الفرع الثاني
الأحكام الفقهية للبيع على المكشوف
المطلب الأول
حكم البيع على المكشوف
[ن-١٩٥] اختلف الباحثون المعاصرون في حكم البيع على المكشوف على قولين:
القول الأول:
ذهب عامة أهل العلم المعاصرين إلى أن البيع على المكشوف بصورتها الموجودة في البورصة لا يجوز شرعاً.
وقد قال بهذا القول كل من الشيخ علي القره داغي، والشيخ مبارك آل سليمان، والشيخ عطية فياض، والشيخ خورشيد إقبال، والأستاذ أحمد محيى الدين أحمد وغيرهم (١).
وجه القول بالتحريم:
أن هذا العقد من العقود المركبة، وغالب هذه العقود هي عقود محرمة، منها ما يدخل تحت بيع الإنسان ما لا يملك، ومنها ما يدخل في التصرف في ملك
стр. 6372
الغير بلا إذنه، ومنها ما يدخل تحت مسألة: اشتراط الانتفاع بالرهن من المرتهن فيدخل تحت مسألة: أسلفني أسلفك، فالسمسار يسلف البائع هذه الأسهم على أن يسلفه البائع قيمتها، ومنها اجتماع القرض مع البيع.
وكل هذه العقود سوف أفردها بالبحث في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
القول الثاني:
ذهب بعض الباحثين إلى جواز البيع على المكشوف، منهم عبد الكريم الخطيب (١)، وعلي عبد القادر (٢).
وجه من قال بالجواز:
الوجه الأول:
حمل النهي عن بيع ما ليس عند البائع على النصح والإرشاد.
ويناقش:
بأن الأصل في النهي التحريم، ولا يوجد ما يصرفه عن ذلك.
الوجه الثاني:
توصيف البيع على المكشوف بأنه من باب بيع الشيء قبل قبضه، وهذا أمر مختلف فيه بين موسع ومضيق، وتأسيساً على ذلك فإن هذا يعد أمراً جائزاً لا غرر فيه.
стр. 6373
ويناقش:
بأن البيع على المكشوف الصحيح أنه من بيع الإنسان ما لا يملك، وليس من باب بيع الشيء قبل قبضه، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن النهي عن بيع غير المملوك في المعاملات القديمة إنما كان ذلك لكونه ينطوي على غرر ومخاطرة، وأما سوق البورصة فإن التعامل بها يختلف اختلافاً كبيراً فهي تخضع لرقابة صارمة تجعل بيع غير المملوك ليس محلاً للمخاطرة.
ويجاب:
بأن التعامل في سوق البورصة يجري فيه من النجش والتلبيس أكثر مما يجري في المعاملات القديمة، وكم حدثت فيها من الانهيارات المالية مما يدل على أنها سوق عالية الخطورة، وليست محلاً للثقة والطمأنينة كما يدعي القائل، والله أعلم.
الراجح الذي لا ينبغي غيره هو القول بالتحريم، والله أعلم.
* * *
стр. 6374
المطلب الثاني
في العقود المقترنة في البيع على المكشوف
المسألة الأولى
في إقراض الأسهم
الصورة الأولى
أن يكون اقتراض الأسهم من السمسار
[ن-١٩٦] يحف البيع على المكشوف عدة عقود مختلطة، بعضها حلال، وبعضها حرام، وحتى يمكن الوقوف على حكمها لابد من الحكم على هذه العقود عقداً عقدا.
فهنا في هذا المبحث سوف نتكلم عن حكم اقتراض الأسهم في البيع على المكشوف.
فإنه من المعلوم أن البيع على المكشوف قائم على بيع أوراق مالية تم اقتراضها ولم يكن يملكها البائع، فإن كانت الأسهم مقترضة من السمسار الذي باشر العقد، فإن البيع على المكشوف غير جائز لكون العقد قد جمع بين قرض (وهو عقد تبرع) وسمسرة (وهو عقد معاوضة)، وإذا كان ذلك مشروطاً في عقد القرض حرم إجماعاً كما سبق بيانه عند الكلام على اجتماع العقود في عقد البيع.
(ح-٨٧٩) لما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ -
стр. 6375
عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز.
قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (٣).
قال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا «(٤).
وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (٥).
ومثل البيع سائر عقود المعاوضات كالإجارة، وعقد السمسرة نوع منها.
ويتأكد التحريم إذا كانت الأسهم المقترضة غير مملوكة للسمسار، كم لو كانت مرهونة عنده، ولم يأذن الراهن في قرضها؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه.
стр. 6376
الصورة الثانية
أن يكون اقتراض الأسهم من غير السمسار
[ن-١٩٧] إذا كانت تلك الأسهم مقترضة من غير السمسار، كما لو كان المقرض رجلاً أجنبياً فإن هذا الفعل يكون جائزاً على القول بجواز إقراض الأسهم، وهي مسألة خلافية، ويرجع الخلاف فيها إلى أمرين:
الأمر الأول: الاختلاف في توصيف السهم .
وقد سبق لنا تحرير الخلاف في هذه المسألة، ورجحنا أن السهم يمثل حصة شائعة في رأس مال الشركة، وموجوداتها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
الأمر الثاني: الاختلاف في إقراض المال القيمي .
فمن المعلوم أن المال ينقسم إلى قسمين: مثلي وهو: «كل ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به (١).
كالمكيل والموزون، والعدديات المتقاربة.
ومال قيمي: «وهو ما لا يوجد له مثل في السوق، أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به» (٢).
فإذا كان المال مثلياً صح أن يكون ديناً في الذمة بالاتفاق، لأنه يمكن للمقترض أن يرد مثله، ولأنه ينضبط بالصفة، كما جاء في الحديث: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، على خلاف بين العلماء في بعض الأموال هل هي مثلية أو غير مثلية كالخلاف في الحيوان؟
стр. 6377
وأما المال القيمي، فهل يثبت ديناً في الذمة، مع أنه لا يمكن للمقترض أن يرد مثله؟
[م-١٢٦٧] اختلف العلماء في إقراض المال القيمي على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
المال القيمي لا يثبت ديناً في الذمة، وهو مذهب الجمهور، وأصح القولين في مذهب الشافعية.
القول الثاني:
يجوز قرض كل شيء إلا الجواري، وهو قول في مذهب المالكية.
القول الثالث:
يجوز قرض غير المثلي، ويرد بدلا منه قيمته، وهو قول في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، وهو الراجح.
وقد حررت هذه المسألة وذكرت أدلتها في عقد البيع، في باب أحكام المعقود عليه، فلله الحمد.
والخلاف في إقراض السهم راجع إلى الاختلاف، هل السهم مثلي، أو قيمي، أو بحسب ما يمثله، وقد سبق الخلاف في هذه المسألة، ورجحت أن السهم بحسب ما يمثله.
فمن قال: إن السهم مثلي جاز إقراضه مطلقاً.
ومن قال: إنه قيمي كان الخلاف في إقراضه راجعاً إلى الخلاف في إقراض المال القيمي، وقد علمت الخلاف فيه.
ومن قال: إنه بحسب ما يمثله، فإن كان مال الشركة كله أو أغلبه مثلياً
стр. 6378
جاز إقراضه، وإن كان قيمياً كان الخلاف فيه كالخلاف في إقراض المال القيمي.
[ن-١٩٨] إذا علم ذلك، فإن الخلاف في إقراض السهم بين الباحثين المعاصرين جرى كالتالي:
القول الأول:
لما كان السهم يمثل حصة شائعة في رأس مال الشركة، وفي موجوداتها، فإنه يجوز إقراضه إذا كان يمثل أموالاً مثلية، ولا يجوز إقراضه إذا كان يمثل أموالاً قيمية، بناء على أن المال القيمي لا يجوز إقراضه. وهذا اختيار الشيخ الصديق محمد الضرير (١).
وبناء على هذا القول:
فإنه يجوز إقراض السهم إذا كان يمثل نقوداً فقط، لأن إقراض النقود جائز، وهي مال مثلي، فإذا انتهى أجل القرض وجب عليه رد المبلغ، ويتم هذا برده لمثل السهم إن كانت موجودات الشركة باقية كما هي لم تتغير، أو رده للقيمة الاسمية للسهم.
وإن كان السهم يمثل أعياناً وكانت الأعيان مثلية، فإن إقراض المال المثلي جائز، فإذا حل أجل القرض وجب على المقترض أن يرد مثل السهم إن كانت الأعيان الموجودة مثل الأعيان يوم القرض، فإذا رد مثل السهم الذي أخذ من المقرض فقد برئت ذمته؛ لأنه يكون قد رد إلى المقرض مثل ما اقترضه منه.
أما إذا تغيرت موجودات الشركة فأصبحت مثليات من نوع آخر فإن على
стр. 6379
المقترض أن يرد إلى المقرض مثل ما اقترض منه، ويبقى السهم ملكاً للمقترض، ولا تبرأ ذمته برد السهم.
فإن كان السهم يمثل أعياناً قيمية أو كان بعضها قيمياً وبعضها مثلياً لم يجز إقراض السهم بناء على أن إقراض القيمي غير جائز.
فإن كان السهم يمثل أعياناً ونقوداً وديوناً فإن الحكم يكون بحسب الأغلب، ويكون ما عداه تابعاً له يأخذ حكمه، ويكون الصنف غالباً إذا زاد على ثلثي موجودات الشركة.
القول الثاني:
يرى أن السهم مال مثلي مطلقاً بصرف النظر عما يمثله، وبالتالي يجوز إقراضه في كل حال، ويرد مثله، وهذا رأي الدكتور أحمد الخليل.
يقول الشيخ أحمد: «ويمكن القول إن السهم مهما كان، أي سواء كانت موجودات الشركة مثلية، أو قيمية، فهو بحد ذاته مثلي؛ لأن الإنسان يستطيع إذا اقترض خمسين سهماً مثلاً من أي شركة كانت أن يرد خمسين سهماً من أسهم هذه الشركة، ويكون قد رد مثل ما أخذ تماماً، وعلى هذا التقدير يجوز إقراض الأسهم عند الفقهاء جميعاً بهذا الاعتبار» (١).
القول الثالث:
يرى أن إقراض السهم إنما هو لقيمته المالية في السوق، وليس لما يمثله السهم في رأس مال الشركة أو في موجوداتها، فإذا اقترض أسهماً جاز وكان كما لو اقترض قيمتها السوقية، فإذا أراد أن يرد القرض رد بدله نقوداً تعادل قيمة الأسهم السوقية وقت القرض.
стр. 6380
وهذا هو اختيار الشيخ محمد المختار السلامي (١).
القول الرابع:
مثل قول الشيخ السلامي، إلا أنه اختلف معه في كيفية رد القرض. فهذا القول يرى أن القرض إنما هو متجه لقيمة السهم السوقية، وهي الواجبة في ذمة المقترض، فإذا حل الأجل فإن كانت قيمة السهم السوقية لم تتغير، فمجرد رد السهم يكون مبرئاً لذمة المقترض، وإن كانت قد تغيرت قيمة السهم السوقية فالواجب رد القيمة السوقية الأولى، غير أنه إذا كان التغير بالنقصان، وقبل المقرض فإنه يجوز، ويعتبر متنازلاً عن بعض حقه، أما إذا كان التغير بالزيادة
стр. 6381
فإن رد السهم لا يجوز إذا كان الشرط مشروطاً في العقد أو معروفاً، ويجوز إذا لم يوجد شرط ولا عرف يقضي بالرد مع الزيادة؛ لأن الزيادة في هذه الحالة تكون من حسن القضاء (١).
وقد نوقش القول بأن القرض هو للقيمة السوقية من وجوه:
الوجه الأول:
أن ما ذكروه من أن المتعاملين بالأسهم إنما ينظرون إلى السهم من حيث قيمته المالية في السوق، وليس بالنظر إلى ما يمثله من موجودات الشركة صحيح، لكن ذلك لا ينفي أن تلك الموجودات هي محل التصرف، ولذلك تنتقل تلك الموجودات إلى ملكية المشتري في حالة البيع، وإلى ملكية المقترض في حالة القرض.
الوجه الثاني:
أن هذا يخالف القول الراجح من أن السهم في حقيقته يمثل حصة شائعة في رأس مال الشركة، وفي موجوداتها، وأن التصرف في السهم هو تصرف في تلك الحصة.
الوجه الثالث:
أن المقترض لم يقترض نقوداً، ولم يقبض نقوداً، ولا أسهماً تمثل نقوداً، وإنما قبض أسهماً تمثل نقوداً، وأعياناً، وديوناً، فكيف يجوز أن يعد مقترضاً نقوداً بقيمة الأسهم.
الوجه الرابع:
قياس إقراض السهم على إقراض النقود فيه نظر كبير، وكون السهم له قيمة
стр. 6382
مالية لا يعتبر تحول إلى أثمان في نفسه؛ لأن الثمنية تعني أمرين: أن يكون أصلاً قائماً بنفسه، ومقصوداً لذاته، وأن يكون معياراً لقيم الأشياء، كالذهب والفضة والأوراق النقدية، والسهم ليس له هذه القيمة في نفسه بل قيمته مرتبطة بالشركة التي يمثلها، وليس معياراً لقيم الأشياء عند الناس اليوم، فالوثيقة لا قيمة لها إذا جردناها عما تدل عليه، ولا تشتمل الوثيقة على أي منفعة ذاتية.
القول الخامس:
إذا كان السهم في حقيقته هو الحصة الشائعة في موجودات الشركة، وليس شيئاً قائماً بذاته، فإن التصرف في السهم أياً كان هذا التصرف يكون تصرفاً في الحصة الشائعة، وعليه فإن قرض الأسهم هو قرض لهذه الحصة الشائعة، كما أن بيع الأسهم بيع لهذه الحصة الشائعة، وبناء على ذلك فإن حكم قرض الأسهم، وما يلزم المقترض رده يختلف باختلاف نوع موجودات الشركة، من حيث كونها نقوداً، أو ديوناً، أو أعياناً، أو أخلاطاً من ذلك كله.
فإن كانت الأسهم نقوداً جاز إقراضها مطلقاً إذا علم مقدار هذه النقود، ويلزم المقترض أن يرد إلى المقرض نقوداً مثلها.
وإن كانت الأسهم ديوناً جاز إقراضها كذلك، لأن قبض السهم قبض لما يمثله، إذ بقبض السهم يمكن التصرف فيما يمثله بالبيع والهبة وغيرهما، وذلك مقصود بالقبض، إلا أنه يشترط في هذه الحالة معرفة قدر الدين حتى يمكن رد مثله عند حلول أجل القرض.
وإن كانت الأسهم تمثل أعياناً أو خليطاً من النقود والديون والأعيان فإنه لا يجوز إقراضها؛ لأنه يتعذر في العادة معرفة هذه الأعيان على وجه التفصيل في كل وقت. وهذا رأي فضيلة الشيخ مبارك آل سليمان.
стр. 6383
الراجح والله أعلم:
أن السهم حصة شائعة، فإذا كان قرض المشاع جائزاً جاز قرض السهم، ولم يختلف الفقهاء في جواز قرض المشاع.
جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: «وقرض المشاع جائز بالإجماع» (١).
ونقل الإجماع كذلك ابن عابدين في حاشيته (٢).
وللقاعدة الفقهية التي تقول: إن كل ما جاز بيعه جاز قرضه.
فعليه يجوز القرض لكل شيء يجوز بيعه سواء كان آدمياً أو غيره، وسواء كان مثلياً، أو متقوماً، وسواء كان مشاعاً، أو غير مشاع.
ولأن القرض ليس من عقود المعاوضات، وإنما هو من عقود الإرفاق والإحسان، وهو مبني على المسامحة.
ولجواز قرض الحيوان مع كونه قد يتفاوت تفاوتاً يسيراً.
وأجاز بعض الفقهاء إقراض الخبز ولو من غير وزن بدون قصد الزيادة أو اشتراطها، اختاره محمد بن الحسن من الحنفية، وبعض المالكية، والخوارزمي من الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٣).
стр. 6384
ولأن الزيادة غير المشروطة في حال رد القرض لا تحرم بخلاف البيع في المال الربوي. والمطلوب في الرد أن يرد الأسهم من نفس الشركة، وتغير قيمة هذه الأسهم لا يؤثر في صحة القرض كما لو استقرضت نقوداً، فتغيرت قيمتها، فالواجب رد مثلها، والله أعلم.
* * *
стр. 6385
المسألة الثانية
رهن الثمن عند المقرض وانتفاعه به
[ن-١٩٩] احتفاظ المقرض بقيمة الأسهم المبيعة كضمان للقرض، لا حرج فيه كما سبق بحثه عند الكلام على رهن السهم، ولكن اشتراط انتفاع المقرض بقيمة الأسهم واستثماره لها إلى حين سداد القرض غير جائز؛ لأن الدين جاء من قرض، فيؤدي ذلك إلى أن تكون المعاملة من القرض الذي يجر نفعاً؛ وتكون حقيقة المعاملة: أسلفني أسلفك، فالمقرض سواء كان سمساراً أو غيره يسلف البائع هذه الأسهم على أن يسلفه البائع قيمتها، وهذا محرم.
قال ابن قدامة في المغني: «وإن شرط في القرض أن يؤجره داره ... أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى لم يجز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع وسلف، ولأنه شرط عقداً في عقد، فلم يجز» (١).
* * *
стр. 6386
المسألة الثالثة
البيع على المكشوف قبل اقتراض البائع الأسهم
[ن-٢٠٠] إذا أراد المتعامل في البيع على المكشوف بيع الأسهم قبل اقتراضها من السمسار أو من رجل أجنبي، فإن هذا يعني أن البائع قد باع ما ليس مملوكاً له وقت البيع، فيأخذ حكم بيع ما ليس عند البائع.
وقد سبق لنا خلاف أهل العلم في بيع ما ليس عند البائع، وأن له حالتين:
الحال الأولى: أن يبيع له أسهماً معينة .
فهنا العلماء متفقون على عدم جواز بيع شيء معين لا يملكه الإنسان، ثم يذهب ليشتريه.
قال الزيلعي: «والمراد بالنهي عن بيع ما ليس عند الإنسان ما ليس في ملكه، بدليل قصة الحديث - يعني حديث حكيم بن حزام - ثم قال: أجمعنا على أنه لو باع عيناً حاضرة غير مملوكة له لا يجوز، وإن ملكها فيما بعد» (١).
وقال ابن الهمام: «أما النهي عن بيع ما ليس عندك، فالمراد منه ما ليس في الملك اتفاقاً ... » (٢).
وقال ابن قدامة: «ولا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها، ليمضي، ويشتريها،
стр. 6387
ويسلمها رواية واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً ... ثم ذكر حديث حكيم: لا تبع ما ليس عندك» (١).
وقال ابن حزم عن حديث حكيم بن حزام بعد أن صححه، قال: «وبه نقول، وهو بين كما تسمع، إنما هو نهي عن بيع ما ليس في ملكك، كما في الخبر نصاً، وإلا فكل ما يملكه المرء فهو عنده، ولو أنه بالهند ... » (٢).
وذكر ابن عبد البر أن بيع ما ليس عند الإنسان من الأصول المجتمع على تحريمها (٣).
ومستند الإجماع:
(ح-٨٨٠) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٤).
[إسناده حسن] (٥).
وفي الباب حديث حكيم بن حزام (٦).
стр. 6388
[م-١٢٦٨] الحال الثانية: أن يكون المبيع غير معين، ولكنه موصوف في الذمة وصفاً منضبطاً.
فهنا لا يخلو البيع من ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون الثمن مؤجلاً، والمبيع مؤجلاً، فهذا محرم بالاتفاق، لأنه من باب بيع الدين بالدين.
الصورة الثانية: أن يكون الثمن مقدماً، والمبيع مؤجلاً، وهو ما يسمى لدى الفقهاء بعقد السلم.
والسلم إذا توفرت شروطه جاز بالإجماع، قال القرطبي ﵀: «والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه ﵇، عن بيع ما ليس عندك ... » (١).
وقال النووي: «أجمع المسلمون على جواز السلم» (٢).
وقال ابن حجر: «اتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب» (٣).
وممن حكى الإجماع ابن قدامة في المغني (٤)، وابن رشد في بداية المجتهد (٥)، وغيرهم.
وسبق لنا ولله الحمد دراسة عقد السلم.
стр. 6389
[ن-٢٠١] والسؤال: هل يجوز السلم في الأسهم؟
بحث هذه المسألة فضيلة الشيخ أحمد الخليل في كتابه (الأسهم والسندات وأحكامها في الفقه الإسلامي).
وقد ذهب إلى عدم الجواز، لأن المسلم إن لم يذكر اسم الشركة المسلم فيها لم يحصل الوصف المنضبط المشروط في السلم، لما بين الشركات من اختلاف كبير في مكانتها المالية، وموجوداتها، فأسهم الشركات ليست متماثلة لا في ما تمثله، ولا في قيمها.
وإن سميت أسهم شركة من الشركات، فستكون هذه الأسهم معينة، ومن شروط السلم أن يكون السلم في الذمة، وألا يكون المسلم فيه معيناً، وقد اتفق الفقهاء على هذا الشرط، حكى الاتفاق ابن رشد في بداية المجتهد.
فإن قيل: إن أسهم الشركة الواحدة، وإن كانت محدودة إلا أن السهم لم يقع على سهم منها معين.
فالجواب أن هذا ممنوع أيضاً، فقد ذكر الفقهاء أنه لا يجوز السلم في حائط معين، بل ولا في ثمر بلد صغير.
قال ابن قدامة: «ولا يجوز أن يسلم في ثمرة بستان بعينه، ولا قرية صغيرة، لكونه لا يؤمن تلفه.
وقال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم» (١).
وقال ابن القطان الفاسي: وهذا إجماع أو كالإجماع من أهل العلم (٢).
стр. 6390
وبيع أسهم شركة معينة كبيع ثمر حائط معين، لا فرق بينهما (١).
وأتفق مع فضيلة الشيخ على أنه لا يتصور السلم في الأسهم لتعيين المبيع، ولكن يكون العقد من باب بيع المعين المؤجل، وتعيينه يخرجه من باب بيع الدين بالدين؛ لأن الدين متعلق بالذمة، وهذا قد تعلق بأسهم معينة من شركة معينة مملوكة للبائع، وإذا تعين المبيع ففي تأجيل المعين خلاف بين أهل العلم:
جمهور العلماء على منع تأجيل المعين.
و ذهب الحنابلة إلى جواز تأجيل المعين كبيع الدار واشتراط سكناها مدة معلومة، وكما باع جابر الجمل، واشترط ظهره إلى المدينة، وسبق بحث هذه المسألة في شروط البيع من عقد البيع، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والله أعلم.
الصورة الثالثة: أن يكون الثمن مقدماً، والمبيع حالاً. وهو ما يسمى بالسلم الحال.
[م-١٢٦٩] والسلم الحال إذا توفرت شروطه فيه خلاف بين أهل العلم سبق تحريره في موانع البيع، ورجحت مذهب الشافعية، وأنه يجوز مطلقاً، سواء كانت السلعة عنده أو ليست عنده إذا كانت موجودة في السوق، وكان قادراً على شرائها، والله أعلم.
[ن-٢٠٢] وأما السلم الحال في الأسهم فإنه إذا كان لا يتصور السلم في الأسهم في حال تأجيل المبيع، لم يتصور السلم في الأسهم الحالة، وإنما يكون بيعها من بيع المعين الموصوف، فيشترط أن تكون في ملك البائع وقت العقد، على الصحيح. والله أعلم.
* * *
стр. 6391
المسألة الرابعة
في اشتراط تحمل المقترض أرباح الأسهم للمقرض
[ن-٢٠٣] القرض من عقود التمليك، فإذا أقرض الرجل أسهمه لآخر خرجت تلك الأسهم من ملك المقرض إلى ملك المقترض، وهذا مما لا خلاف فيه، فإذا استحقت تلك الأسهم أرباحاً فإنه يستحقها من كان يملكها وقت التوزيع؛ لأنها نماء ماله، سواء كان يملكها المقترض أو كان يملكها رجل آخر كما لو اشتراها أجنبي من المقترض، ولا يجوز أن يشرط على المقترض أن يعوض المقرض بدفع مثل هذه الأرباح؛ لأن الأسهم عند استحقاق الأرباح لم تكن في ملك المقرض فلا يستحق أن يعوض عنها؛ ولأن هذا من الربا الصريح فهو قرض جر نفعاً وعليه فإن اشتراط مثل ذلك يكون شرطاً باطلاً، ولا يعود بالبطلان على إقراض الأسهم.
* * *
стр. 6392
المسألة الخامسة
في اشتراط حلول القرض
[ن-٢٠٤] حلول القرض بالشرط هو ما اتفق على تسميته: قابلية القرض للاستدعاء بمعنى أنه يحق للمقرض أن يطالب برد الأسهم التي اقترضها البائع على المكشوف في أي وقت شاء، كما يحق للمقترض أن يرد تلك الأسهم للمقرض متى شاء، ولا يملك أحدهما الامتناع عن التسليم، وهذا الرد مشروط في عقد القرض، والعمل جار به.
وإذا كان ذلك مشروطاً في العقد أو كان هناك عرف جار فلا خلاف بين العلماء في أنه يلزم المقرض والمقترض الالتزام بهذا الشرط؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، ولا يوجد محذور شرعي يمنع من اشتراط مثل ذلك في عقد القرض، ولأن المقرض محسن في إقراضه، وما على المحسنين من سبيل.
وإذا لم يكن هناك شرط ولا عرف كما لو كان القرض مطلقاً، ففيه خلاف:
فالجمهور على أن القرض حال أبداً ولو كان مؤجلاً، والتأجيل في القرض لا يلزم. وهذا مذهب جمهور العلماء (١).
واختار المالكية بأن المستقرض إن اقترض إلى أجل سماه لزم ذلك الأجل، وإن لم يشترط أجلاً فلا بد أن يمضي زمن يتمكن من الانتفاع فيه بالقرض (٢).
стр. 6393
المسألة السادسة
حكم هامش الضمان
[ن-٢٠٥] هامش الضمان: لما كانت الأسهم عرضة للتقلب والأخطار فقد تصبح القيمة التي بيعت بها الأسهم ووضعت كرهن تحت تصرف المقرض غير كافية لتغطية قيمة الأسهم المقترضة مما قد يلحق الضرر بالمقرض، ومن هنا جاءت الأنظمة بإلزام المقترض بتقديم رهن إضافي يمثل نسبة معينة من قيمة الصفقة قد يكون في صورة أوراق مالية، أو في صورة نقدية يسمى هامش الضمان، والهدف منه حماية المقرض ضد مخاطر ارتفاع القيمة السوقية للأوراق المالية.
فإذا زادت قيمة أسهم الشركة التي بيعت أسهمها على المكشوف طلب المقرض من المقترض زيادة الرهن عن طريق دفع نقود إضافية، وإذا نقصت قيمة الأسهم بحيث زادت النقود عن هامش الضمان المطلوب كان للراهن أن يسحب من النقود ما زاد على هامش الضمان، أو استغلالها في صفقات أخرى.
والرهن جائز وكذا الزيادة المشروطة فيه ويلزمان الراهن وفاء للشرط؛ ولأن ذلك لا يتضمن أي محذور شرعي.
وأما استرداد جزء من الرهن عند انخفاض القيمة السوقية للأوراق المالية فذلك جائز أيضاً إذا كان برضا الطرفين؛ لأن الحق لهما، فكما يجوز إرجاع جميع الرهن يجوز إرجاع بعضه بالاتفاق، والله أعلم.
وبهذا نكون قد انتهينا من دراسة العمليات العاجلة في سوق المال، وننتقل بعده إن شاء الله تعالى إلى دراسة أحكام المعاملات الآجلة، وأحكامها الفقهية، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 6394
الفصل الثاني
في المعاملات الآجلة وأحكامها الفقهية
توطئة
التعريف بالمعاملات الآجلة
سبق لنا الكلام في البيوع العاجلة، وعلمنا أنواع المعاملات الدائرة فيه، ودرسنا فيه المعاملات العاجلة العادية، والشراء بالهامش، والبيع على المكشوف.
وندرس في هذا الفصل إن شاء الله تعالى البيوع الآجلة، والمعاملات التي تدخل فيه.
وتنقسم المعاملات الآجلة إلى قسمين:
(١) البيوع الباتة القطعية.
(٢) عقود الخيارات.
تعريف البيوع الباتة القطعية:
تعرف العلميات الآجلة الباتة: بأنها تلك العمليات التي يتم عقد الصفقة فيها الآن، ويؤجل فيها دفع الثمن والمثمن إلى أجل معلوم يسمى يوم التصفية، أو يوم التسوية (١).
стр. 6395
وسميت بالباتة تمييزاً لها عن عقود الاختيارات الآتية، وذلك لأن العاقدين لا يملكان حق الرجوع عن تنفيذ العملية، ولكن يملكان تأجيل موعد التصفية النهائية إلى موعد آخر بالتراضي.
وتتسم العمليات الآجلة بصورة عامة بالخصائص التالية:
(١) ـ أغلب المعاملات الآجلة تجري على المكشوف، أي أن البائع لا يملك الأوراق (محل الصفقة) وقت العقد، وإنما تشترط إدارة السوق أن يكون مالكاً لها وقت التصفية.
(٢) ـ تحدد لجنة البورصة مواعيد التصفية وذلك بواقع مرتين في كل شهر، مرة في وسطه، ومرة في آخره.
(٣) ـ لا خيار لأحد العاقدين في فسخ العقد أو إلغائه إلا أن لكل منهما أن يصفي مركزه قبل يوم التسوية، بأن يبيع نقداً ما اشتراه آجلاً، وله أو عليه الفرق بين سعر التعاقد والتصفية إن كان مشترياً، أو أن يشتري عاجلاً ما باعه آجلاً إن كان بائعاً، وله أو عليه الفرق بين سعر التعاقد والتصفية (١).
(٤) ـ الغرض الأساسي للمتعاملين بالعقود الآجلة هو تحقيق ما يسمى بالأرباح الرأس مالية التي تتمثل في الفرق بين سعر الورقة الذي عقدت به الصفقة، وبين سعرها الذي يحدد في يوم التصفية، ويسمى صنيعهم ذلك بالمضاربة، وهي تتنوع إلى نوعين:
стр. 6396
النوع الأول: المضاربة على الصعود.
وتعني شراء الأوراق المالية شراء آجلاً بسعر معين على أمل أن يرتفع سعرها في يوم التصفية، بحيث يقوم المضارب عند ذلك ببيع تلك الأوراق بسعر يوم التصفية، ليربح الفرق بين السعرين.
مثاله: أن يشتري زيد من الناس خمسين سهماً من شركة القصيم الزراعية، بقيمة ١٠٠ ريال لكل سهم، على أن يتم التسليم الفعلي بعد شهر من الصفقة، وذلك على أمل أن ترتفع الأسعار في يوم التصفية، بحيث يبيعها، ويربح الفرق، فلو تحققت توقعاته، وبلغ سعر السهم في يوم التصفية ١١٠، فإنه سيأمر السمسار أن يبيع تلك الأسهم بهذا السعر، ويقبض الفرق من السمسار، ومقداره: ٥٠×١٠=٥٠٠ ريال، وبهذا يكون المشتري قد حقق ربحاً دون أن يتسلم الأسهم، أو يسلم الثمن.
أما لو لم تتحقق التوقعات، وانخفضت الأسعار، وصار سعر السهم ٩٠ ريالاً، فإنه سيأمر السمسار ببيع تلك الأسهم، ويدفع الفرق، ومقداره ٥٠×١٠= ٥٠٠ ريال.
النوع الثاني: المضاربة على الهبوط.
وتعني بيع الأوراق المالية بيعاً آجلاً بسعر معين على أمل أن يهبط سعرها في يوم التصفية بحيث يقوم المضارب عند ذلك بشراء الأوراق بسعر يوم التصفية، وتسليمها إلى الطرف الثاني بالسعر المتفق عليه، ليربح الفرق بين السعرين.
مثاله: أن يبيع زيد من الناس خمسين سهماً من شركة القصيم الزراعية، بقيمة ١٠٠ ريال لكل سهم، على أن يتم التسليم الفعلي بعد شهر من الصفقة، على أمل أن تنخفض الأسعار في يوم التصفية، ويربح الفرق.
стр. 6397
فلو تحققت توقعاته، وانخفضت الأسعار إلى تسعين ريالاً فإنه سيأمر السمسار بأن يشتري تلك الأسهم من السوق بهذا السعر، ويقبض الفرق من السمسار، وهو خمسمائة ريال دون أن يسلم أسهماً، أو يتسلم ثمناً.
أما لو ارتفعت الأسعار يوم التصفية إلى ١٠٥ ريالات، فإنه سيأمر السمسار أيضاً بأن يشتري تلك الأسهم بهذا السعر، ويدفع الفرق إلى السمسار، وهو ٥٠×٥= ٢٥٠ ريال، وهو مقدار الخسارة التي يتحملها نتيجة المضاربة على الهبوط.
وفي حال خسارة المشتري أو البائع فإن أمامهما أحد الخيارات الثلاثة الآتية:
الخيار الأول:
الاستلام الفعلي للأسهم، وتسليم ثمنها في يوم التصفية، وهذا إنما يكون فيما إذا كان لهما رغبة في تملك المعقود عليه، كأحد أشكال الاستثمار طويل الأجل، ويدفع الخاسر الفرق بين السعرين. وهذا أمر نادر.
وهذا التصرف وإن كان هو مقتضى العقد إلا أن الاستلام قد تم في بيع فاسد؛ حيث يبيع البائع أسهماً معينة لا يملكها، ويربح فيها، والبيع الفاسد يجب فسخه بالاتفاق، ويملك بالقبض عند الحنفية (١)، وبالفوات عند المالكية (٢)، كما لو تصرف فيه مشتريه بالبيع، وهو باطل مطلقاً عند الشافعية
стр. 6398
والحنابلة وإن تداولته الأيدي (١)، وسبق تحرير هذا في عقد البيع في المجلد الأول.
الخيار الثاني:
تصفية مركزهما بإبرام صفقات عكسية، والهدف منها دفع الفرق بين السعرين دون أن يكون هناك تسلم للأسهم أو تسليم للثمن.
تصفية مركز المشتري:
أن يبيع المشتري نقداً في يوم التصفية ما اشتراه آجلاً قبل قبضه للأسهم، ويقبض فرق السعر من السمسار إن كان رابحاً، أو يدفعه إليه إن كان خاسراً، دون أن يكون هناك تسلم فعلي للأسهم أو تسليم للثمن.
وقد يبيع المشتري تلك الأسهم بثمن مؤجل قبل يوم التصفية ليوقف تدهور الأسعار.
وتصرفه هذا في الحالين محرم:
لأنه إن باع الأسهم يوم التصفية كان البيع محرماً؛ لأنه تملك هذه الأسهم بعقد فاسد، حيث باع عليه البائع أسهماً لا يملكها، والبيع الفاسد قد سبق تحرير الخلاف فيه في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا.
وإن باع الأسهم قبل يوم التصفية كان البيع محرماً لكونه باع أسهماً قد ملكها بعقد فاسد، وبعض العلماء يرى أنه محرم أيضاً لأنه من باب بيع الشيء قبل قبضه، وفيه خلاف سبق تحريره في عقد البيع، وبعضهم يرى أنه محرم؛ لأن بيع المعين المؤجل قبل قبضه بثمن مؤجل من باب بيع الدين بالدين (٢)، وفيه بحث:
стр. 6399
هل تأجيل المعين يجعله ديناً؟ أو أن الدين ما تعلق في الذمة، وقد سبق ذكر الفرق بين الدين والعين.
تصفية مركز البائع:
لما كان البائع قد باع أسهماً لا يملكها، فإنه يقوم بشرائها يوم التصفية ويستلم من السمسار فرق السعر إن كان رابحاً، أو يدفعه إليه إن كان خاسراً قبل استلامه للأسهم، فتكون العملية قائمة على استلام فروق الأسعار دون أن يكون هناك استلام وتسليم.
وشراؤه لهذه الأسهم يوم التصفية شراء بعقد صحيح؛ لأن البيع حال، ولا ارتباط لهذا بالعقد الآجل
وقد يقوم بشراء تلك الأسهم مؤجلة بثمن مؤجل قبل يوم التصفية ليوقف تدهور الأسعار.
وهذا العقد محرم؛ لأنه يشتريها من شخص لا يملكها وقت العقد، وبعضهم يحرمها؛ لأنها من باب بيع معين مؤجل بثمن مؤجل، ويرى هذا من باب بيع الدين بالدين، وسبق الجواب عليه.
الخيار الثالث:
تأجيل مركزهما إلى التصفية القادمة، بحيث لا يصفي المتعامل مركزه تصفية نهائية، وإنما يؤجل التصفية إلى موعد التصفية التالية أملاً في تغير الأسعار لصالحه، فإن كان البائع هو الراغب في التأجيل فإن ذلك يسمى وضيعة، وإن كان الراغب في التأجيل هو المشتري، فإن ذلك يسمى مرابحة.
فبيع المرابحة: أن يطلب المشتري تأجيل مركزه إلى التصفية القادمة، وذلك عندما يتوقع تحسن السعر لصالحه بما يعوضه عن خسارته، فيصدر أمراً إلى سمساره بتأجيل مركزه في مقابل مبلغ يدفعه للبائع، يسمى بدل التأجيل، فإذا
стр. 6400
وافق البائع انتقلت العملية إلى التصفية القادمة، وإذا رفض البائع بحث له السمسار عن ممول يقبل بشراء أسهمه شراء حالاً في موعد التصفية ثم يبيعها عليه بيعاً مؤجلاً حتى موعد التصفية القادمة بثمن أعلى من سعر يوم التصفية، يتمثل في سعر يوم التصفية الحالي مضافاً إليه مبلغ آخر يسمى بدل التأجيل.
وسميت مرابحة لتضمنها زيادة في ثمن الشراء الآجل تمثل ربحاً للممول أو الناقل.
وعليه فيمكن تعريف المرابحة: بأنها بيع أوراق مالية إلى آخر بثمن حال، ثم شراؤها منه مؤجلة بثمن مؤجل يزيد عن ثمنها الحالي.
وبيع الوضيعة: أن يطلب البائع تأجيل مركزه إلى التصفية القادمة إذا توقع تحسن مركزه بنزول السعر، وذلك بالاتفاق مع المشتري، فإذا رفض المشتري ذلك قام بشراء أسهم من الشركة التي باع أسهمها في العقد السابق شراء حالاً بسعر يوم التصفية، ليتولى السمسار قبضها، وتسليمها للمشتري الأول. ثم يقوم البائع ببيع أسهم من أسهم تلك الشركة إلى ما يسمى بالممول أو الناقل بيعاً آجلاً إلى يوم التصفية التالي بثمن أقل من سعر يوم التصفية، يتمثل في سعر يوم التصفية الحالي ناقصاً منه مبلغ آخر يسمى بدل تأجيل التصفية. وتسمى هذه العملية بالوضيعة لتضمنها وضع قدر من ثمن البيع الآجل لمصلحة الممول (١).
ويلاحظ أن العقود لا تتم بين البائع والمشتري مباشرة، فلكل سوق من أسواق العقود الآجلة بيت سمسرة لتسوية الصفقات، يتألف من أعضاء السوق، ويتم العقد بين البائع وبيت التسوية، ثم بين المشتري والبيت، فلا توجد علاقة
стр. 6401
مباشرة بين البائع والمشتري، بل العقد يتكون من طرفين بينهما بيت التسوية، يتعهد الأول مثلاً في محرم ١٤٣٠ بشراء (١٠٠٠) سهم لإحدى الشركات بسعر (١٠٠) مؤجلة إلى شهر ربيع أول ١٤٣٠، ويتعهد الآخر بتسليمه هذه الأوراق في التاريخ المحدد، وبالسعر المتفق عليه.
والذي يجري بين شهر محرم وشهر ربيع هو انتقال هذا العقد بين المضاربين عن طريق بيت التسوية تلك عشرات المرات يومياً، فالمعاملات كلها تصفى في آخر النهار، ثم تبدأ في الغد بيعاً وشراء، فمن يتملك حق الحصول على تلك الأسهم بسعر (١٠٠) سيربح تلقائياً عندما يرتفع السعر لأكثر من هذا المبلغ، والمتعهد بتسليم تلك الأوراق بالسعر نفسه سيخسر عندما يرتفع السعر المذكور .... وهكذا. أما التسليم والقبض الفعلي للأصل محل العقد فهذا أمر لا يهتم به المتعاملون إلا في تاريخ القبض أي في شهر ربيع، حيث يتحول العقد في النهاية إلى المشتري الحقيقي بعد أن يكون قد مر على مئات المضاربين خلال الفترة التي تفصل بين العقد الأول والقبض الفعلي (١).
وسوف أتكلم عن حكم بيع المرابحة والوضيعة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
هذه هي تقريباً خصائص البيوع الآجلة، فإذا عرف ذلك ننتقل إن شاء الله تعالى إلى حكم هذه العمليات الآجلة في الفقه الإسلامي، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 6402
المبحث الأول
الحكم الفقهي للمعاملات الآجلة الباتة
المعاملات الآجلة تجري على المكشوف، فالبائع لا يملك الأوراق (محل الصفقة) والغرض تحصيل الأرباح من فروق الأسعار، والوسيلة المضاربة على الصعود والهبوط.
جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي: العقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف .... غير جائزة شرعاً؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص ما لا يملك.
[ن-٢٠٦] ذهب عامة العلماء المعاصرين إلى تحريم المعاملات الآجلة (١)، وبهذا صدر قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٢)، وكذا المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٣).
стр. 6403
واستدلوا على التحريم بأدلة منها:
الدليل الأول:
أنه من باب بيع ما لا يملك، وذلك أن البائع يبيع سلعة معينة، وليست سلعة موصوفة في الذمة؛ فالأسهم لا تكون إلا معينة، وذلك أن البائع الذي يبيع أسهماً مؤجلة إما أن يبيع أسهماً دون أن يعين شركة المساهمة، وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا لم يعين الشركة لم يحصل العلم بالمبيع؛ لأن الأسهم لا يمكن أن تنضبط بالوصف، وهي متفاوتة تفاوتاً كبيراً لا في قيمتها، ولا فيما تمثله.
وإن سميت أسهم شركة من الشركات، وهذا هو الواقع، فستكون أسهم هذه الشركة معينة؛ لأنك إذا عينت الشركة فإن الأسهم ستكون معينة تبعاً لذلك. وإذا بعت شيئاً معيناً لا تملكه ولست نائباً عن مالكه فإن البيع باطل بالإجماع.
قال الزيلعي: «أجمعنا على أنه لو باع عيناً حاضرة غير مملوكة له لا يجوز، وإن ملكها فيما بعد» (١).
وقال ابن الهمام: «أما النهي عن بيع ما ليس عندك، فالمراد منه ما ليس في الملك اتفاقاً ... » (٢).
وقال ابن قدامة: «ولا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها، ليمضي، ويشتريها،
стр. 6404
ويسلمها رواية واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً ... ثم ذكر حديث حكيم: لا تبع ما ليس عندك» (١).
وقال ابن حزم عن حديث حكيم بن حزام بعد أن صححه، قال: «وبه نقول، وهو بين كما تسمع، إنما هو نهي عن بيع ما ليس في ملكك، كما في الخبر نصاً، وإلا فكل ما يملكه المرء فهو عنده، ولو أنه بالهند ... » (٢).
وذكر ابن عبد البر أن بيع ما ليس عند الإنسان من الأصول المجمع على تحريمها (٣).
ومستند الإجماع:
(ح-٨٨١) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٤).
[إسناده حسن] (٥).
وفي الباب حديث حكيم بن حزام وغيره (٦).
стр. 6405
وهذا الدليل من أقوى الأدلة حيث لا منازعة فيه، ولا جواب عنه بخلاف أكثر الأدلة الباقية فإن فيها خلافاً كما سيأتي من خلال استعراض الأدلة.
الدليل الثاني:
استدل كثير من الباحثين بأن بيع الأسهم المؤجلة بثمن مؤجل هو من باب بيع الدين بالدين؛ وذلك أن الأوراق المالية (الأسهم) مؤجلة، والثمن مؤجل (١).
ويناقش:
بأن تأجيل المعين لا يسمى ديناً، لأن الدين ما ثبت في الذمة، يقول المقري في قواعده: «المعين لا يستقر في الذمة، وما تقرر في الذمة لا يكون معيناً» (٢)، وإذا كانت الأسهم معينة فإنها لا تثبت في الذمة بدليل ما يلي:
(أ) لو كان السهم ثابتاً في الذمة لكان يجزئه أن يسلم أي سهم من أية شركة كانت، لأن ما تعلق في الذمة فله قضاؤه من أي ماله شاء، بخلاف المعين فالحق متعلق بذاته، لا بأمثاله، والحق في بيوع الآجال يجب عليه أن يسلم أسهماً من شركة معينة.
(ب) لو كان السهم ثابتاً في الذمة فإن العقد لا يبطل بإفلاس الشركة، لأن المال الثابت في الذمة لا يبطل بتلف مال صاحبه، وأما المال المعين إذا تلف بغير تعد ولا تفريط فقد فات، والحق في بيوع الآجال متعلق بشركة معينة، فلو أفلست لبطل العقد.
стр. 6406
الدليل الثالث:
إذا كان بيع الأسهم من شركة معينة هو من قبيل بيع المعين، فإن عامة الفقهاء يرون أن المعين لا يجوز اشتراط تأجيله ثمناً كان أو مثمناً، وأنه يشترط في المؤجل عند الجمهور أن يكون ديناً موصوفاً في الذمة.
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة:٢٨٢].
فالآية تدل على جواز التأجيل في الديون، ولم يرد في النصوص ما يشير إلى جواز تأجيل الأعيان، ولهذا قال الكاساني في البدائع «التأجيل يلائم الديون، ولا يلائم الأعيان» (١).
وقال ابن عابدين: «الأعيان لا تقبل التأجيل» (٢).
وفي درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «يصح البيع بتأجيل الثمن وتقسيطه بشرط أن يكون .... ديناً لا عيناً» (٣).
وقال الرملي: «الأعيان لا تقبل التأجيل ثمناً، ولا مثمناً» (٤).
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر الصفقة» (٥).
وجاء في المجموع: «قال أصحابنا: إنما يجوز الأجل إذا كان العوض في
стр. 6407
الذمة، فأما إذا أجل تسليم المبيع أو الثمن المعين، بأن قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا، فالعقد باطل» (١).
وعلل الحنفية والشافعية المنع من التأجيل في المعين بأنه إنما شرع الأجل لتحصيل المبيع، فإذا كان معيناً فقد تم تحصيله فلا حاجة له.
قال في العناية: «الأجل في المبيع العين باطل لإفضائه إلى تحصيل الحاصل، فإنه شرع ترفيهاً في تحصيله باتساع المدة، فإذا كان المبيع أو الثمن حاصلاً كان الأجل لتحصيل الحاصل .. » (٢).
وقال السيوطي: «الأجل شرع رفقاً للتحصيل، والمعين حاصل» (٣).
وعلل السمرقندي بأن الأجل في المعين لا يفيد، فقال: «ومنها: أن يشترط الأجل في المبيع العين، أو الثمن العين؛ لأن الأجل في الأعيان لا يفيد، فلا يصح، فيكون شرطاً لا يقتضيه العقد، فيفسد البيع» (٤).
وهذا الكلام ليس على إطلاقه، وإذا جاز على الصحيح: أن يبيع الدار ويستثني سكناها مدة معينة، فهذا يقتضي عدم تسليم المعين، كما تجوز الإجارة على مدة لا تلي العقد على الصحيح، وهذا يعني تأخير تسليم المعين.
وأجاز ابن القاسم كراء الدابة المعينة تقبض بعد شهر (٥).
وإذا صح أن يؤجل تسليم العين إلى أن يحضر الثمن، وصح أن ترهن العين
стр. 6408
في مقابل تأجيل الثمن، وهو تأجيل للعين وللثمن، فما المانع أن يصح التأجيل في الأعيان، وقد باع جابر جمله، واستثنى ظهره إلى المدينة قبل أن ينقد ثمنه (١)، وهو تأجيل للثمن والمثمن، فدل على جواز التأجيل في الأعيان.
فإذا جاز كل ذلك جاز تأجيل المعين.
قال ابن القيم: «قوله: إن موجب العقد التسليم في الحال، جوابه: أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد، أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه وكلاهما منتف في هذه الدعوى; فلا الشارع أوجب أن يكون كل مبيع مستحق التسليم عقيب العقد ولا العاقدان التزما ذلك بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المثمن وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير التسليم للمبيع كما كان لجابر ﵁ غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة .. » (٢).
وقد سبق الكلام على هذا في الشروط في البيع فأغنى عن إعادته هنا.
الدليل الرابع:
أن ما يجري في البيوع الآجلة هو مجرد عقد صفقات وهمية على كميات خالية من السلع المؤجلة بأسعار وأثمان مؤجلة، ولا يقصد بها إنتاج، ولا تسليم، وإنما تنتهي هذه المعاملات في الغالب بالمحاسبة بين البائع والمشتري على فروق الأسعار دون تسليم أو تسلم للأسهم، وتنحصر العملية في الرهان على صحة توقعات أي من المتعاقدين بخصوص مستقبل أسعار الورقة المالية موضوع الصفقة.
стр. 6409
وهذا إن كان شرطاً في العقد أو عرفاً معمولاً به فهو رهان وقمار، لدخول كل واحد من المتعاقدين في العقد، وهو متردد بين حالين: إما أن يغنم، وإما أن يغرم، وهذا حقيقة القمار.
وإن كان غير مشروط في العقد ففيه معنى القمار، وذلك أن الذي يحمل هؤلاء المتعاملين بتلك المعاملات من البائعين والمشترين إنما هو البحث عن الربح، وتوقع تغير الأسعار في صالحهم، وهم يقدمون على هذه العقود، وهم يعلمون أن أحد الطرفين خاسر، ولابد، وهذا معنى القمار (١).
الدليل الخامس:
أن هذه الأسهم تباع قبل قبضها، وهو محرم إذا بيعت بأكثر من قيمتها؛ لأنه يتضمن ربح ما لم يضمن.
ولا يصح تخريجه على السلم لوجهين:
الأول: أن السلم يجب أن يكون الثمن فيه حالاً مقدماً، إما في مجلس العقد كما هو قول الجمهور، أو بعده بيوم أو يومين كما هو مذهب المالكية، ولا يجوز تأخيره أكثر من ذلك.
الثاني: من شروط السلم أن يكون المسلم فيه موصوفاً في الذمة، بحيث لا يكون معيناً، وقد اتفق الفقهاء على هذا الشرط، حكى الاتفاق ابن رشد في بداية المجتهد.
وهنا المسْلِم إن لم يذكر اسم الشركة المسْلَم فيها لم يحصل الوصف المنضبط المشروط في السلم، لما بين الشركات من اختلاف كبير في مكانتها
стр. 6410
المالية، وموجوداتها، فأسهم الشركات ليست متماثلة لا في ما تمثله، ولا في قيمتها.
وإن عينت الشركة، تعينت الأسهم بتعيين الشركة، وإذا تعينت لم تكن موصوفة في الذمة.
ويناقش:
أما كونه لا يصح تخريجه على السلم فهذا واضح، وأما كونه من بيع الشيء قبل قبضه، فإني أرى أن هذا ليس هو وجه المنع فيه، لأن المبيع ينقسم إلى قسمين: أعيان وديون، والأسهم من قبيل الأعيان. والتصرف في الأعيان قبل قبضها يختلف حكماً عن التصرف في الديون قبل قبضها؛ لأن التصرف في الديون أضيق من التصرف في الأعيان، كما أن التصرف في الديون له صور كثيرة، منها ما هو محل وفاق بين العلماء في النهي عن بيعه قبل قبضه، ومنها ما هو محل خلاف بينهم.
[م-١٢٧٠] وقد اختلف العلماء في التصرف في الأعيان قبل قبضها على النحو التالي.
فقيل: يجوز بيع العقار قبل القبض في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، ولا يجوز بيع المنقول حتى يقبض (١).
وقيل: لا يجوز التصرف في المبيع قبل القبض مطلقاً، عقاراً كان أو منقولاً، وهو قول محمد بن الحسن، وزفر من الحنفية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، ورواية