يتصور تسليمه بنفسه حقيقة، وإنما يتصور تسليمه بتسليم الباقي، وذلك غير معقود عليه، فلا يتصور تسليمه شرعاً، وإذا لم يمكن استيفاء المنفعة إلا بالتصرف في حصة شريكه فإنه يمنع من إجارة المشاع (١).
ويناقش من وجهين:
أحدهما: أن إمكان التسليم ممكن؛ لأن المستأجر يحل محل الشريك، وإذا كان الشيوع لم يمنع الشريك من الانتفاع فكذلك من يحل محله.
الثاني: أن الشيوع إذا لم يمنع صحة البيع، لم يمنع صحة الإجارة.
وأجيب:
بأن المقصود بالبيع ملك الرقبة، وهذا يمكن تسليمه بالتخلية لذلك جاز بيع المشاع، بخلاف الإجارة، فإن المقصود به الانتفاع، والانتفاع أمر حسي، والشائع لا يحتمله.
ورد هذا الجواب:
بأن المقصود من المبيع ليس ملك الرقبة فقط، بل ملك الرقبة والانتفاع بها؛ لأن العقلاء لا يشترون الأملاك لينظروا إليها، بل لينتفعوا بها. ولو سلم أن المقصود بالبيع ملك الرقبة، فإن إمكانية الانتفاع بالمشاع ممكن عن طريق المهايأة الزمانية، أو المكانية لاسيما إذا عقد المستأجر على المنفعة، وهو يعلم أنها مشاعة.
واعترض:
بأن استيفاء منفعة المشاع بالتهايؤ لا يمكن على الوجه الذي يقتضيه العقد،
стр. 6302
وهو الانتفاع بالنصف في كل المدة؛ لأن التهايؤ بالزمن انتفاع بالكل في نصف المدة، وهذا لا يقتضيه العقد.
والتهايؤ بالمكان: انتفاع برفع المستأجر في كل المدة؛ لأن نصف هذا النصف له بالملك، ونصفه على طريق البدل عما في يد صاحبه، وهذا ليس بمقتضى العقد. وإذا لم يمكن تسليم المعقود عليه على الوجه الذي يقتضيه العقد لم تصح الإجارة (١).
وأجيب عن هذا الاعتراض:
بأن هذه المهايأة لا تنافي مقتضى العقد؛ إذ إن انتفاعه بالكل إنما هو في نصف المدة، فكأنه انتفع بالنصف في كل المدة سواء بسواء، وقد دخلا على ذلك، فهو من مقتضى العقد. وإذا لم يتراضيا على التهايؤ بالمدة الزمانية فإن المهايأة بالمدة المكانية ممكنة، تحقيقاً لمقصود المستأجر والشريك، إذ إن كلاً منهما ينتفع بنصف الأرض، والشريك لا يملك أكثر من نصف الأرض (٢).
وجه من قال: تصح إجارة المشاع:
الوجه الأول:
القياس على البيع، فإذا جاز بيع المشاع جازت إجارته.
الوجه الثاني:
لا يمكن أن تعطل العين المملوكة لأكثر من واحد من الانتفاع بسبب الشيوع،
стр. 6303
فإذا أمكن الانتفاع بين الشريك وشريكه عن طريق المهايأة، فإن المستأجر يحل محل المؤجر في الانتفاع بنصيبه عن طريق المهايأة.
الوجه الثالث:
إذا كان الشيوع الطارئ بعد عقد الإجارة لا يفسدها، فلو تمت إجارة العين، ثم بيع بعضها مشاعاً لم يفسد عقد الإجارة عند الجميع، فكذلك الشيوع القائم عند العقد ينبغي ألا يفسدها.
وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
الخلاصة:
إذا صح بيع العين المؤجرة، وصح تأجير المشاع ثبت أن صكوك ملكية الأعيان المؤجرة تعتبر بديلاً شرعياً لا غبار عليه لبعض الأوراق المالية الربوية كالسندات، وأذونات الخزينة.
وأما حكم تداول مثل هذه الصكوك:
فإنه يجوز تداول هذه الصكوك مباشرة بعد شرائها؛ لأنها تمثل موجودات عينية متمثلة في العقار، أو المصنع، أو نحو ذلك.
* * *
стр. 6304
المسألة الثالثة
سندات ملكية المنافع
المطلب الأول
التعريف بسندات ملكية المنافع
تعريف سندات ملكية المنافع:
عرفها بعضهم: بأنها صكوك ذات قيمة متساوية عند إصدارها، تمثل حصصاً شائعة في ملكية منافع أعيان معينة، أو موصوفة في الذمة، مما يخول مالكها حقوق هذا الصك، ويرتب عليه مسئولياته (١).
فمن خلال هذا التعريف يتبين لنا أن صكوك ملكية المنافع تنقسم إلى قسمين:
(أ) صكوك ملكية منافع الأعيان المعينة.
(ب) صكوك ملكية منافع الأعيان الموصوفة في الذمة.
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى في المبحث التالي تكييف كل قسم من هذه الأقسام وبيان حكمها الفقهي، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 6305
المطلب الثاني
التوصيف الفقهي والحكم الشرعي لسندات ملكية منافع
التوصيف الفقهي لسندات ملكية منافع الأعيان المعينة:
[م-١٢٦٢] مر معنا من خلال التعريف أن صكوك ملكية منافع الأعيان ينقسم إلى قسمين:
الأول: صكوك ملكية منافع الأعيان المعينة:
وذلك بأن يقوم مالك عين أو مالك للمنفعة إلى تقسيم منفعتها إلى أجزاء متماثلة، ويمثل كل جزء من أجزاء هذه المنفعة بصك، يُفَصِّل فيه أحكام تمليك هذه المنفعة، كمدة الانتفاع، وطريقته، وقيمته. ثم يطرح هذه الصكوك للاكتتاب.
مثال توضيحي:
أن يقوم شخص أو شركة تملك برجاً سكنياً أو تملك منفعته، وفيه مجموعة من الوحدات السكنية، فيقوم بتقسيم الانتفاع بكل وحدة سكنية إلى مجموعة من الحصص، وتمثل كل حصة منفعة سكنى هذه الوحدة السكنية، لمدة من الزمن، ثم تطرح هذه الصكوك للاكتتاب.
فهذه الصورة من الصكوك تمثل عقد إجارة.
المؤجر هو: مصدر الصكوك.
والمستأجرون: هم المكتتبون فيها.
والعين المؤجرة: هو ما تمثله هذه الصكوك.
стр. 6306
والأجرة: هي حصيلة الاكتتاب.
فصار العقد في حقيقته عقد إجارة من مالك للعين أو مالك للمنفعة.
بيان الحكم الفقهي لصكوك منافع الأعيان المعينة:
الحكم الفقهي على هذه المسألة راجع إلى حكم تأجير المستأجر للعين المستأجرة قبل وبعد قبضها.
وسوف نناقش هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى في المبحث التالي.
* * *
стр. 6307
الحكم الأول
في تأجير المستأجر لما استأجره بعد قبضه
[م-١٢٦٣] إذا اشترط المالك على المؤجر أن يستوفي المنفعة بنفسه وألا يؤجرها لغيره لم يملك المستأجر تأجير ما استأجره وفاء للشرط.
أما إذا لم يشترط عليه، وكان المستأجر يملك المنفعة مدة الإجارة، فهل يملك أن يؤجرها بمقتضى العقد؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمعتمد عند الحنابلة (١)، إلى جواز إجارة المستأجر العين المستأجرة، سواء أجرها للمالك أم لغيره.
стр. 6308
دليل الجمهور على الجواز:
الدليل الأول:
أن المستأجر قد ملك المنفعة بعقد الإجارة، ومن ملك شيئاً جاز له التصرف فيه.
الدليل الثاني:
أن منع المستأجر من إجارة ما ملك نوع من الحجر عليه، وهذا لا يجوز.
القول الثاني:
له أن يؤجرها بمثل ما استأجرها به، أو أقل، ولا يؤجرها بأكثر حتى لا يربح فيما لم يضمن. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد.
قال ابن رجب في القواعد: «ويتخرج له - أي للإمام أحمد - قول آخر: أن المنهي عنه حقيقة الربح دون البيع بالثمن الذي اشتراه به، فإنه منع في رواية من إجارة المنافع المستأجرة إلا بمثل الأجرة؛ لئلا يربح فيما لم يضمن» (١).
قال ابن تيمية: «للمستأجر أن يؤجرها بمثل الأجرة، وإنما تنازعوا في إيجارها بأكثر من الأجرة؛ لئلا يكون ذلك ربحاً فيما لا يضمن، والصحيح جواز ذلك؛ لأنها مضمونة على المستأجر؛ فإنها إذا تلفت مع تمكنه من الاستيفاء كانت من ضمانه ولكن إذا تلفت قبل تمكنه من الاستيفاء لم تكن من ضمانه» (٢).
القول الثالث:
لا يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة، وهو قول مرجوح في مذهب الحنابلة.
стр. 6309
قال ابن قدامة: «ذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، والمنافع لم تدخل في ضمانه.
ولأنه عقد على ما لم يدخل في ضمانه، فلم يجز كبيع المكيل والموزون قبل قبضه» (١).
ويناقش:
بأن قبض العين يقوم مقام قبض المنافع، وقد قبض المستأجر العين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المستأجر لما أجر العين صارت المنافع مضمونة عليه، فيرجع عليه المستأجر الثاني، وهو يرجع على المؤجر الأول. والله أعلم.
الراجح:
جواز إجارة العين المستأجرة بشرطه، بحيث لا يتضمن العقد الثاني ضرراً على العين؛ لأن من موجبات الإجارة تملك المنفعة المعقود عليها، والناس مسلطون على ما يملكون شريطة ألا يخل ذلك بأي من شروط الإجارة.
* * *
стр. 6310
الحكم الثاني
تأجير المستأجر لما استأجره قبل قبضه
[م-١٢٦٤] إذا استأجر الرجل عيناً معينة فهل يملك أن يؤجرها قبل قبضها؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
للمستأجر أن يؤجر العين قبل قبضها، وهذا مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة. وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف في العقار خاصة (١).
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «للمستأجر إيجار المأجور لآخر قبل القبض إن كان عقاراً، وإن كان منقولاً فلا» (٢).
وجاء في المهذب: «وللمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها .... وهل يجوز قبل القبض، فيه ثلاثة أوجه: .....
الثاني: يجوز؛ لأن المعقود عليه هو المنافع، والمنافع لا تصير مقبوضة بقبض العين .... » (٣).
وجاء في الإنصاف: «ظاهر كلام المصنف جواز إجارتها سواء كان قبضها أو لا، وهو صحيح، وهو المذهب على ما اصطلحناه» (٤).
стр. 6311
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
الدليل الأول:
الأصل في المعاملات الحل والإباحة حتى يقوم الدليل على التحريم، ولا يوجد دليل يمنع من إجارة العين المستأجرة قبل قبضها.
الدليل الثاني:
القياس على البيع، فإن العقار عند الحنفية يصح بيعه قبل قبضه، وعند المالكية والحنابلة يجوز بيع الشيء إذا لم يكن فيه حق توفية من كيل أو وزن أو عد أو ذرع قبل قبضه.
وقد ذكرنا مسألة بيع الشيء قبل قبضه، وذكرنا أدلتهم هناك فأغنى عن ذكرها هنا.
الدليل الثالث:
أن المعقود عليه هو المنافع، والمنافع لا تصير مقبوضة بقبض العين، فلم يؤثر في صحته عدم القبض.
الدليل الرابع:
أن القبض في الإجارة يختلف عن القبض في البيع، فالقبض في العين المستأجرة لا ينتقل به الضمان إلى المستأجر فلم يقف جواز التصرف في العين المستأجرة على القبض بخلاف عقد البيع فإن قبض المبيع ينتقل به الضمان إلى المشتري، والله أعلم.
القول الثاني:
لا يصح، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
стр. 6312
جاء في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «قوله: صح بيع العقار قبل قبضه: احترز به عن إجارته قبل قبضه، فإن الصحيح كما قال في الفوائد الظهيرية أن الإجارة قبل القبض لا تجوز بلا خلاف؛ لأن المنافع بمنزلة المنقول، والإجارة تمليك المنافع، فيمتنع جوازها قبل القبض» (١).
وقال في الجوهرة النيرة: «فإن استأجر منقولاً لم يجز للمستأجر أن يؤجره قبل قبضه كما في البيع وإن كان غير منقول وأراد أن يؤجره قبل القبض فإنه يجوز عندهما خلافا لمحمد، كالاختلاف في البيع. وقيل: لا تجوز الإجارة بالاتفاق بخلاف البيع» (٢).
وجه القول بالمنع:
الدليل الأول:
(ح-٨٧٢) ما رواه أبو داود الطيالسي، من طريق يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عصمة،
عن حكيم بن حزام، قال: قلت: يا رسول الله إني اشتري بيوعاً، فما يحل لي، وما يحرم علي؟ فقال لي: إذا بعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه (٣).
[المحفوظ في إسناده أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى] (٤).
الدليل الثاني:
ما رواه البخاري من طريق طاووس، قال: سمعت ابن عباس يقول: أما
стр. 6313
الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله (١).
وجه الاستدلال:
إذا ثبت النهي عن بيع الطعام قبل قبضه بالنص ثبت الحكم في غير الطعام، وذلك إما بقياس النظير كما قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام.
أو بقياس الأولى؛ لأنه إذا نهي عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى (٢).
وإذا ثبت النهي عن بيع الشيء قبل قبضه فإن الإجارة بيع، فلا يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره حتى يقبضه.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
مسألة بيع الشيء قبل قبضه محل خلاف بين العلماء، وهي من المسائل الدقيقة، قال ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى عند الكلام على هذه المسألة، قال: «ولغموض مأخذ هذه المسائل كثر تنازع الفقهاء فيها»
وما اختلف فيه لا ينبغي إلزام المخالف به عن طريق القياس عليه، إلا إذا كان ممن يقول به، وقد بحثت مسألة بيع الشيء قبل قبضه وتبين لي أن القول الأقوى الذي ترجحه ظاهر الأدلة على غيره، هو القول بأن النهي خاص في بيع الأعيان
стр. 6314
الذي تحتاج إلى توفية، من كيل، أو وزن، ويقاس عليه ما احتاج إلى عد، أو ذرع، وهو مذهب المالكية والحنابلة، والله أعلم.
الوجه الثاني:
على التسليم بان الراجح في التصرف في المبيع أنه لا يصح قبل قبضه فإن قياس الإجارة على البيع قياس مع الفارق، فالإجارة تختلف عن البيع في بعض أحكامها، وإذا ثبت الفرق لم يصح القياس من هذه الفوارق:
(١) ـ أن البيع تمليك للرقبة والمنفعة تمليكاً مؤبداً، والإجارة تمليك للمنفعة فقط تمليكاً مؤقتاً.
(٢) ـ إذا ملك المشتري المبيع كان ضمانه عليه إذا قبضه مطلقاً، وكذا على الصحيح إذا لم يقبضه، ولم يكن فيه حق توفية من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، وقد حررت ا لخلاف فيها في عقد البيع عند الكلام على ضمان المبيع.
وأما العين المستأجرة إذا قبضها المستأجر فضمانها على المؤجر، فإذا تلفت العين انفسخ العقد فيما بقي.
(٣) ـ: الإجارة الموصوفة في الذمة يجوز فيها تأجيل العوضين على الصحيح، ولا يدخلها بيع الدين بالدين.
والمبيع الموصوف في الذمة لا يجوز فيه تأجيل الثمن كالسلم.
(٤) ـ: العوض يملك في البيع بالقبض ملكاً مستقراً، وأما في الإجارة فلا يستقر العوض إلا بمضي المدة، أو إنجاز العمل (١).
стр. 6315
(٥) ـ: ليس كل ما يجوز إجارته يجوز بيعه، فالحر تجوز إجارته، ولا يجوز بيعه، وكذا الوقف تجوز إجارته دون بيعه، ومثلهما أم الولد.
قال ابن حزم: «الإجارة ليست بيعاً ... ولو كانت بيعاً لما جازت إجارة الحر ... ولا يختلفون في أن الإجارة إنما هي الانتفاع بمنافع الشيء المؤاجر التي لم تخلق بعد، ولا يحل بيع ما لم يخلق» (١).
وبناء عليه فإن عقد الإجارة عقد مستقل له خصائصه وآثاره وأحكامه الخاصة، وهذا التشابه بينه وبين البيع لا يجعل الإجارة كالبيع المطلق.
الراجح:
جواز تأجير العين المستأجرة قبل قبض المستأجر لها، والله أعلم.
حكم تداول هذه الصكوك:
إذا تم توصيف هذا العقد بأنه عقد إجارة، فإن تداول هذه الصكوك له حالتان:
الحال الأولى:
[ن-١٧٨] أن يكون إصدار الصك وبيعه على المكتتبين قبل تأجير العين، ففي هذه الحالة يجوز تداول هذا الصك، فإن كان إصدار الصكوك من مالك للعين فهذا تأجير لما يملك، وإن كان إصدار الصكوك من مالك للمنفعة فهو مبني على جواز تأجير المستأجر للعين المستأجرة قبل قبضه للعين أو بعده بمثل ما استأجرها به، أو أقل، أو أكثر، وبناء عليه يجوز تداول هذا النوع من السندات منذ تمام الاكتتاب فيها، وذلك لأنه يعد إعادة تأجير من مالك للمنفعة.
стр. 6316
الحال الثانية:
[ن-١٧٩] أن يكون إصدار الصكوك بعد تأجير العين محل العقد، سواء أكان المؤجر مالكاً للعين أم للمنفعة، وتكون الصكوك بمثابة إعطاء المكتتب الحق في استيفاء أجرة العين المؤجرة - محل التصكيك - طوال مدة الصك، ففي هذه الحالة يمثل الصك قيمة الأجرة، وهي دين في ذمة المستأجر، وعليه فلا يصح تداولها إلا بضوابط الصرف والتصرف في الديون.
وبهذا أخذ مجمع الفقه الإسلامي، حيث جاء في قراره:
«يجوز للمستأجر الذي له حق الإجارة من الباطن أن يصدر صكوك إجارة تمثل حصصاً شائعة في المنافع التي ملكها بالاستئجار، بقصد إجارتها من الباطن، ويشترط لجواز ذلك أن يتم إصدار الصكوك قبل إبرام العقود مع المستأجرين، سواء تم الإيجار بمثل أجرة الإجارة الأولى، أو أقل منها، أو أكثر. أما إذا أبرمت العقود مع المستأجرين، فلا يجوز إصدار الصكوك؛ لأنها تمثل ديوناً للمصدر على المستأجرين» (١).
وذهب الدكتور نزيه حماد إلى جوازها، واستدل على ذلك بمذهب جماهير الفقهاء الذين أجازوا للمستأجر إجارة العين إلى طرف ثالث (٢).
ويناقش:
بأن كلام جماهير الفقهاء فيما إذا كانت العين المستأجرة خالية من الإجارة،
стр. 6317
أما إذا كانت مستأجرة فعلاً فلا ترد عليها أقوال جمهور الفقهاء؛ لأن العين المستأجرة مشغولة بإجارة، فكيف يكون التأجير على التأجير؟
* * *
стр. 6318
المطلب الثالث
توصيف سندات ملكية المنافع الموصوفة وحكمها الفقهي
القسم الثاني من صكوك ملكية المنافع هي تلك المنافع الموصوفة في الذمة.
وهي سندات تمثل ملكية منافع أعيان موصوفة في الذمة، وتوصف في هذه السندات وصفاً دقيقاً تفاصيل هذه المنفعة، والعين محل الانتفاع، ومدة الانتفاع ونهايته، وشروط هذا الانتفاع، وتسلم لحامل السند في الميعاد المتفق عليه لاستيفاء المنفعة.
مثال توضيحي:
أن تتعهد شركة بإنشاء وحدات سكنية موصوفة وصفاً دقيقاً، ثم تقوم بتمثيل ملكية الانتفاع بسكنى هذه الوحدات السكنية الموصوفة في صكوك متساوية القيمة، تطرحها للاكتتاب العام، وتبين فيها مدة الانتفاع، وتاريخ ابتدائه وانتهائه.
التوصيف الفقهي:
[ن-١٨٠] هذه الصورة من الصكوك تمثل عقد إجارة على أرض وعقار، والعقار غير موجود.
فالمؤجر: بائع هذه الصكوك.
والمستأجر: مجموعة المكتتبين.
والأجرة: حصيلة الاكتتاب.
стр. 6319
والعين المؤجرة: هي مجموع الأرض المعينة والعقار الموصوف في الذمة.
حكم هذه الصورة:
الخلاف فيها مبني على الخلاف في مسألتين:
[م-١٢٦٥] المسألة الأولى: إضافة الإجارة إلى المستقبل .
وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح إضافة الإجارة إلى زمن مستقبل، ولا يصح ذلك في البيع، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم (١).
وجه التفريق بين البيع والإجارة:
أن المبيع المعين لا يقبل التأجيل وإذا لم يقبل التأجيل لم يصح إضافته إلى المستقبل، وأما الإجارة فتقبل التأجيل مطلقاً معينة كانت أو في الذمة؛ فتصح إضافتها إلى المستقبل، لأن التأجيل في عقد الإجارة ضرورة؛ لأن الإجارة تتضمن تمليك المنافع، والمنافع لا يتصور وجودها في الحال، فدعت الضرورة إلى الإضافة، ولا ضرورة في بيع العين.
(ح-٨٧٣) ولما رواه البخاري من طريق عروة.
عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: واستأجر رسول الله رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث (٢).
стр. 6320
فدل هذا على جواز إضافة عقد الإيجار إلى الزمن المستقبل.
القول الثاني:
التفريق بين إجارة العين وإجارة الذمة، فلا يصح في إجارة العين إضافتها إلى المستقبل، ويصح ذلك في الإجارة إذا كانت في الذمة، وهذا مذهب الشافعية (١).
وجه التفريق بين إجارة العين وإجارة الذمة:
أن الشافعية لم يفرقوا بين البيع والإجارة، فالأعيان عندهم لا تقبل التأجيل مطلقاً بيعاً كان أو إجارة، وما في الذمة يجوز حالاً ومؤجلاً بيعاً كان أو إجارة كالسلم.
قال الشيرازي: «وما عقد من الإجارة على منفعة موصوفة في الذمة يجوز حالاً ومؤجلاً؛ لأن الإجارة في الذمة كالسلم والسلم يجوز حالاً ومؤجلاً، فكذلك الإجارة في الذمة .....
وما عقد على منفعة معينة لا يجوز إلا حالاً، فإن كان على مدة لم يجز إلا على مدة يتصل ابتداؤها بالعقد، وإن كان على عمل معين لم يجز إلا في الوقت الذي يمكنه الشروع في العمل؛ لأن إجارة العين كبيع العين، وبيع العين لا يجوز إلا على ما يمكن الشروع في قبضها فكذلك الإجارة» (٢).
واستثنى الشافعية من إجارة العين ما لو أجرت العين مدة جديدة لنفس المستأجر قبل انقضائها لاتصال المدتين مع اتحاد العين المستأجرة.
стр. 6321
القول الثالث:
اختار ابن حزم منع اشتراط الإضافة إلى المستقبل بناء على مذهبه الضيق في تحريم كل الشروط، ولو كان شرطاً لا محذور فيه إلا ما نص الشارع بعينه على جوازه.
قال ابن حزم: «ولا يجوز تأخير الشيء المستأجر ولا تأخير العمل المستأجر له طرفة عين فما فوق ذلك؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل» (١).
الراجح من الخلاف:
الراجح أن التأجيل سائغ مطلقاً في البيع والإجارة عيناً كان أو في الذمة بشرط أن يكون في مدة لا يخشى على العين من التغير، والحاجة داعية إلى ذلك، فالمسافر يحتاج إلى حجز مقعد له للركوب براً أو بحراً أو جواً قبل بدء السفر بفترة معينة، وقد تطول أو تقصر حسب الأحوال، فالمنع من ذلك فيه ضيق وحرج، وقد انتقض قول الشافعية فيمن استأجر داراً بمكة، والمستأجر في مصر، ولا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بعد شهر، وكما لو استأجره ليلاً لما يعمل نهاراً (٢).
وقد اشترى رسول الله ﷺ جمل جابر، واستثنى جابر ظهره إلى المدينة، وهذا التأجيل في المبيع المعين، وأجاز الحنابلة بيع الدار واشتراط سكناها مدة معلومة مطلقاً، وقيده المالكية بمدة لا يتغير فيها المبيع، وما جاز في عقد البيع جاز في الإجارة.
стр. 6322
وقد فصلت كل ذلك في كتاب البيع فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله (١).
المسألة الثانية: حكم إجارة العقار إذا كان العقار موصوفاً في الذمة.
[م-١٢٦٦] فتأجير العقار قبل قيامه إما أن تعين الأرض، أو لا تعين.
فإن لم تعين الأرض لم يصح تأجيره قولاً واحداً؛ لأن السلم لا يصح فيه، لأن العقار لا بد أن يبين موضعه لتفاوت قيمته باختلاف موضعه، وتبيين موضعه يعني تعيينه، وإذا تعين خرج من كونه سلماً في الذمة.
قال في الشرح الكبير: «وعين دار، وحانوت، وحمام، وخان، ونحوها إذ لا يصح أن يكون العقار في الذمة» (٢).
قال في حاشية الدسوقي معلقاً: «لأنه لا بد في إجارته إذا لم يعين بالإشارة إليه، أو بأل العهدية من ذكر موضعه، وحدوده، ونحو ذلك مما تختلف به الأجرة، وهذا يقتضي تعيينه» (٣).
قال في الذخيرة: «يمتنع السلم في الدور، والأرضين؛ لأن خصوص المواضع فيها مقصود للعقلاء، فإن عين لم يكن سلماً؛ لأن السلم لا يكون إلا في الذمة، وإن لم يعين كان سلماً في مجهول» (٤).
وعلل الحنفية بأن عقد الإجارة لا بد له من محل، والمنافع معدومة وقت العقد، وليست مالاً في نفسها عندهم، وإنما ينعقد بإقامة العين مقام المنفعة،
стр. 6323
فإذا كانت العين غير موجودة لم يصح العقد، ولهذا منع الحنفية أن يكون العقد على المنافع، فلا يقول: أجرتك منافع هذه الدار، وإنما يصح بإضافته إلى العين، فيقول: أجرتك هذه الدار.
ولأن المباني ليست مثلية، وإذا كانت كذلك لم تثبت في الذمة، فلا يجوز إلا أن تكون معينة (١).
وإذا كانت الأرض معينة، والعقار موصوفاً في الذمة ما زال ديناً في ذمة المقاول فهل يجوز للمالك تأجيره ويعتبر من قبيل السلم في المنافع؟
إذا تأملت هذا العقد وجدته مركباً من عين معينة، وهي الأرض، ومن عقار موصوف في الذمة، فهل يصح السلم في مبيع جزؤه معين، وجزؤه غير معين موصوف في الذمة، وهل يثبت العقار في الذمة.
الصحيح أن الأرض إذا تعينت لم يصح أن يكون العقار سلماً؛ لأن السلم لا بد أن يكون كله موصوفاً في الذمة، وحين تعين بعضه خرج من كونه سلماً إضافة إلى أن العقار لا يثبت في الذمة لدى الفقهاء، وإذا كان من بيع المعين لم يصح بيع معين لا يملكه الإنسان ما زال ديناً في ذمة المقاول، بخلاف تأجير الدابة والشخص فيصح تأجيره ولو كان غير معين، وقياس العقار على الدابة قياس مع الفارق، ولهذا منع الفقهاء السلم في ثمار حائط بعينه، وإن كان المقصود من العقد الثمرة، وليس البستان، ومع ذلك لما عين الحائط لم يصح أن يقال: إن الثمار سلم؛ لأنها موصوفة في الذمة.
ولهذا نص المالكية على أن العقار لا يثبت ديناً في الذمة.
قال في الشرح الكبير: «لا يصح أن يكون العقار في الذمة».
стр. 6324
وقال في بغية المسترشدين: «لا تتصور إجارة العقار في الذمة، وألحق به في النهاية السفينة خلافاً للتحفة، بخلاف المنقول كالشخص والدابة فيصح تأجيرهما معينين أو في الذمة كأن يلزم ذمته خياطة أو بناء، أو يستأجر دابة موصوفة في الذمة».
وجاء في نهاية المحتاج: «إجارة العقار لا تكون إلا عينية، والإجارة العينية يشترط فيها لكل من العاقدين رؤية العين» (١).
وجاء في أسنى المطالب: «وإجارة العقار لا تكون في الذمة؛ لأنه لا يثبت فيها بدليل منع السلم فيه» (٢).
وجاء في حاشية الجمل: «وإجارة العقار لا تكون إلا على العين، ومثل العقار السفينة؛ فإنه لا يصح السلم فيها، ولا يثبت في الذمة، فلا تكون إجارتها إلا على العين .... » (٣).
وجاء في المغني: «ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة إجارة العقار قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استئجار المنازل والدواب جائز ..... ولا بد من مشاهدته وتحديده فإنه لا يصير معلوماً إلا بذلك ولا يجوز إطلاقه ولا وصفه» (٤).
وقد أخطأ الشيخ الميرة في صكوك الإجارة حين قاس العقار الموصوف في
стр. 6325
الذمة على تأجير الحيوان والآدمي الموصوف في الذمة، فإن العقار لابد أن يعين مكانه، فخرج عن كونه سلماً، بخلاف الآدمي والحيوان، والله أعلم.
* * *
стр. 6326
المطلب الرابع
حكم تداول صكوك الأعيان الموصوفة في الذمة
[ن-١٨١] إذا تبين حكم إضافة الإجارة إلى المستقبل، وحكم تأجير العقار الموصوف في الذمة فما حكم تداول صكوك منافع الأعيان الموصوفة في الذمة؟
اختلف العلماء المعاصرون إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يجوز تداول صكوك منافع الأعيان الموصوفة في الذمة قبل تعيين العين التي تستوفى المنفعة منها إلا بضوابط التصرف في الديون، باعتبار أن تأجير العقار الموصوف في الذمة لا يمكن أن يكون سلماً؛ لأن الأرض معينة، وإذا تعين كان من قبيل بيع الدين قبل قبضه، فما زال في ذمة المقاول، وإلى هذا ذهب الدكتور القره داغي (١).
والقول الثاني:
جواز تداول هذه الصكوك، وإلى هذا ذهب الدكتور منذر قحف (٢)، والدكتور حسين حامد حسان (٣)، والدكتور نزيه حماد (٤).
стр. 6327
وجه من قال: لا يجوز إلا بضوابط التصرف في الديون:
العقار لا يمكن أن يثبت في الذمة؛ لاشتراط تعيين الأرض، وتعيين موضع العقار يخرجه من كونه سلماً.
قال في الذخيرة: «يمتنع السلم في الدور، والأرضين؛ لأن خصوص المواضع فيها مقصود للعقلاء، فإن عين لم يكن سلماً؛ لأن السلم لا يكون إلا في الذمة، وإن لم يعين كان سلماً في مجهول» (١).
فإذا كان ذلك من تأجير المعين لم يصح هذا العقد، وهو ما زال ديناً في ذمة المقاول.
وأجيب:
بأن الجمهور على جواز إجارة العين الموصوفة في الذمة، فإذا جاز للمؤجر أن يؤجر منفعة عين موصوفة في الذمة، جاز للمستأجر أن يؤجر هذه المنفعة الموصوفة في ذمة المستأجر الأول، وذلك لأنه قد قام بمثل ما قام به الأول، ولا فرق، فيلزمكم القول بمنع إجارة العين الموصوفة في الذمة مطلقاً، خاصة أن الحق يتعلق بذمة المؤجر الثاني، وليس في ذمة المؤجر الأول.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن بيع الدين بالدين ليس كله ممنوعاً، وإنما الممنوع منه اتفاقاً هو ابتداء بيع الدين بالدين.
ويجاب:
القول بأن الجمهور أجازوا تأجير العين الموصوفة في الذمة، إن قصد بذلك تأجير العقار الموصوف في الذمة فهذه دعوى، ولم أقف عليها من كلام أهل
стр. 6328
العلم، وإن قصد تأجير الدابة والآدمي غير المعين فذلك جائز، وهو يختلف عن العقار؛ لأن العقار لا يثبت في الذمة.
قال في الشرح الكبير: «لا يصح أن يكون العقار في الذمة».
وقال في بغية المسترشدين: «لا تتصور إجارة العقار في الذمة، وألحق به في النهاية السفينة خلافاً للتحفة، بخلاف المنقول كالشخص والدابة فيصح تأجيرهما معينين أو في الذمة كأن يلزم ذمته خياطة أو بناء، أو يستأجر دابة موصوفة في الذمة».
فانظر كيف قال: لا تتصور إجارة العقار في الذمة.
وجه من قال بالجواز مطلقاً:
إذا أجاز الفقهاء إجارة العين الموصوفة في الذمة، فهذا فرد من أفرادها، فلا فرق في النظر بين المنفعة المتعلقة بعين محددة بذاتها، وبين كونها متعلقة بذمة المؤجر إذا كانت محددة بالوصف مبينة على نحو يتحقق معه العلم المنافي للجهالة كشرط لصحة بيعها وتداولها.
وهذا الكلام قد سبق الجواب عليه.
الراجح: القول بالمنع أقوى، والله أعلم.
* * *
стр. 6329
المسألة الرابعة
سندات ملكية الخدمات
تعريفها:
يمكن لنا أن نعرف سندات ملكية الخدمات من خلال تعريف سندات الإجارة، وذلك بالقول بأن سندات ملكية الخدمات: هي صكوك ذات قيمة متساوية، تمثل حصصاً شائعة في ملكية خدمة أعمال معينة قائمة، أو موصوفة في الذمة.
فمن خلال هذا التعريف يتبين لنا أن سندات ملكية الخدمات تنقسم إلى قسمين:
(أ) سندات ملكية خدمات أعمال معينة قائمة .
وذلك بأن يكون العمل المعقود عليه قائماً، وموجوداً عند انعقاد العقد، كأن تحتاج جهة ما ـ سواء أكانت تلك الجهة قطاعاً خاصاً، أم قطاعاً عاماً ـ إلى صيانة عاجلة لمبانيها أو أجهزتها، وتكون تكاليف الصيانة عالية، وباهظة، كما تكون المدة الزمنية المطلوبة للقيام بالعمل طويلة نوعاً ما، فتلجأ تلك الجهة إلى الشركات التي تملك عمالاً قادرين على القيام بعملية الصيانة، وتتعاقد معها على إجارة عمالها للقيام بالمهمة مقابل أجر يتفق عليه الطرفان.
ويتصور إصدار صكوك لهذا النوع من الإجارة بحيث تقوم الجهة المعنية بتمثيل خدماتها على شكل صكوك، فيها وصف دقيق محكم منضبط لحصة شائعة مقدرة من خدماتها، ثم تطرحها للاكتتاب العام، فيكون المكتتب في صك من هذه الصكوك مالكاً لحصة مشاعة من خدمات هذه الجهة (١).
стр. 6330
مثال آخر: أن تقوم جامعة من الجامعات أو مستشفى أهلي بإصدار صكوك متساوية القيمة بغرض تقديم خدمة التعليم الجامعي، ومقرراته الخاصة بالحصول على الشهادة الجامعية في الشريعة أو في اللغة أو في الطب لمدة محدودة، أو تقديم الخدمات الطبية مثل الجراحة أو الفحوصات في تلك المستشفى لفترة زمنية محددة (١).
التوصيف الفقهي:
[ن-١٨٢] هذه الصورة من السندات تمثل عقد إجارة، إلا أنها من قبيل إجارة الأشخاص، وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي (الأجير المشترك)
فالأجير المشترك: هو مصدر هذه الصكوك.
والمستأجرون: هم المكتتبون في هذه السندات.
والأجرة: هي حصيلة الاكتتاب.
والخدمة: هي المنفعة المعقود عليها.
حكمها الفقهي: لم يختلف الفقهاء في جواز عقد الإجارة على العمل، وهو ما يسمى بالأجير المشترك. وهو من يعمل لعامة الناس بإدارته مستقلاً عن صاحب العمل، وليس تابعاً له كالخياط والحداد ونحوهما.
والأدلة على جواز عقد الأجير المشترك من القرآن والسنة وإجماع الأمة.
قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧].
стр. 6331
وقال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤].
ومن السنة أحاديث كثيرة، أختار منها:
(ح-٨٧٤) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر منهم رجلاً استأجر أجيراً فاستوفى منه، ولم يعط أجره (١).
(ح-٨٧٥) ومنها ما رواه البخاري من طريق عروة.
عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: واستأجر رسول الله رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث (٢).
(ح-٨٧٦) ومنها ما رواه البخاري من طريق مالك، عن حميد،
عن أنس بن مالك ﵁، قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه (٣).
وأما الإجماع فقد حكاه غير واحد من أهل العلم على جواز الإجارة، منهم العراقي في طرح التثريب (٤)، وابن المنذر (٥)، وغيرهم.
حكم تداول صكوك ملكية خدمات جهة معينة .
لا أرى مانعاً شرعياً من تداول هذا النوع من الصكوك إذا توفرت شروط عقد
стр. 6332
الإجارة الواردة على العمل، من حيث تحديد نوع العمل ومدته ومقدار الأجرة، ووقت دفعها ... ونحو ذلك. وهي لا تختلف في حكمها عن تداول صكوك ملكية منافع الأعيان المعينة، حيث لا فرق.
(ب) سندات ملكية خدمات أعمال موصوفة في الذمة .
وذلك بأن تكون الخدمة أو العمل المعقود عليه ليس موجوداً عند انعقاد العقد، وإنما يكون مستحقاً في مواعيد مستقبلية محددة.
مثاله: أن تقوم جامعة من الجامعات بإصدار سندات خدمة موصوفة في الذمة، تمثل تعليم طالب في الجامعة، على أن تقدم هذه الخدمة الموصوفة في الذمة بعد خمس سنوات مثلاً، ويمثل السند حصة ساعية واحدة، ولحامل السند الحق في الحصول على الخدمة الموصوفة مقابل ما يدفعه الآن من ثمن السند الذي يمثل ملكيته للمنفعة (١).
التوصيف الفقهي:
[ن-١٨٣] يختلف التوصيف الفقهي لصكوك ملكية الخدمات الموصوفة في الذمة عن توصيف صكوك ملكية منافع الأعيان الموصوفة في الذمة، فإن الأول هو في استئجار شخص غير معين، وهذا جائز بلا خلاف، والثاني في استئجار عقار موصوف في الذمة، وهذا غير جائز
فإذا كانت هذه الخدمات (المنافع) هي منافع أشخاص غير معينين جاز هذا بلا خلاف
وعليه يكون التوصيف.
стр. 6333
المؤجر: هو مصدر هذه الصكوك.
والمستأجر: هم المكتتبون في هذه الصكوك.
والأجرة: حصيلة الاكتتاب.
والخدمة: هي المنفعة المعقود عليها.
حكم تداول هذه الصكوك:
[ن-١٨٤] لا مانع من تداول صكوك ملكية منافع الأعيان الموصوفة في الذمة، إذا كانت هذه المنافع من أشخاص غير معينين، وليست عقاراً.
جاء في حاشية قليوبي وعميرة: «الإجارة قسمان: واردة على عين كإجارة العقار ودابة وشخص معينين .... وواردة على الذمة كاستئجار دابة موصوفة» (١).
وجاء في المنتقى للباجي: «والإجارة على ضربين إجارة متعلقة بعين وإجارة متعلقة بالذمة، فأما المتعلقة بالعين: فمثل أن يكتري منه دابة معينة وأما المتعلقة بالذمة فمثل أن يكتري منه دابة يأتيه بها يعمل عليها عملاً متفقاً عليه. قال القاضي أبو محمد: وكل ذلك جائز» (٢).
الفرق بين الخدمات المعينة والخدمات الموصوفة في الذمة .
أن الصكوك في الصورتين يمثلان خدمات إلا أن هذه الخدمات تارة تكون قائمة بعينها، وتارة تكون موصوفة في الذمة. والفارق الذي يسجل بينهما. أنه في حال بيع صكوك إجارة الخدمات الموصوفة في الذمة لا يشترط أن تكون الجهة المصدرة هي مالكة الخدمات؛ لأن العملية قائمة على خدمة موصوفة في
стр. 6334
الذمة، فالحق متعلق بالذمة، ولم يتعلق بعين معينة، في حين أنه في صكوك الخدمات القائمة المعينة لا بد أن تكون الجهة المصدرة إما مالكة لتلك الخدمات مثل إدارة المستشفى، أو إدارة الجامعة، أو نائبة عنها، لأنها تبيع خدمة معينة، وليست في الذمة، فلو لم تكن مالكة، أو نائبة عن المالك أصبحت قد باعت ما لا تملك، وهذا لا يجوز (١).
* * *
стр. 6335
الفصل الرابع
في حصص التأسيس
المبحث الأول
التعريف بحصص التأسيس وبيان خصائصها
تعريف حصص التأسيس:
من خلال دارسة الأدوات المتداولة في سوق المال درسنا فيما مضى الأسهم، ثم درسنا أحكام السندات، والبدائل الشرعية لها، ثم نأتي إلى القسم الأخير من هذه الأدوات، وهي حصص التأسيس.
وتعرف حصص التأسيس بأنها: «صكوك قابلة للتداول بالطرق التجارية، تصدرها شركات المساهمة، وتمنح صاحبها نصيباً من أرباح الشركة مقابل ما قدموه من خدمات أثناء تأسيس الشركة» (١).
وسميت بذلك لأنها تقرر في بدء الشركة للمؤسسين مكافأة لهم على جهودهم التي بذلوها في سبيل إنشاء الشركة، وهذا النظام كان معمولاً به في أول الأمر، أما الآن فحصص التأسيس تعطى لغير المؤسسين، وفي غير وقت تأسيس الشركة شريطة أن يكون نظام الشركة يجيز ذلك. انظر المادة ١١٢ من نظام الشركات (٢).
стр. 6336
خصائص حصص التأسيس:
[ن-١٨٥] تتمتع حصص التأسيس بخصائص عديدة، من أهمها:
الأولى: أنها ليست جزءاً من رأس مال الشركة، حيث لم يقدم صاحبها أي حصة نقدية، أو عينية يمكن أن تدخل في ضمان رأس المال، وليس لهم أي حق في موجودات الشركة، ولا يتحملون مخاطر المشروع.
الثانية: لا يملك أصحابها التدخل في إدارة الشركة، ولا حضور الجمعيات العامة، والتصويت فيها.
الثالثة: ليس لها أي قيمة اسمية، وإنما لها نصيب في الأرباح فقط إن وجد، بشرط ألا يخصص لهذه الحصص ما يزيد عن ١٠% من الأرباح الصافية بعد حجز الاحتياطي القانوني للشركة، ووفاء ٥% على الأقل كربح لرأس المال.
الرابعة: كونها قابلة للتداول وفقاً لتداول أسهم الشركة العادية.
الخامسة: كونها غير قابلة للتجزئة.
سادساً: كونها قابلة للإلغاء من قبل الشركة، بشروط محددة، كأن يمضي ثلث مدة الشركة، أو عشر سنوات مالية على الأكثر ابتداء من تاريخ إنشائها مقابل تعويض عادل لأصحابها.
أوجه الاتفاق والاختلاف بين حصص التأسيس والأسهم والسندات:
تشترك حصص التأسيس مع الأسهم فيما يلي:
ـ قبولهما للتداول.
ـ كونهما لا يقبلان التجزئة.
ـ اشتراكهما في أرباح الشركة.
стр. 6337
وتختلف حصص التأسيس عن الأسهم:
ـ ليس لها قيمة اسمية.
ـ لا يعتبر صاحبها شريكاً في الشركة، وبالتالي ليس له الحق في إدارة الشركة.
ـ لا يتحمل صاحبها أي خسارة.
ـ يمكن إلغاؤها.
وتتفق حصص التأسيس مع السندات فيما يلي:
ـ حصول كل منهما على نسبة من الأرباح.
ـ عدم المشاركة في الخسائر، وفي إدارة الشركة.
ويختلفان:
بأن حامل السندات دائن للشركة، له فائدة ثابتة، ربحت الشركة أم خسرت، وأما صاحب حصص التأسيس فليس دائناً للشركة، وأرباحه ليست ثابتة بل معلقة على وجود أرباح صافية (١).
стр. 6338
المبحث الثاني
التوصيف الفقهي لحصص التأسيس
[ن-١٨٦] اختلف فقهاء القانون في توصيف حصة التأسيس:
القول الأول:
ذهب بعضهم إلى أن صاحب حصص التأسيس دائن للشركة بنصيب من الربح (١).
واحتجوا بأن صاحب هذه الحصص محروم من التدخل في الإدارة.
ونوقش:
بأن الدائن يستحق نصيبه كاملاً سواء ربحت الشركة أم خسرت، في حين أن صاحب حصة التأسيس لا يأخذ إلا مقدارًا من الربح فقط.
القول الثاني:
ذهب بعضهم إلى أن صاحب حصص التأسيس شريك بدليل أن له نصيباً في الأرباح، والاشتراك في الربح لا يكون إلا للشريك (٢).
ونوقش هذا:
بأن الشريك هو من يقدم حصة نقدية أو عينية من رأس مال الشركة، ويتحمل مخاطر المشروع في حين أن صاحب التأسيس لا يتحمل شيئاً من ذلك، كما أنه ممنوع من ممارسة حقوق الشريك في إدارة الشركة.
стр. 6339
فلا يمكن أن تكون هذه الصكوك بمنزلة الأسهم؛ لأن صاحب حصص التأسيس ليس له الحق في موجودات الشركة، وإنما له نصيب فقط في أرباحها.
ولا هي مثل السندات، لأن صاحب السندات يملك قيمة السند بصرف النظر عن ربح الشركة وخسارتها.
ولا يمكن توصيفها على أنها بيع: أي أن الشركة تبيع عدة صكوك في مقابل خدمات صاحبها لجهالة الثمن، والمثمن معاً، إذ الخدمة التي قدمها ليست محددة حتى يرد عليها عقد البيع، كما أن الصك (الثمن) غير محدد من حيث ما يأخذه صاحبه؛ لأنه مقيد بنسبة الربح الذي هو معدوم عند العقد، أو مجهول يظهر في المستقبل.
وما يقال على البيع يقال في الإجارة.
كما أن حصص التأسيس لا ينطبق عليها عقد الجعالة؛ لأن الجعالة أن يجعل جائز التصرف شيئاً متمولاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً، فلا بد أن يكون المال معلوماً كألف ريال مثلاً، أما في حصص التأسيس فهو غير معلوم؛ لأنه ليس معلوم النسبة، وأيضاً ليس نسبة ثابتة، وإنما هي احتمالية، والشرط في الجعالة أن يكون الجعل معلوم المقدار غير مجهول.
وأقرب ما يصدق على النوع من الصكوك التي تصدرها الشركات المساهمة أن صاحب حصة التأسيس شبيه بالبائع الذي ارتضى أن يكون ثمن المبيع حقاً احتمالياً غير محدد المقدار، والمبيع حقاً معنوياً (١).
* * *
стр. 6340
المبحث الثالث
الحكم الفقهي لحصص التأسيس
[ن-١٨٧] اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم حصص التأسيس إلى قولين:
القول الأول:
يرى أن حصص التأسيس مباحة شرعاً، فيجوز إصدارها، والتعامل بها (١).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
الدليل الأول:
أن حصص التأسيس تعتبر هبة التزم بها أصحاب الشركة لأشخاص معينين، كنسبة مقتطعة من الربح سنوياً، وإن كان هذا المبلغ مجهول القيمة وقت الوهب، فإنه آيل للعلم وقت القبض، وقد أفتى المالكية بصحة هبة المجهول؛ لأنه من باب التبرعات، وليس من باب المعاوضات.
الدليل الثاني:
أن صاحب حصص التأسيس لا يمكن اعتباره شريكاً؛ لأنه لا يشارك في خسارة الشركة، ولا يعتبر دائناً؛ لأن الدائن يستحق نصيبه مطلقاً ربحت الشركة أم خسرت، إلا أن ذلك لا يمنع من جواز حصص التأسيس باعتبارها مكافأة له على ما قدمه للشركة، وبدلاً من منحه مبلغاً يحسب من نفقات التأسيس يمنح