القول الثالث:
إن عينها الدافع تعينت، وإن عينها القابض لم تتعين، وهو قول في مذهب المالكية (١).
القول الرابع:
تتعين في الغصب والوديعة دون العقد، وهو رواية عن أحمد (٢).
وتظهر فائدة الخلاف في مسائل منها:
لو تلفت تلك الدراهم قبل القبض، فعلى القول بأنها تتعين بالتعيين ينفسخ العقد وعلى القول بأنها لا تتعين لا ينفسخ.
ومنها: لو أراد أن يمسك تلك ويدفع بدلها، فعلى القول بأنها تتعين ليس له ذلك وعلى القول بأنها لا تتعين يجوز.
ومنها: لو وجد بتلك الدراهم عيبا وردها، فعلى القول بأنها تتعين بالتعيين ينفسخ العقد وليس له طلب البدل وعلى القول بأنها لا تتعين له ذلك.
دليل الحنفية والمالكية على كونها لا تتعين:
الدليل الأول:
(ح-٥٦) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير.
عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، هو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع
стр. 667
بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أجاز استبدال الدراهم بالدنانير، ولم يستفصل الرسول ﷺ ، هل يستبدلون ذلك بالدراهم المعينة، أو غير المعينة، فدل على عدم تعيين النقود بالتعيين (٣).
الدليل الثاني:
المقصود من الدراهم والدنانير رواجها لا عينها وغير المعين يعمل عمل المعين، والمقصود منها المالية، وما وراء ذلك، هي والأحجار سواء، فعلمنا أن التعيين لا يفيد (٤).
ونوقش:
بأن قولكم بأن التعيين لا يفيد غير مسلم، لأن المشتري قد يقصد بالتعيين أن لا يتعلق الثمن بذمته (٥).
стр. 668
الدليل الثالث:
الدارهم بمنزلة المكيال، وصنجة الميزان، المقصود قدرها لا عينها (١).
ونوقش الاستدلال:
بأن المكيال والصنجة ليستا بعوض، وإنما يرادان لمعرفة المقدار، ولا يثبت فيهما الملك بحال (٢).
دليل من قال: النقود تتعين بالتعيين .
الدليل الأول:
إذا تعينت النقود فإن العقد قد وقع على عينها، فتعلق الحكم بها، فلا يجوز استبدالها.
الدليل الثاني:
القياس على السلعة فإنها تتعين بالإجماع، والبيع عوض كالسلعة.
الدليل الثالث:
القياس على الغصب فإن الدراهم والدنانير تتعين فيه بالإجماع كذا قال النووي (٣).
ونوقش هذا:
بأن الإجماع لم يثبت، وللغاصب أن يعطي المغصوب من غيرها ما دام من جنسها وقدر وزنها (٤).
стр. 669
الدليل الرابع:
القياس على ما لو أخذ صاعًا من صبرة، فباعه بعينه فإنه يتعين بالإجماع ولا يجوز أن يعطي صاعا آخر بدله من تلك الصبرة، مع أنه يعمل عمله (١).
ويجاب:
بأن هناك فرقًا بين السلع وبين النقود، فالنقود وسائل لتحصيل الأغراض من السلع، والمقاصد إنما هي السلع، فالنقود ليست مقصودة لذاتها (٢)، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أن السلع يشترط أن تكون مملوكة لبائعها وقت العقد إلا في السلم خاصة، وليست النقود كذلك.
الدليل الخامس:
يلزم على القول بأن النقود لا تتعين بالتعيين، أن من ملك دينارًا لم يملك عينه، ولا جنسه لبطلان القول به، فيلزم أن من ملك دينارا أو غيره من النقود لم يملك شيئًا على هذا القول، أو كيف يصح أن يقال: بأنه يملك الجنس الكلي، وهو ذهني عند مثبتيه (٣).
ونوقش هذا:
بأن الكلام ليس في باب الملكية، وإنما الكلام في باب المعاوضات، هل يتعلق حق الغير بالذمة، أو يتعلق بذات النقود، بحيث لو سلم نقودًا غير التي عقد عليها، هل تبرأ ذمته بذلك، ولو كانت النقود تالفة هل يلزمه بدلها، أو ينفسخ البيع.
стр. 670
تعليل من قال: إن عينها الدافع تعينت بخلاف القابض .
أن الدافع إذا عينها تعينت؛ لأنه أملك بها، وهو مالكها بخلاف القابض، فهو لا يملكها إلا بالقبض.
تعليل من فرق بين باب الغصب والوديعة وباب المعاوضات .
أن الرد في المغصوب والوديعة متعلق في عين الشيء لأنه ليس فيه ثمن ومثمن، ولذلك لو تلفت الوديعة بدون تعد ولا تفريط لم يضمن المودع، وأما الغاصب فإنه يضمن مطلقًا؛ لأنه متعد، فهو كما لو تعدى، أو فرط المودع، بخلاف باب المعاوضة فالحق متعلق في الذمة.
الراجح:
أرى أن القول الراجح هو القول بأن النقود لا تتعين بالتعين لقوة أدلته، وضعف الأقوال الأخرى، والله أعلم.
* * *
стр. 671
الفصل الثاني
في شروط المعقود عليه (المبيع والثمن)
الشرط الأول
في طهارة المعقود عليه
[م - ١٢٠] هل يشترط أن يكون كل من الثمن والمبيع طاهرين، أو تجوز المعاوضة على الأعيان النجسة؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
إذا جرى العمل بالانتفاع بالنجس، وتموله في غير الأكل جاز بيعه، ومثله الزيت الطاهر تقع فيه نجاسة، فتنجسه، ويكون الزيت هو الغالب فيجوز بيعه مع بيان عيبه، والانتفاع به في غير الأكل. وهذا القول هو مذهب الحنفية (١).
стр. 672
واختيار ابن قاسم من المالكية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
القول الثاني:
نجس العين لا يجوز بيعه، وكذا ما لا يمكن تطهيره من المتنجس، وهو مذهب الجمهور، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
стр. 673
وسبب الخلاف اختلافهم في علة المنع من بيع الميتة، بعد اتفاقهم على عدم
стр. 674
جواز بيعها، فقد ثبت النهي عن بيع الميتة في حديث جابر المتفق عليه (١)، فهل العلة كونها نجسة؟ وبالتالي ينسحب الحكم على كل نجس من جماد، وحيوان، أو العلة، كونها ليست مالًا؛ لكون المنفعة فيها منتفية، فإن الميتة يحرم أكلها، وهو المنفعة المقصودة منها.
ولذلك لما قال رسول الله ﷺ في جلد الميتة: ألا انتفعتم بإهابها، قالوا: إنها ميتة، قال ﷺ : إنما حرم أكلها. متفق عليه (٢).
كما اختلفوا بتفسير قوله ﷺ : (إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه) رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح (٣).
فأخذ بعضهم بظاهره، ورأى أن النجاسة يحرم أكلها، فيحرم أكل ثمنها.
وخالف في ذلك بعضهم:
قال ابن عبد البر: «إنما هو كلام خرج على شحوم الميتة التي حرم أكلها، ولم يبح الانتفاع بشيء منها، وكذلك الخمر، والمعنى في ذلك: أن الله تعالى إذا حرم أكل شيء، ولم يبح الانتفاع به، حرم ثمنه، وأما ما أباح الانتفاع به فليس مما عني بقوله: إن الله إذا حرم أكل شيء حرم عليهم ثمنه، بدليل إجماعهم على بيع الهر، والسباع، والفهود المتخذة للصيد، والحمر الأهلية، قالوا: وكل ما يجوز الانتفاع به يجوز بيعه» (٤).
стр. 675
وقال الباجي: «ما لا يجوز أكله مما معظم منفعته الأكل، لا يجوز أكل ثمنه، فلا يجوز أكل ثمن الخمر، ولا ثمن الخنزير، ولا الميتة، وما جرى مجرى ذلك، وأما ما له منفعة فإنه يجوز أكل ثمنه وإن لم يجز أكله كالعبيد والإماء والله أعلم وأحكم» (١).
دليل من قال: يجوز بيع النجس إذا جرى الانتفاع به .
الدليل الأول:
لم يرد نص صريح في النهي عن بيع النجس، والرسول ﷺ أعطي جوامع الكلم، لو كان بيع النجس لا يجوز لجاء النص الصريح في عدم جواز بيع النجس، والنهي عن بيع الميتة لا يلزم منه النهي عن بيع كل شيء نجس، بل يؤخذ من النهي عن بيع الميتة: النهي عن بيع ما لا نفع فيه، فإن الميتة المقصود منها أكلها، وهو حرام، فتبقى لا منفعة فيها.
ونوقش هذا:
بأننا لا نسلم أن الميتة لا نفع فيها فيما عدا الأكل، فهذا شحم الميتة يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح الناس بها، ومع ذلك لم يأذن الرسول ﷺ في بيعها مع قيام هذه المنافع بين الناس.
وسيأتي إن شاء الله تعالى مناقشة حديث جابر أثناء ذكر أدلة الجمهور.
الدليل الثاني:
المسلمون ما زالوا ينتفعون في السرجين، ويتمولونه، وهذا دليل على جواز
стр. 676
بيعه، وإذا جاز بيع السرجين، وهو نجس العين، جاز بيع كل ما هو نجس مما جرى الانتفاع به، وتموله.
قال ابن نجيم: «كره بيع العذرة إلا السرقين؛ لأن المسلمين يتمولون السرقين، وانتفعوا به في سائر البلاد والأمصار من غير نكير، فإنهم يلقونه في الأراضي لاستكثار الريع، بخلاف العذرة؛ لأن العادة لم تجر بالانتفاع بها .. » (١).
ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين حل الانتفاع، وبين جواز البيع، فباب الانتفاع أوسع من باب البيع.
يقول ابن القيم: «وينبغي أن يعلم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه، حرم الانتفاع به، بل لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع» (٢).
وقد يباح الانتفاع بعين ما، ولا يجوز بيعها كالكلب على الصحيح، وسيأتي إن شاء الله كلام أهل العلم في حكم بيعه.
هذه من جهة، ومن جهة أخرى لا نسلم بنجاسة السرجين مطلقًا، والناس كانوا ينتفعون بسرجين الدواب الطاهرة، مثل بهيمة الأنعام، وهذا لا حرج فيه.
стр. 677
دليل من قال: لا يجوز بيع النجس .
الدليل الأول:
الأدلة الصحيحة على تحريم بيع الميتة، والخنزير.
(ح-٥٧) فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح.
عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها، جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه (١).
وجه الاستدلال:
لما بلغ الرسول ﷺ النهي عن بيع الميتة، قال رجل: أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود .. الخ أي فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع؛ فإنها مقتضية لصحة البيع، فقال ﷺ : لا هو حرام، أي البيع.
قال النووي: «والضمير في «هو» يعود إلى البيع، لا إلى الانتفاع، هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه، أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة في طلي السفن والاستصباح بها، وغير ذلك مما ليس بأكل، ولا في بدن الآدمي، وبهذا قال أيضًا عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن جرير الطبري» (٢).
стр. 678
ورجح ذلك ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى (١).
وقوله ﷺ : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه مشعر بأن النهي عن البيع، لأن من نهي عن أكل شيء، ثم باعه، فأكل ثمنه كأنه أكل ما نهي عنه، مثله في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] يدخل فيه ما لو باعه الرجل الرجل، فأكل ثمنه.
فيكون قوله: لا هو حرام، أي لا تبيعوا الميتة، فتأكلوا ثمنها، كما باع اليهود شحوم الميتة، فإنكم في هذا بمنزلة من أكل الميتة.
واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد، فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة، ولا فرق (٢).
ويدل على جواز الانتفاع أيضًا ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس في شاة ميمونة، بلفظ: «هلا انتفعتم بإهابها، قالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها» (٣).
فهذا مشعر بحل الانتفاع بما عدا الأكل.
وأجاب الحنفية وغيرهم:
بأن قوله ﷺ : لا هو حرام: أي الانتفاع، فقال: يحرم الانتفاع بها، قال
стр. 679
ابن حجر: «وهو قول أكثر العلماء، فلا ينتفع من الميتة أصلًا عندهم إلا ما خص بالدليل، وهو الجلد المدبوغ» (١).
ونسب القول إلى الجمهور النووي في شرحه لصحيح مسلم (٢).
واستدلوا على هذا بأدلة منها:
أولًا: إباحة الانتفاع بهذه الأشياء ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها.
(ح-٥٨) ثانيًا: ما رواه أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب.
عن أبي هريرة، قال: سئل النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن، فقال: إن كان جامدًا، فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه (٣).
وجه الاستدلال:
أن إباحة الانتفاع به في الاستصباح وغيره قربان له، والرسول ﷺ قد نهى عن قربان الدهن المتنجس، فما بالك بالدهن النجس.
ونوقش هذا:
بأن الحديث قد أخطأ فيه معمر في إسناده ومتنه، والمحفوظ منه: «ألقوها وما حولها، وكلوه» (٤).
стр. 680
الدليل الثاني:
نقل ابن المنذر الإجماع على تحريم بيع الخمر، والميتة، والدم (١)، وحكى ابن حجر الإجماع على تحريم بيع الخنزير (٢).
ونوقش:
بأن العلة في بيع الخمر ليست النجاسة، وقد ذكرنا خلاف العلماء في نجاسة الخمر، وذكرت أن القول بالنجاسة قول العامة، والصواب طهارته، وهو ما رجحه شيخنا محمد بن عثيمين عليه رحمة الله، وقد حررت خلاف أهل العلم في نجاسة عينه فيما سبق (٣).
كما أن الخنزير مختلف في نجاسته حال الحياة، وقد ذكرت خلاف العلماء في ذلك (٤)، وعلى القول بنجاسته، وهو الراجح، لا يسلم أن العلة في المنع من بيعه هو النجاسة، فقد تكون العلة عدم المالية، فإنه لا يشتمل على منفعة مباحة، ومع ذلك فالحنابلة يرون أن ما كان فوق الهرة في الخلقة مما لا يحل أكله نجس العين، ومع ذلك يجيزون بيعه، وذلك نحو سباع البهائم، والطير التي تصلح للصيد، وكذلك يجوز بيع القرد، والحمار، والبغل، ونحوها مع كونها نجسة عندهم، وهذا ضرب من التناقض.
стр. 681
الدليل الثالث:
(ح-٥٩) ما رواه البخاري في صحيحه من طريق شعبة.
عن عون بن أبي جحيفة، قال: رأيت أبي اشترى عبدًا حجامًا، فأمر بمحاجمه، فكسرت، فسألته، فقال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وعن ثمن الدم ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
نص الحديث: النهي عن بيع الدم، قال ابن حجر: وهو حرام إجماعًا، يعني بيع الدم، وأخذ ثمنه (٢).
قال ابن عبد البر: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الدم، وهذا حديث صحيح، وظاهره عندي على غير ما تأوله أبو جحيفة، بدليل ما في حديث أنس هذا؛ لأن نهيه ﷺ عن ثمن الدم ليس من أجرة الحجام في شيء، وإنما هو كنهيه عن ثمن الكلب، وثمن الخمر، والخنزير، وثمن الميتة، ونحو ذلك، ولما لم يكن نهيه عن ثمن الكلب تحريمًا لصيده، كذلك ليس تحريم الدم تحريمًا لأجرة الحجام؛ لأنه إنما أخذ أجرة تعبه وعمله» (٣).
وسيأتي بحث كسب الحجام إن شاء الله تعالى في بحث مستقل.
ويناقش:
بأن النهي عن ثمن الدم ليس لعلة النجاسة، وإن كان الأئمة الأربعة على نجاسة الدم، وإنما النهي عن ثمن الدم كالنهي عن ثمن ضراب الفحل.
стр. 682
الدليل الرابع:
(ح-٦٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن.
عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن (١).
ونوقش هذا:
بأن العلماء قد اختلفوا في نجاسة الكلب، وقد حررت كلامهم في كتابي أحكام الطهارة (أحكام النجاسات) وعلى القول بأنه نجس، وهو الصحيح، فإن العلة في المنع من بيعه مختلف فيها، فيرى بعض أهل العلم أن العلة النجاسة، ويرى آخرون أن العلة النهي عن اتخاذه، والأمر بقتله، ولا يمنع الإنسان من اقتناء السرجين النجس، فدل على وجود الفرق، وسيأتي إن شاء الله تعالى في بحث مستقل حكم بيع الكلب، وذكر أدلة الفريقين، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
الراجح:
الخلاف في المسألة قوي، ولكل قول وجهة، فإن قلنا: يجوز بيع النجس إذا كان مشتملًا على منفعة، فما بال الميتة منع الشارع من بيعها مع وجود بعض المنافع، وإذا كان النهي عن الانتفاع بالميتة لكونها نجسة، فالناس ما زالوا ينتفعون بالأشياء النجسة كالكلاب، وسباع البهائم، والطير الصالحة للصيد، والذي أميل إليه: أن النجس الذي لا يمكن تطهيره إذا كان فيه منفعة، والناس محتاجون إليه، ولم يكن منهيًا عن بيعه بخصوصه، كالكلب، والميتة، فإنه لا حرج في بيعها؛ لأن المنفعة مال، ولأن الأعيان النجسة تملك، والملك سبب لإطلاق التصرف، والمنفعة المباحة يباح استيفاؤها، فيجوز أخذ العوض
стр. 683
عليها، وأما ما نص على النهي عن بيعه من النجاسات، فلا يجوز بيعه، ولو كان مشتملًا على منفعة، هذا أحسن ما رأيت أن أذهب إليه، احترامًا للنص الشرعي، ولعدم التناقض، قال الشوكاني: «بيع تلك الأعيان المنصوص عليها في الأحاديث حرام باطل، ومن جادل في ذلك، وألزم بإلزامات مذهبية فهو منتصب للرد على رسول الله ﷺ ، وما لنا ولكون فلان لم يعمل بكذا، أو ترك العمل بكذا فلزمه كذا، فإن هذه المباحثة بالجهل أشبه منها بالعلم، واستعمال القواعد الجدلية عند الكلام على الأدلة الشرعية من التلاعب الذي لا يرضاه متدين، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ... » (١).
وأما المتنجس الذي يمكن تطهيره فهذا لا حرج في بيعه، وذلك مثل جلد الميتة إذا دبغ، فإنه بمنزلة الثوب تلحقه النجاسة، فيغسل، فيكون طاهرًا، وقد حررت الخلاف في طهارة جلد الميتة بالدباغ (٢) ورجحت طهارته.
وإذا علم ذلك فإن تطبيقات هذا الشرط (أعني اشتراط طهارة المعقود عليه) يدخل فيه مسائل كثيرة،، منها حكم بيع الكلب، وبيع الميتة، وبيع الدم، وبيع السرجين، وبيع سباع البهائم والطير التي تصلح للصيد، وغيرها من المباحث، والتي سوف نناقشها إن شاء الله تعالى في فصل موانع البيع.
* * *
стр. 684
فرع
الصابون من الزيت النجس
[م -١٢١] الزيت المتنجس إذا تحول إلى صابون فقد استحال إلى عين أخرى، فهل يحكم له بالطهارة؟
الجواب على ذلك ينبني على سؤال آخر، وهو هل تطهر النجاسة باستحالتها إلى عين طاهرة؟ وهي مسألة خلافية:
فالعلماء مجمعون على أن الطعام الطيب إذا تحول إلى عذرة من بني آدم أصبح نجسًا، ولا ينظر إلى أصله، وأما إذا تحولت العين الخبيثة إلى عين طاهرة، هل تتحول إلى الطهارة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين بعد اتفاقهم على طهارة الخمرة إذا انقلبت إلى خل بنفسها، وهذا بناء على القول بنجاسة الخمرة.
القول الأول:
إن الاستحالة مطهرة، وهو مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، واختيار ابن حزم (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤).
القول الثاني:
لا تأثير للاستحالة، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 685
وقد ذكرنا أدلة الأقوال، ومناقشتها، وبيان الراجح في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، فانظره مشكورًا (١).
* * *
стр. 686
الشرط الثاني
اشتمال المعقود عليه على منفعة مباحة
[م -١٢٢] يجب أن يكون المعقود عليه مشتملًا على منفعة مباحة مطلقًا.
لأن بذل المال في مقابلة ما لا منفعة فيه يعتبر من إضاعة المال، وقد نهينا عن إضاعة المال.
(ح-٦١) ما رواه الشيخان من طريق الشعبي، عن كاتب المغيرة.
عن المغيرة قال: إن الله كره لكم قيل وقال: وإضاعة المال، وكثرة السؤال (١).
كما أن أخذ المال في مقابل ما لا منفعة فيه يعتبر من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨].
ويكفي أصل المنفعة وإن قَلَّت قيمتها، كما في التراب والماء، ولا يقدح في المنفعة إمكانية تحصيلها بلا مؤنة أو تعب (٢).
جاء في مواهب الجليل «إذا تقرر اشتراط المنفعة فيكفي مجرد وجودها وإن قلت ولا يشترط كثرة القيمة فيها ولا عزة الوجود بل يصح بيع الماء
стр. 687
والتراب والحجارة؛ لتحقيق المنفعة .. » (١).
كما ينظر في المنفعة استحقاقها في المآل، ولا يشترط وجودها في الحال، كما لو اشترى جحشًا صغيرًا جدًا للركوب عليه، أو اشترى أرضًا سبخة ليعالجها، ثم يزرعها، إلا في الحبوب والثمار فيشترط بدو صلاحهما، وسيأتي الكلام عليهما في باب مستقل إن شاء الله تعالى (٢).
ويستثنى من ذلك الآدمي الحر، فإنه وإن كان مشتملًا على منفعة، فلا يجوز بيعه.
(ح-٦٢) لما روى البخاري من طريق إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد.
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يُعْطِ أجره (٣).
كما استثنى الجمهور بيع أم الولد كذلك (٤).
стр. 688
واختلفوا في بيع المدبر (١).
ويمكن تقسيم الأشياء بالنسبة إلى المنفعة إلى أقسام:
القسم الأول: ما لا منفعة فيه أصلًا إما لقلته كالحبة من الحنطة، أو لخسته كحشرات الأرض من الخنافس ونحوها، فلا يجوز بيعه.
القسم الثاني: ما كان جميع منافعه محرمة، وهذا في الحكم بمنزلة ما لا منفعة فيه؛ لأن المنفعة المحرمة وجودها كعدمها.
стр. 689
القسم الثالث: ما فيه منافع محللة، ومنافع محرمة، وهذا القسم هو الذي يكثر فيه الخلاف، ويمكن تقسيمه إلى أقسام:
(أ) أن يكون جل منافعه، والمقصود منها محرمًا، والحلال منها تبعًا، فهذا يلحق بالقسم المنهي عن بيعه، ولذلك قال تعالى عن الخمر ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].
(ب) أن يكون جل المنافع والمقصود منها حلالًا، والمحرم تبعًا، فيلحق بالقسم الجائز بيعه، كما في بعض البيوع التي فيها غرر يسير، أو غير مقصود.
(ج) أن يكون فيه منافع مقصودة حلال، وفيه منافع مقصودة حرام، فهذا قد يختلف الحكم بحسب الغرض الذي عقد لأجله البيع، كجهاز التلفاز، والسلاح، والعنب، فإن من اشترى التلفاز ليرى فيه ما حرم الله، أو اشترى السلاح لغرض القتل المحرم، أو اشترى العنب بقصد عصره خمرًا حرم البيع في كل ذلك، وإن اشتراه لغرض منافعه المباحة كان ذلك مباحًا، والله أعلم (١).
إذا علم هذا، فإن تطبيقات اشتراط أن يكون في المعقود عليه منفعة مباحة يدخل فيه مسائل كثيرة سوف نتعرض لها بالبحث، وما لم يذكر منها يكون إن شاء الله تعالى مقيسًا عليها، من ذلك: بيع المصحف، والهر، والقرد، والفيل، وسباع البهائم والطير، والحشرات، ولبن الآدميات، والسم، وبيع الدمى (لعب الأطفال المجسمة).
* * *
стр. 690
المبحث الأول
في بيع المصحف وشرائه
[م-١٢٣] اختلف العلماء في بيع المصحف، فذهب الأئمة الأربعة إلى جواز الشراء، واختلفوا في البيع على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجوز بيع المصحف، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، واختيار ابن حزم (٤).
القول الثاني:
يكره البيع دون الشراء، وهذا مذهب الشافعي (٥)، ورواية عن أحمد (٦).
القول الثالث:
لا يجوز بيعه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٧).
стр. 691
دليل من قال: لا يجوز البيع:
الدليل الأول:
(ث-٩) ما رواه ابن أبي شيبة (١)، وعبد الرزاق (٢) من طريقين عن سعيد بن جبير.
عن ابن عمر، قال: وددت أني رأيت الأيدي تقطع في بيع المصاحف.
[صحيح] (٣).
الدليل الثاني:
(ث-١٠) ما رواه عبد الرزاق (٤)، وسعيد بن منصور في سننه (٥)، ومن طريقه البيهقي (٦)، من طريق سعيد بن إياس الجريري.
عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون بيع المصاحف، وتعليم الغلمان بالأجر، ويعظمون ذلك.
[إسناده صحيح].
ولأنه يجب صون القرآن من أن يكون في معنى السلع المبتذلة بالبيع.
دليل من قال: يجوز البيع .
الدليل الأول:
الأصل في البيع الحل، وقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
стр. 692
الدليل الثاني:
ولأنه بيع مشتمل على منفعة، بل هي أعظم منفعة على الإطلاق، فصح بيعه.
الدليل الثالث:
ولأن في بيعه سببًا في نشره، وفي نشره انتشارًا للعلم وهو مقصد شرعي مطلوب، وإذا كان مصحوبًا بنية صالحة كان من العبادات.
الدليل الرابع:
ذكر بعضهم أن البيع يقع على الجلد، والورق، وبيع ذلك مباح (١).
والصحيح أن البيع يقع على الجميع: الكتاب والمكتوب، ولو جرد الكتاب من المكتوب لذهب أكثر سعره، ولقلت الرغبة فيه، ولو قيل: إن البيع للورق وعمل الأيدي لكان أوجه، كما قال الشعبي ﵀ (٢)، ولكن يشكل عليه أن من يبيع القرآن قد لا يكون له فيه أي عمل، كحال محلات بيع الكتب اليوم.
ويجاب عن قولهم: بأن في البيع امتهانًا وابتذالًا له:
لو كان في بيع القرآن امتهان وابتذال، لكره بيع كتب العلوم الشرعية، كالحديث، والفقه، والتفسير، ونحوها، وقد اشتغل في البيع والشراء الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
ولو منع الناس من بيعه لأدى ذلك إلى ندرة المصاحف في أيدي الناس، حيث يكلف اليوم طباعة المصحف المبالغ الطائلة.
стр. 693
دليل من فرق بين البيع والشراء:
الدليل الأول:
(ث -١١) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير.
عن جابر أنه قال: اشترها، ولا تبعها (١).
صحيح، وإسناده حسن إن شاء الله.
ورواه ابن ابي شيبة أيضًا من طريق قتادة، عن سعيد بن جبير (٢).
[وإسناده صحيح] (٣).
الدليل الثاني:
أن في شراء المصحف دليلًا على الرغبة فيه، بخلاف البيع.
والحقيقة أنه لو كره البيع لكره الشراء؛ لأن الشراء سبب في وجود البيع.
وفي تفريقهم بين البيع والشراء يظهر أن الكراهة كراهة تنزيه، وأنه ينبغي أن يبذل كتاب الله، ولا يؤخذ عوض عليه، ولكن القول بالتحريم بعيد جدًا، فالذي يظهر لي أن بيعه وشراءه جائز، ولا فيه أدنى شبهة، ومع النية الصالحة في الاشتغال ببيع القرآن وبيع الكتب الشرعية السليمة الخالية من البدع ما يؤجر عليه الإنسان لنشره العلم النافع بين الأمة.
ومع أن الحنفية أجازوا بيعه، واعتبروه مالًا متقومًا، إلا أنهم يرون أن سارق
стр. 694
المصحف لا تقطع يده (١)، واختاره من الحنابلة أبو بكر والقاضي (٢).
وعلل الكاساني من الحنفية عدم القطع في سرقة المصحف؛ بأنه يدخر لا للتمول، بل للقراءة،، والوقوف على ما يتعلق به مصلحة الدين والدنيا والعمل به (٣).
وهذا يعني أنه ليس بمال؛ لأن المال هو ما يتمول.
وعلل بعضهم: بأنه لم يجب فيه القطع؛ لأن له فيه حق التعليم، فليس له منعه عمن يحتاج إليه (٤).
وذهب الجمهور من المالكية (٥)، والشافعية (٦)، وأبو الخطاب (٧)، من الحنابلة إلى وجوب القطع في سارق المصحف إذا بلغت قيمته ما تقطع فيه اليد. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة في مظانها.
* * *
стр. 695
الفرع الأول
في إبدال المصحف بمصحف آخر
[م -١٢٤] هذه المسألة إنما تناقش في مذهب من يمنع، أو يكره بيع المصحف، وأما من أجاز بيع المصحف فالاستبدال مثله، أو أولى.
قال ابن رجب: «لو أبدل مصحفًا بمثله جاز، نص عليه، بخلاف ما لو باعه بثمن.
وذكر أبو بكر في المبادلة هل هي بيع أم لا؟ على روايتين وأنكر القاضي ذلك، وقال هي بيع بلا خلاف وإنما أجاز أحمد إبدال المصحف بمثله ; لأنه لا يدل على الرغبة عنه، ولا على الاستبدال به بعوض دنيوي، بخلاف أخذ ثمنه» (١).
وقال في الإنصاف: «وفي كراهة شرائه وإبداله روايتان ....
أحدهما: لا يكره، وهو المذهب ....
والرواية الثانية: يكره، قدمه في الرعايتين» (٢).
стр. 696
الفرع الثاني
في بيع المصحف للكافر
[م -١٢٥] ذكر الحطاب من المالكية (١)، والعراقي (٢) والنووي (٣) وابن حجر (٤) من الشافعية بأنه لا خلاف في تحريم بيع المصحف للكافر.
واختلفوا في صحة البيع لو وقع على قولين:
القول الأول:
يصح البيع، ولا ينقض شراؤه، ويجبر على إزالة ملكه عنه ببيع، أو هبة، أو صدقة، أو نحو ذلك.
وهذا مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وقول في مذهب الشافعية (٧).
القول الثاني:
البيع باطل، وعليه أكثر المالكية (٨)، وهو أصح القولين في مذهب
стр. 697
الشافعية (١)، وهو مذهب الحنابلة (٢).
دليل من قال بصحة البيع:
قالوا: إنه بيع توفرت فيه شروطه، وليس من شرط صحة البيع إسلام المتعاقدين، والكافر لا يستخف بالمصحف؛ لأنه يعتقد أنه كلام فصيح، وحكمة بالغة، وإن كان لا يعتقد أنه كلام الله ، وإبطال البيع يحتاج إلى دليل خاص، ولا يوجد نص من الشارع على بطلان العقد، ولو كان العقد باطلًا لجاء النص الصريح كما جاء النهي عن تزويج المشركين، والنكاح منهم، وأما إجباره على إزالة ملكه؛ فلأنه لا يعظمه حق التعظيم، خاصة عند من يرى وجوب الطهارة لمسه (٣).
دليل من قال: البيع باطل .
الدليل الأول:
(ح-٦٣) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن نافع.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٤).
زاد مسلم من طريق الليث، عن نافع: مخافة أن يناله العدو (٥).
стр. 698
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
ومن تعظيم القرآن تنزيهه وإبعاده عن القاذورات، وكون القرآن يكون عند الكفار، فيه تعريض له لذلك، وإهانة له، وكلهم أنجاس، لا يغتسلون من جنابة، ويأكلون الميتة.
ويناقش:
بأن نجاسة الكفار نجاسة معنوية، ولذلك يباح أكل طعامهم، ولبس ما نسجوه من الثياب.
الدليل الثالث:
ولأنه إذا كان يمنع من استدامة ملكه له، كما لو ملكه بإرث ونحوه، فيمنع من تملكه ابتداء من باب أولى، كنكاح المسلمة (١).
الراجح من الخلاف:
القول بصحة البيع أقوى حجة من القول ببطلان العقد، ولو قيل: إن كان الحامل له على الشراء معرفة الإسلام، وكان يرجى إسلامه صح البيع، خاصة أن اشتراط الطهارة لمسه وإن كان قول العامة إلا أن الدليل ليس قويًا، وقد بحثت هذه المسألة في كتابي الحيض والنفاس، وقد أذن بعض الصحابة أن يكتب القرآن رجل ذمي، ولم يمنع الكافر من سماع كلام الله في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] كما لم
стр. 699
يمنع الفقهاء الكفار تعلم أحكام الشريعة لمن يرجى إسلامهم، وكتب الرسول ﷺ الآية للكافر حين أرسل إلى هرقل الروم كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، وفي الكتاب ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران:٦٤].
وحكم القرآن لا يختلف عن حكم الآية، والله أعلم.
* * *
стр. 700
الفرع الثالث
في رهن المصحف
[م -١٢٦] الخلاف مبني على اختلافهم في حكم بيع المصحف، فمن أجاز بيعه أجاز رهنه، ومن منع البيع منع الرهن؛ لأن المقصود من الرهن التوثيق بالدين، والاستيفاء منه، أو من ثمنه إذا تعذر الاستيفاء، فمن أجاز بيعه أجاز رهنه.
وأما رهن المصحف للكافر، فقد قال ابن قدامة: «وفي رهن المصحف روايتان كبيعه، وإن رهنه أو رهن كتب الحديث ... لكافر لم يصح؛ لأنه لا يصح بيعه له، ويحتمل أن يصح إذا شرط كونه في يد مسلم، ويبيعه الحاكم إذا امتنع مالكه؛ لأن الرهن لا ينقل الملك إلى الكافر بخلاف البيع» (١).
* * *
стр. 701
المبحث الثاني
في بيع الهر
[م -١٢٧] اختلف العلماء في بيع الهر على قولين:
القول الأول:
يجوز بيعه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
القول الثاني:
لا يجوز بيعه، حكاه ابن المنذر قولًا لأبي هريرة، وطاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد (٢)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، واختيار ابن حزم الظاهري (٤).
стр. 702
دليل من قال: لا يجوز بيعه .
(ح-٦٤) ما رواه مسلم من طريق معقل، عن أبي الزبير، قال:
سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور، قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك (١).
وأجيب:
وقف العلماء من الحديث إما موقف التضعيف، أو التأويل.
أما تضعيف الحديث فقد استنكره الإمام أحمد ﵀ (٢)
وابن عبد البر (٣).
وأما التأويل فقال بعض العلماء: إن المراد به الهرة الوحشية، فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها.
وقال بعض العلماء: المراد بالنهي نهي تنزيه (٤).
стр. 703
قال النووي: «وأما النهي عن ثمن السنور، فهو محمول على أنه لا ينفع، أو على أنه نهي تنزيه، حتى يعتاد الناس هبته، وإعارته والسماحة به، كما هو الغالب، فإن كان مما ينفع، وباع صح البيع، وكان ثمنه حلالًا» (١).
وقال القرطبي في المفهم: «لفظ زجر يشعر بتخفيف النهي، وأنه ليس للتحريم، بل على التنزه عن ثمنهما» (٢).
وهذا التأويل خلاف الظاهر، والقول بضعف الحديث أوجه.
دليل من قال: يجوز بيعه:
الأصل الإباحة، وقد قال الإمام أحمد: «ما أعلم فيه شيئًا يثبت أو يصح. وقال أيضًا: الأحاديث فيه مضطربة» (٣).
وقال ابن عبد البر: «ليس في السنور شيء صحيح، وهو على أصل الإباحة» (٤).
وقال الطحاوي: «ولم نعلم اختلافًا بين أهل العلم في ثمن السنور أنه ليس بحرام، ولكنه دنيء» (٥).
قلت: الخلاف محفوظ، فقد صرح بالتحريم ابن حزم، وكرهه جماعة من السلف، نقله عنهم ابن المنذر، وذكرت ذلك في الأقوال، والكراهة عند السلف تحتمل التحريم.
стр. 704
الدليل الثاني:
أن الهر حيوان طاهر، يباح اتخاذه مطلقًا، وهو من الطوافين علينا، وفيه منفعة مباحة من اصطياد الفئران، فمثله جائز في النظر، إلا أن يمنع من ذلك دليل يجب التسليم له، وقد قال أحمد وابن عبد البر لا يصح فيه شيء، ونقلناه عنهم قبل قليل.
الراجح:
صحة بيع الهر، وقد قال الإمام أحمد: لا يصح فيه شيء، يعني في النهي عن بيعه، لهذا أرى أن النظر لا يمنع من إباحة بيعه، فعينه طاهرة، ويشتمل على منفعة مباحة.
* * *
стр. 705
المبحث الثالث
في بيع الفيل
[م -١٢٨] ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز بيع الفيل؛ لأنه حيوان مشتمل على منفعة، منها حمل الأثقال، واستعماله للقتال، ولم يرد فيه نص بالنهي عن اقتنائه (١).
قال الكاساني: «ويجوز بيع الفيل بالإجماع؛ لأنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعًا» (٢).
وقال النووي: «وكذلك القرد والفيل والهرة .... فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف» (٣).
ولعل النووي يقصد بلا خلاف في المذهب، وإلا فالهرة فيها خلاف أشرت إليه في بابه.
وقيل: لا يجوز بيع الفيل، لأنه نجس، وهو رواية في مذهب الحنابلة (٤).
والقول الأول أصح.