتفصيل مع أدلتها. القول الأول: لا يجوز بيع الأسهم ولا شراؤها مطلقاً قبل التداول، اختار ذلك الدكتور سعود الفنيسان (١). واستدل على ذلك بأدلة منها: الدليل الأول: وجود الربا بنوعيه، الفضل والنساء؛ لأن السهم يمثل نقداً، ورصيد الشركة معظمه، أو كله نقد أيضاً، وإن وجد في رأس مال الشركة أعيان وممتلكات فهي بحكم المعدوم، لوقف التعامل فيها المتمثل بعدم التداول لأسهمها. ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن الشركة لا تخلو من موجودات أخرى غير النقود، وهي ذات قيمة معتبرة شرعاً، ومن ذلك:

стр. 6191

(أ) الحقوق المعنوية كالاسم التجاري للشركة، والدراسات السابقة لإنشائها، وتصاريح العمل، وقوة الإدارة وكفاءتها. (ب) بعض الأصول المملوكة للمنشأة، من أرض، أو سيارات، أو أثاث، أو غير ذلك. (ج) منافع الأعيان المستأجرة، ومنافع الأشخاص العاملين في الشركة وقت تأسيسها. (د) حق الاشتراك في الشركة، وهذا الحق فاضل عن نصيب السهم من موجودات الشركة. الوجه الثاني: أن المشتري بشرائه السهم لا يقصد الحصول على النقد الذي في الشركة؛ لأن هذا لا سبيل إليه، ولا ينتقي من الشركات ما هو أكثر نقدية، بل قصده الحصول على الربح، سواء كان ذلك بالانتظار إلى حين توزيع الأرباح، أو إلى حين ارتفاع سعر السهم. (ح-٨٦٨) وقد روى البخاري ومسلم من طريق سالم. عن ابن عمر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبداً، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (١). أخذ ابن قدامة من هذا الحديث الدليل على جواز بيع العبد بماله إذا كان قصد المشتري العبد لا للمال ... فيجوز البيع سواء كان المال معلوماً أو

стр. 6192

مجهولاً، من جنس الثمن أو من غيره، عيناً كان أو ديناً، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر» (١). فدل هذا على أن النقود إذا لم تكن مقصودة في العقد، فإنه يجوز البيع، وإن كان غالب ما يمثله السهم هو من النقود. الوجه الثالث: على فرض التسليم بأن النقد الذي في الشركة مقصود، وأن بيع السهم له حكم بيع موجوداته، فإن صورة هذه المعاملة معروفة لدى الفقهاء بما يسمى (مد عجوة ودرهم) وهي بيع الربوي بجنسه، ومع أحدهما من غير جنسهما، وكل من الربويين مقصود في العقد، وبيان ذلك: فالمبيع: هو الأسهم: وهي تمثل النقود، والعروض (من حقوق، وأعيان، ومنافع). والثمن: هو من النقود. والذي رجحه عدد من المحققين من أهل العلم كابن تيمية، ورواية عن أحمد، أن العقد يصح بشرطين: الشرط الأول: أن يكون المال الربوي المفرد (الثمن) أكثر من الذي معه غيره. الشرط الثاني: ألا يكون القصد من المعاملة التحايل على الربا، وذلك بأن يكون ما مع الربوي له قيمة حقيقية، ولم يؤت به للتحليل. وكلا الشرطين متحقق في بيع هذه الأسهم، فإنها تباع بقيمتها السوقية، وهي

стр. 6193

أعلى من القيمة الاسمية، التي تم الاكتتاب بها، كما أن الموجودات الأخرى غير النقدية في الشركة ذات قيمة حقيقية، ولم يؤت بها حيلة (١). الدليل الثاني: أن ملكية الأسهم وإن تعينت عدداً وقيمة، فهي موقوفة حكماً بعدم تداولها، فالسهم حينئذ يشبه العين المرهونة، لا يجوز بيعها عند جمهور العلماء إلا بموافقة الطرفين، وهما الشركة، والمساهم، أو بأمر الحاكم. ويناقش: العين المرهونة قد تعلق بها حق الغير، وأما السهم قبل التداول وبعد التخصيص فهو لم يتعلق به حق لأحد، فإذا كان يجوز له هبته، ورهنه، يجوز له بيعه، والله أعلم. الدليل الثالث: البيع والشراء للأسهم قبل تداولها فيه جهالة وغرر، إذ قد يباع السهم قبل التداول بسعر مرتفع عن سعره بعد طرحه، أو العكس، فيلحق الضرر بالاثنين البائع والمشتري. ويناقش: بأن ارتفاع السعر ما دام أن ذلك في المستقبل فإنه لا يكون سبباً في الجهالة والغرر؛ لأن سعر السهم في المستقبل هو عرضة للارتفاع والهبوط حتى بعد التداول، وهذه طبيعة التجارة.

стр. 6194

الدليل الرابع: قد يقع بسبب هذا البيع منازعات وخصومات بين الطرفين، ولن يوثق عقد البيع قبل التداول بين الجهات ذات العلاقة، خاصة إذا كان المبلغ كبيراً مما قد يسبب ضياع حقوق الناس. ويناقش: توثيق البيع ليس شرطاً في صحته، ومع ذلك يمكن للمتبايعين توثيقه عن طريق الكتابة والشهود إلى حين التداول. الدليل الخامس: في هذا البيع مخالفة لنظام بيع الأسهم الموضوعة للصالح العام، علاوة على ما في هذا من افتئات على ولي الأمر الذي أقر نظام هذه الشركات على هذا النحو لمصلحة الناس عامة. ويناقش: بأن عدم إدراج الشركة في البورصة للتداول لا يعني أن النظام يمنع من تداول السهم مطلقاً، وإنما إدخال الشركة في البورصة له استحقاقات إجرائية صِرْفة يتطلب إتمامها لإدخالها في البورصة، فإذا باع الإنسان سهمه قبل إدراجها في البورصة فهو بيع صحيح لأنه صدر من مالكه، وقد قبضه القبض الشرعي، وسجل باسمه. القول الثاني: يجوز تداوله مطلقاً بناء على أن السهم سلعة قائمة بذاتها مفصولة عن موجودات الشركة. وهذا ما اختاره بعض العلماء والباحثين منهم أبو زهرة،

стр. 6195

والدكتور يوسف القرضاوي (١)، والشيخ حسن مأمون، والشيخ جاد الحق (٢)، والشيخ يوسف الشبيلي (٣)، والشيخ حسان السيف (٤)، والأستاذ إبراهيم السكران (٥). بناء على أن السهم سلعة منفصلة عما يمثلها، لا علاقة لها بموجودات الشركة، لأن المشتري للسهم ليس مقصوده ما يمثله السهم من موجودات الشركة، وإنما يقصد القيمة السوقية للسهم، ولأن قيمة السهم قد تكون أضعاف ما يمثله من موجودات الشركة، ولأن السهم يملك على وجه الاستقلال عن ملكية الأصول والأعيان التي تملكها الشركة، فالحصص المقدمة للمساهمة تنتقل على سبيل التمليك إلى ملكية الشركة، ويفقد الشركاء كل حق عيني عليها. وبناء على هذا التوصيف يجوز بيع السهم مطلقاً قبل التداول سواء كان رأس مال الشركة نقوداً، أو عروضاً، أو منهما. وقد ذكرت أدلة هذا القول والجواب عنها عند الكلام على توصيف السهم. القول الثالث: يجوز تداول السهم مطلقاً بغض النظر عما يمثله السهم من النقود، والديون، ليس لأن السهم سلعة قائمة بذاتها، ولكن لكون ما يمثله السهم من موجودات

стр. 6196

الشركة من أعيان، ومنافع، ونقود، وديون مقصودة بالعقد على وجه التبع، لا بالأصالة. وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء والباحثين كسماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم، والشيخ عبد الستار أبو غدة، والدكتور نزيه حماد، والشيخ عبد الله بن خنين، والدكتور محمد الدويش، والدكتور عبد الله ا لعمار، والدكتور مبارك آل سليمان (١)، وندوة البركة (٢) وغيرهم على اختلاف بينهم في تحديد المقصود بالعقد أصالة، بعد اتفاق هؤلاء على أن النقود والديون مقصودة بالعقد على وجه التبع. يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: «فإن قيل: إن في هذه الشركات نقوداً، وبيع النقد بالنقد لا يصح إلا بشرطه. فيقال: إن النقود هنا تابعة غير مقصودة، وإذا كانت بهذه المثابة فليس لها حكم مستقل، فانتفى محذور الربا ...

стр. 6197

فإن قيل: إن للشركة ديوناً في ذمم الغير، أو أن على تلك السهام المبيعة قسطاً من الديون التي قد تكون على أصل الشركة، وبيع الدين في الذمم لا يجوز إلا لمن هو عليه بشرطه. فيقال: وهذا أيضاً من الأشياء التابعة التي لا تستقل بحكم، بل هي تابعة لغيرها، والقاعدة: أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، ويدل لذلك حديث ابن عمر مرفوعاً (من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) رواه مسلم وغيره. فعموم الحديث يتناول مال العبد الموجود، والذي له في ذمم الناس .... ومما يوضح ما ذكر أن هذه الشركات ليس المقصود منها موجوداتها الحالية، وليست زيادتها أو نقصها بحسب ممتلكاتها وأقيامها الحاضرة، وإنما المقصود منها أمر وراء ذلك: وهو نجاحها، ومستقبلها، وقوة الأمل في إنتاجها، والحصول على أرباحها المستمرة غالباً» (١). دليل من قال: التابع غير المقصود بالعقد أصالة لا تشترط مراعاة أحكامه: (ح-٨٦٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم. عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبداً، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (٢).

стр. 6198

وجه الاستدلال: لما كان مال العبد تابعاً غير مقصود بالعقد أصالة، صح اشتراطه ودخل في البيع به سواء كان المال معلوماً، أو مجهولاً من جنس الثمن أو من غيره عيناً كان أو ديناً وسواء كان مثل الثمن، أو أقل، أو أكثر، فلم يراع أحكام الصرف بين مال العبد، والثمن المدفوع قيمة للعبد (١). ومعنى قولنا: غير مقصود: أي غير مقصود بالأصالة، وإلا فاشتراط المشتري له دليل على قصده إياه، ولكنه مقصود تبعاً وليس أصالة، فيصح أن نقول: إن اشتراط المشتري مال العبد لا يخرجه عن كونه غير مقصود أصالة. وإذا ثبت ذلك فلا يراعى أحكام الصرف بين الثمن، وبين ما يمثله السهم من نقود أو ديون، لكون النقود تابعة غير مقصودة بالعقد، والله أعلم. وكذلك دل الحديث على جواز اشتراط المشتري الثمرة التي قد أبرت، مع أنه معلوم أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولكن لما كانت تابعة لأصلها اغتفر فيها ما لم يغتفر لو كانت مستقلة بالعقد. القول الرابع: يجوز تداول تلك الأسهم بشروط على خلاف بينهم في هذه الشروط. فمنهم من يشترط: أن تكون الغلبة للأعيان والمنافع، وهذا ما ذهب إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي حول صكوك المقارضة، وهي في معنى الأسهم: «إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود، والديون،

стр. 6199

والأعيان، والمنافع، فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقاً للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعياناً، ومنافع. أما إذا كان الغالب نقوداً أو ديوناً فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة» (١). فإن كانت النقود، أو الديون أكثر، لم يجز التداول إلا بمراعاة أحكام الصرف، وأحكام التصرف في الديون. وتطبيق قواعد الصرف يعني ما يلي: جواز بيع السهم بشرط التماثل والتقابض في حال بيع السهم بمثل العملة التي يتكون منها رأس مال الشركة. وهذا يعني بيع السهم بقيمته الاسمية (التي اكتتب بها حاضراً، لا مؤجلاً). جواز بيع السهم بدون قيد التماثل في حال بيع السهم بغير العملة التي يتكون منها رأس مال الشركة، ولكن بشرط التقابض. ويجوز بيع السهم بدون شرط التماثل، والتقابض إذا بيع السهم بالعروض، وليس بالأثمان. دليل هذا القول: هذا القول مبني على جملة من القواعد الفقهية التي تنص على أن للأكثر حكم الكل. والقاعدة الفقهية التي تقول: (الأقل تبع للأكثر) في مسائل كثيرة مختلفة، ومنها هذه المسألة.

стр. 6200

قال الشاطبي: «للقليل مع الكثير حكم التبعية، ثبت ذلك في كثير من مسائل الشريعة، وإن لم يكن بينهما تلازم في الوجود، ولكن العادة جارية بأن القليل إذا انضم إلى الكثير في حكم الملغى قصداً، فكان كالملغى حكماً» (١). قال العلامة مسلم بن علي الدمشقي: «الأصول مبنية على أن الأقل تبع للأكثر» (٢). وقال السرخسي: «إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع» (٣). وقال ابن مفلح الصغير: «الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام» (٤). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الربا يحرم كله، لا فرق بين قليله وكثيره، وما أعطي الأقل حكم الأكثر إلا في تابع غير مقصود بالعقد، أو في غير أبواب الربا. فلو باع الإنسان مائة ريال وعرضاً قيمته ألف ريال بمائة ريال، وكان المقصود بالعقد هو تبادل الربوي بالربوي حرم ذلك بالإجماع، مع أن نسبة النقود إلى العرض عشرة في المائة تقريباً؛ لأن الربويين لما كانا مستويين في المقدار، وكان العرض لا بد أن يقابل من أحدهما جزءاً، فسيبقى أحدهما أكثر من الآخر، وهذا ممنوع (٥). يقول الدكتور عبد الله العمار: «إذا كان المقصود في العقد هو تبادل الربوي
следующие страницы →