← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

الفقهاء والمجتهدين أن يقولوا بتحريم ذلك في المساقاة والمضاربة وسائر شركات العقود كما ورد تحريم ذلك في المزارعة حيث لا فرق (١). قال ابن تيمية: «كان الإمام أحمد يرى أن يقيس المضاربة على المساقاة والمزارعة، لثبوتها بالنص، فتجعل أصلاً يقاس عليه - وإن خالف فيها من خالف - وقياس كل منهما على الأخرى صحيح، فإن من ثبت عنده جواز أحدهما أمكنه أن يستعمل فيه حكم الآخر لتساويهما» (٢). وقال ابن تيمية أيضاً في معرض كلامه عن المضاربة: «لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه ﷺ من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لرب المال زرع بقعة بعينها .... فإن مثل هذا لو شرط في المضاربة لم يجز؛ لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلاً، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان» (٣). وأما من الإجماع، فقد قال ابن المنذر: «وأجمعوا على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة» (٤). قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافاً، أنه إذا اشترط العامل، أو رب المال على صاحبه شيئاً يختص به من الربح معلوماً ديناراً، أو درهما، أو نحو ذلك، ثم

стр. 6232

يكون الباقي في الربح بينهما نصفين، أو على ثلث، أو ربع، فإن ذلك لا يجوز ... » (١). وأما من المعقول: فإن في اشتراط دراهم معلومة، يحتمل ألا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، ويحتمل ألا يربحها، فيأخذ من رأس المال جزءاً، وقد يربح كثيراً فيستضر من شرط له نصيب معلوم، ولهذا قال الليث بن سعد: «إن الذي نهى عنه النبي ﷺ أمر، لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز» قال ابن القيم تعليقاً: فتبين أن النهي عن ذلك موجب القياس (٢). وأما قولهم: إن الفقهاء قد اشترطوا أن يكون الربح مشاعاً، من أجل ألا يحرم أحد الطرفين من الربح، في حال تحدد الجزء الذي يأخذه أحدهما، أما هذه المشروعات فهي مبنية على قواعد اقتصادية مضمونة النتائج، وما يأخذه صاحب المال من الربح بنسبة معينة من رأس المال قدر ضئيل بالنسبة لمجموع الربح الذي تدره المشروعات التي استثمرت فيها هذه الأموال، فكلا الطرفين استفاد، وانتفى الاستغلال والحرمان. فالجواب عنه أن يقال: أما إذا كان المصدر للسندات هي البنوك الربوية فنعم، فالربح مضمون، ليس لأنه مبني على قواعد اقتصادية سليمة، وإنما لكون نشاطها قائماً على الإقراض بفائدة محددة، أعلى من معدل الفائدة على القروض التي تأخذها من السندات، وأما إذا كان السندات قد أصدرتها شركات تجارية، فإن مشروعاتها قد تربح وقد

стр. 6233

تخسر، ودعوى أنها مضمونة النتائج يخالفها الواقع، فليس هناك في التجارة شيء مضمون. «فهذه اليابان تعلن فيها مئات البنوك إفلاسها. وهذه الأزمة الآسيوية التي عصفت بدول جنوب آسيا برمتها، فلم تغن عنهم حساباتهم ولا دراساتهم، بل إن صندوق النقد الدولي، وهو أعلى مؤسسة مالية في العالم توقع في تقريره قبل حلول الأزمة الآسيوية ببضعة أشهر، أن يكون معدل النمو في دول النمور الآسيوية يزيد على ٨%، وهو أعلى معدلات النمو في العالم، وها هو الآن لا يزيد على ٠.٢% فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن الدراسات المحاسبية تقدر بدقة نتائج الاستثمار؟ أو لا يعلم هؤلاء أن في أمريكا وحدها مجلات دورية أسبوعية، أو شهرية، متخصصة بالإعلان عن الشركات والبنوك التي تعلن إفلاسها» (١). وأما قولهم: إن في تحديد الربح منفعة للعامل ولرب المال . يقال جوابا على ذلك: إن الربا لا يخلو من منافع، ولكن إثم الربا وضرره أكبر من نفعه، وليس كل شيء فيه نفع يكون مباحاً، حتى يغلب نفعه على ضرره. وأما قولهم: يجوز تحديد الربح مقدماً، قياساً على جواز الإيضاع، حيث يكون الربح كله لرب المال، أو قياساً على جواز اشتراطه لأجنبي. فهذا من الخطأ، وبيان ذلك من وجوه: أ - أن هذا قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار.

стр. 6234

ب - لو صح ذلك لجاز أن يقال: في عقد القرض: إذا جاز أن يتبرع بربح جميع المال لغيره، جاز أن يتبرع بقدر محدد منه للمقرض، وهذا لا يقول به أحد. ج - المال في الإيضاع، وفي حال التبرع بالربح لأجنبي، لم يختلف الفقهاء في كونه أمانة بيد العامل، بينما في السندات المال مضمون على العامل في كل حال، فكيف يصح قياس هذا على هذا. د - لا يصح أن تقاس عقود المعاوضات على عقود التبرعات، وذلك أن عقود التبرعات يتسامح فيها ما لا يتسامح في عقود المعاوضات، حثاً للناس على التبرع، وترغيباً لهم في ذلك، ألا ترى أن صورة القرض هي تماماً كصورة بيع النقد بالنقد نسيئة، لكن أبيح الأول؛ لأنه تبرع، ومنع الثاني؛ لأنه معاوضة، والغرر الكثير مؤثر في عقود المعاوضات بالاتفاق، أما في عقود التبرعات فالصحيح أنه غير مؤثر (١). الدليل الرابع للقائلين بجواز إصدار السندات: أن أموال السندات ودائع، أذن أصحابها باستثمارها (٢). ويناقش: بأن هذا من تسمية الشيء بغير اسمه، فحقيقة الوديعة: هي أمانة تركت للحفظ، مع بقاء عينها، بغير تصرف. قال في الإنصاف: «الوديعة، تعريفها: عبارة عن توكل لحفظ مال غيره تبرعاً بغير تصرف، قاله في الفائق.

стр. 6235

وقال في الرعاية الصغرى: وهي عقد تبرع بحفظ مال غيره، بلا تصرف فيه» (١). فإذا تصرف فيها لم تعد وديعة، فإن كان التصرف فيها بغير إذن صاحبها، كان هذا تعدياً منه، وعندئذ يعتبر غاصباً، وإن كان بإذن صاحبها، فهي قد انتقلت من الوديعة إلى القرض (٢). فإذا أعطي المال لجائز التصرف، وأذن له في التصرف فيه، وكان عليه رد مثله، مع كونه مضموناً عليه، كان ذلك قرضاً، وليس وديعة، فأين هذا من ذاك. فالوديعة: لا ضمان فيها إذا تلفت، إلا إذا كان هناك تعد، أو تفريط، والقرض مضمون بكل حال (٣).

стр. 6236

والوديعة: المقصود منها حفظ عين المال، والقرض: تمليك للعين على أن يرد بدله (١). والوديعة: يرد عينها، والقرض يرد بدلها. والوديعة: ممنوع من التصرف فيها، والقرض له مطلق التصرف؛ لأنه ملك للمقترض. وعلى التنزل، أن تكون وديعة، فإن الوديعة إذا أذن صاحبها في استعمالها تحولت إلى قرض في الفقه والقانون. أما الفقه فقد ذكرنا الفروق بين الوديعة والقرض. وأما في القانون، فقد جاء في القانون المدني المصري: «إذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذوناً له في استعماله، اعتبر العقد قرضاً» (٢). القول الثالث: ذهب بعضهم إلى إباحة بعض السندات دون بعض، فذهب بعضهم إلى إباحة السندات الحكومية فقط، كالشيخ محمد سيد طنطاوي (٣)، ومنهم من يرى إباحة السندات في حال الضرورة فقط، كالشيخ محمود شلتوت، والدكتور محمد

стр. 6237

يوسف، والدكتور محمد رواس قلعه جي (١)، ومنهم من يرى إباحة السندات ذات الجوائز كالشيخ جاد الحق علي جاد الحق (٢). حجة من يبيح إصدار السندات الحكومية: لا تختلف حججه عن حجج القول السابق، من ذلك: الحجة الأولى: أن مشتري السندات إنما دفعوا أموالهم للبنك بقصد توكيله عنهم، ليستثمرها لهم، ولم يدفعوها بقصد القرض (٣). ويناقش: بأن البنك إذا كان وكيلاً عن أصحابها لوجب أن يتحمل أصحاب هذه الأموال نتيجة هذا الاستثمار من ربح أو خسارة، ذلك أن تصرفات الوكيل تقع للموكل، كما هو مقرر شرعاً، والوكيل أمين لا يضمن، وإنما يأخذ أجره إن كانت الوكالة بأجرة، أما أن تقع تصرفات البنك عن نفسه، ويتحمل هو نتيجة عمله، فرط أو لم يفرط، وصاحب المال يسترد ماله، ويأخذ على ذلك ربحاً ثابتاً، فليس ذلك من الوكالة في شيء. والعبرة في العقود بمعانيها لا بألفاظها، فلو دفع شخص لآخر ألف ريال،

стр. 6238

وقال: وكلتك في استثماره على أن ترد لي بعد سنة ألفاً ومائتي ريال مثلاً، بصرف النظر عن نتيجة هذا الاستثمار، كان ذلك قرضاً جر نفعاً، فيكون حراماً، ولا ينفعه أن يظهر ذلك بصورة الوكالة، وإلا فلن يعجز أحد يريد أن يقرض قرضاً ربوياً، أن يظهر ذلك في صورة الوكالة، والله لا تنطلي عليه الحيل. ولذلك قال ابن قدامة في المضاربة، وهي مبنية على الوكالة: «وإن قال: خذ هذا المال فاتجر به، وربحه لك، كان قرضاً، لا قراضاً» (١). وقال الدردير ﵀: «(وضمنه) العامل أي: يضمن مال القراض لربه لو تلف، أو ضاع بلا تفريط (في) اشتراط (الربح له) أي للعامل، بأن قال له ربه: اعمل فيه، والربح لك؛ لأنه حينئذ صار قرضاً، وانتقل من الأمانة إلى الذمة» (٢). فإذا كان لو صرح المتعاقدان بالوكالة، واشترطا مثل ذلك، كان ذلك قرضاً محرماً، فكيف إذا كان العقد في حقيقته وظاهره عقد قرض بزيادة، أيصح أن يقال: بجوازه وتخريجه على الوكالة؟ (٣). الحجة الثانية: أن ما يقدمه البنك لأصحاب السندات من أرباح، هو جزء من أرباحه التي تتحقق عن طريق المشروعات الإنتاجية التي يقيمها، أو يشارك فيها (٤).

стр. 6239

ويناقش: بأن أصحاب السندات لا علاقة لهم بالمشروعات التي يستثمر فيها البنك تلك الأموال؛ لأن العقد الذي بينهم وبين البنك هو عقد قرض، يملك فيها البنك تلك الأموال، ويتصرف فيها كيف يشاء، ولا يوجد في عقد القرض الذي أصدرت به السندات ما يلزم البنك بدفع الفوائد من هذه الأرباح، بحيث إذا لم يحقق البنك ربحاً من مشروعاته، لا يستحقون شيئاً من الفوائد، بل يأخذون الفوائد المتفق عليها، سواء ربح البنك أو خسر، ولا يوجد اتفاق مع البنك باستغلال هذه القروض في مشاريع استثمارية مباحة، ولا يعتبر أصحاب السندات شركاء مع البنك في تلك المشاريع إن وجدت، وللبنك أن يقوم بإقراض تلك الأموال بفائدة على آخرين، كما هي وظيفة البنوك الربوية (١). الحجة الثالثة: أن تحديد الفوائد يتم بالتراضي بين البنك وبين أصحاب السندات، وأن لهذه السندات فوائد: منها توفير فرص العمل والقضاء على البطالة (٢). وهذه الحجة تمت مناقشتها فيما سبق، وأن أخذ الفوائد على القرض يعتبر من الربا المحرم، ولم يقل أحد من العلماء بأن الربا يعتبر حلالاً إذا تم ذلك بالرضا بين المدين والدائن، وكون الربا يشتمل على منافع، فهذا لا يبيح أخذ الربا؛ لأن الذي حرم الربا يعلم أن فيه منافع، ولكن اقتضت حكمة الله تحريمها لكون الأضرار الناتجة عنه أكبر من نفعه.

стр. 6240

الحجة الرابعة: حاجة الدولة إلى العملات الأجنبية حاجة تصل إلى حد الضرورة، والضرورة تبيح المحرمات (١). وهذه الحجة هي حجة من أباح السندات فقط في حال الضرورة، ولذا أرجي مناقشتها عند ذكر حجة هذا القول. حجة من يبيح إصدار السندات في حال الضرورة . جاء في البحر الرائق: «يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح» (٢). المقصود بالحاجة هنا الضرورة، والفقهاء يعبرون بالحاجة تارة ويقصدون بها الضرورة. وذلك أن مجرد الحاجة لا تبيح المحرم، خاصة إذا كان محرماً لذاته كربا النسيئة، وإنما الضرورة فقط هي التي تبيح المحرم (٣). قال الشافعي ﵀: «وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات» (٤). ويحتمل أن تكون الحاجة هنا على ظاهرها، وبناء عليه تنزل الحاجة منزلة الضرورة.

стр. 6241

جاء في غمز عيون البصائر: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت، أو خاصة» (١). وقال الزركشي: «الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس» (٢). «ومعنى كون الحاجة عامة: أن الناس جميعاً يحتاجون إليها فيما يمس مصالحهم العامة، من تجارة، وزراعة، وصناعة، وسياسة عادلة، وحكم صالح. ومعنى كون الحاجة خاصة: أن يحتاج إليها فرد أو أفراد محصورون أو طائفة خاصة كأرباب حرفة معينة. والمراد بتنزيلها منزلة الضرورة: أنها تؤثر في الأحكام، فتبيح المحظور، وتجيز ترك الواجب، وغير ذلك مما يستثنى من القواعد الأصلية» (٣). والربا - وإن كان حراماً - فإنه تبيحه الضرورة إذا لم يجد الرجل من يقرضه، أو قامت بالأمة حاجة إلى مشاريع يكون فيها قوامها، وديمومتها، والمشقة تجلب التيسير. قال أبو بكر بن العربي المالكي عند ذكر القاعدة السابعة من قواعد البيوع في القبس: «اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرم .... ومن ذلك حديث العرايا وبيع التمر فيها على رؤوس النخل بالتمر الموضوع على الأرض، وفيه من الربا ثلاثة أوجه: بيع الرطب باليابس.

стр. 6242

والعمل بالحزر والتخمين في تقدير المالين الربويين. وتأخير القبض إن قلنا: إنه يعطيها له إذا حضر جذاذ التمر» (١). ويقول ابن تيمية: «يجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها، كما جاز بيع العرايا بالتمر استثناء من المزابنة للحاجة ... » (٢). ويقول ابن تيمية في معرض كلامه على إباحة الغرر اليسير: «والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم، إذا عارضتها حاجة راجحة، أبيح المحرم» (٣). ويقول الدكتور محمد يوسف موسى: «إنني أرى وجوب التفرقة بين ضروب الأعمال المختلفة التي يحتاج القائمون بها إلى الاقتراض بفوائد ثابتة، في شكل سندات يصدرونها لأصحاب الأموال. إنني أرى - والعلم لله وحده- أنه لا يجوز شرعاً أن يتوسع تاجر أو صانع أو صاحب مؤسسة أو شركة في أعماله، معتمداً على الاقتراض بفائدة، ولكن هناك مشاريع عمرانية، لا بد منها للبلد، تقوم بها الدولة، أو بعض الأفراد، وهناك شركات صناعية تقوم بأعمال حيوية للأمة، لا تستغني عنها بحال، ويتوقف على هذه الأعمال كثير من المرافق العامة القومية، فهذه المشروعات والشركات والمؤسسات العامة وأمثالها ينبغي أن يسندها القادرون بالمساهمة فيها على الوجه الذي لا خلاف في جوازه شرعاً، أي بأن يكونوا أصحاب أسهم لا سندات، فإن لم يكن هذا ممكناً، وكان من الضروري أن تظل قائمة بأعمالها التي لا غنى للأمة عنها، كان لها شرعاً إصدار سندات بفائدة مضمونة تدفع من الأرباح التي لا شك في الحصول

стр. 6243

عليها من المشروع، ما دام لا وسيلة غير هذه تضمن لها البقاء، وما دام وجودها وبقاؤها ضرورياً للأمة. إن هذا لا يكون من الربا المحرم شرعاً، الربا الذي يكون تجارة لمن يقوم به ولفائدته وحده على أنه إن كان ربا، أو فيه شبهة من الربا الذي لا شك في أنه حرام شرعاً، فهو يجوز للضرورة كما قلنا، فالضرورة تبيح المحظورات، وما ضاق أمر إلا واتسع حكمه، رحمة من الله بالناس، والمشقة تجلب التيسير، وكل هذه قواعد كلية عامة يعرفها الفقه والفقهاء، بل إن الفقه قام عليها في كثير من أحكامه» (١). ويناقش ما سبق: نسلم أن الضرورة تبيح الحرام، ومنه الربا، ولكن لا نسلم قيام الضرورة في إصدار السندات، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن حد الضرورة التي تبيح المحرم أن يبلغ الإنسان «حداً إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب، كالمضطر للأكل، واللبس، بحيث لو بقي جائعاً، أو عرياناً، لمات، أو تلف منه عضو» (٢). ولو ترك المستثمر بالسندات الاستثمار بها لم يهلك، ولم يقارب، فالتعامل بالسندات بعيد كل البعد عن وقوعه في الضرورة التي تبيح المحرم. ولا يعتبر إفلاس الشركة ضرورة؛ لأن إفلاس الشركة لا يلزم منه إفلاس الشركاء، وإذا أفلست شركة أمكن أن تقوم شركة أخرى مقامها.

стр. 6244

الوجه الثاني: من شرط الضرورة التي تبيح الحرام ألا تندفع إلا بارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، وهذا الشرط لا يتحقق في السندات؛ لأن وسائل الاستثمار المباحة لا تكاد تحصى كثرة، من ذلك الشراء بالتقسيط، أو عن طريق السلم. فيشترط لجواز تناول المحرم في حال الضرورة، أن يعلم يقيناً، أن فعل المحرم يرفع الضرورة، ويحصل به المقصود، ومعلوم أن الشركة التي تقترض بالربا عن طريق إصدار السندات عند تعرضها للإفلاس مثلاً، لا يعلم على وجه اليقين أن ذلك يقيها من الإفلاس، بل قد يزيدها إفلاساً. يقول ابن تيمية في بيان عدم جواز التداوي بالخمر: «والذين جوزوا التداوي بالمحرم، قاسوا ذلك على إباحة المحرمات، كالميتة، والدم للمضطر، وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أن المضطر يحصل مقصوده يقيناً بتناول المحرمات، فإنه إذا أكلها سدت رمقه، وأزالت ضرورته، أما الخبائث بل وغيرها فلا يتيقن حصول الشفاء بها، فما أكثر من يتداوى بها فلا يشفى، ولهذا أباحوا دفع الغصة بالخمر، لحصول المقصود بها، وتعيينها له، بخلاف شربها للعطش، فقد تنازعوا فيه. فإنهم قالوا: إنها لا تروي. الثاني: أن المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته، إلا الأكل من هذه الأعيان، وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث طريقاً لشفائه» (١). فثبت بذلك ألا ضرورة أصلاً إلى التعامل في السندات الربوية طريقاً لحل المشكلات المالية، والله أعلم.

стр. 6245

الوجه الثالث: أن الساعين إلى إباحة الربا، تارة يبررون ذلك بالضرورة، فيبيحون للمحتاج الفقير أخذ الربا؛ لدفع حاجته، كما هو الحال هنا، وتارة ينقضون ذلك، فيحرمونه على الضعيف؛ لأن ذلك من باب استغلال حاجته، وهذا لا يجوز، بخلاف القوي، كالدولة، والشركات الكبيرة، فيجوز لهم الاقتراض بالفائدة، وقد تقدم نقل كلامهم وهذا عكس ذلك تماما، وهو من باب تناقض الباطل، ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء:٨٢]. حجة من يبيح إصدار السندات إذا كانت من قبيل الجوائز . أن شهادات الاستثمار ذات الجوائز دون الفائدة، تدخل في نطاق الوعد بجائزة الذي أباحه بعض الفقهاء، ومن ثم تصبح قيمة الجائزة من المباحات شرعاً (١). ويناقش: بأن شهادات الاستثمار ذات الجوائز، قد جمعت بين الربا، والقمار، فهي أشد قبحاً، وإليك بيان ذلك: أما اشتمالها على الربا: فلأن فوائد البنوك تسير حسب نسبة مئوية مقررة، ولا يستطيع أي بنك أن يخالف هذه النسبة المقررة إلا بقدر ضئيل، قد لا تكون وسيلة مجدية للإغراء، والفائدة المحددة نفسها لا تكون كافية لإغراء صنف من الناس، ومن هنا جاء التفكير في إعطاء جوائز، فبدلاً من أن توزع الفوائد

стр. 6246

الفائضة في صورة فوائد بنسبة مئوية زائدة عن النسبة المقررة، توزع في صورة جوائز بالقرعة بين المقرضين، وهي لا تختلف عن الفوائد الربوية، إلا في طريقة التوزيع، فهي فوائد ربوية للقرض، بعد أن قسمت، ووزعت بطريقة القرعة، وكلما زاد الناس إقبالاً، زادت الفوائد، فزادت الجوائز (١). وأما اشتمالها على القمار والميسر: فلأن هذه الجوائز إذا قسمت عن طريق القرعة، قد يأخذ من أقْرَض مبلغاً قليلاً، جائزة قيمتها مرتفعة جداً، ويأخذ من أقرض مبلغاً كبيراً، جائزة قيمتها قليلة، ويدفع طمع الناس بالحصول على الجوائز المرتفعة إلى شراء هذه السندات، وهذا واضح فيه القمار والميسر. الراجح: لقد أخذ مني التفكير وقتاً حين بحثت هذه المسألة، هل من السائغ أن يذكر القول المخالف مع شذوذه ومخالفته الحق الواضح، في حكم هذه السندات، بل ومخالفته حتى رجال القانون الذين عرفوا السندات بأنها قرض بفائدة؟ هل يستحق هذا القول مع هذه المخالفة والشذوذ عن قول عامة العلماء أن يناقش وتذكر حججه، وكأن المسألة من مسائل الخلاف؟ ثم رأيت أنه ليس من حقي أن ألغي الخلاف مهما كان شاذاً، ولم أتهم معاذ الله - ولا ينبغي لي - نيات قائليه، ورأيت أن هذا التردد نتيجة تربية خاطئة في التعامل مع خلاف العلماء، وأن منهج العلماء المتقدمين الراسخين في

стр. 6247

العلم، ما زالوا يحكون لنا الأقوال الغريبة والشاذة خارقين فيها حكاية الإجماع في مسائل الفقه المختلفة، ولم يحملهم ذلك على إلغائها، ولا على القدح في قائليها، ولنا فيهم أسوة حسنة، رحم الله المجتهدين، وغفر الله للمخالفين، فاستقر القول عندي أن الإجماع ليس قائماً مع هذه المخالفة، فانشرح صدري لذكره، ومناقشته كغيره من أقوال أهل العلم، ونظرت إلى القول وقائله باحترام وعذر وإنصاف، ورحم الله الإمام الشافعي حين قال: «والمستحل لنكاح المتعة والمفتي بها والعامل بها ممن لا ترد شهادته وكذلك لو كان موسراً فنكح أمة مستحلاً لنكاحها مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل الدينار بالدينارين، والدرهم بالدرهمين يداً بيد، والعامل به؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن فهذا كله عندنا مكروه محرم، وإن خالفنا الناس فيه فرغبنا عن قولهم، ولم يدعنا هذا إلى أن نجرحهم، ونقول لهم: إنكم حللتم ما حرم الله، وأخطأتم؛ لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله » (١). والذي لا شك فيه عندي، أن هذه السندات محرمة شرعاً، وأن متعاطيها واقع في الربا الصريح، إلا أن يكون معذوراً بتقليد أو اجتهاد، والله أعلم. * * *

стр. 6248

المبحث السادس في حكم تداول السند الكلام هنا مفرع على قول عامة أهل العلم، ممن يرى تحريم إصدار السندات، وليس على قول من أباحها مطلقاً، أو أباحها في بعض الأحوال دون بعض، وإذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم حرمة إصدار السندات، فهل هذا يعني: تحريم تداولها بالبيع؟ باعتبار أن مشتري السند يظل دائناً للشركة المصدرة، ويتقاضى على دينه فوائد ربوية، وذلك محرم شرعاً، وما أدى إلى الحرام فهو حرام؟ [ن-١٧٣] أو أن حكم التداول يمكن أن يأخذ حكماً مختلفاً عن حكم إصدارها؟ فالجواب: أن هناك من يطلق تحريم تداول السندات بدون تفصيل: وهذا ما أقره مجمع الفقه الإسلامي، ومجلس الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية، ووزارة الأوقاف الإسلامية بالمملكة المغربية، وهو قول عامة الفقهاء المعاصرين: منهم الشيخ شلتوت (١)، والشيخ الزرقاء (٢)، والقرضاوي (٣)، ونزيه حماد (٤)، والسالوس (٥)،

стр. 6249

والسعيدي (١)، والزحيلي، ومحمد عثمان شبير (٢). جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي: «السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه، أو نفع مشروط محرمة شرعاً، من حيث الإصدار، أو الشراء، أو التداول؛ لأنها قروض ربوية ... » (٣). وجاء في قرار مجلس الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية: «يرى مجلس الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية أن الصكوك المسماة بصكوك الإذن الحكومية، أو صكوك الخزينة، هي صكوك قرض ربوي محرم بالنصوص القطعية في كتاب الله تعالى العزيز، والسنة النبوية الثابتة، وأن تسميتها بخلاف ذلك لا يغير شيئاً من طبيعتها هذه، فلا يجوز شرعاً استثمار المال بطريق شرائها، وتداولها ... » (٤). ويقول الشيخ الزرقاء: « ... صكوك الإذن الحكومية، هي مثل سندات التنمية، كلاهما قروض ربوية، لا يجوز في الشريعة الإسلامية التعامل بها أخذاً، وإعطاء، أو بيعاً، وشراء ... » (٥).

стр. 6250

ويقول الشيخ نزيه حماد: «وهذه السندات لا يجوز شرعاً إصدارها، ولا شراؤها، ولا تداولها بالبيع. أما شراؤها عند الإصدار: فلأنه إقراض بفائدة ربوية .... وأما تداولها بالبيع بعد صدورها مع الحسم، فهو من باب بيع الدين لغير من هو عليه، وهو غير جائز شرعاً في قول أحد من الفقهاء إذا انطوى على الربا حتى عند من يرى صحة بيع الدين لغير من هو عليه، ولا خفاء في تحقق الربا في بيع هذا النوع من السندات، إذ البدلان من النقود، ومن المعلوم المقرر في باب الصرف، عدم جواز بيع النقود بجنسها مع التفاضل، أو النساء، وحتى عند اختلاف الجنس يجب التقابض، وقد انتفى في هذا البيع شرط التساوي، والتقابض، فتحقق فيه ربا الفضل والنساء في قول سائر الفقهاء» (١). وهناك من يجيز بيع أصل السند دون الفائدة المأخوذة عليه، باعتباره قرضاً شرعياً إذا حذف منه ما اشتمل عليه من الربا، فإن صاحب السندات قد يحتاج إلى التخلص من السندات الربوية، وليس أمامه في هذه الحالة إلا طريقان: الطريق الأول: استرداد ما دفعه إلى الشركة المصدرة، بأن يقبض من الشركة قيمة السند الاسمية دون فوائده، تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٩]. الطريق الثاني: أن يبيع أصل الدين الذي يمثله السند، أي دون فوائده الربوية، وفي هذه

стр. 6251

الحالة، لا يخلو: إما أن يبيعه على الشركة المصدرة، أو على غيرها فإن باعه على الشركة المصدرة صار بمنزلة بيع الدين على من هو عليه، وإذا باعه على غيرها صار بمنزلة بيع الدين على غير من هو عليه، ولأهل العلم في كل مسألة خلاف، نذكره فيما يلي إن شاء الله تعالى. وممن اختار هذا القول الشيخ مبارك آل سليمان (١)، والشيخ المترك (٢). وهذا التفصيل أدق من إطلاق القول بالتحريم مطلقاً، ولأن هذا القول يفتح باباً للناس للتخلص من الحرام دون أخذ الفوائد المحرمة، وإذا جرد السند من فوائده أصبح قرضاً من القروض، وأخذ حكم بيع الدين، والأصل فيه الإباحة. * * *

стр. 6252

الفرع الأول في بيع السندات على من تولى إصدارها [م-١٢٥٥] إذا باع صاحب السند دينه (المتمثل في أصل السند دون فوائده) على الشركة المصدرة للسند، كان الخلاف فيه يدخل ضمن بيع الدين على من هو عليه، وهذه مسألة سبق بحثها في مسألة التصرف في الدين والخلاف فيها على قولين: فقيل: يجوز بيع الدين على من هو عليه، وهو قول الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). بشروط، منها: الشرط الأول: أن يكون المبيع مما يجوز بيعه قبل قبضه، وهذا الشرط احتراز به من أمرين:

стр. 6253

الأمر الأول: الاحتراز من دين السلم فلا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه عند الحنفية والشافعية والحنابلة مطلقاً (١)، وخص المالكية المنع بالطعام خاصة؛ لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه (٢). وقد سبق بحث مسألة بيع المسلم فيه قبل قبضه في عقد السلم ورجحت جوازه. الأمر الثاني: ألا يكون البيع في بدل صرف، أو رأس مال لسلم، فلا يجوز بيع أي منهما قبل قبضه؛ لأن القبض شرط لصحة العقد، وانتفاء القبض يبطل العقد، فلم يثبت ملكه عليه، فلا يصح ورود عقد آخر عليه قبل انبرامه؛ لعدم ثبوت الملك فيه (٣). الشرط الثاني: اشترط المالكية، وأحمد في قول له، وإسحاق بن راهوية (٤)، وهو قول

стр. 6254

عثمان البتي (١)، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٢)، أن يكون البيع بسعر يومه أو دونه، لا أكثر منه، وهذا الشرط معتبر؛ لأن بيعه بأكثر من ثمنه يدخل في ربح ما لم يضمن. جاء في المدونة: «قال مالك: لا بأس أن تبيع ما سلفت فيه، إذا كان من غير ما يؤكل ويشرب، من غير الذي عليه ذلك السلف، بأقل أو بأكثر أو بمثل ذلك إذا انتقدت وأما الذي عليه السلف فلا تبعه منه قبل الأجل بأكثر، ولا تبعه منه إلا بمثل الثمن أو أقل، ويقبض ذلك» (٣). والله أعلم. الشرط الثالث: اشترط المالكية أن يكون الدين حالاً (٤). الشرط الرابع: اشترط المالكية أن يعجل البدل، ويقبض في مجلس الاستبدال ليسلم من فسخ الدين بالدين.

стр. 6255

جاء في التاج والإكليل: «شروط بيع الدين ممن هو عليه، وهي ألا يكون الدين طعاماً ... وأن يتعجل العوض .... » (١). وقال القرافي: «الدين كالعين الحاضرة في جواز البيع بشرط قبض البدل في المجلس» (٢). واشترط الشافعية في الأصح القبض في متحدي العلة، أما مختلفيهما فيشترط فيه التعيين فقط حتى لا يكون من بيع الدين بالدين. جاء في حاشية البجيرمي على الخطيب: «وأما بيع الدين لمن هو عليه فلا يشترط القبض إلا في متحدي العلة، أما مختلفهما فيشترط فيه التعيين فقط» (٣). وذكر ابن تيمية بأن بيع الدين على من هو عليه إن باعه بما لا يباع به نسيئة، كأن يكون الدين براً، فباعه بشعير، أو باعه بموصوف في الذمة غير معين، اشترط التقابض، وإن باعه بمعين، ففيه وجهان: أحدهما: لا يشترط القبض. والثاني: يشترط؛ لأنه يشبه بيع الدين بالدين. قال ابن تيمية: «يجوز بيع الدين ممن هو عليه؛ لأن ما في الذمة مقبوض للمدين، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض لئلا يكون ربا، وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة، وإن باعه بغيرهما، فوجهان: أحدهما: لا يشترط كما لا يشترط في غيرهما.

стр. 6256

والثاني: يشترط؛ لأن تأخير القبض نسيئة كبيع الدين بالدين» (١). القول الثاني: لا يجوز بيع الدين ولو كان على من هو عليه، وهو قول ابن حزم (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وحكي عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن شبرمة (٤). وقد ذكرنا أدلة كل قول في مبحث التصرف في المبيع إذا كان ديناً، فأغنى عن إعادته هنا. يقول الشيخ المترك ﵀: «قد اتضح مما تقدم أن السند عبارة عن قرض بفائدة؛ لأنه يمثل ديناً على الشركة، ويستحق صاحبه فائدة سنوية محددة، سواء ربحت الشركة أو خسرت، فهو داخل في نطاق المعاملات الربوية، وعليه فإن إصدارها من أول الأمر عمل غير شرعي، وبالتالي فإن تداولها بالبيع والشراء غير جائز شرعاً ولا يصح لحامل السند بيعه (٥). ولكن لو قدر أن السند يمثل ديناً مشروعاً فهل يصح بيعه؟ الجواب: أن هذا يكون من باب بيع الدين، فيجوز بيعه على من هو عليه بشرط أن يقبض عوضه في المجلس، لحديث ابن عمر: (كنت أبيع الإبل بالنقيع

стр. 6257

بالدنانير، ونأخذ عوضها بالدراهم، فسألت رسول الله ﷺ ، فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء)» (١). وإذا باع دينه على من هو عليه، فإما أن يبيعه بجنسه، أو بغير جنسه، فإن باعه بجنسه اشترط التساوي والتقابض، لأنه مال ربوي بيع بجنسه، وهذا يعني أن حامل السند كأنه رجع إلى المقترض، واسترد مبلغه منه؛ لأن الدراهم مال مثلي، متساوية قيمة آحاده. وإن باعه بغير جنسه، وكان مما يجري فيه الربا، اشترط التقابض، وجاز التفاضل، كما لو كان السند ديناً بالريال، فباعه بالدولار مثلاً إلا أنه يشترط في مثل هذه الحالة ألا يربح فيه لما جاء في الأثر (تأخذها بسعر يومها). ولأن الربح فيه ربح فيما لم يضمن، وهذا منهي عنه. وإن باعه بعروض معينة، جاز التفاضل والنساء، بالشرط السابق، وهو عدم الربح في ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 6258

الفرع الثاني في بيع السندات على غير الشركة المصدرة إذا كان صاحب السند يريد أن يبيع أصل السند على غير الشركة المصدرة، فإن الخلاف فيه كالخلاف في بيع الدين على غير من هو عليه. فإما أن يكون الثمن مؤجلاً، أو يكون الثمن حالاً، ولكل حكمه، وسوف نبحث كل مسألة في مبحث مستقل. * * *

стр. 6259

المسألة الأولى بيع أصل السند بثمن مؤجل [م-١٢٥٦] إذا كان الثمن مؤجلاً، فقد ذهب الأئمة الأربعة إلى منع بيع الدين على غير المدين بثمن مؤجل (١). قال الكاساني: «الدين لا يقبل التمليك لغير من عليه الدين» (٢). واعتبره المالكية قسماً من أقسام الكالئ بالكالئ. قال الخرشي: «(وبيعه بدين) هذا هو القسم الثاني من أقسام الكالئ، والمعنى أن الدين ولو حالاً لا يجوز بيعه بدين» (٣). وجاء في البهجة في شرح التحفة: «وأما إذا باعه لغير من هو عليه فيجوز قبل

стр. 6260

الأجل وبعده بشرط أن يكون الثمن نقداً، لا مؤجلاً فيمنع مطلقاً؛ لأنه من بيع الدين بالدين» (١). وجاء في حاشية الجمل: «حاصل الصور في هذا المقام أربعة: بيع الدين بغير دين لمن هو عليه، ولغير من هو عليه، وهاتان صحيحتان، الأولى باتفاق، والثانية على المعتمد. وبيع الدين بالدين لمن هو عليه ولغير من هو عليه، وهاتان باطلتان» (٢). وقال في شرح منتهى الإرادات: «ولا بيع دين لغير من هو عليه مطلقاً .. » (٣). وصحح المالكية بيع الدين بعين ولو كانت العين مؤجلة (٤). قال الخرشي: «وفهم من قوله: بدين عدم منع بيع الدين بمعين يتأخر قبضه، أو بمنافع معين» (٥). وعلل المالكية جواز بيع الدين بعين مؤجلة، بأن العين لا تثبت ديناً في الذمة، ولو تأخر تسليمها؛ فهو من قبيل بيع الدين بحاضر. ولأن هذا التصرف فيه شغل لذمتي البائع والمشتري بدون فائدة، وذلك أن البائع لم يستلم الثمن حتى ينتفع به، والمشتري لم يستلم المبيع ليقضي حاجته، فكلاهما غير محتاج لهذه المعاملة حين التعاقد. قال ابن تيمية: «فإن ذلك منع منه؛ لئلا تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة

стр. 6261

حصلت، لا له ولا للآخر، والمقصود من العقود القبض، فهو عقد لم يحصل به مقصوده أصلاً، بل هو التزام بلا فائدة» (١). * * *

стр. 6262

المسألة الثانية بيع أصل السندات على غير من هو عليه بثمن حال [م-١٢٥٧] وإن كان بيع أصل السندات على غير من هو عليه بثمن حال، كان الخلاف فيه كالخلاف في بيع الدين على غير من هو عليه بثمن حال. فمن الفقهاء من قال: لا يجوز بيع الدين لغير المدين مطلقاً. وهو قول الحنفية (١)، وإحدى القولين للشافعية (٢)، والمشهور من مذهب

стр. 6263

الحنابلة (١). وقيل: يجوز بيع الدين مطلقاً، وهو رواية عن أحمد، اختاره ابن تيمية (٢). وقيل: يجوز بيع الدين بالعين بشروط، وهو مذهب المالكية (٣)، والراجح

стр. 6264

عند الشافعية (١). وقد سبق لنا ذكر أدلة كل قول، والراجح فيها، فأغنى عن إعادتها هنا، والله أعلم. يقول الشيخ المترك: «لو قدر أن السند يمثل ديناً مشروعاً، فهل يصح بيعه؟ .... وأما بيعه على غير من هو عليه، فالذي يترجح هو الجواز إذا بيع السند بغير نقود، كأن يبيعه بأرز، أو شعير، أ و سيارة. وأما إذا باعه بنقود فلا يصح؛ لأنه بيع دراهم حالة بدراهم مؤجلة، ومن شرط صحة ذلك التقابض إذا كانت النقود من غير جنس النقود المباعة، وإذا

стр. 6265

كانت النقود من جنسها، فيشترط أيضاً مع التقابض التماثل فلا يباع السند بثمن أقل مما يمثله، فلو كان السند يمثل عشرة جنيهات، فلا يصح أن يباع بأحد عشر جنيهاً نسيئة؛ لأنه يكون فيه ربا فضل، وربا نسيئة» (١). ويضاف إلى هذا الشرط شرطان آخران، وهو ألا يربح فيه؛ لأن الدين مضمون على المدين، وإذا ربح الدائن فيه يكون قد ربح في شيء لم يدخل في ضمانه، وقد نهى الرسول ﷺ عن ربح ما لم يضمن. وأن يتعين الثمن حتى لا يكون من باب بيع الدين بالدين. * * *

стр. 6266

المبحث السابع البديل الشرعي للسندات كان من عناية الشريعة أنها إذا منعت الناس من أمر، ذكرت البديل الشرعي لهم قال تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤]. وقال ﷺ : لا تفعل بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم تمراً جنيبا (١). فإذا كانت سندات القرض محرمة، فهناك أكثر من بديل شرعي، نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر. من ذلك: (ا) سندات الإجارة. (٢) سندات القراض. (٣) سندات السلم. وقد تمت والحمد لله دراسة عقد السلم بشكل مستقل ولله الحمد. (٣) سندات الاستصناع. وقد تمت دراسة عقد الاستصناع بشكل مستقل ولله الحمد. (٤) سندات التوريد. وقد تمت دراسة عقد التوريد ولله الحمد بعد عقد الاستصناع. (٥) صكوك الاستثمار.

стр. 6267

وسوف نستعرض إن شاء الله تعالى من خلال المباحث التالية دراسة كل من سندات القراض، وسندات الإجارة، وما عداها من البدائل سوف تبحث في مظانها من هذه الموسوعة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 6268

الفرع الأول سندات المقارضة (المضاربة) المسألة الأولى التعريف بسندات المقارضة تعريف سندات المقارضة: عرفها مجمع الفقه الإسلامي بقوله: «هي أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض (المضاربة) بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة، ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصاً شائعة في رأس مال المضاربة، وما يتحول إليه بنسبة ملكية كل منهم فيه. ويفضل تسمية هذه الأداة الاستثمارية (صكوك المقارضة)» (١). فمن خلال هذا التعريف يتبين للقارئ الكريم أن سندات المقارضة تستمد أحكامها من عقد المضاربة في الفقه الإسلامي. فهي تقوم على تجميع المدخرات والأموال اللازمة على شكل صكوك متساوية القيمة يشكل مجموعها رأس المال المطلوب لمشروع معين، أو مشروعات متعددة، فإذا تجمع لدى المؤسسة المالية رأس المال المطلوب بشراء أرباب المال لهذه الصكوك باشرت العمل. ويعامل حامل السند معاملة صاحب المال، وتعامل الشركة معاملة المضارب، وينال كل طرف نصيبه من الأرباح إذا تحققت، ويتحمل الخسائر إن لحقت.

стр. 6269

ويتم التعامل في هذه السندات وفقاً لحديث النبي ﷺ (الخراج بالضمان) والقاعدة الفقهية (الغنم بالغرم). وإذا رغب حامل السند في تسييله، فيمكن له ذلك عن طريق تداوله في سوق الأوراق المالية. أنواع سندات القراض: النوع الأول: سندات المقارضة المشتركة. وهي عبارة عن سندات بفئات معينة يصدرها المصرف، ويطرحها في السوق، ويقوم بتمويل المشاريع المختلفة من حصيلتها، ومن ثم يتم تقسيم الأرباح الناتجة عن هذه الاستثمارات بينه وبين أصحاب رؤوس الأموال حاملي السندات بنسب محددة، ومتفق عليها مسبقاً. النوع الثاني: سندات المقارضة المخصصة: وهي عبارة عن سندات لمشاريع خاصة ومحددة، يكتتب فيها الراغبون في هذه المشروعات، كل على حسب اختياره ومن حصيلتها يمول المصرف تلك المشروعات، ومن ثم يقتسم المصرف صافي الربح المتحقق بينه وبين حاملي هذه السندات بنسب محددة ومتفق عليها (١).

стр. 6270

المسألة الثانية الحكم الفقهي لسندات المقارضة [ن-١٧٤] سندات المقارضة هي من المعاملات المستحدثة، وقد كانت محل عناية وبحث لأعضاء مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وقد صدر قرار المجمع بجوازها وفق شروط خاصة، وإليك نص القرار: «الحمد لله رب العالمين والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم. قرار رقم (٥) د ٤/ ٠٨/ ٨٨ بشأن سندات المقارضة وسندات الاستثمار إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ، الموافق ٦ - ١١ فبراير ١٩٨٨ م. بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة في موضوع (سندات المقارضة وسندات الاستثمار) والتي كانت حصيلة الندوة التي أقامها المجمع بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بتاريخ ٦ - ٩ محرم ١٤٠٨ هـ/ ٣٠/ ٨ - ٢/ ٩/ ١٩٨٧ م تنفيذا لقرار رقم (١٠) المتخذ في الدورة الثالثة للمجمع، وشارك فيها عدد من أعضاء المجمع وخبرائه وباحثي المعهد وغيره من المراكز العلمية، والاقتصادية وذلك للأهمية البالغة لهذا الموضوع، وضرورة استكمال جميع جوانبه، للدور الفعال لهذه الصيغة في زيادة القدرات على تنمية الموارد العامة عن طريق اجتماع المال والعمل.
следующие страницы →