زيد، أو بما ينقطع به السعر، أو عن طريق الرقم، أو عن طريق بيوع الأمانة (التولية المشاركة، المرابحة، المواضعة).
إلى غير ذلك من الأحكام التي لا بد من معرفتها عند دراسة أحكام المعقود عليه، لنكون بهذا قد تناولنا عقد البيع صيغة، وعاقدًا، ومعقودًا عليه.
أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 632
تمهيد
المبحث الأول
في تعريف المبيع والثمن
تعريف المبيع والثمن اصطلاحًا: (١).
عرفه الحنفية: بأنه العين التي تتعين في البيع، وهو المقصود الأصلي من البيع؛ لأن الانتفاع إنما يكون بالأعيان. والأثمان وسيلة للمبادلة (٢).
شرح التعريف:
قول الحنفية: (العين التي تتعين في البيع) هذا من حيث الأصل، فالمبيع في
стр. 633
الأصل: اسم لما يتعين بالتعيين، والثمن في الأصل: ما لا يتعين بالتعيين، وإن احتمل تغير هذا الأصل بعارض، بأن يكون ما لا يحتمل التعيين مبيعًا كالمسلم فيه (١).
وقوله: (وهو المقصود الأصلي من البيع ... الخ) بمنزلة التعليل لما قيل، يعني أنه لما كان المقصود الأصلي من البيع هو المبيع دون الثمن، اشترط تعيينه، بمعنى: وجوده، والقدرة على تسليمه دون الثمن.
وقيل في تعريف المبيع: السلعة التي جرى عليها عقد البيع (٢).
وعرف الثمن: بأنه اسم لما هو عوض عن المبيع (٣).
التفريق بين الثمن والقيمة:
قال ابن نجيم في البحر الرائق نقلًا من السراج الوهاج «والفرق بين الثمن والقيمة، أن الثمن: ما تراضى عليه المتعاقدان، سواء زاد على القيمة، أو نقص.
والقيمة: ما قوم به الشيء بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان» (٤).
وفي درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «الثمن المسمى: هو الثمن الذي يسميه ويعينه العاقدان وقت البيع بالتراضي، سواء كان مطابقًا للقيمة الحقيقية، أو ناقصًا عنها، أو زائدًا عليها .... والقيمة: هي الثمن الحقيقي للشيء» (٥).
стр. 634
الفرق بين الثمن وثمن المثل:
الفرق بين الثمن وثمن المثل في المقدار، كالفرق بين الثمن والقيمة، وذلك أن ثمن المثل: هو القيمة، وقد عرفنا الفرق بين الثمن والقيمة.
يقول ابن القيم: «الضمان يكون بثمن المثل، وهو القيمة» (١).
أما الفرق بينهما من ناحية متى يجب الثمن المسمى، ومتى يجب ثمن المثل، ومتى تجب القيمة فهناك فرق من هذا الموضوع.
فالثمن المسمى: يجب في حال صحة العقد، وتراضي المتعاقدين.
وأما وجوب القيمة أو ثمن المثل: فيكون في حالات منها كما إذا فات المبيع، وكان مقبوضًا بعقد فاسد، أو على وجه السوم، أو أتلفه غاصب. فإن كان المبيع مثليًا فالواجب فيه المثل إن وجد، وإن لم يوجد، أو كان المبيع متقومًا، لا مثل له، فالواجب القيمة. وسوف يأتي بسط هذه المواضع إن شاء الله تعالى في باب ضمان المبيع إذا تلف.
الفرق بين الثمن والقيمة والسعر:
قد عرفنا الثمن: وهو ما يصطلح عليه المتعاقدان بتراضيهما، سواء كان مساويًا للقيمة، أو زائدًا، أو ناقصًا عنها.
وأما القيمة فهي الثمن الحقيقي للشيء.
وأما تعريف السعر: فقد عرفه ابن عرفة بأنه «تحديد حاكم السوق لبائع المأكول فيه قدرًا للمبيع بدرهم معلوم» (٢).
стр. 635
فعلى هذا يكون السعر: هو ما يحدده الحاكم أو وليه وتتم المبادلة عليه.
وقيل في تعريف السعر: ما تقف عليه السلع من الأثمان في سوقها، ولا يزاد عليها (١).
فالسعر قد يكون أعلى من القيمة، وقد يكون مساويًا لها، و قد يكن ناقصًا عنها، كما قلنا في الثمن، إلا أن السعر يتحكم به إما الدولة الراعية للسوق، أو العرض والطلب، بينما الثمن يتراضى عليه العاقدان.
وأما القيمة فهي مقدار ثابت مستقر يتوصل به إلى الثمن الحقيقي للشيء.
الفرق بين الثمن والأجرة:
عرفنا الثمن فيما سبق، وأما الأجرة، فجاء في تعريفها:
«الأجرة: هي العوض الذي يعطى مقابل منفعة الأعيان أو منفعة الآدمي» (٢).
فعلى هذا يكون الثمن في مقابل المبيع، والأجرة في مقابل المنفعة.
* * *
стр. 636
المبحث الثاني
المبيع والثمن هل هما مترادفان أو متباينان
[م-١١٣] اختلف الفقهاء هل المبيع والثمن اسمان مترادفان، أو هما اسمان متباينان؟ على قولين:
القول الأول:
المبيع والثمن من الأسماء المتباينة، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره بعض المالكية (٢).
واستدلوا على ذلك بأنه قد نقل عن الفراء بأن الثمن: اسم لما في الذمة، وهو إمام في اللغة.
ولأن أحدهما يسمى ثمنًا، والآخر مبيعًا في عرف اللغة والشرع، واختلاف الأسامي دليل على اختلاف المعاني في الأصل، واستعمال أحدهما مكان صاحبه من باب التوسع؛ لأن كل واحد منهما يقابل صاحبه، فيطلق اسم أحدهما على الآخر لوجود معنى المقابلة، كما يسمى جزاء السيئة سيئة، وجزاء الاعتداء اعتداء (٣).
وجاء في حدائق الأزهار: «والمبيع يتعين، فلا يصح معدومًا إلا في السلم، أو في ذمة مشتريه، ولا يتصرف فيه قبل القبض، ويبطل البيع بتلفه واستحقاقه، ويفسخ معيبه، ولا يبدل، والثمن عكسه في ذلك غالبًا» (٤).
стр. 637
وقال السرخسي في المبسوط: «ومن حكم الثمن أن وجوده في ملك العاقد عند العقد ليس بشرط لصحة العقد، وإنما يشترط ذلك في المبيع .. » (١).
القول الثاني:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن المبيع والثمن من الأسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد، بدليل قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قليلا﴾ [التوبة:٩] فالثمن هنا هو المبيع؛ لأن الثمن لا يشترى، وإنما يشترى به، فأطلق الثمن وأراد به المبيع (٢).
وأجاب بعضهم عن الآية بأن قوله «ثمنًا» أي ذا ثمن.
واختار الفراء بأن كل ما كان في القرآن من هذا الذي قد نصب فيه الثمن، وأدخلت الباء في المبيع فإن ذلك أكثر ما يكون في الشيئين لا يكونان ثمنين معلومين ... فمن ذلك: اشتريت ثوبًا بكساء، أيهما شئت تجعل ثمنًا لصاحبه؛ لأنه ليس من الأثمان، وما كان ليس من الأثمان مثل الرقيق والدور وجميع العروض فهو على هذا، فإذا جئت إلى الدراهم والدنانير وضعت الباء في الثمن، كما قال تعالى في سورة يوسف ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] (٣).
* * *
стр. 638
المبحث الثالث
انقسام المعقود عليه إلى مثلي وقيمي
تعريف المثلي والقيمي في الاصطلاح: (١).
تعريف الحنفي للمثلي: هو «كل ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به» (٢).
стр. 639
والقيمي: «ما لا يوجد له مثل في السوق، أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به» (١).
تعريف المالكية للمثلي والقيمي:
لا يختلف تعريف المالكية عن تعريف الحنفية.
فالمثلي عند المالكية: ما له مثل من مكيل أو موزون (٢).
زاد بعضهم: أو معدود (٣).
والقيمي: ما عدا المكيل والموزون والمعدود (٤).
تعريف آخر:
المثلي: ما اتفقت قيم آحاده .. والقيمي: ما تفاوتت قيم آحاده.
وذكر الباجي في المنتقى أن الأعيان نوعان:
قسم تختلف صفاته كالخيل والإبل والبقر والغنم وسائر الحيوان والثياب والعروض، فإن هذا لا يكاد جملة منه تتفق آحادها، فهذا مثال للقيمي.
وقسم ثان لا تختلف صفاته على الوجه الذي ذكرناه كالجوز، والبيض، فهذا تتفق صفات آحاده، كما تتفق قيمه، فهذا هو المثلي (٥).
стр. 640
تعريف الشافعية:
عرف الشافعية المثلي بقولهم: «ما حصره كيل أو وزن وجاز السلم فيه.
فخرج بقيد الكيل أو الوزن ما يعد كالحيوان أو يذرع كالثياب.
وبجواز السلم فيه: الغالية والمعجون» (١).
وقال في إعانة الطالبين: «ما حصره كيل أو وزن .... بمعنى أنه يقدر شرعًا بالكيل أو الوزن، وليس المراد ما أمكن فيه ذلك، فإن كل شيء يمكن وزنه حتى الحيوان» (٢).
وأما المتقوم: فهو ما قابل المثلي، أي كل ما عدا المكيل والموزون فهو متقوم (٣).
تعريف الحنابلة:
قال في الروض المربع: المثلي: «كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة، يصح السلم فيه» (٤).
فمن خلال هذه التعريفات نستطيع أن نخرج بما يلي:
المكيل والموزون مثلي بالاتفاق.
المعدود المتقارب، لا يعتبر من المثليات عند الشافعية والحنابلة مطلقًا.
قال في تحفة المحتاج: «فما حصره عد أو ذرع كحيوان وثياب متقوم» (٥).
стр. 641
ويعتبر مثليًا عند الحنفية (١)، والمالكية (٢).
وأما المصنوع فالحنفية قسموا المصنوعات إلى نوعين:
«النوع الأول - التي لا تختلف باختلاف الصنعة كالدراهم والدنانير فالريالات والجنيهات المصنوعة في زماننا المتداولة بين الناس هي وإن كانت من المصنوعات إلا أنها غير مختلفة باختلاف الصنعة ; لأنها لم تكن من مصنوعات اليد بل هي تصاغ بقالب ولذلك فالجنيه ... الذي هو بمائة قرش مثل للجنيه الآخر بذات القيمة، كما أن الريال ذا العشرين قرشا مثل للريال الآخر ذي العشرين قرشًا. كذلك الجوخ الذي من جنس واحد والأقمشة التي هي من مصنوعات معمل واحد من هذا القبيل ....
النوع الثاني - المصنوعات التي تختلف باختلاف الصنعة، كأباريق النحاس والقدور، والأسورة، ومع أن الفضة هي من المثليات، فكون الأسورة المعمولة منها قيمية هو بسبب الصنعة; لأن الصانع يصنع الأسورة بصور مختلفة، ولذلك فالأسورة المصنوعة من عشرين درهما فضة أو ذهبا ليست مثلا للأسورة الأخرى المعمولة عن عشرين درهما فضة أو ذهبا» (٣).
стр. 642
ولم يعتبر المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة المصنوع مثليًا (٣)، وهذا الذي قالوه إنما كان حكمهم على صناعة عصرهم ﵏ حيث كانت الصناعة يدوية، وأما الآن فإن الصناعة دخلتها الآلة، فهي أدق في التشابه من تشابه المكيل والموزون بنظيره.
واشترط الشافعية الحنابلة في الصناعة أن تكون مباحة، فإن كانت محرمة فإنها لا تؤثر، لأن الصناعة المحرمة لا قيمة لها شرعًا، فوجودها كعدمها، فلا تخرج المثلي عن طبيعته (٤).
الراجح من التعريفات:
بعد استعراض تعريفات المذاهب للمثلي والقيمي نخلص إلى أن التعريف المختار هو تعريف الحنفية فهو أدق التعريفات وأصوبها، وخلاصته:
أن المثلي ما كان له مثل في السوق، دون تفاوت يعتد به، سواء كان من المكيلات أو الموزونات أو المعدودات أو المذروعات، وسواء دخلته الصناعة أو لم تدخله، فالعبرة فيه هو وجود المماثل، وأن القيمي: ما لا يوجد له مثل في السوق، أو يوجد مثله مع تفاوت معتد به.
ولذلك اعتمده في مواده صاحب مجلة الأحكام الشرعية الحنبلي (٥).
* * *
стр. 643
فرع
الأثر الفقهي في تقسيم المال إلى مثلي وقيمي
عرفنا في المبحث السابق تعريف المثلي والقيمي، كما عرفنا قبله أثر هذا التقسيم لدى الفقهاء في تحديد المبيع من الثمن، ولم يكن هذا هو الأثر الوحيد نتيجة هذا التقسيم، بل يوجد آثار كثيرة في أبواب متفرقة، كالضمان، والقرض، والقسمة، وإليك بيانها.
الأول: في تحديد المبيع من الثمن
سبق لنا في مبحث سابق أن المعقود عليه إذا كان أحدهما مثليًا، والآخر قيميًا، فإن الحنفية يرون أن المثلي، هو الثمن لثبوته في الذمة.
وأن القيمي: هو المبيع. وقد ذكرنا الخلاف، ودليل كل قول، فأغنى عن إعادته هنا.
ثانيًا: في استقراض المال
إذا كان المال مثليًا صح أن يكون دينًا في الذمة بالاتفاق، لأنه ينضبط بالصفة، كما جاء في الحديث: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) متفق عليه (١)، على خلاف بين العلماء في بعض الأموال هل هي مثلية، أو غير مثلية، كالخلاف في الحيوان.
[م - ١١٤] وأما المال القيمي، فهل يثبت دينًا في الذمة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
стр. 644
فقيل: المال القيمي لا يثبت دينًا في الذمة، وهو مذهب الحنفية، وأصح القولين في مذهب الشافعية» (١).
стр. 645
وقيل: يجوز قرض كل شيء إلا الجواري، وهو قول في مذهب المالكية (١).
وقيل: يجوز قرض غير المثلي، ويرد بدلًا منه قيمته، وهو قول في مذهب الشافعية (٢)،
стр. 646
ووجه في مذهب الحنابلة (١)، وهو الراجح.
دليل من قال: لا يجوز في المتقوم جعله دينًا في الذمة .
قالوا: إن المقرض لا يرد عادة عين ما اقترض، بل الغالب أن يتصرف فيه ببيع، أو هبة، أو استهلاك، فيحتاج إلى رد مثله، والمتقوم ليس له مثل، فلا يصح قرضه.
دليل من قال: يجوز جعل المتقوم دينًا في الذمة .
الدليل الأول:
الأصل في معاملات الناس الحل والجواز، ولو كان ممنوعًا شرعًا لجاء النص الشرعي الصحيح بمنع ذلك، ولم يقم دليل على المنع.
стр. 647
الدليل الثاني:
(ح-٥٤) ما رواه الخطيب في تاريخه من طريق شيخ بن عميرة بن صالح الأسدي، حدثنا الزبير، قال: حدثتني أم كلثوم ابنة عثمان بن مصعب بن الزبير، عن صفية ابنة الزبير بن هشام بن عروة، عن جدها هشام بن عروة، عن أبيه.
عن عائشة سألنا رسول الله ﷺ عن الخبز والخمير نقرضهم، ويردون أكثر أو أقل، فقال: ليس بهذا بأس، إنما هذه مرافق الناس، لا يراد بها الفضل (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 648
الدليل الثالث:
أن المقترض إذا لم يتمكن من رد القرض نفسه، فإنه يدفع قيمته، كما لو وجب عليه ضمانه لسبب آخر من إتلاف ونحوه، والقول قول المقترض؛ لأنه غارم.
стр. 649
الدليل الرابع:
أن القرض القصد منه الإرفاق والإحسان والمسامحة، ولذلك جاز النساء فيه بين الأموال الربوية، مع أنه في عقد المعاوضة محرم إجماعًا، فجواز دفع القيمة بدلًا من القرض يجوز من باب أولى، فباب القرض أخف من باب البيع.
يقول ابن تيمية: «باب القرض أسهل من باب البيع، ولهذا يجوز على الصحيح قرض الخبز عددًا، وقرض الخمير» (١).
стр. 650
الدليل الخامس:
المقرض والمقترض يعلمان أن هذا المال ليس له مثل، وأن القيمة سوف تدفع بدلًا منه، وتراضيا على ذلك، فأي محذور شرعي في منعه، فإن كان المنع حقًا لله، فلا بد من وجود نص من كتاب، أو سنة صحيحة يمنع منه، ولا وجود لذلك، وإن كان المنع حقًا لآدمي، فالغرر فيه يسير يتسامح فيه في باب القرض الذي هو من باب الإحسان، وقد تراضى المقرض والمقترض على ذلك، وطابت به نفوسهما، وهذا هو الذي يتمشى مع مقاصد الشرع في هذا العقد، وقضاء حاجة المحتاج، وعدم دفع المحتاج إلى معاملات التورق، ورفع السعر عليه مقابل التأجيل.
الراجح:
أن كل ما جاز بيعه جاز قرضه، سواء كان آدميًا أو غيره، وسواء كان مثليًا أو متقومًا، والقرض ليس من عقود المعاوضات، وإنما هو من عقود الإرفاق والإحسان، والله أعلم.
ثالثًا: في باب الضمان .
[م - ١١٥] إذا تلف الشيء في يد من عليه ضمانه (١)، فإن الواجب يختلف
стр. 651
بين المثلي والقيمي.
فقيل: عليه رد مثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقومًا. وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: يجب رد المثل مطلقًا، اختاره العنبري من الحنابلة (٥).
وقال ابن حزم: يجب رد المثل مطلقًا، فإن عدم المثل فالمضمون مخير بين أن يمهله حتى يوجد المثل، وبين أن يأخذ القيمة (٦).
وقيل: يضمن المثلي وغيره مطلقًا بالقيمة، اختاره بعض الفقهاء (٧)، وهو رأي الهادوية (٨).
стр. 652
وقد ذكرت ولله الحمد أدلة كل قول في باب تلف المبيع، وكيفية الضمان في المجلد الثالث من هذه المجموعة.
رابعًا: في باب القسمة
[م - ١١٦] فالمال المشترك بين رجلين أو أكثر إذا كان مثليًا كالمكيل والموزون والمعدود المتقارب تدخله القسمة جبرًا: أي يجبر الشريك على القسمة، ويتولاها القاضي.
قال المرداوي في الإنصاف: «إذا طلب أحدهما قسمه وأبى الآخر أجبر عليه بلا نزاع» (١).
وأما المال القيمي، فإن كان مما يمكن قسمه بلا ضرر، ولا يحتاج إلى رد عوض، كالأرض الواسعة، والقرى والبساتين والدور الكبار والدكاكين الواسعة فإنه يقسم قسمة إجبار كالمال المثلي.
وإن كان مما لا يمكن قسمه، إلا بضرر كنقص القيمة، أو برد عوض من أحدهما على الآخر لم يجبر أحدهما على القسمة.
قال في البحر الرائق: «القسمة ثلاثة أنواع:
قسمة لا يجبر الآبي عليها، كقسمة الأجناس المختلفة.
وقسمة يجبر عليها الآبي كقسمة ذوات الأمثال كالمكيل والموزون.
стр. 653
وقسمة يجبر الآبي في غير المثليات كالثياب من نوع واحد، والبقر والغنم» (١).
وقال في المهذب: «وإن طلب أحد الشريكين القسمة وامتنع الآخر
نظرت، فإن لم يكن على واحد منهم ضرر في القسمة كالحبوب والأدهان والثياب الغليظة وما تساوت أجزاؤه من الأرض والدور أجبر الممتنع؛ لأن الطالب يريد أن ينتفع بماله على الكمال، وأن يتخلص من سوء المشاركة من غير إضرار بأحد فوجبت إجابته إلى ما طلب، وإن كان عليهما ضرر كالجواهر، والثياب المرتفعة التي تنقص قيمتها بالقطع، والرحى الواحدة، والبئر والحمام الصغير لم يجبر الممتنع لقوله ﷺ لا ضرر ولا إضرار، وروي أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال؛ ولأنه إتلاف مال وسفه يستحق بها الحجر فلم يجبر عليه».
قال ابن رجب في قواعده: «إن كان المشترك مثليًا، وهو المكيل والموزون، وامتنع أحد الشريكين من الإذن في القسمة أو غاب، فهل يجوز للشريك الآخر أخذ قدر حقه منه بدون إذن الحاكم؟
على وجهين (أحدهما): الجواز وهو قول أبي الخطاب.
(والثاني): المنع وهو قول القاضي؛ لأن القسمة مختلف في كونها بيعا وإذن الحاكم يرفع النزاع» (٢).
وسوف يأتي مزيد بحث لهذه المسألة إن شاء الله تعالى في بابها، وإنما أردت هنا الإشارة إلى الآثار المترتبة على تقسيم المال إلى مثلي وقيمي، ولم أقصد تحرير قسمة المال المشترك بين الشركاء، وكيف يقسم، والله أعلم.
* * *
стр. 654
الفصل الأول
في كيفية تعيين المبيع من الثمن
المبحث الأول
تعيين المبيع من الثمن في مبادلة سلعة بنقد
عقد البيع: هو عقد مبادلة مال بمال، أحدهما يسمى (مبيعًا) يدفعه البائع، والآخر يسمى (ثمنًا) يدفعه المشتري، وتارة يكون الثمن نقودًا، وتارة يكون عروضًا.
والسؤال: كيف يتم تعيين المبيع من الثمن؟
وللجواب على ذلك يقال:
[م - ١١٧] إذا كان أحد العوضين نقودًا، والآخر سلعة، فهل النقد هو الثمن، ولا تأثير لباء الثمنية، أم أن ما تدخل عليه الباء هو الثمن؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب جماهير أهل العلم إلى أن النقود ثمن دائمًا، ولا أثر للصيغة - أعني سواء دخلت الباء على المبيع، أو على الثمن - حتى لو قال: بعتك دينارًا بهذه السلعة فإن الدينار هو الثمن رغم دخول الباء على (السلعة) وهي تدخل عادة على الثمن (١).
стр. 655
وإنما كانت الدراهم والدنانير هي الثمن لثلاثة أوصاف:
الوصف الأول: أن الدراهم والدنانير هي أثمان المبيعات، وهي المعيار الذي يعرف عن طريقه تقويم الأموال، فالأشياء سلع، والأثمان تعرف بواسطتها قيمة السلع، ولو كانت النقود سلعًا لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء.
الوصف الثاني: أن الثمن لا يقصد لعينه، بل يقصد التوصل به إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود (١).
الوصف الثالث: أن النقود لا تتعين بالتعيين، بخلاف السلع.
قال القرافي «أجمع الناس على أن العروض تتعين بالتعيين، وكذا الحيوان والطعام؛ لأن لهذه الأشياء من الخصوصيات والأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة، وتميل إليه العقول السليمة، والنفوس الخاصة، لما في تلك المعينات من الملاذ الخاصة في تلك الأعيان» (٢).
ولذلك وجود الثمن في ملك العاقد عند العقد ليس بشرط في صحة العقد،
стр. 656
وإنما يشترط ذلك في المبيع؛ لأن الثمن إنما يثبت دينًا في الذمة، ولا يتعين بالتعيين.
قال الفراء: الثمن: ما ثبت في الذمة. والفراء إمام في اللغة (١).
(ح-٥٥) ولما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير.
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، هو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (٢).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٣).
قال السرخسي: «وإذا ثبت جواز الاستبدال بالثمن قبل القبض، ثبت أن فوات التسليم فيه لا يبطل العقد؛ لأن في الاستبدال تفويت التسليم فيما استحق بالعقد، وبهذا ثبت أن ملكه عند العقد ليس بشرط؛ لأن اشتراط الملك عند العقد: إما لتمليك العين، والثمن دين في الذمة.
أو للقدرة على التسليم، ولا أثر للعجز عن تسليم الثمن في العقد» (٤).
القول الثاني:
أن الثمن هو ما دخلت عليه الباء مطلقًا، وهو وجه في مذهب
стр. 657
الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢).
ورجحه شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀.
قال في الشرح الممتع: «قال بعض العلماء: الثمن ما دخلت عليه الباء، فإذا قلت: بعت عليك ثوبًا بدرهم، فالثمن الدرهم، وإذا قال: بعت عليك درهما بثوب، فالثمن الثوب ... وهذا هو الأظهر حتى في عرف الناس، أن الثمن ما دخلت عليه الباء» (٣).
والأول أقوى من حيث الحجة، والله أعلم (٤).
* * *
стр. 658
المبحث الثاني
تعيين المبيع من الثمن في مبادلة النقد بمثله
إذا كان كل من العوضين نقودًا، كما لو باع دراهم بدنانير، أو ريالًا بجنيه، فكيف نعرف الثمن من المبيع؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
كلاهما ثمن من وجه، ومبيع من وجه آخر، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقال الكاساني: «أما الصرف فلأن كل واحد من بدلي الصرف مبيع من وجه وثمن من وجه؛ لأن البيع لا بد له من مبيع، إذ هو من الأسماء الإضافية وليس أحدهما بجعله مبيعًا أولى من الآخر، فيجعل كل واحد منهما مبيعًا من وجه وثمنا من وجه» (٢).
القول الثاني:
الثمن ما دخلت عليه الباء، وهو مذهب الجمهور (٣).
لأن الباء من معانيها التعويض، كما في قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦] فالدنيا والآخرة كلاهما يطلق عليه حياة، فتعين الثمن بما دخلت عليه الباء، فالمثمن الدنيا والثمن الآخرة.
* * *
стр. 659
المبحث الثالث
تعيين المبيع من الثمن في مبادلة سلعة بمثلها
إذا كان العوضان من السلع، فكيف يتم تحديد المبيع من الثمن؟
وللجواب على ذلك يقال: تختلف السلع بعضها عن بعض، فبعض السلع تكون مثلية، وبعضها قيمي:
والسلعة المثلية: هي كل سلعة يوجد لها مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به (١).
وأما السلعة القيمية: فهي ما لا يوجد لها مثل في السوق، أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به (٢).
وإذا كان الأمر كذلك فلا تخرج القسمة في حالة كون المبيع سلعة بسلعة عن الآتي:
(١) مبادلة سلعة مثلية بسلعة قيمية:
[م-١١٨] إذا بيع مال قيمي بمال مثلي، فلا يخلو من حالتين:
(أ): أن يكون المال المثلي معينًا كما لو أشير إليه مثلًا، كبعتك هذه الفرس بهذه المائة صاع من البر. أو قال: بعتك هذه المائة صاع من القمح، بهذه الفرس. فالقيمي هو المبيع، والمثلي هو الثمن، ولا عبرة بالصيغة، وهذا مذهب الجمهور (٣).
стр. 660
لأن الثمن هو ما يثبت دينًا في الذمة، والمال المثلي: هو الذي يقبل أن يكون دينًا في الذمة.
وقيل: الثمن ما دخلت عليه الباء، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وقد ذكرنا دليلهم في المسألة السابقة.
(ب): أن تكون الأموال المثلية غير معينة، فالثمن هو العوض المقترن بالباء، كما لو قال: بعتك هذه الفرس برطل من البر، فالبر هو الثمن، لدخول الباء عليه، ولو قال: بعتك رطلًا من البر بهذه الفرس، فالفرس هي الثمن، وهو من بيع السلم؛ لأن المبيع موصوف في الذمة، والثمن معجل، وهذا حقيقة السلم (٣).
(٢) مبادلة مال مثلي بمال مثلي .
إذا بيع مال مثلي بمال مثلي، فإما أن يكونا معينين، أو يكون أحدهما معينًا، والآخر موصوفًا في الذمة.
فإن كانا معينين فما صحبه الباء فهو الثمن، والآخر مبيع.
وإن كان أحدهما معينًا، والآخر موصوفًا في الذمة، فما كان موصوفًا في الذمة فهو الثمن، وما كان معينًا فهو المبيع. هذا مذهب الحنفية (٤).
واختار الشافعية والحنابلة بأن السلعة إذا بيعت بسلعة، فالثمن ما اتصلت به الباء، والمبيع ما يقابله مطلقًا، سواء كان المال مثليًا أو كان غير مثلي،
стр. 661
جاء في روضة الطالبين:
«وفي حقيقة الثمن أوجه .... أصحها أن الثمن النقد، والمثمن ما يقابله، فإن لم يكن في العقد نقد، أو كان العوضان نقدين، فالثمن ما ألصق به الباء، والمثمن ما يقابله» (١).
وجاء في الإنصاف: «يتميز الثمن عن المثمن بدخول باء البدلية مطلقًا على الصحيح من المذهب. قدمه في التلخيص والرعاية. وقال: وهو أولى .... وقيل: إن اشتملت الصفقة على أحد النقدين. فهو الثمن وإلا فهو ما دخلته باء البدلية. نحو لو قال: بعتك هذا بهذا. فقال المشتري: اشتريت أو قال: اشتريت هذا بهذا. فقال البائع: بعتك ... » (٢).
(٣) مبادلة مال قيمي بمال قيمي .
فقيل: كل منهما مبيع من وجه، وثمن من وجه، وهذا مذهب الحنفية.
لأن البيع لا بد له من مبيع، إذ هو من الأسماء الإضافية وليس أحدهما بجعله مبيعًا أولى من الآخر، فيجعل كل واحد منهما مبيعًا من وجه وثمنا من وجه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الثمن ما دخلت عليه الباء، وقد تقدم ذكر مذهبهم ودليلهم، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأقوال، الذي تميل له نفسي أن ما يميز الثمن عن المبيع هو النقد إن وجد، فإن لم يوجد نقد كان ما يميز الثمن عن المبيع هو باء الثمنية، لا
стр. 662
فرق في ذلك بين الثمن المثلي والقيمي، بدليل أننا في السلم لو اشترى مائة رطل مؤجلة بثوب معين كان الثوب هو الثمن، ولا عبرة في المثلي والقيمي، والله أعلم.
ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور:
الخلاف بين الجمهور والحنفية في تعيين المبيع من الثمن تظهر ثمرته في بعض الأحكام، منها:
الفائدة الأولى:
سبق لنا أن مذهب الحنفية لا يشترطون في المالية أن يكون المال مباح النفع، فالخمر عندهم مال لكنه غير متقوم، فكون الخمر ثمنًا يفسد العقد، ولا يبطله، وإذا كان مبيعًا فإنه يبطل العقد، بناء على مذهب الحنفية في التفريق بين العقد الفاسد والباطل، وقد سبق الكلام عليه.
ومعنى هذا: أن التقوم في الثمن شرط صحة، والتقوم في المبيع شرط انعقاد.
وحجتهم:
أن المبيع يقصد لنفسه بالتملك والتمليك، والخمر لا يصح تملكه، فلا يصح أن يكون مبيعًا، وأما كون الخمر أو الخنزير ثمنًا، فالثمن وسيلة وليس مقصودًا بنفسه، ولذلك يجب في الذمة، وما يكون في الذمة لا يكون مقصودًا بنفسه، بل يكون وسيلة إلى المقصود، فينعقد البيع، ويجب على مشتريه القيمة (١).
стр. 663
قال ابن عابدين: «وحاصله أن المال أعم من المتمول؛ لأن المال ما يمكن ادخاره ولو غير مباح كالخمر، والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة، فالخمر مال لا متقوم، فلذا فسد البيع بجعلها ثمنًا، وإنما لم ينعقد أصلا بجعلها مبيعًا؛ لأن الثمن غير مقصود، بل وسيلة إلى المقصود؛ إذ الانتفاع بالأعيان لا بالأثمان، ولهذا اشترط وجود المبيع دون الثمن، فبهذا الاعتبار صار الثمن من جملة الشروط بمنزلة آلات الصناع .... قال في البحر: ثم اعلم أن البيع وإن كان مبناه على البدلين، لكن الأصل فيه المبيع دون الثمن، ولذا تشترط القدرة على المبيع دون الثمن، وينفسخ بهلاك المبيع دون الثمن» (١).
الفائدة الثانية:
لا يشترط وجود الثمن في ملك العاقد عند العقد، ولا القدرة على تسليمه، ولا يبطل العقد بهلاك الثمن.
وقد سبق لنا قول ابن عابدين قبل قليل: «ولذا تشترط القدرة على المبيع دون الثمن، وينفسخ بهلاك المبيع دون الثمن».
وقال السرخسي: «ومن حكم الثمن أن وجوده في ملك العاقد عند العقد ليس بشرط لصحة العقد، وإنما يشترط ذلك في المبيع .. » (٢).
الفائدة الثالثة:
إذا كان الثمن يثبت في الذمة، وكانت النقود ثمنًا أبدًا، وما يقابلها فهو مبيع، فهل تتعين النقود بالتعيين بحيث لا يمكن استبدالها، ويبطل العقد إذا استحقت
стр. 664
للغير أو تلفت، أو لا تتعين بالتعيين، فيجوز إبدالها، كما لو اشترى شيئًا بدراهم معينة، فله أن يحبسها، ويعطي البائع مثلها، ولا يبطل العقد بتلفها؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، ولأهميتها سوف أفردها بالبحث إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 665
المبحث الرابع
هل تتعين النقود بالتعيين
[م - ١١٩] الدراهم مثلية بالاتفاق، لأن آحادها متساوية، لا فرق فيه بين درهم وآخر، فإذا عينت بالعقد كما لو اشترى سيارة بهذه الدراهم، وقد عينها بالإشارة، فهل تتعين، ويتعلق حق البائع بعين هذه الدراهم، أو أنه يجوز أن يدفع له مثلها.
اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
النقود لا تتعين بالتعيين، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ورواية في مذهب الحنابلة (٣).
القول الثاني:
النقود تتعين بالتعيين، وهذا القول هو مذهب الشافعية (٤)، ومذهب الحنابلة (٥).
стр. 666
القول الثالث:
إن عينها الدافع تعينت، وإن عينها القابض لم تتعين، وهو قول في مذهب المالكية (١).
القول الرابع:
تتعين في الغصب والوديعة دون العقد، وهو رواية عن أحمد (٢).
وتظهر فائدة الخلاف في مسائل منها:
لو تلفت تلك الدراهم قبل القبض، فعلى القول بأنها تتعين بالتعيين ينفسخ العقد وعلى القول بأنها لا تتعين لا ينفسخ.
ومنها: لو أراد أن يمسك تلك ويدفع بدلها، فعلى القول بأنها تتعين ليس له ذلك وعلى القول بأنها لا تتعين يجوز.
ومنها: لو وجد بتلك الدراهم عيبا وردها، فعلى القول بأنها تتعين بالتعيين ينفسخ العقد وليس له طلب البدل وعلى القول بأنها لا تتعين له ذلك.
دليل الحنفية والمالكية على كونها لا تتعين:
الدليل الأول:
(ح-٥٦) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير.
عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، هو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع
стр. 667
بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أجاز استبدال الدراهم بالدنانير، ولم يستفصل الرسول ﷺ ، هل يستبدلون ذلك بالدراهم المعينة، أو غير المعينة، فدل على عدم تعيين النقود بالتعيين (٣).
الدليل الثاني:
المقصود من الدراهم والدنانير رواجها لا عينها وغير المعين يعمل عمل المعين، والمقصود منها المالية، وما وراء ذلك، هي والأحجار سواء، فعلمنا أن التعيين لا يفيد (٤).
ونوقش:
بأن قولكم بأن التعيين لا يفيد غير مسلم، لأن المشتري قد يقصد بالتعيين أن لا يتعلق الثمن بذمته (٥).
стр. 668
الدليل الثالث:
الدارهم بمنزلة المكيال، وصنجة الميزان، المقصود قدرها لا عينها (١).
ونوقش الاستدلال:
بأن المكيال والصنجة ليستا بعوض، وإنما يرادان لمعرفة المقدار، ولا يثبت فيهما الملك بحال (٢).
دليل من قال: النقود تتعين بالتعيين .
الدليل الأول:
إذا تعينت النقود فإن العقد قد وقع على عينها، فتعلق الحكم بها، فلا يجوز استبدالها.
الدليل الثاني:
القياس على السلعة فإنها تتعين بالإجماع، والبيع عوض كالسلعة.
الدليل الثالث:
القياس على الغصب فإن الدراهم والدنانير تتعين فيه بالإجماع كذا قال النووي (٣).
ونوقش هذا:
بأن الإجماع لم يثبت، وللغاصب أن يعطي المغصوب من غيرها ما دام من جنسها وقدر وزنها (٤).
стр. 669
الدليل الرابع:
القياس على ما لو أخذ صاعًا من صبرة، فباعه بعينه فإنه يتعين بالإجماع ولا يجوز أن يعطي صاعا آخر بدله من تلك الصبرة، مع أنه يعمل عمله (١).
ويجاب:
بأن هناك فرقًا بين السلع وبين النقود، فالنقود وسائل لتحصيل الأغراض من السلع، والمقاصد إنما هي السلع، فالنقود ليست مقصودة لذاتها (٢)، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أن السلع يشترط أن تكون مملوكة لبائعها وقت العقد إلا في السلم خاصة، وليست النقود كذلك.
الدليل الخامس:
يلزم على القول بأن النقود لا تتعين بالتعيين، أن من ملك دينارًا لم يملك عينه، ولا جنسه لبطلان القول به، فيلزم أن من ملك دينارا أو غيره من النقود لم يملك شيئًا على هذا القول، أو كيف يصح أن يقال: بأنه يملك الجنس الكلي، وهو ذهني عند مثبتيه (٣).
ونوقش هذا:
بأن الكلام ليس في باب الملكية، وإنما الكلام في باب المعاوضات، هل يتعلق حق الغير بالذمة، أو يتعلق بذات النقود، بحيث لو سلم نقودًا غير التي عقد عليها، هل تبرأ ذمته بذلك، ولو كانت النقود تالفة هل يلزمه بدلها، أو ينفسخ البيع.
стр. 670
تعليل من قال: إن عينها الدافع تعينت بخلاف القابض .
أن الدافع إذا عينها تعينت؛ لأنه أملك بها، وهو مالكها بخلاف القابض، فهو لا يملكها إلا بالقبض.
تعليل من فرق بين باب الغصب والوديعة وباب المعاوضات .
أن الرد في المغصوب والوديعة متعلق في عين الشيء لأنه ليس فيه ثمن ومثمن، ولذلك لو تلفت الوديعة بدون تعد ولا تفريط لم يضمن المودع، وأما الغاصب فإنه يضمن مطلقًا؛ لأنه متعد، فهو كما لو تعدى، أو فرط المودع، بخلاف باب المعاوضة فالحق متعلق في الذمة.
الراجح:
أرى أن القول الراجح هو القول بأن النقود لا تتعين بالتعين لقوة أدلته، وضعف الأقوال الأخرى، والله أعلم.
* * *