خصائص حصص التأسيس:
[ن-١٨٥] تتمتع حصص التأسيس بخصائص عديدة، من أهمها:
الأولى: أنها ليست جزءاً من رأس مال الشركة، حيث لم يقدم صاحبها أي حصة نقدية، أو عينية يمكن أن تدخل في ضمان رأس المال، وليس لهم أي حق في موجودات الشركة، ولا يتحملون مخاطر المشروع.
الثانية: لا يملك أصحابها التدخل في إدارة الشركة، ولا حضور الجمعيات العامة، والتصويت فيها.
الثالثة: ليس لها أي قيمة اسمية، وإنما لها نصيب في الأرباح فقط إن وجد، بشرط ألا يخصص لهذه الحصص ما يزيد عن ١٠% من الأرباح الصافية بعد حجز الاحتياطي القانوني للشركة، ووفاء ٥% على الأقل كربح لرأس المال.
الرابعة: كونها قابلة للتداول وفقاً لتداول أسهم الشركة العادية.
الخامسة: كونها غير قابلة للتجزئة.
سادساً: كونها قابلة للإلغاء من قبل الشركة، بشروط محددة، كأن يمضي ثلث مدة الشركة، أو عشر سنوات مالية على الأكثر ابتداء من تاريخ إنشائها مقابل تعويض عادل لأصحابها.
أوجه الاتفاق والاختلاف بين حصص التأسيس والأسهم والسندات:
تشترك حصص التأسيس مع الأسهم فيما يلي:
ـ قبولهما للتداول.
ـ كونهما لا يقبلان التجزئة.
ـ اشتراكهما في أرباح الشركة.
стр. 6337
وتختلف حصص التأسيس عن الأسهم:
ـ ليس لها قيمة اسمية.
ـ لا يعتبر صاحبها شريكاً في الشركة، وبالتالي ليس له الحق في إدارة الشركة.
ـ لا يتحمل صاحبها أي خسارة.
ـ يمكن إلغاؤها.
وتتفق حصص التأسيس مع السندات فيما يلي:
ـ حصول كل منهما على نسبة من الأرباح.
ـ عدم المشاركة في الخسائر، وفي إدارة الشركة.
ويختلفان:
بأن حامل السندات دائن للشركة، له فائدة ثابتة، ربحت الشركة أم خسرت، وأما صاحب حصص التأسيس فليس دائناً للشركة، وأرباحه ليست ثابتة بل معلقة على وجود أرباح صافية (١).
стр. 6338
المبحث الثاني
التوصيف الفقهي لحصص التأسيس
[ن-١٨٦] اختلف فقهاء القانون في توصيف حصة التأسيس:
القول الأول:
ذهب بعضهم إلى أن صاحب حصص التأسيس دائن للشركة بنصيب من الربح (١).
واحتجوا بأن صاحب هذه الحصص محروم من التدخل في الإدارة.
ونوقش:
بأن الدائن يستحق نصيبه كاملاً سواء ربحت الشركة أم خسرت، في حين أن صاحب حصة التأسيس لا يأخذ إلا مقدارًا من الربح فقط.
القول الثاني:
ذهب بعضهم إلى أن صاحب حصص التأسيس شريك بدليل أن له نصيباً في الأرباح، والاشتراك في الربح لا يكون إلا للشريك (٢).
ونوقش هذا:
بأن الشريك هو من يقدم حصة نقدية أو عينية من رأس مال الشركة، ويتحمل مخاطر المشروع في حين أن صاحب التأسيس لا يتحمل شيئاً من ذلك، كما أنه ممنوع من ممارسة حقوق الشريك في إدارة الشركة.
стр. 6339
فلا يمكن أن تكون هذه الصكوك بمنزلة الأسهم؛ لأن صاحب حصص التأسيس ليس له الحق في موجودات الشركة، وإنما له نصيب فقط في أرباحها.
ولا هي مثل السندات، لأن صاحب السندات يملك قيمة السند بصرف النظر عن ربح الشركة وخسارتها.
ولا يمكن توصيفها على أنها بيع: أي أن الشركة تبيع عدة صكوك في مقابل خدمات صاحبها لجهالة الثمن، والمثمن معاً، إذ الخدمة التي قدمها ليست محددة حتى يرد عليها عقد البيع، كما أن الصك (الثمن) غير محدد من حيث ما يأخذه صاحبه؛ لأنه مقيد بنسبة الربح الذي هو معدوم عند العقد، أو مجهول يظهر في المستقبل.
وما يقال على البيع يقال في الإجارة.
كما أن حصص التأسيس لا ينطبق عليها عقد الجعالة؛ لأن الجعالة أن يجعل جائز التصرف شيئاً متمولاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً، فلا بد أن يكون المال معلوماً كألف ريال مثلاً، أما في حصص التأسيس فهو غير معلوم؛ لأنه ليس معلوم النسبة، وأيضاً ليس نسبة ثابتة، وإنما هي احتمالية، والشرط في الجعالة أن يكون الجعل معلوم المقدار غير مجهول.
وأقرب ما يصدق على النوع من الصكوك التي تصدرها الشركات المساهمة أن صاحب حصة التأسيس شبيه بالبائع الذي ارتضى أن يكون ثمن المبيع حقاً احتمالياً غير محدد المقدار، والمبيع حقاً معنوياً (١).
* * *
стр. 6340
المبحث الثالث
الحكم الفقهي لحصص التأسيس
[ن-١٨٧] اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم حصص التأسيس إلى قولين:
القول الأول:
يرى أن حصص التأسيس مباحة شرعاً، فيجوز إصدارها، والتعامل بها (١).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
الدليل الأول:
أن حصص التأسيس تعتبر هبة التزم بها أصحاب الشركة لأشخاص معينين، كنسبة مقتطعة من الربح سنوياً، وإن كان هذا المبلغ مجهول القيمة وقت الوهب، فإنه آيل للعلم وقت القبض، وقد أفتى المالكية بصحة هبة المجهول؛ لأنه من باب التبرعات، وليس من باب المعاوضات.
الدليل الثاني:
أن صاحب حصص التأسيس لا يمكن اعتباره شريكاً؛ لأنه لا يشارك في خسارة الشركة، ولا يعتبر دائناً؛ لأن الدائن يستحق نصيبه مطلقاً ربحت الشركة أم خسرت، إلا أن ذلك لا يمنع من جواز حصص التأسيس باعتبارها مكافأة له على ما قدمه للشركة، وبدلاً من منحه مبلغاً يحسب من نفقات التأسيس يمنح
стр. 6341
جزءاً من الأرباح، فيكون ذلك دافعاً له إلى بذل جهد أكبر، وتقديم خدمة أفضل.
ويناقش هذا الدليل والذي قبله:
بأن حصص التأسيس ليست هبة، ولا مكافأة حتى تصح بالمجهول، بل هي ممنوحة لصاحبها مقابل ما قدمه للشركة من براءة اختراع، أو غير ذلك، ولذلك نصت التشريعات على أنه لا يمكن إلغاؤها إلا بتعويض عادل، وبعد مضي مدة محددة، ولو كانت تبرعاً محضاً لجاز إلغاؤها مطلقاً. كما أنه لا يمكن اعتبارها هبة بعوض؛ لأن الهبة بعوض يطبق عليها أحكام البيع على الصحيح عند جمهور الفقهاء.
الدليل الثالث:
أن ثمرة جهدهم تظل مستمرة ما دامت الشركة قائمة، ولذلك يستحقون عن هذا الجهد نصيباً من الربح.
القول الثاني:
وهو قول أكثر أهل العلم يرى أن حصص التأسيس من المعاملات المحرمة (١).
ويستدلون على ذلك بأنه عقد بيع مجهول الثمن، فيكون فيه غرر.
ومما يدل على خطأ إصدار مثل هذه الحصص أن كثيراً من القوانين الوضعية الغربية والعربية منعتها، فحرمها المشرع الفرنسي في قانون الشركات الصادر
стр. 6342
سنة ١٩٦٦ م، وكذلك فعل المشرع السوري، واللبناني، والأردني، وتجاهلها القانون العراقي والكويتي، وأقرها قانون الشركات بمصر الصادر لسنة ١٩٨١ في مادته ٣٤. وكذلك نظام الشركات في السعودية، في مواده: ١١٢، ١١٣، ١١٤، ١١٥ (١).
وقد كشفت التجربة على أن المؤسسين اتخذوا حصص التأسيس ذريعة للحصول لأنفسهم على جانب كبير من الأرباح، لا يتناسب مع ما أدوه من خدمة للشركة (٢).
ويمكن أن تستبدل هذه الفكرة بفكرة المكافأة النقدية، أو العينية لهؤلاء الذين قدموا خدمات فعلية، أو براءة اختراع، كما يمكن تحويل قيمة هذه المكافأة بعد تحديدها بأسهم عادية ويأخذ حصته من الأرباح كغيره من المساهمين، ويتحمل الخسائر كغيره، ويحق له بيع أسهمه حسب نظام تداول الأسهم كما قلنا في الأسهم العينية (٣).
وبهذا نكون قد أنهينا الدراسة فيما يتعلق في الأدوات المتداولة في سوق المال، من أسهم، وسندات، وحصص تأسيس، وتناولنا في أثناء هذه الدراسة: الشركات المساهمة، باعتبار أن السهم يمثل جزءاً من رأس مال الشركة، كما تناولنا البدائل المقترحة للسندات المحرمة، وفي الباب التالي سوف نتناول إن شاء الله طريقة تداول تلك الأسهم والسندات، وحكمها الفقهي، أسأل الله وحده، عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 6343
الباب الثالث
في عمليات سوق الأوراق المالية
يقصد بعمليات سوق الأوراق المالية، تلك الإجراءات والقواعد التي يتم بموجبها عقد صفقات: بيع، وشراء الأوراق المالية، وهي عمليات متعددة، ومتداخلة، تحكمها أنظمة وقوانين البورصة.
وتتم عمليات سوق الأوراق المالية على ضربين: بيوع عاجلة، وبيوع آجلة.
والبيوع العاجلة:
هي العمليات التي يلتزم كل من البائع والمشتري بتنفيذ عقودها، وذلك بأن يستلم البائع الأوراق المالية، ويسلم المشتري ثمنها حالاً، أو خلال مدة وجيزة أقصاها يومان، بينما يلزم في سوق نيويورك أن تصفى العمليات العاجلة في موعد أقصاه ساعة قبل افتتاح الجلسة التالية (١).
ويتم البيع والشراء عن طريق سمسار البائع، وسمسار المشتري، وتتم التسوية بينهما في غرفة المقاصة طبقاً للوائح المنظمة لذلك، وإذا تمت الصفقة بينهما يبقى بعد ذلك إجراءات شكلية لإثبات ذلك في الشركة مصدرة الأوراق المالية، وتجري هذه العملية في البورصة بعيداً عن الشركة محل البيع، وتجدر الإشارة إلى أن محل البيع في هذه الصفقة ليس الورقة المالية بذاتها، بل ما تمثله تلك الورقة، فإن كانت الورقة المالية سهماً، كان محل البيع ما يمثله هذا السهم
стр. 6344
من موجودات الشركة، وإن كانت سنداً كان محل البيع ما يمثله من دين على الشركة اتجاه المقرض (١).
والغرض من شراء هذه الأوراق المالية من قبل المتعاملين:
إما للاحتفاظ بها، والاستفادة مما تدره عليهم من أرباح أو فوائد، ويطلق عليه اصطلاحاً (الاستثمار) ..
وإما لغرض بيعها عندما ترتفع أسعارها، وتحقيق الربح من الفروق بين سعر الشراء، وسعر البيع. ويطلق عليه اصطلاحاً (المضاربة). أو يكون الغرض كلا الأمرين معاً (الاستثمار والمضاربة).
وهي ثلاثة أنواع:
١ - العمليات العاجلة العادية. وذلك بالشراء والبيع بكامل الثمن.
٢ - التعامل بالهامش. وذلك بالشراء بجزء من الثمن.
٣ - البيوع القصيرة، ويسمى (البيع على المكشوف) وسوف يأتي الكلام عليها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
وأما البيوع الآجلة:
فهي عبارة عن عقود يلزم بموجبها البائع والمشتري في تنفيذ التزامه في المستقبل في موعد محدد يسمى يوم التصفية مع حق أحد الطرفين في الالتزام، أو الامتناع عن التنفيذ قبل يوم التصفية، مقابل دفع مبلغ من المال يدفع عند التعاقد (٢).
стр. 6345
الفصل الأول
في العمليات العاجلة والفورية وأحكامها الفقهية
المبحث الأول
بيع الأسهم والسندات في العمليات العاجلة
[ن-١٨٨] إذا كان محل البيع أو الشراء هو الأسهم، فقد سبق لنا عند الكلام على حكم إصدار الأسهم أن ذلك جائز بشرط أن يكون السهم يمثل شركة مباحة يكون رأس مالها حلالاً، وتتعامل في مجالات مباحة، ولا تتعامل بالحرام.
وأدلة جوازه معلومة من أدلة جواز البيع والشراء.
ولم يمنع من ذلك إلا من أنكر مشروعية شركة المساهمة من أصلها، وهو قول شاذ مهجور، مخالف لما استقر عليه القول من عامة أهل العلم في هذا العصر. وقد سبق لنا مناقشة هذا القول، وبيان ضعفه في مسألة سابقة.
[ن-١٨٩] وأما إذا كان محل البيع هو السند، فإن السند عبارة عن صك يثبت ديناً لصاحبه، فعندما يقوم صاحب السند ببيعه فإنه يبيع ديناً، وقد تكون الشركة التي أصدرت تلك السندات هي المشتري، كما في حالة الاسترداد أو الاستهلاك، وقد يكون أحد الأفراد ممن يتعاملون بالبورصات، ويفترض أن يكون الثمن حالاً؛ لأن البيع من المعاملات العاجلة الفورية.
فإذا كانت حقيقة السند: أنه قرض بفائدة، لأنه يمثل ديناً على الشركة، ويستحق صاحبه فائدة سنوية محددة، سواء ربحت الشركة أو خسرت، فهو داخل في نطاق المعاملات الربوية، وبالتالي فإن إصدارها من أول الأمر عمل
стр. 6346
غير شرعي، وعليه فإن تداوله بالبيع والشراء غير جائز شرعاً، ولا يصح لحامل السند بيعه، ولكن على فرض أن السند يمثل ديناً مشروعاً، أو يكون صاحبه أراد أن يبيع أصل السند متنازلاً عن الفائدة الربوية المحرمة، فهل يصح بيعه؟
هنا نفرق بين صورتين:
الصورة الأولى:
أن يباع أصل السند دون فوائده على الشركة المصدرة بالنقد، أي بيع الدين بالنقد ممن هو عليه.
فهذا يجوز عند جمهور الفقهاء، بشرطين: هما التماثل والتقابض إن كان الثمن من جنس الدين.
أو بشرط التقابض فقط إن كان الثمن ليس من جنس الدين.
ويشترط بعض الفقهاء ألا يربح عليه، بأن يكون البيع بسعر يومه حتى لا يربح فيما لم يضمن.
(ح-٨٧٧) لما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير.
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).
стр. 6347
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (١).
وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند الكلام على بيع السندات، فأغنى عن إعادته هنا.
ومن باب أولى أن يكون البيع جائزاً لو كان الثمن عرضاً، من سيارة، أو أرز، أو نحوهما.
الصورة الثانية:
أن يباع أصل السند دون فوائده على غير من هو عليه.
فإما أن يباع بالنقد. أو يباع بالعروض.
فإن بيع بالنقد فإنه لا يجوز لأنه بيع دراهم حالة بدارهم مؤجلة، ومن شرط صحة البيع التقابض إن كانت النقود من غير جنس النقود المباعة.
أو التقابض والتماثل إن كانت النقود من جنس النقود المباعة.
وإن باعه بعرض، فإما أن يكون العرض معيناً أو موصوفاً في الذمة.
فإن كان العرض معيناً، أو موصوفاً في الذمة، وكان حالاً، فإن الصحيح جوازه بشرط تعيين الموصوف في الذمة في مجلس العقد حتى لا يكون من باب بيع الدين بالدين (٢).
وإن كان العرض موصوفاً في الذمة مؤجلاً لم يصح؛ لأنه يصير من بيع الدين بالدين.
وهل يشترط ألا يربح فيه؛ لأن الدين مضمون على المدين، وليس على
стр. 6348
البائع، أو يقال: يجوز؛ لأن الدين مضمون على البائع كما هو مضمون على المدين، فيه تأمل.
يقول الشيخ المترك ﵀: «لو قدر أن السند يمثل ديناً مشروعاً، فهل يصح بيعه؟ .... وأما بيعه على غير من هو عليه، فالذي يترجح هو الجواز إذا بيع السند بغير نقود، كأن يبيعه بأرز، أو شعير، أ و سيارة.
وأما إذا باعه بنقود فلا يصح؛ لأنه بيع دراهم حالة بدراهم مؤجلة، ومن شرط صحة ذلك التقابض إذا كانت النقود من غير جنس النقود المباعة، وإذا كانت النقود من جنسها، فيشترط أيضاً مع التقابض التماثل فلا يباع السند بثمن أقل مما يمثله، فلو كان السند يمثل عشرة جنيهات، فلا يصح أن يباع بأحد عشر جنيهاً نسيئة؛ لأنه يكون فيه ربا فضل، وربا نسيئة» (١).
وقد سبق الكلام على هذا بالتفصيل في مبحث مستقل عند الكلام على حكم بيع السندات، فأغنى عن التفصيل هنا.
* * *
стр. 6349
المبحث الثاني
التعامل بالهامش (الشراء بجزء من الثمن)
إذا كان محل البيع أو الشراء هو الأسهم، فإما أن يقوم المشتري بسداد الصفقة نقداً بالكامل، وهذا هو الأصل، وقد سبق لنا حكمه في المبحث السابق.
[ن-١٩٠] وإما أن يقوم المشتري بسداد جزء من الثمن، ثم يقترض الباقي، وهو ما يسمى بالشراء بالهامش.
فالشراء بالهامش، أو الشراء بجزء من الثمن: هو نوع من المعاملات العاجلة، وحقيقته: أن يقوم المستثمر بدفع جزء من ثمن الأسهم التي يريد شراءها من أمواله الخاصة نقداً، ودفع الباقي من أموال مقترضة، ثم رهن تلك الأوراق محل الصفقة كضمان للقرض (١).
فالهامش يطلق على المبلغ النقدي الذي يدفعه المستثمر من أمواله الخاصة (٢).
ونلحظ أن التعامل بالهامش يشبه البيع على المكشوف من حيث إن كليهما يقومان على القرض، ولكنهما يختلفان في نوعية هذا القرض، فالمضارب في البيع على المكشوف يقوم باقتراض الأوراق المالية (الأسهم والسندات) أما في التعامل بالهامش فيقترض المضارب نقوداً ليشتري بها مزيداً من الأوراق المالية التي لم يكن ليستطيع شراءها لولا هذا القرض (٣).
стр. 6350
وأما نسبة الهامش: وتعني المبلغ الذي يملكه المشتري منسوباً إلى مجموع المال المستثمر فهي تختلف باختلاف القواعد واللوائح والنظم الحاكمة للتعامل في مختلف البورصات، وتتراوح عامة بين ٤٠% و ٦٠% وفي بورصة نيويورك حددت النسبة بـ ٥٠% منذ عام ١٩٣٣ م، ولم يختلف الأمر عنه كثيراً حتى الآن (١).
ويتم تحديد هذه النسبة من قبل البنك المركزي، ويستخدم في نشاط السوق عن طريق رفع، أو خفض نسبة الهامش، فإذا لاحظ البنك ارتفاع مستويات الأسعار بصورة غير طبيعية، بسبب ارتفاع حدة المضاربة، فإنه يعمد إلى رفع نسبة الهامش، مما يؤدي إلى انخفاض الطلب على القروض المستخدمة في تمويل هذا النوع من عمليات الشراء، وانخفاض الطلب على الأسهم تبعاً لذلك، وإذا لاحظ ضعف نشاط البورصة بسبب قلة الإقبال على الشراء، خفض نسبة الهامش، بهدف تمكين المتعاملين من الحصول على القروض اللازمة لتمويل عمليات شراء الأسهم، مما يترتب عليه زيادة الإقبال على شراء الأسهم، وتنشيط السوق (٢).
فخلاصة الشراء بالهامش: هو شراء العميل من السمسار أوراقاً مالية ضعف ما كان يشتريه نقداً، وذلك بدفع ٥٠% من قيمة تلك الأوراق، والباقي من القيمة سوف يقوم السمسار بإقراضه بمعدل الفائدة السائد على أن تسجل تلك الأوراق باسم السمسار إلى أن يقوم العميل بسداد قيمة القرض، وتمثل رهناً لديه، يتمكن من بيعه إذا لم يقم المقترض بالوفاء.
стр. 6351
كيفية محاسبة الهامش:
[ن-١٩١] مثال ذلك: شخص يريد أن يشتري (٥٠٠) سهماً، وكانت قيمة السهم ٢٠ ريالاً، فإن قيمة هذه الصفقة ستبلغ ١٠٠٠٠ عشرة آلاف ريال. وهذا يعني أنه لابد أن يدفع ٥٠% من قيمة الصفقة (٥٠٠٠) ريال، ويسمى رصيد المشتري والباقي (٥٠٠٠) ريال يقرضه السمسار بفائدة ربوية ثابتة، ما عدا العمولة والمصاريف الأخرى، ويسمى ما يدفعه السمسار: المبلغ المدين أو الرصيد المدين.
٥٠٠ سهم ×٢٠= ... ١٠.٠٠٠ ريال ... سعر السوق السائد
نسبة الهامش ٥٠% ... ريال ... رصيد (السمسار)
نسبة الهامش ٥٠% ... ريال ... رصيد العميل
فإذا ارتفع سعر السهم إلى (٢٢) ريال للسهم الواحد، ففي هذه الحالة سيكون حساب الهامش كالتالي.
٥٠٠×٢٢ = ... .٠٠٠ ... سعر السوق السائد
نسبة الهامش: ٥٠% ... ٥٠٠٠ ... رصيد السمسار
نسبة الهامش ٥٠% ... ٦٠٠٠ ... رصيد العميل
ففي هذه الحالة بارتفاع سعر السوق، ارتفعت قيمة رصيد المشتري أيضاً، وبما أن رصيد المشتري مرتبط بنسبة الهامش أيضاً فهناك علاوة عليه بعد ارتفاع سعر السهم من ٢٠ إلى ٢٢ ريالاً، وتحسب كالآتي:
علاوة رصيد المشتري = الرصيد الحالي - الرصيد المدين.
٦٠٠٠ - ٥٠٠٠ = ١٠٠٠ ريال.
стр. 6352
ويحق للمشتري الاستفادة من هذه العلاوة، إما بسحبها نقداً، أو الاستفادة منها في شراء عدد آخر من الأسهم، ولهذه العلاوة قوة شرائية مضاعفة، تسمى قوة الشراء، فإذا كانت علاوة رصيد المشتري ألفاً، فإنه يستطيع أن يشتري بها أسهماً بقيمة (٢٠٠٠) ريال، وهكذا كلما ارتفع سعر السوق، كلما زادت قيمة رصيد العميل، وزادت العلاوة عليه أيضاً، وبالتالي تزيد قوة الشراء، وكمية الأسهم المشتراة.
أما إذا نزل سعر ا لسوق إلى (١٨) ريالاً للسهم الواحد مثلاً، ففي هذه الحالة سيكون حساب الهامش كالآتي:
٥٠٠ × ١٨= ... ٩٠٠٠ ريال ... سعر السوق السائد
نسبة الهامش ٥٠% ... ٥٠٠٠ ... رصيد السمسار
نسبة الهامش ٥٠% ... ٤٠٠٠ ... رصيد العميل
وفي هذه الحالة نرى أن رصيد العميل نزل مع نزول قيمة السوق، فهو مطالب بمبلغ (١٠٠٠) لو أراد أن يصفي حسابه، ولكن السمسار لا يطالبه الآن، ويسمى هذا بالطلب الأولي، حيث لا يطالب السمسار عميله بإيداع المبلغ، أو بيع أسهمه ما لم يصل رصيد العميل إلى أقل من ثلث المبلغ المدين رصيد (السمسار) وهذه النسبة تختلف حسب قوانين ا لبورصة، فقد حددت بورصة نيويورك نسبة (٢٥%) ويسمى الهامش الوقائي فإذا أصبح رصيد العميل أقل من ربع رصيد السمسار يقوم السمسار بطلب الكفالة، أو طلب الهامش.
ففي المثال المذكور لو نأخذ بالنسبة التي حددتها بورصة نيويورك، يعني أن رصيد العميل لو وصل إلى أقل من ربع رصيد السمسار أي (١٢٥٠) حينئذ يطلب
стр. 6353
السمسار طلب زيادة الهامش، فنفرض أن سعر السوق لو نزل إلى ١٢ ريال للسهم الواحد، فيكون الهامش كالآتي:
٥٠٠×١٢= ... سعر السوق السائد
نسبة الهامش ٥٠% ... ٥٠٠٠ ... المبلغ المدين
نسبة الهامش ٥٠% ... ١٠٠٠ ... رصيد العميل
فإذا نظرنا إلى رصيد العميل، وهو ألف ريال، فإنه أقل من ربع المبلغ المدين (رصيد السمسار)، ففي هذه الحالة يصدر السمسار طلب زيادة الهامش من عميله، وذلك بدفع مبلغ خلال خمسة أيام يوصل رصيد العميل إلى ربع المبلغ المدين (رصيد السمسار)، أو إصدار أمر لسمساره ببيع جزء من الأوراق محل الصفقة بهدف زيادة نسبة الهامش، فهنا المبلغ المطلوب لا يقل عن ٢٥٠ ريال حتى يرتفع رصيد العميل إلى ١٢٥٠ ريال، وهو ما يعادل ربع المبلغ المدين (رصيد السمسار) (٥٠٠٠)، وإذا نزل سعر السوق أكثر، فالسمسار يطلب هامشاً آخر، فحينئذ يجب على العميل أن يقرر استمراريته على دفع زيادة الهامش، أو أن يصدر أمراً لسمساره بالبيع لجميع أسهمه ليوقف خسارته عند ذلك الحد.
وبهذا يتبين لنا أن الشراء بالهامش في حالة ارتفاع السوق يضاعف ربح العميل، ويضمن للسمسار قرضه، والفائدة عليه، إضافة إلى عمولته. وبالعكس في حالة نزول سعر السوق، يتعرض العميل لخسارة مضاعفة، ولكن وضعية السمسار تبقى ثابتة، فلديه أوراق مالية مرهونة لعميله لتأمين قرضه، ويأخذ فائدته وعمولته أيضاً (١).
* * *
стр. 6354
الفرع الأول
الحكم الفقهي للشراء بالهامش
[ن-١٩٢] عرفنا أن الشراء بالهامش، هو أن يقوم المشتري بدفع جزء من الثمن، والباقي عن طريق القرض، فإن كان القرض من رجل أجنبي، وكان خالياً من الربا، بأن يكون القرض قرضاً حسناً، فإنه لا إشكال في جوازه على الصحيح، وتبقى الكراهة فيه لأمر خارج عن طبيعة المعاملة، متعلقة بحكم الاقتراض للتجارة إذا لم يكن الإنسان محتاجاً، فإن من أهل العلم من يكره أن يشغل الإنسان ذمته بالديون ما لم يكن هناك حاجة.
وهناك من أهل العلم من حرم التعامل بالهامش مطلقاً، وعلل ذلك بأن جوهر عملياته عمليات مضاربة، ويرى أن المضاربة في الأسهم أمر محرم (١).
وتقدم تحرير الخلاف في هذه المسألة، و أن حكم المضاربة في الأسهم حكم الاستثمار فيها، وأن الصحيح جواز ذلك إذا كانت الشركة مباحة في نفسها، ولا تمارس أعمالاً محرمة.
وإن كان القرض من السمسار، فإنه لا يخلو إما أن يكون القرض بفائدة، أو بدون فائدة، فإن كان القرض بفائدة فإن العقد محرم لسببين:
الأول: ارتكاب الربا، وهو من أعظم الكبائر، وقد تكلمنا عن حكم ربا القروض في مباحث الربا، فأغنى عن إعادته هنا.
الثاني: الجمع بين القرض والبيع، في عقد واحد والبيع مشروط في عقد القرض.
стр. 6355
وإن كان القرض بدون فائدة من السمسار كان العقد محرماً لسبب واحد، وهو الجمع بين القرض والبيع، واجتماعهما عن طريق الشرط.
والجمع بين القرض والبيع بالشرط محرم بالإجماع.
(ح-٨٧٨) لما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض وإن كان كل واحد منهما صحيحاً بانفراده؛ لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعاً للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع.
قال ابن تيمية: «نهى - يعني النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح وإنما ذاك ; لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفاً، ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفاً، وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا» (٣).
стр. 6356
وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض.
قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (١).
قال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (٢).
وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (٣).
وقال الزركشي في البحر المحيط: «وبالإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين للذريعة إليها» (٤).
كما حكى الإجماع على التحريم ابن قدامة في المغني (٥) وغيرهم.
ولأن اشتراط البيع في عقد القرض، أو العكس يخرج القرض عن موضوعه، وذلك أن القرض من عقود الإحسان والإرفاق، يجوز فيه ما لا يجوز في البيع من مبادلة الربوي بمثله مع عدم التقابض، فإذا ارتبط بعقد البيع أخرج عقد القرض عن موضوعه ومقتضاه، وهو الإرفاق والإحسان، وهذا لا يجوز.
* * *
стр. 6357
الفرع الثاني
إمكانية تصحيح الشراء بالهامش
[ن-١٩٣] المحذور من الشراء بالهامش هو الوقوع في الربا، سواء كان المحذور هو الزيادة المشروطة في عقد القرض، أو كان المحذور هو الجمع بين البيع والقرض، وذلك أن النهي عن الجمع بين البيع والقرض إنما هو لمظنة الوقوع في الربا. كما ذكر ذلك ابن تيمية بأنه إنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإن كان كل واحد منهما صحيحاً بانفراده؛ لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعاً للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى الشارع عن الجمع بين البيع والقرض (١).
فإذا كان المحذور في الشراء بالهامش هو الوقوع في الربا، فهل نقول: إن العقد باطل، وكل ما ترتب على الباطل فهو باطل؟
أو نقول: إن العقد فاسد، كما هو مذهب الحنفية في التفريق بين الباطل والفاسد، وهذا يعني إمكانية تصحيحه، وذلك برد الزيادة فقط؛ لأن عقد الربا إنما هو محرم لوصفه، وليس لذاته؛ لأن التحريم إنما كان لأجل الزيادة، وهي صفة في العقد، فإذا رد العاقد الزيادة المحرمة أصبح العقد صحيحاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩].
هذه مسألة خلافية، وقد سبق تحرير القول فيها في عقد الربا فأغنى عن إعادته هنا.
стр. 6358
الفرع الثالث
في رهن الأسهم
[ن-١٩٤] لما كان الشراء بالهامش يرتبط به مسألة رهن الأوراق المالية كضمان للقرض، ناسب أن أبحث هذه المسألة هنا، فما حكم رهن الأسهم؟
وللجواب على ذلك أقول:
لما كان السهم يمثل حصة مشاعة في رأس مال الشركة، وفي موجوداتها، فإن حكم رهنه يرجع إلى الخلاف في حكم رهن الحصة المشاعة. وهي مسألة خلافية. والخلاف فيها كالتالي:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز رهن المشاع مطلقاً، سواء كان من الشريك، أو من أجنبي، وسواء أمكنت قسمته أم لا، وسواء كان الشيوع طارئاً أم مقارناً للعقد (١).
وبناء عليه فلا يصح رهن الأسهم على قول من اعتبر الأسهم حصة مشاعة في رأس مال الشركة، وفي موجوداتها.
القول الثاني:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم
стр. 6359
من الظاهرية (١)، إلى صحة رهن المشاع مطلقاً، أي سواء أمكنت قسمته أم لا، وسواء كان الرهن من الشريك أو من أجنبي، وسواء كان الشيوع طارئاً أم مبتدأ مقارناً للعقد.
وبناء على هذا القول فإنه يجوز رهن الأسهم.
القول الثالث:
ذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أن الشيوع إن كان مقارناً للعقد لم يصح رهن المشاع، وإن كان الشيوع طارئاً صح (٢).
مثال الشيوع الطارئ: كما لو رهن أحد عيناً لا تقبل القسمة معتقداً أن العين كلها ملكه، ثم ظهر بعد ذلك مستحق لنصف العين المرهونة.
القول الرابع:
اختار بعض أهل العلم إلى أن المشاع إن كان مما لا يقبل القسمة صح رهنه، وإن كان مما يقبلها لم يصح، وهذا القول منسوب إلى الحسن بن صالح (٣)، والقاضي أبي يعلى من الحنابلة (٤).
دليل الحنفية على أنه لا يصح رهن المشاع:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣].
стр. 6360
وجه الاستدلال:
دلت الآية على أن الرهن لا يكون إلا مقبوضاً، وذلك أن موجب الرهن الحبس الدائم للمرهون حتى الإبراء أو الوفاء؛ وذلك لأن المقصود من الرهن إنما هو التوثق لاستيفاء المرتهن دينه عند مطل الراهن، أو إفلاسه، وبه يأمن المرتهن على ماله من الضياع، وهذا لا يحصل إلا بثبوت الحبس الدائم، ولا يتصور الحبس الدائم في المشاع؛ لأنه يبطل بالمهايأة، فينتفع المالك يوماً بحكم الملك، ويحفظه المرتهن يوماً بحكم الرهن، فكأنه رهنه يوماً، ويوماً لا. وإذا كان لا يمكن حبس المشاع دائماً لم يصح رهن المشاع.
ولا فرق في ذلك بين الشريك والأجنبي، أما الأجنبي فلما تقدم، وأما الشريك فلأن دوام الحبس الذي هو موجب الرهن متعذر مع الشريك أيضاً؛ لأنه ينتفع به يوماً بحكم الملك، ويحبسه المرتهن يوماً بحكم الرهن، فكأن الراهن رهنه يوماً، ويوماً لا. وبهذا يفوت دوام الحبس (١).
ونوقش هذا من وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم أن القبض شرط لصحة الرهن، لأن الله تعالى ذكر أعلى أنواع الاستيثاق، وهو القبض؛ لأنهم في حالة السفر، وعدم وجود الكاتب، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]. فإذا جاز الرهن في الحضر، ومع وجود الكاتب، جاز الرهن مقبوضاً وغير مقبوض.
стр. 6361
الوجه الثاني:
لا نسلم أن موجب الرهن الحبس الدائم، بل موجبه ومقصوده استيفاء الدين من ثمنه عند تعذره من غيره، والمشاع قابل لذلك.
الوجه الثالث:
قال الماوردي: « ... وأما قولهم: إن ذلك يقتضي أن يكون يوماً رهناً، ويوماً غير رهن فغير صحيح؛ لأنه رهن في جميع الأيام، وقبضه حكماً مستدام، وخروجه في يوم المهايأة من يده لا يزيل حكم قبضه عنه، وإن حصل في يد غيره، فصار كمن رهن شيئاً على أن يكون في يد مرتهنه يوماً، وعند عدل يوماً لم يمنع ذلك من صحة الرهن» (١).
الدليل الثاني:
أن حكم الرهن ثبوت يد الاستيفاء على ما تناوله العقد، لأنه وثيقة شرعت للاستيفاء، وهذا غير متصور في المشاع؛ لأن يد الاستيفاء لا تثبت إلا على معين، والمشاع غير معين.
ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
أن ثبوت اليد على المرهون المشاع ممكن، كأن يرضى الشريك بوضعه في يد المرتهن، أو يضعه الحاكم عند التنازع في يد عدل.
الوجه الثاني:
القول بأن المشاع غير معين، وغير المعين لا يمكن قبضه غير مسلم، لأنه
стр. 6362
يلزم على هذا القول أن يكون كل واحد من الشريكين غير قابض للمشاع، ولو كانا غير قابضين لكان مهملاً، لا يد لأحد عليه، وهذا لا يتصور.
قال ابن حزم: «وصفة القبض في الرهن وغيره -: هو أن يطلق يده عليه فما كان مما ينقل نقله إلى نفسه وما كان مما لا ينقل كالدور والأرضين أطلقت يده على ضبطه كما يفعل في البيع وما كان مشاعاً كان قبضه له كقبض صاحبه لحصته منه مع شريكه ولا فرق، ولو كان القبض لا يصح في المشاع لكان الشريكان فيه غير قابضين له، ولو كانا غير قابضين له لكان مهملاً، لا يد لأحد عليه، وهذا أمر يكذبه الدين، والعيان، أما الدين فتصرفهما فيه تصرف ذي الملك في ملكه، وأما العيان، فكونه عند كل واحد منهما مدة يتفقان فيها، أو عند من يتفق على كونه عنده» (١).
دليل الجمهور على صحة رهن المشاع مطلقاً:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع يمنع من رهن المشاع، والأصل الصحة حتى يثبت العكس.
الدليل الثاني:
أن الغرض من الرهن كونه وسيلة من وسائل توثيق الدين، ليستوفي الدائن منه أو من ثمنه إذا تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، وهذا حاصل في المشاع.
الدليل الثالث:
أن كل عين جاز بيعها جاز رهنها، والمشاع يصح بيعه، فيصح رهنه.
стр. 6363
الدليل الرابع:
أن قبض كل شيء بحسبه، فقبض العقار يختلف عن قبض المنقول، وقبض العروض يختلف عن قبض الدراهم والدنانير، فكذلك قبض المشاع يكفي فيه القبض الحكمي، وهو ما يؤدي إلى منع تصرف الراهن في الرهن إلى حين الإبراء أو السداد.
دليل من فرق بين الشيوع الطارئ والشيوع المقارن:
استدلوا بالقاعدة التي تقول: البقاء أقوى من الابتداء؛ لأن الاستدامة سهلة بخلاف الابتداء، ومن ثم فإن الشارع فرق بين الطارئ والمقارن في كثير من الأحكام، كالعادة الطارئة، والإباق الطارئ، وصيرورة المرهون ديناً في ذمة غير المرتهن.
دليل من فرق بين ما يقبل القسمة وما لا يقبلها:
لا أعرف له دليلاً، لكن يمكن أن يستدل له بأن ما يقبل القسمة يمكن قبض عينه بقسمته، فلم يصح رهنه حال كونه مشاعاً، بخلاف ما لا يقبل القسمة فلا يمكن قبض عينه، فجاز رهنه لاستحالة قسمته. والله أعلم.
الراجح قول الجمهور، وأنه يصح رهن المشاع مطلقاً، والله أعلم.
* * *
стр. 6364
المبحث الثالث
البيع على المكشوف (البيع القصير)
الفرع الأول
في تعريف البيع على المكشوف
تعريف البيع على المكشوف:
الأصل في المعاملات أن تشترى الورقة المالية أولاً، ثم تباع فيما بعد، غير أن هناك نمطاً آخر من المعاملات يقوم به المضاربون، وفيه تباع الورقة أولاً، ثم تشترى فيما بعد عندما تنخفض قيمتها السوقية عن القيمة التي سبق أن بيعت بها ويسمى هذا النوع من المعاملات البيع على المكشوف، أو البيع القصير. ويستخدم الاقتصاديون في أسواق الأوراق المالية لفظ: طويل وقصير لبيان نوع الصفقات، وليس المقصود من الطول والقصر في هذا البيع طول أو قصر الفترة الزمنية، وإنما يتعلق بالهدف من البيع والاستثمار.
فالمراد بالبيع الطويل: شراء الأسهم والاحتفاظ بها للحصول على الربح، أو بيعها للحصول على الزيادة في أسعارها.
أو هو بيع أوراق مالية بعد التملك الفعلي، ففيه يشتري العميل الأوراق المالية متوقعاً ارتفاع أسعارها، فيشتري بسعر منخفض ليبيع بسعر أعلى منه.
أما البيع القصير، أو البيع على المكشوف فهو بيع أوراق مالية لا ينوي البائع تسليمها من حافظته المالية، إما لأنه لا يملكها أساساً، أو لأنه يملكها، ولا ينوي أن يسلمها وقت البيع، فهو نوع من البيوع العاجلة.
стр. 6365
وعليه يعرف البيع على المكشوف بأنه:
قيام شخص ببيع أوراق مالية لا يملكها عن طريق اقتراضها من آخرين (شركة السمسرة، أو شخص آخر) واحتفاظ السمسار بالثمن لديه كرهن للأسهم التي اقترضها، ثم الالتزام بإعادة شرائها، وتسليمها للمقرض في وقت محدد.
ويحصل المضارب على الفرق بين سعر البيع وسعر الشراء، كما يحصل السمسار على العمولة، وعلى فائدة القرض، والانتفاع من قيمة الرهن باستثمارها باعتبارها أموالاً لا يدفع عليها فوائد، إضافة إلى أنه سيحصل على مثل قيمة التوزيعات النقدية للأسهم محل الصفقة من البائع فيما لو استحقت تلك التوزيعات قبل إقفال حساب العميل (١).
مثاله:
(١) ـ إذا توقع شخص ما أن سهم شركة من الشركات والذي يباع حالياً بـ ٣٠ ريالاً سوف يهبط سعره في السوق بعد شهر إلى ٢٠ ريالاً، فيعطي أوامره للسمسار الذي يتعامل معه بأن يبيع له على المكشوف ١٠٠ سهم، بالسعر الجاري والذي يبلغ ٣٠ ريالاً.
وهذا يعني الاتفاق بين البائع والسمسار على أن يقوم السمسار بإقراض البائع هذه الأسهم، أو أن يقوم باقتراضها له من طرف آخر.
والأسهم التي يقرضها السمسار إما أن تكون مملوكة له، وإما أن تكون مملوكة لعملاء آخرين يحتفظ بها السمسار رهناً لديه من عمليات أخرى.
стр. 6366
(٢) ـ هذا القرض قابل للاستدعاء في أي وقت من كلا الطرفين، فإذا أراد المقترض (البائع على المكشوف) أن يرده لم يكن للمقرض أن يمتنع عن التسليم، أما إذا كان المقرض هو الذي يريد استرداد الأسهم التي أقرضها، فإنه يلزم المقترض أن يسلمها له خلال ٢٤ ساعة إما بشرائها من السوق، وإما باقتراضها من طرف آخر، وعادة ما يلعب السمسار دوراً في هذا الشأن إذ يقوم بنفسه بالبحث عن طرف آخر يقترض منه ذات الأسهم لحساب العميل، وهي مسألة لا تستغرق وقتاً، ولا تخرج عن كونها استبدال مقرض بمقرض آخر.
(٣) ـ يقوم السمسار بالبحث عن مشتر يشتري تلك الأسهم، ويعقد معه الصفقة.
(٤) ـ يقبض السمسار الثمن من المشتري، ولكن لا يسلمه إلى البائع، وإنما يبقى رهناً عند مقرض الأسهم (سواء كان ذلك هو السمسار أو رجلاً أجنبياً) ليكون رهناً عنده إلى حين الوفاء بالقرض، على أن للمقرض أن ينتفع بهذا الثمن، ويستثمره في وجوه الاستثمار، دون أن يدفع عليه فوائد، وإذا تم توزيع أرباح للأسهم بعد أن قام السمسار بتسليم الأسهم للمشتري فإن الأرباح ستكون من نصيب المشتري وليس من حق المقرض على أن توزيع الأرباح إذا تم قبل إقفال حساب البائع فإن على البائع أن يعوض المقرض عن هذه الأرباح التي ذهبت للمشتري وذلك بدفع مثلها للمقرض، وهذا يمثل تكاليف أخرى على المقترض، وفوائد محرمة بالنسبة للمقرض.
(٥) ـ يلتزم المقترض بتقديم رهن إضافي من النقود أو الأوراق المالية يسمى بالهامش، ويمثل نسبة معينة من قيمة الصفقة خشية أن ترتفع الأسهم ارتفاعاً لا يكون معه الثمن الذي وضع رهناً تحت تصرف المقرض كافياً لشراء أسهم
стр. 6367
مماثلة، فإذا كان الهامش المحدد ٦٠% فهذا يعني أن على المقترض أن يدفع للمقرض ٣٠٠٠×٦٠% = ١٨٠٠ أو أوراقاً مالية بهذه القيمة.
(٦) ـ إذا حان موعد تصفية العملية خلال المدة المتفق عليها بين البائع والسمسار، فإن صدقت توقعاته، وانخفض سعر سهم الشركة إلى ٢٥ ريالاً فإن بإمكانه أن يقفل مركزه لدى السمسار، وذلك بإعطائه أمراً بشراء الأسهم من السوق بالسعر السائد ١٠٠ × ٢٥ = ٢٥٠٠ ريال، وتسليمها للمقرض (سواء كان السمسار نفسه أو شخصاً آخر) على أن يسترد البائع المبلغ الذي رهنه، وهو المبلغ الذي سبق أن باع به الأسهم (٣٠٠٠) محققاً ربحاً وقدره خمسة ريالات في كل سهم فيكون مجموع ما ربحه ١٠٠× ٥= ٥٠٠.
وسيكون هامش الضمان المطلوب هو ٢٥٠٠×٦٠%= ١٥٠٠ وحيث إن المقترض سبق أن دفع ١٨٠٠ ريال فإن بإمكانه أن يسحب ٣٠٠ ريال من هامش الضمان.
أما إذا لم تصدق توقعاته، وارتفع سعر السهم إلى ٤٠ ريالاً فإن عليه أن يدفع قيمة الأسهم السوقية ١٠٠×٤٠= ٤٠٠٠ فتكون خسارته في كل سهم عشرة ريالات، ويكون مقدار ما خسره في مجموع الصفقة ١٠٠×١٠=١٠٠٠ ريال إضافة إلى مصاريف وعمولة السمسار.
وسيتغير مقدار هامش الضمان ٤٠٠٠×٦٠%= ٢٤٠٠ وحيث إن المقترض سبق أن دفع ١٨٠٠ ريال، فإن عليه أن يضيف إلى الحساب ٢٤٠٠ ـ ١٨٠٠= ٦٠٠ ريال.
وبصفة عامة فإن هذا النوع من التعامل يقصد به المضاربة، ويعمد إليه كبار المتخصصين الذين يحاولون التحكم في أسعار الأوراق المالية، الأمر الذي
стр. 6368
جعل بعض الكتاب الأوربيين يصف هذا النوع من التعامل بأنه شر محض يجب إلغاؤه (١).
فإذا عرفنا ذلك نستطيع أن نلخص الخطوات التي يتم فيها مثل هذا النوع من العمليات:
(١) بيع المضارب أسهماً لا يمتلكها.
(٢) إتمام العملية بتسليم أسهم مقترضة من السمسار أو من شخص آخر، وقد يقرض السمسار أوراقاً محفوظة لديه مملوكة للغير بدون علمهم.
(٣) رهن ثمن هذه الصفقة إلى حين سداد القرض.
(٤) انتفاع المقرض من الرهن بالاستثمار فيه.
(٥) شراء المقترض مثل هذه الأسهم فيما بعد.
(٦) إعادة الأسهم المشتراة في المدة المتفق عليها، سواء كان رابحاً أم خاسراً.
(٧) الاستفادة من فارق السعر إن صدق توقعه، وانخفضت قيمة الأسهم، أو الخسارة إذ ا لم يصدق توقع المضارب، وارتفعت قيمة الأسهم.
(٨) البيع على المكشوف قد يكون من العمليات العاجلة وقد يكون من العمليات الآجلة حسب طبيعة العقد، فإن كان البائع يبيع أوراقاً لا يملكها يقترضها من السمسار أو من غيره، ويكون ملزماً بتسليم هذه الأوراق المالية المقترضة إلى المشتري حالاً، ولا يتأخر التسليم إلا تبعاً لنوع الإجراءات التي تتبع في كل بورصة فهذه من العمليات العاجلة.
стр. 6369
وإن كان البائع يبيع أسهماً لا يملكها وقت التعاقد، ولا يكون ملزماً بتسليمها وقت العقد، وإنما عليه أن يقوم بشرائها من السوق وتسليمها للمشتري في وقت يتفق عليه يسمى يوم التصفية فهذه من العمليات الآجلة، والله أعلم (١).
ولهذا النوع من المعاملات مخاطر غير محسوبة، فربح البائع على المكشوف محدود، وأما خسارته فغير محدودة، وذلك لأن ربح البائع متوقف على هبوط أسعار الأسهم، وهبوط السعر أقصى ما يمكن أن يبلغه أن تكون قيمة السهم صفراً لا تساوي شيئاً، وهو أمر مستبعد حتى في أسوأ الأحوال وهنا يحقق البائع على المكشوف أعلى ربح يمكن أن يصل إليه بأن يكون ربحه مساوياً لقيمة متحصلات بيع الأسهم على المكشوف، فإذا كان قد باع الأسهم بقيمة سوقية ٣٠٠٠ ريال فإن ربحه الكلي سيصبح ٣٠٠٠ ريال، ولا يمكن أن يكون ربحه أعلى من ذلك، وهو ربح محدود كما ترى.
وأما خسارته المحتملة في البيع على المكشوف فإنها غير محددة، وذلك لأنه لا يوجد حد لارتفاع أسعار الأسهم، وكلما ارتفع سعر الأوراق المقترضة كلما كبر مقدار الخسارة.
ومما يزيد من احتمال خسارة البائع على المكشوف أن المشترين لهذه الأسهم سوف يساهمون بدورهم على رفع قيمة السهم تبعاً لقانون الطلب، ويقللون من وجودها في الأسواق إلا عند المشترين أنفسهم حتى إذا أراد البائعون شراءها لتسديد قروضهم اضطروا إلى شرائها بأي سعر يعرضه المشترون حتى يتمكنوا من تسليم الأسهم إلى مقرضيها.
стр. 6370
وقد يدخل مثل هذه المعاملات التلاعب عن طريق جماعات الضغط في البورصة (المتخصصون وأعضاء بورصة الأوراق المالية) فإذا شاركوا في عمليات البيع على المكشوف فإنهم يقومون ببيع كميات كبيرة من الأوراق المالية على المكشوف مما يعرض هذه الأسهم للهبوط تبعاً لقانون العرض، فيقومون بشرائها مرة أخرى بأسعار منخفضة ويحققون بذلك مكاسب مالية، أما إذا لم يشاركوا في هذا البيع فإنهم يمتنعون عن بيع مثل هذه الأسهم وذلك لإحراج البائعين على المكشوف، فيضطر هؤلاء لشراء تلك الأوراق بأي سعر يفرضه هؤلاء المتلاعبون بالأسعار (١).
стр. 6371
الفرع الثاني
الأحكام الفقهية للبيع على المكشوف
المطلب الأول
حكم البيع على المكشوف
[ن-١٩٥] اختلف الباحثون المعاصرون في حكم البيع على المكشوف على قولين:
القول الأول:
ذهب عامة أهل العلم المعاصرين إلى أن البيع على المكشوف بصورتها الموجودة في البورصة لا يجوز شرعاً.
وقد قال بهذا القول كل من الشيخ علي القره داغي، والشيخ مبارك آل سليمان، والشيخ عطية فياض، والشيخ خورشيد إقبال، والأستاذ أحمد محيى الدين أحمد وغيرهم (١).
وجه القول بالتحريم:
أن هذا العقد من العقود المركبة، وغالب هذه العقود هي عقود محرمة، منها ما يدخل تحت بيع الإنسان ما لا يملك، ومنها ما يدخل في التصرف في ملك
стр. 6372
الغير بلا إذنه، ومنها ما يدخل تحت مسألة: اشتراط الانتفاع بالرهن من المرتهن فيدخل تحت مسألة: أسلفني أسلفك، فالسمسار يسلف البائع هذه الأسهم على أن يسلفه البائع قيمتها، ومنها اجتماع القرض مع البيع.
وكل هذه العقود سوف أفردها بالبحث في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
القول الثاني:
ذهب بعض الباحثين إلى جواز البيع على المكشوف، منهم عبد الكريم الخطيب (١)، وعلي عبد القادر (٢).
وجه من قال بالجواز:
الوجه الأول:
حمل النهي عن بيع ما ليس عند البائع على النصح والإرشاد.
ويناقش:
بأن الأصل في النهي التحريم، ولا يوجد ما يصرفه عن ذلك.
الوجه الثاني:
توصيف البيع على المكشوف بأنه من باب بيع الشيء قبل قبضه، وهذا أمر مختلف فيه بين موسع ومضيق، وتأسيساً على ذلك فإن هذا يعد أمراً جائزاً لا غرر فيه.
стр. 6373
ويناقش:
بأن البيع على المكشوف الصحيح أنه من بيع الإنسان ما لا يملك، وليس من باب بيع الشيء قبل قبضه، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن النهي عن بيع غير المملوك في المعاملات القديمة إنما كان ذلك لكونه ينطوي على غرر ومخاطرة، وأما سوق البورصة فإن التعامل بها يختلف اختلافاً كبيراً فهي تخضع لرقابة صارمة تجعل بيع غير المملوك ليس محلاً للمخاطرة.
ويجاب:
بأن التعامل في سوق البورصة يجري فيه من النجش والتلبيس أكثر مما يجري في المعاملات القديمة، وكم حدثت فيها من الانهيارات المالية مما يدل على أنها سوق عالية الخطورة، وليست محلاً للثقة والطمأنينة كما يدعي القائل، والله أعلم.
الراجح الذي لا ينبغي غيره هو القول بالتحريم، والله أعلم.
* * *
стр. 6374
المطلب الثاني
في العقود المقترنة في البيع على المكشوف
المسألة الأولى
في إقراض الأسهم
الصورة الأولى
أن يكون اقتراض الأسهم من السمسار
[ن-١٩٦] يحف البيع على المكشوف عدة عقود مختلطة، بعضها حلال، وبعضها حرام، وحتى يمكن الوقوف على حكمها لابد من الحكم على هذه العقود عقداً عقدا.
فهنا في هذا المبحث سوف نتكلم عن حكم اقتراض الأسهم في البيع على المكشوف.
فإنه من المعلوم أن البيع على المكشوف قائم على بيع أوراق مالية تم اقتراضها ولم يكن يملكها البائع، فإن كانت الأسهم مقترضة من السمسار الذي باشر العقد، فإن البيع على المكشوف غير جائز لكون العقد قد جمع بين قرض (وهو عقد تبرع) وسمسرة (وهو عقد معاوضة)، وإذا كان ذلك مشروطاً في عقد القرض حرم إجماعاً كما سبق بيانه عند الكلام على اجتماع العقود في عقد البيع.
(ح-٨٧٩) لما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ -
стр. 6375
عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز.
قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (٣).
قال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا «(٤).
وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (٥).
ومثل البيع سائر عقود المعاوضات كالإجارة، وعقد السمسرة نوع منها.
ويتأكد التحريم إذا كانت الأسهم المقترضة غير مملوكة للسمسار، كم لو كانت مرهونة عنده، ولم يأذن الراهن في قرضها؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه.