الشركة من أعيان، ومنافع، ونقود، وديون مقصودة بالعقد على وجه التبع، لا بالأصالة.
وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء والباحثين كسماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم، والشيخ عبد الستار أبو غدة، والدكتور نزيه حماد، والشيخ عبد الله بن خنين، والدكتور محمد الدويش، والدكتور عبد الله ا لعمار، والدكتور مبارك آل سليمان (١)، وندوة البركة (٢) وغيرهم على اختلاف بينهم في تحديد المقصود بالعقد أصالة، بعد اتفاق هؤلاء على أن النقود والديون مقصودة بالعقد على وجه التبع.
يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: «فإن قيل: إن في هذه الشركات نقوداً، وبيع النقد بالنقد لا يصح إلا بشرطه. فيقال: إن النقود هنا تابعة غير مقصودة، وإذا كانت بهذه المثابة فليس لها حكم مستقل، فانتفى محذور الربا ...
стр. 6197
فإن قيل: إن للشركة ديوناً في ذمم الغير، أو أن على تلك السهام المبيعة قسطاً من الديون التي قد تكون على أصل الشركة، وبيع الدين في الذمم لا يجوز إلا لمن هو عليه بشرطه.
فيقال: وهذا أيضاً من الأشياء التابعة التي لا تستقل بحكم، بل هي تابعة لغيرها، والقاعدة: أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، ويدل لذلك حديث ابن عمر مرفوعاً (من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) رواه مسلم وغيره.
فعموم الحديث يتناول مال العبد الموجود، والذي له في ذمم الناس .... ومما يوضح ما ذكر أن هذه الشركات ليس المقصود منها موجوداتها الحالية، وليست زيادتها أو نقصها بحسب ممتلكاتها وأقيامها الحاضرة، وإنما المقصود منها أمر وراء ذلك: وهو نجاحها، ومستقبلها، وقوة الأمل في إنتاجها، والحصول على أرباحها المستمرة غالباً» (١).
دليل من قال: التابع غير المقصود بالعقد أصالة لا تشترط مراعاة أحكامه:
(ح-٨٦٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم.
عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبداً، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (٢).
стр. 6198
وجه الاستدلال:
لما كان مال العبد تابعاً غير مقصود بالعقد أصالة، صح اشتراطه ودخل في البيع به سواء كان المال معلوماً، أو مجهولاً من جنس الثمن أو من غيره عيناً كان أو ديناً وسواء كان مثل الثمن، أو أقل، أو أكثر، فلم يراع أحكام الصرف بين مال العبد، والثمن المدفوع قيمة للعبد (١).
ومعنى قولنا: غير مقصود: أي غير مقصود بالأصالة، وإلا فاشتراط المشتري له دليل على قصده إياه، ولكنه مقصود تبعاً وليس أصالة، فيصح أن نقول: إن اشتراط المشتري مال العبد لا يخرجه عن كونه غير مقصود أصالة.
وإذا ثبت ذلك فلا يراعى أحكام الصرف بين الثمن، وبين ما يمثله السهم من نقود أو ديون، لكون النقود تابعة غير مقصودة بالعقد، والله أعلم.
وكذلك دل الحديث على جواز اشتراط المشتري الثمرة التي قد أبرت، مع أنه معلوم أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولكن لما كانت تابعة لأصلها اغتفر فيها ما لم يغتفر لو كانت مستقلة بالعقد.
القول الرابع:
يجوز تداول تلك الأسهم بشروط على خلاف بينهم في هذه الشروط.
فمنهم من يشترط: أن تكون الغلبة للأعيان والمنافع، وهذا ما ذهب إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي حول صكوك المقارضة، وهي في معنى الأسهم: «إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود، والديون،
стр. 6199
والأعيان، والمنافع، فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقاً للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعياناً، ومنافع. أما إذا كان الغالب نقوداً أو ديوناً فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة» (١).
فإن كانت النقود، أو الديون أكثر، لم يجز التداول إلا بمراعاة أحكام الصرف، وأحكام التصرف في الديون.
وتطبيق قواعد الصرف يعني ما يلي:
جواز بيع السهم بشرط التماثل والتقابض في حال بيع السهم بمثل العملة التي يتكون منها رأس مال الشركة. وهذا يعني بيع السهم بقيمته الاسمية (التي اكتتب بها حاضراً، لا مؤجلاً).
جواز بيع السهم بدون قيد التماثل في حال بيع السهم بغير العملة التي يتكون منها رأس مال الشركة، ولكن بشرط التقابض.
ويجوز بيع السهم بدون شرط التماثل، والتقابض إذا بيع السهم بالعروض، وليس بالأثمان.
دليل هذا القول:
هذا القول مبني على جملة من القواعد الفقهية التي تنص على أن للأكثر حكم الكل. والقاعدة الفقهية التي تقول: (الأقل تبع للأكثر) في مسائل كثيرة مختلفة، ومنها هذه المسألة.
стр. 6200
قال الشاطبي: «للقليل مع الكثير حكم التبعية، ثبت ذلك في كثير من مسائل الشريعة، وإن لم يكن بينهما تلازم في الوجود، ولكن العادة جارية بأن القليل إذا انضم إلى الكثير في حكم الملغى قصداً، فكان كالملغى حكماً» (١).
قال العلامة مسلم بن علي الدمشقي: «الأصول مبنية على أن الأقل تبع للأكثر» (٢).
وقال السرخسي: «إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع» (٣).
وقال ابن مفلح الصغير: «الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام» (٤).
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن الربا يحرم كله، لا فرق بين قليله وكثيره، وما أعطي الأقل حكم الأكثر إلا في تابع غير مقصود بالعقد، أو في غير أبواب الربا.
فلو باع الإنسان مائة ريال وعرضاً قيمته ألف ريال بمائة ريال، وكان المقصود بالعقد هو تبادل الربوي بالربوي حرم ذلك بالإجماع، مع أن نسبة النقود إلى العرض عشرة في المائة تقريباً؛ لأن الربويين لما كانا مستويين في المقدار، وكان العرض لا بد أن يقابل من أحدهما جزءاً، فسيبقى أحدهما أكثر من الآخر، وهذا ممنوع (٥).
يقول الدكتور عبد الله العمار: «إذا كان المقصود في العقد هو تبادل الربوي
стр. 6201
بالربوي فلا ينبغي النظر إلى القلة والكثرة؛ لأن العلم بالتساوي بين البدلين شرط عند الجميع» (١). هذا دليل من يشترط أن تكون الأعيان والمنافع هي الغالبة.
ومنهم من يشترط أن يكون الثمن المفرد (النقود) أكثر من النقود التي يمثلها السهم، ويطبق عليها مسألة (مد عجوة ودرهم).
فالسهم يمثل: نقوداً وأعيانا (موجودات الشركة)، مقابل الثمن، وهو من النقود، فيجب أن يكون الثمن أكثر من النقود التي مع السهم، ليكون النقد في مقابلة النقد، وما زاد في مقابلة الأعيان.
فإذا فرضنا أن السهم قبل أن تشتغل الشركة، أو قبل إدراجها في البورصة يتمثل في القيمة الاسمية، مضافاً إليه موجودات الشركة، فيجب أن يكون الثمن المدفوع قيمة للسهم أكثر من قيمته الاسمية؛ لتكون النقود في مقابل النقود، وما زاد قيمة للأعيان التي يمثلها السهم. وهذا القول يراه بيت التمويل الكويتي (٢).
стр. 6202
الراجح:
بعد استعراض الخلاف أجد أن أضعف الأقوال هو القول الذي يقول: إن السهم سلعة قائمة بذاتها، مفصولة عن موجودات الشركة، يليه في الضعف القول الذي يمنع تداول السهم مطلقاً بعد التخصيص وقبل التداول.
وأقواها عندي أنه يجوز تداول السهم مطلقاً، وأن النقود والديون التي يمثلها السهم هي تابعة غير مقصودة بالعقد أصالة، والله أعلم.
* * *
стр. 6203
المبحث العاشر
إشكال وجوابه عن تداول الأسهم
أثار بعض أهل العلم إشكالات عن تداول الأسهم، من ذلك:
الإشكال الأول:
الجهالة، حيث لا يعلم المشتري علماً تفصيلياً بحقيقة محتوى السهم، فالعلم بالمبيع شرط لصحة البيع، فإذا كان المبيع مشتملاً على جهالة بطل البيع، والجهالة موجودة في شركات المساهمة حيث لا يعلم المشتري علماً تفصيلياً بحقيقة السهم (١).
وقد أجبت على هذا الإشكال حين الكلام على حكم الشركات المساهمة فأغنى عن إعادة الجواب هنا.
الإشكال الثاني:
[ن-١٦٨] أن بيع هذه الأسهم يعني بيع جزء من الأصول، وجزء من النقود، وهذا يقتضي ملاحظة قواعد الصرف من التماثل والتقابض في مجلس العقد بين الجنس الواحد، والتقابض فقط عند اختلاف الجنس، وذلك لأن السهم في الغالب يكون مساوياً لموجودات الشركة بما فيها النقود، وهذا لا يراعى عند بيع أسهم الشركات المساهمة مما يجعل بيعها حراماً (٢).
كما أن جزءاً من السهم يمثل ديناً للشركة، وحينئذ لا يجوز بيعه بثمن مؤجل؛ لأنه يكون من قبيل بيع الدين بالدين، وهو منهي عنه إلا لمن هو عليه.
стр. 6204
ويجاب عن ذلك:
استعرضنا الخلاف في حكم تداول الأسهم قبل إدراجها في البورصة، وبعد التخصيص في المسألة التي قبل هذه، والجواب في هذه المسألة قد تضمن الجواب عن الإشكال الذي يثار حول تداول السهم، فيما إذا كان غالب ما يمثله السهم نقوداً، أو ديوناً، أو هما معاً.
فهناك من أهل العلم من يمنع تداول مثل هذه الأسهم مطلقاً.
وهناك من يشترط أن تطبق على بيع السهم أحكام الصرف، وأحكام التصرف في الديون.
وهناك من يجيز التداول مطلقاً باعتبار أن السهم سلعة قائمة بذاتها، لا دخل لها في موجودات الشركة.
وهناك من يجيز بيع السهم مطلقاً باعتبار أن الديون والنقود في العقد تابعة لم تقصد أصالة في العقد.
فالأقوال في هذه المسألة هي نفس الأقوال في حكم تداول السهم بعد التخصيص، وقبل التداول، والأدلة في المسألتين واحدة، وقد بينت أن الراجح: بأن السهم كونه يمثل جزءاً من أصول الشركة، وجزءاً من النقود، وجزءاً من الديون فإن النقود والديون تأتي تبعاً غير مقصودة في بيع السهم.
ومعنى قولنا: غير مقصود: أي غير مقصود بالأصالة، وإنما مقصود بالتبع، ولذلك فإن اشتراط المشتري مال العبد لا يخرجه عن كونه غير مقصود.
(ح-٨٧٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سالم.
عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا
стр. 6205
أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبداً، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (١).
فجاز للمشتري أن يشتري الشجرة، وعليها ثمرة لم تؤبر، ومعلوم أنها قبل ذلك لم يبد صلاحها، وهو منهي عن بيعها حتى يبدو صلاحها، وإنما جاز بيع الثمر في مثل هذه الحالة لكونه تبعاً لغيره. كما جاز للمشتري أن يشترط الثمرة بعد أن تؤبر، وإن لم يبد صلاحها، وجاز له ذلك للعلة نفسها، وكذلك المال الذي في حوزة العبد قد يكون ذهباً كما لو كان على الجارية حلي، وثمن العبد قد يكون ذهباً أيضاً، فأجاز النبي ﷺ للمشتري أن يشترط المال دون مراعاة لقواعد الصرف، وإنما جاز ذلك؛ لأنه تابع غير مقصود (٢).
وكذلك يقال في الجواب عن كون جزء من السهم يمثل ديناً للشركة، فإن هذا الجزء يدخل في السهم تبعاً، على التسليم بوجود ذلك، وليست كل الشركات عليها ديون.
* * *
стр. 6206
الفصل الثالث
في السندات
المبحث الأول
في تعريف السندات وعوامل إصدارها وشروطه
تعريف السندات:
هي صكوك مالية قابلة للتداول تصدرها شركة، أو حكومة، أو شخص اعتباري، عن طريق الدعوة إلى الاكتتاب العام، ويتعلق بقرض طويل الأجل، ويعطى مالكه حق استيفاء فوائد سنوية، وحق استرداد قيمته عند حلول الأجل (١).
فالسند بالنسبة للحكومات، والشركات أداة للاقتراض، وبالنسبة للمقرض ورقة، أو صك يثبت كونه دائناً للمقترض بالقيمة المدونة عليها.
ويلتزم مصدر السند بتسديد قيمته في التاريخ المحدد، مع فائدة ربوية على القرض يقوم بدفعها على فترات زمنية محدودة (سنوية أو نصف سنوية في الغالب) ويتم تحديد هذه الفائدة عادة بنسبة مئوية من القيمة الاسمية للسند، ولا يتوقف دفع هذه الفائدة على حصول الربح في المشروع الذي أصدرت السندات لتمويله مثلاً، بل يلزم دفعها على أي حال (٢).
стр. 6207
وقد لا يحتسب على هذه السندات فائدة، ولكنها تباع مقدماً بحسم يجري عند بيعها من قيمتها الاسمية، يكون بمثابة الفائدة، ويحسب هذا الخصم على أساس سعر الفائدة السائد في الأسواق المالية، ويجري تداول هذه السندات عن طريق البيع في سوق الأوراق المالية (البورصة) على نفس المبدأ، وتسمى السندات ذات الكوبون الصفري (١).
ولا فرق في الحكم الشرعي بين دفع سعر الفائدة وبين السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضاً يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من هذا الحسم، باعتبار أن كلاً منها قروض بفوائد ربوية.
ويطلق على السندات عدة ألفاظ منها:
شهادات الاستثمار، أذونات الخزانة، وسندات القرض.
شروط إصدار السندات:
[ن-١٦٩] عندما قامت شركات المساهمة في أول تاريخها لم يكن هناك أنظمة وتشريعات تنظم إصدار السندات، وتركت للمتعاقدين الحرية التامة في إصدارها الأمر الذي نتج عنه سلبيات كثيرة، أبرزها توجه بعض الشركات ذات رأس المال الضئيل إلى إصدار سندات بأضعاف رأس مالها المكتتب به، وإغراء الجمهور على الاكتتاب بوعود ومزايا قد لا تتمكن الشركة من الوفاء بها، ولتلافي تلك السلبيات وحفظاً لحقوق المدخرين، وحرصاً على سلامة المركز المالي للشركات بوجه عام، تدخلت الهيئات التشريعية في معظم البلدان، وقيدت إصدار سندات القرض بعدد من الشروط أكثرها ذيوعاً الشروط التالية:
стр. 6208
(١) لا يجوز للشركات إصدار سندات قرض إلا بعد استيفاء كامل قيمة الأسهم المكتتب بها.
وهذا الشرط بديهي، لأنه من غير المنطق أن تلجأ الشركة إلى الغير للاقتراض منه، وما يزال جزء من رأس مالها في يد المساهمين، فضلاً عن كون الحاجة الحقيقية للاقتراض لا تستبين بوضوح إلا بعد الوفاء الكلي برأس المال.
(٢) أن يكون الإصدار بموافقة الجمعية العمومية للشركة.
فلا يجوز للشركة إصدار سندات إلا بقرار من الجمعية العامة، بناء على اقتراح مجلس إدارة الشركة مرفق ويكون القرار مرفقاً بتقرير من مراقب الحسابات يتضمن الشروط التي تصدر بها السندات.
والحكمة من ذلك: أن الاقتراض عن طريق السندات ليس عملاً دارجاً من أعمال الشركة، وإنما هو عمل يتعلق إلى حد كبير بمركز الشركة المالي، وسياستها المالية بوجه عام، لذا كان يتعين صدور قرار بذلك من الجمعية العامة للمساهمين حيث تستطيع أن تقدر مدى ملاءمة القرض لمشروع الشركة، سواء من حيث كمه، أومن حيث أجله.
(٣) يجب ألا تزيد قيمة السندات المصدرة عن إجمالي رأس المال الموجود بحسب آخر ميزانية جرت الموافقة عليها، وذلك بحسبان أن رأس المال يعتبر الضمان العام لدائني الشركة، فإذا زاد المبلغ المقترض عليه تعرض حملة السندات لخطر ضياع أموالهم عند إخفاق الشركة.
وقد عدل هذا في قانون الشركات في النظام المصري، بألا تتجاوز القيمة الكلية للسندات صافي أصول الشركة.
ويعتبر هذا التعديل في صالح دائني الشركة، إذ إن الضمان الحقيقي للدائنين
стр. 6209
ليس هو رأس مال الشركة، بقدر ما هو أصولها، وموجوداتها الحالية والمستقبلية.
(٤) يجب أن تكون الشركة المقترضة قد نشرت ميزانيتها عن سنة مالية على الأقل، حتى يتسنى للجمهور معرفة المركز المالي للشركة قبل الإقدام على الاكتتاب في السندات.
(٥) يجب أن تكون دعوة الجمهور للاكتتاب العام في السندات عن طريق نشرة اكتتاب تشتمل على ما يلي:
أ - سبب الإصدار.
ب- بيان رأس مال الشركة.
جـ - عدد السندات التي يراد إصدارها وقيمتها.
د - سعر الفائدة، والمزايا الأخرى.
هـ - تاريخ الاستهلاك وشروط ضمانه.
و - تاريخ قرار الجمعية العمومية الخاص بالإصدار (١).
عوامل إصدار السندات:
تفضل بعض الشركات إصدار سندات بدلاً من إصدار أسهم جديدة لعوامل كثيرة، وإن كان إصدار السندات يعتبر من ربا الجاهلية، بينما الأسهم يعتبر إصدارها كسباً مشروعاً، ومن أهم هذه العوامل التي تراه الشركة:
стр. 6210
(١) - أن إصدار السندات يجنب الشركة من المشاركة في إدارتها، أو في أرباح الشركة الفائضة.
فحامل السند لا يحق له حضور الجمعية العمومية للشركة، ولا التصويت في انتخابات مجلس الإدارة، ولا يشارك المساهمين العاديين في الأرباح الفائضة، خاصة عندما يكون مردود المشروع أعلى من سعر الفائدة، وإنما يحصل على فائدة محددة مسبقاً، بخلاف ما لو أصدروا أسهماً جديدة، فمن المحتمل أن يفقدوا سيطرتهم على مجلس الإدارة، كما أنهم سوف يشاركونهم في الأرباح الفائضة.
(٢) - أن إصدار السندات يجنب الشركة من تعطيل أموالها، خاصة إذا كانت حاجة الشركة إلى المال لفترة محدودة، وزمن معين، وليست دائمة.
(٣) - قد يكون مركز الشركة المالي ضعيفاً لا يشجع الجمهور على شراء أسهمها خوفاً من المخاطرة، بخلاف إصدار السندات حيث يحصل الجمهور من خلاله على عائد ثابت سالم من المخاطرة.
(٤) الإعفاء من الضرائب، حيث تعد فوائد السندات من جملة النفقات العامة التي تعفى من الضرائب، في حين لا تعد أرباح الأسهم من النفقات العامة، ومن ثم تفرض عليها الضرائب المقررة (١).
* * *
стр. 6211
المبحث الثاني
في أنواع السندات
يمكن تصنيف السندات إلى أصناف كثيرة، ولا زالت الأفكار الاقتصادية تبتكر الكثير، وأهم هذه الأنواع
القسم الأول: أنواع السندات باعتبار مصدرها:
تنقسم السندات باعتبار مصدرها إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: سندات المنظمات الدولية:
يصدر هذا النوع من السندات من قبل الهيئات الدولية، كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وتستخدم الأموال المقترضة عن طريق هذه السندات في تمويل مشاريعها، وتعتبر نوعية هذه السندات من النوعية الأولى.
النوع الثاني: السندات الحكومية (سندات القطاع العام) .
وهي صكوك متساوية القيمة، تمثل ديناً مضموناً في ذمة الحكومة، وهي ذات فوائد ثابتة غالباً، ويتم طرحها للاكتتاب العام، وتتداول بالطرق التجارية، وتكون دائمة، أو مستهلكة.
وتتميز هذه السندات بخلوها من المخاطر، وتمتعها بدرجة عالية من السيولة، وإعفائها من الضرائب.
وهذه السندات تتنوع بدورها بحسب طبيعة المؤسسة الصادرة عنها:
(أ) سندات البلدية. (ب) سندات الخزينة
стр. 6212
(ج) سندات حكومية بعملات أجنبية.
النوع الثالث: السندات الأهلية. (سندات القطاع الخاص، أو سندات الشركات).
وهي السندات التي تصدرها المؤسسات المالية، أو الشركات المساهمة العاملة في القطاع الخاص، أو الشركات التجارية، والصناعية، والخدمية، وذلك لتمويل مشاريعها، وتكون مضمونة في الغالب.
وتتميز هذه السندات عن السندات الحكومية أنها تصدر بمعدلات فائدة أعلى من السندات الحكومية، ولكنها أكثر تعرضاً للمخاطر المترتبة على عجز الجهة المصدرة عن الوفاء بالدين، وفوائده السنوية.
القسم الثاني: أنواع السندات باعتبار حقوق أصحابها .
وهذا هو أهم شيء في تقسيم السندات، وتنقسم إلى ستة أقسام:
(أ) السندات العادية: وهي سندات ذات استحقاق ثابت، وهي سندات ذات قيمة واحدة، تعطى عليها فوائد ثابتة، فضلاً عن قيمتها عند نهاية مدة القرض.
(ب) سندات ذات استحقاق بعلاوة إصدار: وهي سندات يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق، باعتبارها حسماً لهذه السندات.
مثال ذلك: لو كانت القيمة الاسمية للسهم مائة ريال، فيدفع المكتتب تسعين ريالاً، والعشرة المتبقية تسمى علاوة إصدار، وترد الشركة قيمة السند الاسمية لصاحبها (مائة ريال) فكأنها اقترضت تسعين إلى أجل، على أن تدفع مائة ريال، وعلى أساس القيمة الاسمية تحسب الفوائد السنوية.
стр. 6213
(جـ) سندات النصيب . وتنقسم إلى قسمين:
الأول: سندات النصيب بالفائدة: وهي سندات تصدر بقيمة اسمية، وتحدد الشركة لحاملها فائدة بتاريخ استحقاق معين، ويجري السحب عن طريق القرعة في كل عام لإخراج عدد من السندات من التداول حيث يتم استهلاكها، وتصبح مستحقة الأداء، ويدفع إلى صاحبها مع قيمتها مكافأة مالية كبيرة، ويكون معدل الفائدة السنوي التي تمنحه مثل هذا النوع من السندات أقل من المعدل العادي، وتستفيد الشركة المصدرة من الفرق لتعطيه في شكل مكافآت مالية، ويخضع إصدار مثل هذا النوع من السندات لتنظيم قانوني خاص، أو لإذن حكومي.
الثاني: سندات النصيب بدون فائدة: وهي السندات التي يسترد حاملها رأس ماله فقط بدون فوائد في حالة عدم فوزه بالقرعة.
(د) السند المضمون: وهو سند يصدر من الشركة إما بضمان شخصي، مثل كفالة الحكومة، أو إحدى البنوك، أو بضمان عيني مرهون بأصل ثابت، كالأرض، والعقار، والآلات، أو برهن أوراق مالية لشركة أخرى.
وتعمد الشركة إلى إصدار هذا النوع من السندات إذا ما خشيت من عدم إقبال المدخرين على الاكتتاب في السندات المطروحة من قبلها.
وبسبب الضمان، وعدم وجود المخاطر، فإن عائد هذه السندات أقل من أي نوع آخر.
(هـ) السندات القابلة للتحويل . وهي سندات تعطي حاملها الحق في طلب تحويلها إلى أسهم حسب القواعد المقررة لزيادة رأس المال.
(و) سندات الدخل: وهي سندات يكون لها فوائد ثابتة إضافة إلى نسبة
стр. 6214
محددة من أرباح الشركة، بينما غيرها تكون فائدتها دورية دون مشاركتها في أرباح الشركة.
النوع الثالث: أنواع السندات باعتبار شكلها .
تنقسم السندات باعتبار الشكل إلى قسمين:
(أ) سندات اسمية: وهي السندات التي تحمل اسم صاحبها، وتنتقل بطريق التسجيل.
(ب) سندات لحاملها: وهي السندات التي لا تحمل اسم صاحبها، ويعتبر الحائز عليه مالكاً له.
النوع الرابع: تقسيم السندات باعتبار قابليتها للإطفاء من عدمه .
تنقسم السندات من حيث قابليتها للإطفاء إلى قسمين:
(أ) سندات غير قابلة للإطفاء: وهي السندات التي لا تستطيع الشركة سداد قيمة القرض قبل حلول أجله.
(ب) سندات قابلة للإطفاء: وهي سندات تملك فيه الجهة المصدرة للسند فرصة سداد القرض قبل نهاية المدة. ويكون الإقبال عليه متدنياً؛ لأن الشركة ربما تطفيه في وقت ارتفاع سعره، وهي تستدعيه بالقيمة الاسمية حسب شرط الاستدعاء، أو ربما تستدعيه الشركة حين تكون أسعار الفائدة الثابتة عليه أعلى من تلك السائدة في السوق.
أنواع أخرى من السندات جديدة كل يوم .
لا تزال المؤسسات الاقتصادية ودور المال تفكر في المزيد من أنواع السندات وغيرها، وتتفنن في كيفية جلب أصحاب الأموال وشدهم وجذبهم إلى إيداع مدخراتهم في تلك المؤسسات بأية وسيلة مجدية في نظرها.
стр. 6215
وتكاد أبصارنا تقع كل يوم على نوع جديد، ومن هذه السندات:
(أ) سندات بفائدة ثابتة، وشروط متغيرة.
(ب) سندات مسترجعة، حيث يعطى لحاملها الحق في استرجاع قيمتها الاسمية بعد فترة محددة، ثم تقوم الشركة المصدرة بإعطاء شروط أحسن من السابق في حالة إبقاء قيمتها فترة أخرى.
(ج) سندات ذات أصوات. تعطي صاحبها حق التصويت في الجمعية العمومية للشركة.
(د) سندات بفائدة عائمة تتغير كل سنة، أو كل ستة أشهر على أساس سعر الفائدة الدولية مثلاً، أو أي أساس آخر.
(هـ) سندات بشهادة حق، حيث تعطي صاحبها الحق في شراء أوراق مالية طيلة فترة محددة، وبسعر محدد مسبقاً (١).
* * *
стр. 6216
المبحث الثالث
حقوق حامل السند
[ن-١٧٠] لما كان حامل السند يعتبر دائناً، فإن له حقوق الدائن على مدينه وله حقوقاً أساسية أخرى، وتتمثل هذه الحقوق فيما يلي:
١ - حق الحصول على فوائد سنوية ثابتة في المواعيد المتفق عليها، لأنه من المعلوم أن المكتتب لا يقدم على اكتتابه متبرعاً. وقد بين شراح القانون التجاري أن فوائد السندات تكون ثابتة يجنيها أصحابها، سواء ربحت الشركة، أو خسرت.
٢ - الحق في استرداد قيمة السند عند حلول الأجل.
٣ - حق التنازل عنه عن طريق تداوله بالطرق التجارية.
٤ - لحامل السند حق الأولوية في استيفاء قيمة السند عند التصفية قبل أصحاب الأسهم.
٥ - إقامة دعوى الإفلاس ضد الشركة إذا تأخرت عن دفع قيمة السندات (١).
* * *
стр. 6217
المبحث الرابع
الفرق بين الأسهم والسندات
تشترك الأسهم مع السندات في أن كلاً منهما يصدر بقيم متساوية، وغير قابلة للتجزؤ، فلو ورث جماعة سنداً، أو سهماً، فإنهم يجب أن يختاروا من بينهم من يمثلهم في التعامل مع الشركة، وأنها قابلة للتداول حسب كونها اسمية، أو للآمر، أو لحاملها، وتصدران عن طريق الاكتتاب العام، ولكل منهما قيمة اسمية، وسعر في السوق.
[ن-١٧١] وتختلف السندات عن الأسهم فيما يلي:
(١) - يعتبر حامل السند دائناً للشركة التي أصدرته، وحامل السهم شريكاً في الشركة التي أصدرته.
وهذا يعني أن السهم: صك يمثل جزءاً من رأس المال، بينما يعتبر السند صكاً يمثل جزءاً من قرض، ولا تدخل قيمته في رأس المال.
وهذا الفارق يجعل حامل السند لا يحق له المشاركة في إدارة الشركة، بخلاف صاحب الأسهم فإنه يحق له حضور الجمعيات العامة، والتصويت فيها، والرقابة على أعمال مجلس الإدارة. وهذا الفارق هو الفارق الجوهري تقريباً بين السند والسهم، وكل الفروق التالية مبنية على هذا التكييف.
(٢) - يحصل حامل السند على ربح ثابت، سواء ربحت الشركة، أم خسرت، أما حامل السهم فإن ربحه يختلف بحسب نسبة الأرباح التي تحققها الشركة، فإذا لم تحقق الشركة أرباحاً فلا يحصل على شيء.
стр. 6218
(٣) يقدم صاحب السند على صاحب الأسهم في الحصول على حقه في حالات التصفية.
(٤) حامل السهم لا يسترد قيمته إلا عند تصفية الشركة، فيما عدا حالة استهلاك الأسهم، فإذا استهلك سهمه فلا تنقطع صلته بالشركة، بل يحصل على سهم تمتع يخوله حقوقاً في الشركة.
أما حامل السند فله الحق في استيفاء قيمته في الميعاد المتفق عليه، ومن ثم تنقطع صلته بالشركة.
(٥) لا يوجد حد أدنى أو أعلى لقيمة السند الاسمية، بعكس الأسهم (١).
* * *
стр. 6219
المبحث الخامس
خلاف العلماء في حكم إصدار السندات
[ن-١٧٢] ذهب عامة العلماء والباحثين المعاصرين إلى أن هذه السندات لا يجوز شرعاً إصدارها، ولا شراؤها لأنها قائمة على أساس الإقراض بفائدة ربوية، سواء كانت هذه الفائدة قد حسم مقدارها على المشتري (المقرض) وقت الشراء من مبلغ القرض، أو التزم المصدر بدفعها على فترات مختلفة (١)،
وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فقد جاء في قرار المجمع المذكور رقم: ٦٠ (١١/ ٦) ما يلي:
стр. 6220
«بعد الاطلاع على أن السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحامله القيمة الاسمية عند الاستحقاق، مع دفع فائدة متفق عليها، منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند، أو ترتيب نفع مشروط، سواء أكان جوائز توزع بالقرعة، أم مبلغاً مقطوعاً، أم حسماً، قرر ما يأتي:
أولاً: إن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه، أو نفع مشروط، محرمة شرعاً من حيث الإصدار، أو الشراء، أو التداول؛ لأنها قروض ربوية، سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة، أو عامة ترتبط بالدولة، لا أثر لتسميتها شهادات، أو صكوكاً استثمارية، أو ادخارية، أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحاً، أو ريعاً، أو عمولة، أو عائداً.
ثانياً: تحريم أيضاً السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضاً يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق، باعتبارها حسماً لهذه السندات.
ثالثاً: كما تحرم أيضاً السندات ذات الجوائز، باعتبارها قروضاً اشترط فيها نفع، أو زيادة بالنسبة لمجمع المقرضين، أو لبعضهم لا على التعيين، فضلاً عن شبهة القمار». اهـ
والدليل على تحريم إصدار السندات، أن هذه السندات قد جمعت بين أنواع الربا الثلاثة: ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا القرض.
وقد أجمع العلماء على تحريم أخذ الزيادة في مقابل القرض.
قال ابن عبد البر: «وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا لا خلاف في ذلك» (١).
стр. 6221
قال ابن قدامة: «كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف» (١).
وقال القرطبي: «أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف ... » (٢).
وقال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه، كان ذلك حراماً» (٣).
وقال ابن مفلح: «كل قرض شرط فيه زيادة فهو حرام إجماعاً» (٤).
القول الثاني:
ذهب بعض أهل العلم إلى إباحة السندات مطلقاً كالشيخ علي الخفيف ﵀ (٥)، والشيخ عبد الوهاب خلاف (٦)، ومحمد رشيد رضا (٧)، ود. غريب الجمال (٨)، ود. عبد المنعم النمر (٩)، والشيخ يس سويلم
стр. 6222
طه (١)، وغيرهم (٢).
دليل من قال بإباحة السندات مطلقاً:
الدليل الأول:
أن هذه المعاملة معاملة مستحدثة، فتأخذ حكم المسكوت عنه، وهو أن الأصل في المنافع الإباحة، وفي المضار الحظر، فتكون مباحة شرعاً؛ لأنها معاملة نافعة لكل من العامل، وأرباب الأموال، فالعامل يحصل على ثمرة عمله، ورب المال يحصل على ثمرة ماله (٣).
ويناقش:
بأن دعوى أن هذه المعاملة معاملة مستحدثة دعوى غير صحيحة، وكونها أخذت مسمى جديداً فإن هذا لا يغير من حقيقتها شيئاً، فالأمور بمعانيها لا بألفاظها، وحقيقة السندات: أنها قرض إلى أجل بفائدة، هكذا عرفها أصحاب القانون والاقتصاد (٤)، وهو يتفق مع ما ذهب إليه عامة علماء الشريعة المعاصرين، وإذا كانت قرضاً بفائدة كانت من الربا الصريح.
стр. 6223
وأما دعوى أنها معاملة نافعة، فيقال: نعم فيها نفع، وكذلك الخمر والميسر وربا الجاهلية فيها منافع، ولكن مضارها أكبر من نفعها، ولذا وردت النصوص بتحريمها (١).
الدليل الثاني:
الزيادة المحرمة: هي الزيادة التي يفرضها المقرض مستغلاً حاجة المقترض إلى المال، فيدفع هذه الزيادة تحت ضغط الحاجة، أما إذا كان المقترض هو الذي يحدد نسبة الربح، فإن ذلك لا يكون ربا، حيث لا ظلم عليه في ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يظلم المرء نفسه، كما أن الربا المحرم هو ما كان فيه طالب القرض ضعيفاً محتاجاً، ومعطي المال قوياً غنياً، فإذا انعكس الأمر، فأصبح المقترض قوياً غنياً، والمقرض ضعيفاً فقيراً، كما هو الحال في السندات التي تصدرها الدولة، أو الشركات الكبرى، لم يكن ذلك من الربا المحرم.
يقول الدكتور علي عبد الرسول:
«واضح مما تقدم أن حكمة تحريم الربا هي حماية الضعيف من القوي، غير أنه يوجد اليوم من القروض ما يكون فيه المقترض هو القوي، والمقرض هو الضعيف، من ذلك القرض الحكومي الممثل في سندات، وكذلك السندات التي تصدرها البلديات، وبقية الهيئات، والمؤسسات الحكومية، وكذلك السندات التي تصدرها الشركات الكبرى القوية للحصول على ما يلزمها من قروض.
стр. 6224
ففي هذه القروض يكون المدين المقترض هو الحكومة نفسها، أو الهيئة، أو المؤسسة الحكومية، أو الشركة الكبرى. وأما الدائن المقرض فجمهور المدخرين من حملة السندات الحكومية ذات الفائدة، وغيرها من السندات، لقد تغير في هذه القروض وضع الدائن من المدين، بل إن هذا الوضع قد انقلب، فأصبح المدين هو الأقوى، وأصبح الدائن هو الضعيف، وأصبح هذا الأخير هو الجدير بالحماية، وليس من المعقول بعد ذلك أن نعتبر المدخر حامل السند ذي الفائدة مرابياً» (١)
ويناقش هذا:
النصوص الدالة على تحريم الربا مطلقة، وهي تشمل ما إذا كان المقترض غنياً، أو فقيراً، ومن قال: إن تحريم الاقتراض بفائدة، إنما هو خاص في حال كون المقترض فقيراً، أما إذا كان المقترض غنياً فلا حرج عليه في الاقتراض بفائدة، فقد ادعى دعوى ليس عليها برهان، وقيد نصوص الشرع، بما لم يقيده الله، ولا رسوله، ولم ينقل عن عالم من علماء المسلمين أنه أباح للغني القوي أن يقترض بالربا من الفقير الضعيف، وهو خلاف المعقول أيضاً؛ لأنه إذا حرم على الفقير الاقتراض بالربا مع حاجته وضعفه، فإنه من باب أولى أن يكون حراماً على الغني من باب أولى.
كما أن القول: بأن المقترض إذا كان يحدد نسبة الفائدة فلا حرج؛ لأنه لا يمكن أن يظلم نفسه، هذا أيضاً قول مخالف للصواب، فلو رضي المقترض على دفع الفائدة، وكانت مشروطة عليه عند القرض، كان ذلك من الربا المحرم، ولو طابت بها نفسه؛ لأنه لم يعلق تحريم الربا على رضا المتعاقدين.
стр. 6225
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السندات التي تصدرها الدولة لا يقتصر شراؤها على جمهور الناس من أصحاب الدخل المحدود، بل يشتريها أيضاً الشركات الكبرى، والمؤسسات المالية المتخصصة، وشركات التأمين، فلم يكن من شروط بيع هذه السندات أن يكون المشتري ضعيفاً (١).
الدليل الثالث للقائلين بجواز إصدار السندات .
أن السندات ينطبق عليها حكم شركة المضاربة الصحيحة، وأوجه الشبه بين هذه السندات وعقد المضاربة من وجوه:
الوجه الأول:
أن رأس المال فيهما من أحد طرفي العقد، والعمل فيه من الطرف الآخر.
الوجه الثاني:
أن الربح فيه مشترك بين رب المال والعامل، وإن اختلفت فيهما صورة الاشتراك.
الوجه الثالث:
أن رأس المال فيهما أمانة في يد العامل؛ لأنه مال للطرف الآخر.
الوجه الرابع:
أن العامل في المال في الحالين يعد وكيلاً عن رب رأس المال في العقدين (٢).
وأما شروط المضاربة التي ذكرها الفقهاء، ومنها كون الربح بين الطرفين مشاعاً، كالنصف، أو الثلث مثلاً، فهذه شروط اجتهادية، استنبطت من قواعد
стр. 6226
الشريعة، لا من النصوص، حيث لم يرد بشأن المضاربة نص من القرآن الكريم، ولا من السنة النبوية، وكل ما ورد بشأنها، إنما هو أقوال نقلت عن بعض الصحابة تدل بمجموعها على أن التعامل بالقراض كان معروفاً عند العرب حتى جاء الإسلام، وإذا كان الأمر كذلك، كانت هذه الشروط الاجتهادية، تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، وإذا كان الفقهاء قد اشترطوا أن يكون الربح مشاعاً كالنصف والثلث من أجل ألا يحرم أحد الطرفين من الربح في حال تحدد الجزء الذي يأخذه أحدهما، فإن هذه المشروعات مبنية على قواعد اقتصادية مضمونة النتائج، وما يأخذه صاحب المال من الربح بنسبة معينة من رأس المال قدر ضئيل بالنسبة لمجموع الربح الذي تدره المشروعات التي استثمرت فيها هذه الأموال، فكلا الطرفين استفاد، وانتفى الاستغلال والحرمان (١).
وإذا كانت علة المنع من تحديد مقدار الربح، من أجل ألا يؤدي ذلك إلى حرمان الشريك من الربح في حال لم يزد الربح على ذلك القدر، لم يكن هذا الشرط لازماً؛ لأن الفقهاء قد جوزوا صوراً من التعاقد يكون ما يأتي من العامل من ربح ليس محلاً للمشاركة؛ «لأنه إذا جاز في رأي بعض الأئمة، أن يعطى المال لآخر يعمل به، على أن يكون الربح جميعه لرب المال، ولا شيء للعامل كما في المواضعة، وإذا جاز أيضاً أن يجعل الربح جميعه للعامل، دون أن يكون ضامناً لرأس المال، ولا شيء منه لرب المال، وإذا جاز أن يكون الربح لأجنبي عن العقد، فأولى بالجواز: ما إذا جعل من الربح مبلغاً معينا لرب المال، والباقي منه للعامل إن وجد ربح، وإلا فلا شيء للعامل، ويكون العامل
стр. 6227
متبرعاً؛ لأن هذا ليس أسوأ حالاً، ولا وضعاً من اشتراط كل الربح لرب المال أو لأجنبي، وذلك ما قام الاتفاق عليه، وما قصده العاقدان من العقد» (١).
إن تحديد الربح مقدماً فيه منفعة للطرفين: فصاحب المال يعرف حقه معرفة خالية من الجهالة، وفيه منفعة للعامل لحمله على الجد والاجتهاد في عمله، حتى يحقق ما يزيد على النسبة المقررة لصاحب المال، والتحديد قد تم برضى الطرفين، إضافة إلى أن عدم التحديد في زماننا هذا الذي خربت فيه الذمم، ما يجعل صاحب المال تحت رحمة صاحب العمل، فيستطيع أن يأكل ماله، وهو لا يدري (٢).
مناقشة هذا الدليل:
هذا الكلام تضمن دعاوى كثيرة، وسوف أوردها واحداً واحداً، وأناقشها:
تضمن الكلام دعوى: أن السندات نوع من المضاربة:
وهذا الكلام مخالف للحقيقة، فلا يوجد تشابه بين المضاربة وبين السندات: وذلك أن حقيقة المضاربة: هي دفع مال لآخر ليتجر به، على أن يكون الربح مشاعاً بينهما، كالنصف، أو الثلث، والخسارة على صاحب المال وحده.
بينما السندات هي: أوراق مالية تصدرها الدولة، أو المؤسسات، التزاماً بدين، ووثيقة عن القرض الممنوح لها، تعطي هذه السندات لحاملها حق الحصول على دخل محدد.
وبناء عليه يكون هناك فرق بين المضاربة والسندات من وجوه:
стр. 6228
الوجه الأول:
السند قرض بفائدة، والمضاربة شركة بين صاحب المال، وصاحب العمل.
الوجه الثاني:
صاحب السند يأخذ فائدة ثابتة، بصرف النظر عن الربح والخسارة، ومقدار هذه الفائدة يتناسب مع مقدار القرض، ومدة القرض، وسعر الفائدة السائد في السوق، بينما المضاربة معرضة للربح والخسارة.
الوجه الثالث:
صاحب السند يضمن رجوع رأس المال كاملاً في كل الأحوال، بينما تكون الخسارة في المضاربة على الربح، ولو أتى على جميعه، ثم على رأس المال، والعامل يخسر عمله وجهده.
إن اشتراط الضمان في المضاربة على العامل باطل، يفسد عقد المضاربة.
يقول ابن رشد: «وأجمعوا على أن صفته: أن يعطي الرجل الرجل المال، على أن يتجر به، على جزء معلوم يأخذه العامل من الربح ... وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد» (١).
وقال ابن قدامة: «متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهماً من الوضيعة، فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافاً» (٢).
ومن هذا نعلم أن اشتراط الفقهاء في المضاربة، ألا يكون المال والربح مضموناً على العامل، مرده إلى أن هذا الشرط يخرج العقد من كونه قراضاً إلى كونه قرضًا.
стр. 6229
الوجه الرابع:
في المضاربة يكون على العامل أن يتجر بالمال بمقتضى الشرط بينه وبين رب المال، وأما في السندات فلا تجبر الجهة المقترضة على الاتجار؛ لأنها أخذت المال على سبيل القرض، فللدولة أن تدفع منه رواتب موظفيها، وأن تسدد ديونها، وليس لصاحب القرض أن يتدخل في طبيعة عمل المقترض.
الوجه الخامس:
إذا كان مصدر السندات البنوك التقليدية (الربوية) فإن البنوك ممنوعة بمقتضى أنظمتها من ممارسة الاستثمار في التجارة، لأنها قائمة على الإقراض والاقتراض بفائدة، فالادعاء بأن البنوك تستثمر هذه الأموال نيابة عن أصحابها بطريق المضاربة ادعاء باطل (١).
وأما الجواب عن قولهم: إن الفقهاء هم الذين اشترطوا أن يكون الربح في المضاربة جزءاً معلوماً مشاعاً كالنصف اجتهاداً من عندهم، وليس على اشتراطه
стр. 6230
نص من كتاب أو سنة، وأن اعتبار هذا الشرط والقول به قد يختلف باختلاف الأحوال والزمان.
فيقال: قد دلت السنة الصحيحة، والإجماع، والمعقول على اعتبار هذا الشرط.
(ح-٨٧١) أما السنة، فقد روى البخاري من حديث رافع بن خديج قال:
كنا أكثر أهل المدينة حقلاً، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك (١).
وفي رواية لمسلم: «إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات، وأقبال الجداول (٢)، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به» (٣).
وجه الاستدلال:
إذا كان اشتراط ثمرة جزء معين من الأرض في عقد المزارعة منهياً عنه؛ لأنه قد يؤدي إلى قطع الربح، وهو المعنى الذي ورد من أجله النهي، لقوله (فربما أخرجت هذه ولم تخرج تلك) فهل من حسن الظن بهذه الشريعة العادلة أن يقال: إنها تمنع الظلم والجور في شركة المزارعة، وتبيح ذلك في شركة المضاربة، إن هذا محض تناقض تنزه عنه الشريعة الإسلامية، بل يجب على
стр. 6231
الفقهاء والمجتهدين أن يقولوا بتحريم ذلك في المساقاة والمضاربة وسائر شركات العقود كما ورد تحريم ذلك في المزارعة حيث لا فرق (١).
قال ابن تيمية: «كان الإمام أحمد يرى أن يقيس المضاربة على المساقاة والمزارعة، لثبوتها بالنص، فتجعل أصلاً يقاس عليه - وإن خالف فيها من خالف - وقياس كل منهما على الأخرى صحيح، فإن من ثبت عنده جواز أحدهما أمكنه أن يستعمل فيه حكم الآخر لتساويهما» (٢).
وقال ابن تيمية أيضاً في معرض كلامه عن المضاربة: «لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه ﷺ من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لرب المال زرع بقعة بعينها .... فإن مثل هذا لو شرط في المضاربة لم يجز؛ لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلاً، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان» (٣).
وأما من الإجماع، فقد قال ابن المنذر: «وأجمعوا على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة» (٤).
قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافاً، أنه إذا اشترط العامل، أو رب المال على صاحبه شيئاً يختص به من الربح معلوماً ديناراً، أو درهما، أو نحو ذلك، ثم
стр. 6232
يكون الباقي في الربح بينهما نصفين، أو على ثلث، أو ربع، فإن ذلك لا يجوز ... » (١).
وأما من المعقول:
فإن في اشتراط دراهم معلومة، يحتمل ألا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، ويحتمل ألا يربحها، فيأخذ من رأس المال جزءاً، وقد يربح كثيراً فيستضر من شرط له نصيب معلوم، ولهذا قال الليث بن سعد: «إن الذي نهى عنه النبي ﷺ أمر، لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز» قال ابن القيم تعليقاً: فتبين أن النهي عن ذلك موجب القياس (٢).
وأما قولهم: إن الفقهاء قد اشترطوا أن يكون الربح مشاعاً، من أجل ألا يحرم أحد الطرفين من الربح، في حال تحدد الجزء الذي يأخذه أحدهما، أما هذه المشروعات فهي مبنية على قواعد اقتصادية مضمونة النتائج، وما يأخذه صاحب المال من الربح بنسبة معينة من رأس المال قدر ضئيل بالنسبة لمجموع الربح الذي تدره المشروعات التي استثمرت فيها هذه الأموال، فكلا الطرفين استفاد، وانتفى الاستغلال والحرمان.
فالجواب عنه أن يقال:
أما إذا كان المصدر للسندات هي البنوك الربوية فنعم، فالربح مضمون، ليس لأنه مبني على قواعد اقتصادية سليمة، وإنما لكون نشاطها قائماً على الإقراض بفائدة محددة، أعلى من معدل الفائدة على القروض التي تأخذها من السندات، وأما إذا كان السندات قد أصدرتها شركات تجارية، فإن مشروعاتها قد تربح وقد
стр. 6233
تخسر، ودعوى أنها مضمونة النتائج يخالفها الواقع، فليس هناك في التجارة شيء مضمون.
«فهذه اليابان تعلن فيها مئات البنوك إفلاسها. وهذه الأزمة الآسيوية التي عصفت بدول جنوب آسيا برمتها، فلم تغن عنهم حساباتهم ولا دراساتهم، بل إن صندوق النقد الدولي، وهو أعلى مؤسسة مالية في العالم توقع في تقريره قبل حلول الأزمة الآسيوية ببضعة أشهر، أن يكون معدل النمو في دول النمور الآسيوية يزيد على ٨%، وهو أعلى معدلات النمو في العالم، وها هو الآن لا يزيد على ٠.٢% فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن الدراسات المحاسبية تقدر بدقة نتائج الاستثمار؟ أو لا يعلم هؤلاء أن في أمريكا وحدها مجلات دورية أسبوعية، أو شهرية، متخصصة بالإعلان عن الشركات والبنوك التي تعلن إفلاسها» (١).
وأما قولهم: إن في تحديد الربح منفعة للعامل ولرب المال .
يقال جوابا على ذلك: إن الربا لا يخلو من منافع، ولكن إثم الربا وضرره أكبر من نفعه، وليس كل شيء فيه نفع يكون مباحاً، حتى يغلب نفعه على ضرره.
وأما قولهم: يجوز تحديد الربح مقدماً، قياساً على جواز الإيضاع، حيث يكون الربح كله لرب المال، أو قياساً على جواز اشتراطه لأجنبي.
فهذا من الخطأ، وبيان ذلك من وجوه:
أ - أن هذا قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار.
стр. 6234
ب - لو صح ذلك لجاز أن يقال: في عقد القرض: إذا جاز أن يتبرع بربح جميع المال لغيره، جاز أن يتبرع بقدر محدد منه للمقرض، وهذا لا يقول به أحد.
ج - المال في الإيضاع، وفي حال التبرع بالربح لأجنبي، لم يختلف الفقهاء في كونه أمانة بيد العامل، بينما في السندات المال مضمون على العامل في كل حال، فكيف يصح قياس هذا على هذا.
د - لا يصح أن تقاس عقود المعاوضات على عقود التبرعات، وذلك أن عقود التبرعات يتسامح فيها ما لا يتسامح في عقود المعاوضات، حثاً للناس على التبرع، وترغيباً لهم في ذلك، ألا ترى أن صورة القرض هي تماماً كصورة بيع النقد بالنقد نسيئة، لكن أبيح الأول؛ لأنه تبرع، ومنع الثاني؛ لأنه معاوضة، والغرر الكثير مؤثر في عقود المعاوضات بالاتفاق، أما في عقود التبرعات فالصحيح أنه غير مؤثر (١).
الدليل الرابع للقائلين بجواز إصدار السندات:
أن أموال السندات ودائع، أذن أصحابها باستثمارها (٢).
ويناقش:
بأن هذا من تسمية الشيء بغير اسمه، فحقيقة الوديعة: هي أمانة تركت للحفظ، مع بقاء عينها، بغير تصرف.
قال في الإنصاف: «الوديعة، تعريفها: عبارة عن توكل لحفظ مال غيره تبرعاً بغير تصرف، قاله في الفائق.
стр. 6235
وقال في الرعاية الصغرى: وهي عقد تبرع بحفظ مال غيره، بلا تصرف فيه» (١).
فإذا تصرف فيها لم تعد وديعة، فإن كان التصرف فيها بغير إذن صاحبها، كان هذا تعدياً منه، وعندئذ يعتبر غاصباً، وإن كان بإذن صاحبها، فهي قد انتقلت من الوديعة إلى القرض (٢).
فإذا أعطي المال لجائز التصرف، وأذن له في التصرف فيه، وكان عليه رد مثله، مع كونه مضموناً عليه، كان ذلك قرضاً، وليس وديعة، فأين هذا من ذاك.
فالوديعة: لا ضمان فيها إذا تلفت، إلا إذا كان هناك تعد، أو تفريط، والقرض مضمون بكل حال (٣).