ومثله صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (١).
دليل من قال: لا يجوز:
الدليل الأول:
أن عقود الاختيارات كما تجري اليوم في أسواق المال العالمية هي من قبيل بيع الشخص سلعة معينة لا يملكها، اعتماداً على أنه سيشتريها فيما بعد، ويسلمها في الموعد، وهذا منهي عنه شرعاً، بل مجمع على منعه، لأن الأسهم لا تثبت في الذمة كما في السلم، لأنها متعينة بتعيين الشركة، وبيع العين المعينة غير المملوكة لا يجوز إجماعاً، وقد سبق ذكر أدلة هذه المسألة وبحثها فيما يغني عن إعادته هنا.
ويناقش:
بأنه يمكن لنا تصحيح هذا العقد بأن نشترط أن تكون الأسهم أو الأصول محل العقد مملوكة للملتزم بالبيع، وهو محرر الخيار في خيار الشراء، ومشتري الخيار في خيار البيع من حين الشراء إلى حين التنفيذ، وبهذا تكون المعاملة قد خرجت من بيع الإنسان ما ليس عنده (٢).
الدليل الثاني:
أن هذا العقد من قبيل بيع الدين بالدين، حيث لم يتم فيه التسليم والتسلم لا للثمن، ولا للمثمن، بل اشترط فيه تأخير الاثنين معاً، وذلك لا يجوز.
стр. 6442
ويناقش:
بأن تأجيل المعين لا يسمى ديناً، لأن الدين ما ثبت في الذمة، يقول المقري في قواعده: «المعين لا يستقر في الذمة، وما تقرر في الذمة لا يكون معيناً» (١)، وإذا كانت الأسهم معينة فإنها لا تثبت في الذمة، فلا تكون ديناً.
ولأن العوضين وإن لم يتم تسليمهما فهما غير مؤجلين، كما في عقود الخيارات الأمريكية، فلا محظور في ذلك، وليس هذا من الكالئ بالكالئ، بل إن من طبيعة بيع العربون عدم تسليم الثمن والمثمن في الحال (٢).
الدليل الثالث:
أن عقود الخيارات عقود صورية ليس فيها تسلم ولا تسليم، وعادة ما تنتهي بالمحاسبة على فروق الأسعار بين البائعين والمشترين، وبعضهم يؤثرون التربح من بيع حقوق الخيار، ويفضلون بيعه على تنفيذ الصفقة.
ويناقش:
يرى فضيلة الشيخ يوسف الشبيلي بأن اقتضاء الفرق بين السعرين ـ وهو ما يسمى بالتسوية النقدية ـ لا يعني أن البيع صوري، فحقيقة الأمر أن العاقدين أجريا مقاصة بينهما، وتطارحا الدينين؛ لأن مشتري الأسهم له في ذمة البائع أسهم، وللبائع في ذمة المشتري نقود، فيسقط من الأكثر منهما قدر الأقل، ويأخذ مشتري الخيار قدر الفرق بينهما (٣).
стр. 6443
و تطارح الدينين مسألة خلافية سبق تحرير الخلاف فيها في عقد الصرف، فانظره هناك، فقد أغنى ذكره عن إعادته هنا.
ويجاب على هذا النقاش:
بأن المقاصة إنما تجري في الديون، والديون متعلقة بالذمة، فتصح المقاصة بينهما؛ لأن قبض الديون قبض أمثالها لا أعيانها، وأما إذا كانت المقاصة بين أسهم ونقود صارت المقاصة بين أعيان وديون، وهذه لا تجري المقاصة بينها، فإن قومت الأسهم على أنها نقود لتكون ديناً كان هذا من قبيل المعاوضة.
فإذا كان العقد: على حق اختيار الشراء، فإذا تحققت توقعاته فارتفعت الأسعار قام بتنفيذ العقد، وذلك بأن يقوم بالشراء الفعلي للشيء محل الاختيار من أسهم وغيرها، ولكنه بدلاً من ذلك يطلب من الملتزم أن يدفع له الفرق بين سعر الشراء وهو سعر التنفيذ وبين السعر في السوق فكأن المشتري اشترى الأسهم من البائع وقبل قبضها ودفع ثمنها باعها بثمن أكثر من الثمن الذي اشتراه به منه، ثم أجرى المقاصة بين النقود التي في ذمته والنقود التي في ذمة البائع.
فمن رأى أن ضمان المبيع المعين قبل قبضه من البائع كالحنفية والمالكية دخل هذا البيع ربح ما لم يضمن.
ومن رأى أن ضمان المبيع المعين الذي ليس فيه حق توفية على المشتري كالحنابلة لم يمنع من الربح فيه؛ لأن المال المعين من ضمان المشتري، ولو كان ذلك قبل قبضه.
وقد بحثت مسألة ضمان المبيع في عقد البيع فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والله أعلم.
стр. 6444
ويبقى تحريم هذا العقد؛ لأنه مبني على عقد محرم، وهو المعاوضة على حق الاختيار، فالشراء الأول تم بأقل من سعر السوق بناء على المعاوضة على حق الاختيار، ولولاه لم يقبل أن يبيعه هذه الأسهم بأقل من سعرها، والبيع الثاني وإن تم بسعر السوق لكنه لنفس السلعة التي ملكت بحق الاختيار، وما ترتب على الباطل فهو باطل.
وهذا توصيف التسوية النقدية في حال اختيار الشراء، وأما توصيف التسوية في حال اختيار البيع، فإن مشتري خيار البيع يتطلب انخفاض الأسعار، فإذا تحقق توقعه قام بتنفيذ البيع ولكنه بدلاً من أن يسلم ما باعه إلى المشتري يطلب منه أن يدفع له الفرق بين سعر التنفيذ وبين سعر السوق، وهذا يعني أن البائع باعه الأسهم وقبل تسليمها ودفع ثمنها يقوم بشرائها بسعر السوق، فيكون كل واحد منهما مديناً للآخر بالثمن، فتحصل المقاصة بين الدينين، فيسقط من الأكثر منهما قدر الأقل، ويقبض صاحب الدين الأكثر الفرق، وهو مشتري خيار البيع.
فتكون حقيقة التسوية النقدية في حال خيار البيع أن البائع بائع سلعة بثمن حال، وقبل تسليمها وقبض ثمنها رجع واشتراها من المشتري نفسه بثمن حال أقل منه.
وقد اعتبر الحنفية البيع الثاني فاسداً، واعتبر الحنابلة المعاملة من بيع العينة.
جاء في بدائع الصنائع: «إذا باع رجل شيئاً نقداً أونسيئة، وقبضه المشتري، ولم ينقد ثمنه، أنه لا يجوز لبائعه أن يشتريه من مشتريه بأقل من ثمنه الذي باعه منه عندنا» (١).
стр. 6445
وجاء في العناية شرح الهداية: «من اشترى شيئاً بألف درهم حالة أو نسيئة، فقبضه، ثم باعه من البائع بخمسمائة قبل نقد الثمن فالبيع الثاني فاسد» (١).
وجاء في الإنصاف: «من مسائل العينة لو باعه شيئاً بثمن لم يقبضه .... ثم اشتراه بأقل مما باعه نقداً أو غير نقد» (٢).
فكأن البيع كان دراهم بدراهم مع التفاضل.
ولا أراه من بيع العينة ما دام أن السلعة مقصودة، والربح لم يكن في مقابل الأجل، وإنما جاء من تغير الأسعار بالهبوط، وهو تغير لم يكن بإرادة العاقدين، والله أعلم، ولكن يبقى التحريم لأنه مبني على عقد محرم، وهو المعاوضة على حق الاختيار، فالبيع الأول تم بأعلى من سعر السوق بناء على المعاوضة على حق الاختيار، ولولاه لم يقبل المشتري أن يشتري هذه الأسهم بأعلى من سعرها، والشراء الثاني وإن تم بسعر السوق لكنه لنفس السلعة التي ملكت بحق الاختيار، والله أعلم.
الدليل الرابع:
وجود الغرر الفاحش في هذا العقد، وذلك أن خسارة بائع الخيار لا حدود لها، فقد ترتفع الأسعار في خيار الشراء إلى أكثر مما يتوقع، وقد تنخفض في خيار البيع بأقل بكثير من سعر التنفيذ.
ويناقش:
بأن الغرر غير موجود في عقد الخيار البسيط؛ لأن العاقدين يجريان العقد بسعر محدد وثابت ومعلوم، والسلعة مقدور على تسليمها، وكون السعر قد
стр. 6446
يرتفع أو ينخفض في وقت التنفيذ منه عن وقت العقد فإنه لا يحوله إلى غرر، كالسلم فإن الأسعار قد تنخفض في وقت الأداء، وقد ترتفع عن وقت العقد، ومع هذا لم يقل أحد إن عقد السلم مشتمل على غرر، بل إنهما لو عقداه بسعر السوق من غير تحديد لكان القول بالغرر له وجه، أما ما دام أن العاقدين قد دخلا على العقد بسعر معلوم وثابت ومحدد فإنه أبعد ما يكون عن الغرر.
الدليل الخامس:
أن عقود الخيارات مشتملة على القمار، فكل مشتر لخيار بيع أو شراء يربط حظه بتقلبات الأسواق، إما لفائدته أو ضده، فالمشتري يضارب على ارتفاع الأسعار، والبائع يضارب على انخفاضه، وعقد الخيار لابد أن يتضمن خسارة لأحد الطرفين في مقابل ربح الآخر، فأحدهما رابح لا محالة، والآخر خاسر، والمكسب الذي يحققه البائع هو ذاته خسارة المشتري، فكون كل واحد من المتعاقدين إما غانماً أو غارماً هذا هو ضابط القمار المحرم، أما البيع الذي أحله الله فإن كل واحد من المتعاقدين يكون غانماً بحصوله على العوض المعادل لما حصل عليه الآخر (١).
القول الثاني:
ذهب بعض الباحثين إلى جواز عقود الخيارات مطلقاً، سواء تلك الخيارات البسيطة أم المركبة، وسواء كان الخيار للبائع أم للمشتري. وإلى هذا ذهب الشيخ محمد الشريف (٢).
стр. 6447
واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
الدليل الأول:
قياس عقد الخيار على خيار الشرط بجامع أن كلا منهما يجعل لصاحب الخيار الحق في إمضاء البيع أو فسخه.
وقد سبق لنا مناقشة هذا القياس في المسألة التي قبل هذه، وبينا الفروق بين خيار الشرط، وبين عقد الخيار.
الدليل الثاني:
قياس عقد الخيار على بيع العربون، خاصة إذا كان الخيار للمشتري؛ لأن خيار الشراء يعطي مشتريه الحق في شراء عدد من الأسهم خلال فترة محددة، وقيمة الخيار التي دفعها مقدماً كالعربون للبائع.
وقد سبق لنا مناقشة هذا القياس في المسألة التي قبل هذه، وبينا الفروق بين بيع العربون، وبين عقد الخيار، فأغنى عن إعادته هنا.
القول الثالث:
ذهب الشيخ الشبيلي إلى جواز عقد الخيار البسيط، أي خيار البيع المفرد، أو خيار الشراء المفرد، دون المركب منهما معاً، بشروط (١).
دليل من قال بالجواز بشروط:
يمكن أن تكون عقود الخيارات عقوداً صحيحة إذا خلت من المحاذير الشرعية من ذلك:
(١) أن يكون الأصل محل العقد جائز التداول.
стр. 6448
(٢) أن تكون عقود الخيارات من العقود البسيطة، وذلك لأن العقود المركبة فيها غرر فاحش؛ لأن المتعاقد لا يدري حين العقد أهو بائع أم مشتر.
(ب) وأن تكون الأسهم أو الأصول محل العقد مملوكة للملتزم بالبيع، وهو محرر الخيار في خيار الشراء، ومشتري الخيار في خيار البيع من حين الشراء إلى حين التنفيذ، حتى لا يقع في بيع ما ليس عنده.
(جـ) وأن يكون حق الخيار حالاً، بمعنى أن تكون مدة الخيار تالية لشرائه مباشرة، ولو امتدت لفترة طويلة كالصيغة المعمول بها في الأسواق الأمريكية ..
(د) وأن تكون السلعة ليست نقوداً حتى لا يؤدي إلى اشتراط الخيار في الصرف.
(هـ) وألا يجري الخيار على المؤشر حتى لا تكون ضرباً من القمار.
فإذا أمكن مراعاة كل ذلك أمكن للمعاملة أن تكون صحيحة بناء على أن الأصل في العقود الصحة والحل، وهذه العقود هي عقود مستحدثة لا يظهر فيها ما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية مع ما تتضمنه من منافع لكلا العاقدين، فالمشتري يأمن تقلبات الأسعار، والبائع يستفيد من قيمة الخيار.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجدني ميالاً إلى القول الثالث، وهو الجواز بشرط أن تكون هذه من عقود الخيار البسيطة بالشروط والضوابط المذكورة في البحث، وألا يأخذ عوضاً عن الخيار كعقد مستقل، وإنما يأخذه البائع من المشتري إذا نكل عن الصفقة قياساً على العربون، فإن أتم الصفقة لم يستحق شيئاً في مقابل الخيار، ولا يحق للمشتري أن يأخذ شيئاً من البائع مقابل نكول البائع عن البيع، لأن نكول البائع قبل انعقاد البيع حق له، والله أعلم.
* * *
стр. 6449
الباب الرابع
في الأدوات المتداولة في سوق النقد
عرفنا فيما سبق الفرق بين سوق رأس المال، وبين سوق النقد، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى دراسة الأدوات المتداولة في سوق رأس المال، وهي الأسهم والسندات، وحصص التأسيس، ونريد أن ندرس في هذا الباب الأدوات المتداولة في سوق النقد، وهي الأوراق التجارية، وحكم خصمها من الناحية الفقهية. وأذونات الخزانة، وحكم إصدارها وتداولها، وشهادات الإيداع القابلة للتداول، وحكم إصدارها وتداولها، والقبول المصرفي، أسأل الله العون والتوفيق إنه ولي ذلك والقادر عليه.
* * *
стр. 6450
الفصل الأول
في الأوراق التجارية
المبحث الأول
في تعريف الأوراق التجارية وبيان خصائصها وأنواعها
تعريف الأوراق التجارية
تعد الأوراق التجارية من أهم أدوات سوق النقد، وكثير من الأنظمة والقوانين الأجنبية تذكر الأوراق التجارية وأحكامها الخاصة دون أن تقوم بتعريفها وتحديد خصائصها، وهذا يترك مجالاً أرحب وأوسع أمام الفقه والقضاء لاختيار التعريف الملائم وتطويره.
قد عرفها بعضهم بأن: «الورقة التجارية عبارة عن سندات إذنية، أو كمبيالات، تصدرها شركات كبيرة للحصول على حاجاتها من التمويل» (١).
وهذا التعريف لا يدخل فيه الشيك، وهو أحد الأوراق التجارية بالاتفاق.
ويعرفه أحد الباحثين: بأن الورقة التجارية: سند مكتوب يتضمن التزاماً بدفع مبلغ معين بتاريخ معين، ويكون قابلاً للتداول بالطرق التجارية، ويقوم مقام النقود في المعاملات (٢).
وهذا التعريف أشمل من التعريف السابق.
стр. 6451
خصائص الأوراق التجارية:
[ن-٢١١] من خلال التعريف السابق يمكن لنا أن نقف على خصائص الأوراق التجارية، وأهمها:
(١) الأوراق التجارية تمثل حقاً، موضوعه مبلغ معين من النقود، مستحق الوفاء في وقت معين، أو قابل للتعيين.
وهي بهذا تختلف عن الصكوك التي تصدرها شركات الأسهم؛ لأنها وإن كانت تمثل مبلغاً من النقود إلا أن قيمة هذا المبلغ تتغير باستمرار، كما أنها لا تعطي الشريك حق استرداد قيمتها، وإنما تعطيه حق الحصول على نصيب من موجوداتها عند تصفية الشركة.
كما أنها تختلف عن الأوراق النقدية التي تصدرها البنوك المركزية، وإن كان كل منهما يمثل مبلغاً معيناً من النقود، ويستخدمان كوسيلة للوفاء.
وذلك أن الأفراد ملزمون بقبول العملة الورقية كوسيلة للوفاء، فلا يستطيع أحد أن يرفضها لسداد ما عليه من الديون. أما الأوراق التجارية فإن الأفراد بصفة عامة غير ملزمين بقبولها في الوفاء (١).
стр. 6452
(٢) قابلية الأوراق التجارية للتداول عن طريق التظهير أو التسليم، ويكفي للتظهير مجرد توقيع صاحب الحق على ظهر الورقة التجارية، ولا يتطلب التسليم إلا مجرد مناولة الورقة التجارية من يد إلى يد، وبذلك يصبح الشخص الذي انتقلت إليه الورقة هو صاحب الحق الثابت بها.
(٣) أن تكون مستحقة الدفع لدى الاطلاع، أو بعد فترة قصيرة يحددها بعض الشراح بمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، ويمكن تسييلها وذلك بالحصول على قيمتها نقداً قبل حلول ميعاد استحقاقها، وذلك نظير التنازل عن نسبة بسيطة من قيمتها، وهو ما يعرف بخصم الورقة التجارية الذي تزاوله المصارف التقليدية.
(٤) أن يجري العرف على قبولها كوسيلة للوفاء، فلا تكفي الخصائص السابقة لإسباغ صفة الورقة التجارية على هذه الأوراق ما لم يجر العرف على قبولها كوسيلة للوفاء (١).
стр. 6453
وظائف الأوراق التجارية:
[ن-٢١٢] تقوم الأوراق التجارية بعدة وظائف منها:
(١) تحويل النقود بين الأفراد في تعاملهم التجاري داخل البلاد، كما يمكن التحويل الخارجي في حال اعتماد المسحوب عليه، وبذلك تحقق الأوراق التجارية الغرض في تحويل النقود بواسطتها خفضاً في التكلفة، وتجنباً لمخاطر السرقة والضياع.
(٢) تعد الأوراق التجارية أدوات للوفاء بالالتزامات وتسوية التعاملات، فهي تشبه النقود في هذه الوظيفة، وإن كان الوفاء بها لا يماثل الوفاء بالنقود، إذ قد يتخلف الوفاء بها لأي سبب من الأسباب، كما لو سحب شخص شيكاً بدون رصيد، بخلاف النقود فإن الوفاء يحصل بمجرد تسليمها.
(٣) تعد الأوراق التجارية أداة من أدوات الائتمان، والمقصود بالائتمان: أن يمنح الشخص أجلاً للوفاء بالدين، وهذه الأوراق تتضمن في الغالب أجلاً للوفاء بقيمتها خلا الشيك الذي يستحق الوفاء عند الاطلاع (١).
وأهم هذه الأوراق التجارية ثلاثة:
١ - الكمبيالة ٢ - والسند الإذني (السند لأمر) ٣ - والشيك.
وسوف نتناول بالدراسة الموجزة كل واحدة من هذه الأوراق الثلاثة في المباحث التالية، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 6454
المبحث الثاني
في الكمبيالة
الفرع الأول
في تعريف الكمبيالة وبيان خصائصها
تعريف الكمبيالة
هذه الكلمة لا تعرف في لغة العرب، ولا في استعمال الفقهاء المتقدمين، وهي مأخوذة من الكلمة الإيطالية Cambiale التي تعني: الصرف والمبادلة، ويطلق عليها في بعض البلدان العربية، كسورية، ولبنان، والعراق (السفتجة)، أو (سند السحب).
ويمكن تعريفها في الاصطلاح:
أمر مكتوب بكيفية خاصة، يحددها النظام، يأمر بموجبه شخص يسمى المحرر أو الساحب، إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه، بدفع مبلغ معين، أو قابل للتعيين أو بمجرد الاطلاع، لأمر شخص معين، يسمى المستفيد أو لحامله دون تعيين. وقد يكون الأشخاص في عملية السحب هذه أشخاصاً طبيعية، أو أشخاصاً اعتبارية كالمصارف.
والغالب: أن يكون المسحوب عليه مديناً للساحب بما يكفي للوفاء، ويسمى: «مقابل الوفاء» وأن يكون الساحب مديناً للمستفيد أو الحامل، ولكن لا يتحتم هذا ولا ذاك (١).
стр. 6455
وبناء على هذا التعريف فإن أطراف الكمبيالة ثلاثة:
الأول: الساحب، وهو الآمر بالدفع، ويعتبر المدين الأصلي بها ما لم يقبلها المسحوب عليه.
الثاني: المسحوب عليه، وهو المأمور بالدفع، وهو غير ملزم بها، ما لم يوقع على قبولها فإن وقع كان المدين الأصلي بها.
الثالث: المستفيد، وهو الذي يدفع لصالحه مبلغ الكمبيالة.
وهناك ما يسمى بالكمبيالة المالية تمييزاً لها عن الكمبيالة العادية التي ينشئها التجار وهذا النوع من الكمبيالات يسمح بالاقتصار فيها على ركنين هما: الساحب والمسحوب عليه ويكون الساحب في هذا النوع هو المستفيد كأن يقوم البنك بنفسه بإنشاء الكمبيالة في معاملاته مع عملائه، فإذا أقرض البنك عميله مبلغاً من النقود، فإنه يسحب على هذا العميل كمبيالة فيقبلها العميل.
وساحب الكمبيالة بتوقيعه عليها ملتزم بدفع قيمتها لحاملها عند حلول أجل دفعها، كما أن كل من وقع عليها بالقبول يعتبر متضامناً مع ساحبها في الالتزام بدفعها إذا امتنع من ذلك المسحوب عليه، ولا ينعقد التزام المسحوب عليه بدفعها إلا بتوقيعه عليها بالقبول، وتسليمها لحاملها، ولا يلزم المسحوب عليه أن يوقع عليها بالقبول بل يعتبر ذلك منه على سبيل الاختيار حتى لو كان مديناً للساحب (١).
стр. 6456
خصائص الكمبيالة:
يتضح مما تقدم أن الكمبيالة تتميز بالخصائص التالية:
(أ) الكمبيالة ورقة تجارية تشبه النقد من حيث صلاحيتها للتداول والقبول.
(ب) الغالب على الكمبيالة أن تشتمل على أطراف ثلاثة، ساحب، ومسحوب عليه، ومستفيد، إلا أنه يجوز اقتصارها على طرفين هما: ساحب، وهو المستفيد، ومسحوب عليه كما هو الشأن في الكمبيالة المالية.
(جـ) لا يشترط لصحة الكمبيالة أن يكون المسحوب عليه مديناً للساحب، وإنما يشترط لاعتبارها قبول المسحوب عليه وتوقيعه عليها بذلك.
(د) لا يلزم المسحوب عليه قبول الكمبيالة إلا أنه متى قبلها، ووقع عليها بذلك، وسلمها لحاملها لزمه سدادها في وقتها المحدد له.
(هـ) يعتبر الساحب ضامناً الوفاء بقيمة الكمبيالة وتبقى مسؤوليته حتى يتم سدادها.
(و) يعتبر الموقعون عليها بالقبول مسؤولين عن سداد قيمها مسؤولية تضامنية.
(ز) لا تفقد الكمبيالة قيمتها بضياعها، وإنما هي سند بدين متى ضاع ذلك السند صار لصاحبه حق إثباته بإحدى طرق الإثبات المعتبرة (١).
стр. 6457
الفرع الثاني
في حكم إصدار الكمبيالة
الكمبيالة عند إصدارها تعتبر من قبيل توثيق الدين المؤجل، وهذا لا حرج فيه شرعاً إن لم يكن مطلوباً.
يقول الشيخ رفيق يونس المصري: «الأوراق التجارية من جملة وظائفها أنها ضرب من ضروب توثيق الدين بالكتابة، وضرب من توثيق الدين بالضمان، فجميع الموقعين على الورقة (ساحب الورقة، وقابلها، ومظهرها، وضامنها الاحتياطي) مسؤولون جميعاً وبالتضامن أمام حاملها الذي يمكنه مطالبتهم منفردين أو مجتمعين دون مراعاة أي ترتيب» (١).
لكن إذا كان على هذا الدين أي فوائد ربوية مقابل التأخير كان التحريم لها لا لذاتها، وإنما لوجود الوصف المحرم الداخل عليها، كما أن حامل الكمبيالة، وهو الدائن الأصلي إذا قام ببيعها على طرف ثالث بأقل من المبلغ المكتوب عليها طمعاً في استعجال الحصول على الدين قبل حلول أجله، فإن ذلك محرم شرعاً كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى عند الكلام على خصم الأوراق التجارية.
* * *
стр. 6458
الفرع الثالث
في تداول الكمبيالة
متى تم قبول المسحوب عليه للكمبيالة أي أشر عليها بما يفيد قبوله للوفاء بها في ميعاد الاستحقاق أصبحت الكمبيالة أداة قابلة للتداول، فيستطيع المستفيد أن يصرف قيمتها فوراً من البنك المسحوب عليه، أو من أي بنك آخر بعد خصم العمولة والفائدة عن مدة الاستحقاق، ويمكن تداول الكمبيالة عن طريق التظهير.
تعريف التظهير:
هو «تصرف قانوني تنتقل بموجبه الكمبيالة، وما تمثله من حقوق، من شخص اسمه المظهر، إلى شخص اسمه: المظهر له، ويثبت هذا التصرف ببيان يدون عادة على ظهر الصك، ومن هنا أتت تسمية التصرف المذكور بالتظهير».
وقيل في تعريفه: «بيان يدون على ظهر الصك الإذنية، إما بقصد نقل ملكية الحق الثابت في الصك، من المظهر إلى المظهر إليه، أو بقصد توكيل المظهر إليه في تحصيل قيمة الصك، أو بقصد رهن الحق الثابت في الصك للمظهر إليه» (١).
[ن-٢١٣] وينقسم التظهير إلى ثلاثة أقسام:
تظهير لنقل الحق: وهو تظهير ينقل المظهر بمقتضاه، الحق الثابت بها، إلى المظهر إليه.
وتظهير توكيلي: وهو توكيل صادر من المظهر، إلى المظهر إليه، في تحصيل
стр. 6459
قيمة الكمبيالة عند حلول موعد استحقاقها بعبارة تفيد ذلك، مثل القيمة للتحصيل، أو القيمة للقبض، أو بالتوكيل.
وتظهير تأميني: وهو رهن الحقوق الثابتة في الكمبيالة لدى المظهر إليه ضماناً لدين على المظهر بعبارة تفيد الرهن، مثل: القيمة للضمان، أو القيمة للرهن (١).
فتؤول المسألة إلى رهن الدين، وخلاف العلماء فيه، والراجح جوازه، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف فيه.
* * *
стр. 6460
التخريج الفقهي للكمبيالة
المسألة الأولى
أن يكون المسحوب عليه مديناً للساحب
جاء في الفتاوى الهندية: «الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط مطالبة المحيل كفالة» (١).
المسحوب عليه إما أن يكون مديناً للساحب أو لا. فإن كان مديناً للساحب ففي هذه الحال لها صورتان:
الصورة الأولى:
[ن-٢١٤] ألا يكون الساحب ضامناً للوفاء بقيمة الكمبيالة، وتكييف الكمبيالة في هذه الحال أنها من قبيل الحوالة، فتأخذ أحكامها.
وذلك أن تتضمن نقل الدين من ذمة إلى ذمة، وذلك أن الساحب زيداً دائن للمسحوب عليه عمرو، والمستفيد عبد الله دائن للساحب زيد، وبهذا تحققت المديونية بين أطرافها، ثم إن الساحب زيداً قد برئ بهذا من دين عبد الله ومطالبته، وانتقل ذلك كله إلى المسحوب عليه (عمرو) الذي كان في الأصل مديناً لزيد. وبناء على ذلك فقد تمت أركان الحوالة:
فالمحيل: هو الساحب (زيد).
стр. 6461
والمحال: هو المستفيد: عبد الله.
والمحال عليه: هو المسحوب عليه (عمرو).
والمحال به: هو الدين الذي لعبد الله (المستفيد) على زيد (الساحب).
فإذا عرفنا ذلك فإن هذه الحال: أعني ألا يكون الساحب ضامناً للوفاء، هي حال افتراضية، وذلك أن الواقع المتعامل به، والنظام الجاري يلزم الساحب بالضمان؛ لأن الساحب بتحريره الكمبيالة لا يبرأ من الدين الذي عليه براءة كلية، بل يظل ضامناً للوفاء بالكمبيالة في مواجهة المستفيد، وكل من تؤول إليه الكمبيالة، بحيث يكون لهم حق الرجوع عليه، فيما لو امتنع المسحوب عليه عن الوفاء بها، حتى لو اشترط الساحب عدم الضمان.
جاء في المادة (١١) من نظام الأوراق التجارية السعودي: «يضمن ساحب الكمبيالة قبولها، ووفاءها، ويجوز أن يشترط إعفاءه من ضمان القبول، دون ضمان الوفاء».
وقد ذكرنا هذه الحال من باب ذكر الحصر والتقسيم لا غير.
الصورة الثانية:
[ن-٢١٥] أن يكون الساحب ضامناً للوفاء، وهذه الحال هي واقع النظام القائم.
فقد اختلف الفقهاء في حكم الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل تحولت إلى كفالة، لأن المعتبر في العقود المقاصد والمعاني، وليس الألفاظ والمباني.
стр. 6462
فالكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط ضمان الأصيل كفالة.
«قال قاضي خان ﵀: رجل له على رجل مال، فقال الطالب للمطلوب: أحلني بما لي عليك على فلان، على أنك ضامن لذلك، فهو جائز، وله أن يأخذ المال من أيهما شاء؛ لأنه لما شرط الضمان على المحيل، فقد جعل الحوالة كفالة؛ لأن الحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة» (١).
وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «الحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة، فلو قال أحد للمدين: أحل بمالي عليك من الدين على فلان، بشرط أن تكون أنت ضامناً أيضاً، فأحاله المدين على هذا الوجه، فللطالب أن يأخذ طلبه ممن شاء. هذا العقد عقد كفالة مجازاً، والمحال عليه هو الكفيل» (٢).
وجاء في الفتاوى الهندية: «الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط مطالبة الأصيل كفالة، كذا في السراجية» (٣).
القول الثاني:
إذا شرط الضمان على المحيل لم تصح الحوالة، وهو الراجح في مذهب الشافعية.
جاء في نهاية المحتاج: «لو أحال غيره بشرط أنه ضامن للحوالة، أو أن يعطيه المحال عليه رهناً، أو كفيلا لم تصح الحوالة» (٤).
стр. 6463
دليل الشافعية على بطلان الحوالة:
أن اشتراط الضمان في الحوالة ينافي مقتضى العقد، لأن الحوالة تقتضي براءة المحيل من الدين، واشتراط ما ينافي مقتضى العقد يجعله باطلاً
القول الثالث:
يجوز اشتراط الضمان في الحوالة، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية.
جاء في الأشباه والنظائر: «لو احتال بشرط أن يعطيه المحال عليه رهناً، أو يقيم له ضامناً، فوجهان إن قلنا: بأنها بيع جاز أو استيفاء فلا، والأصح الثاني» (١).
وجه من قال: يجوز اشتراط الضمان على المحيل:
الوجه الأول:
الأصل في الشروط الصحة والجواز، واشتراط الضمان في الحوالة، لا يخالف نصاً، ولا يترتب على القول به محذور شرعي.
الوجه الثاني:
القول بأن اشتراط الضمان في الحوالة ينافي مقتضى عقد الحوالة غير مسلم، فهناك فرق بين أن يشترط عدم براءة المحيل، وبين أن يشترط ضمانه، فالأول هو الذي ينافي مقصود العقد وحقيقته، لأن المقصود من الحوالة براءة المحيل، وإذا شرط عدم براءته كان ذلك منافياً لمقصود العقد، وأما شرط الضمان فلا ينافي مقصود العقد؛ لأنه لا يمنع براءة المحيل من الدين، وانتقاله إلى ذمة المحال عليه بناء على عقد الحوالة، غاية ما في الأمر، أنه يقتضي اشتغال ذمته
стр. 6464
بالدين مرة أخرى بعد براءته منه وانتقاله إلى ذمة المحال عليه،، صحيح أن المحيل بقي مطالباً بالدين، لكن نوع المطالبة اختلف، فقبل الحوالة: كان مطالباً بالدين باعتباره أصيلاً، وبعد الحوالة التي اشترط فيه ضمانه، أصبح مطالباً بالدين باعتباره ضامناً، لا باعتباره أصيلاً، إذ أصبح المدين الأصيل هو المحال عليه، يوضح ذلك: أن المحال - في هذه المسألة - لو أبرأ المحال عليه من الدين برئ المحيل؛ لأنه أصبح ضامناً، وبراءة الأصيل توجب براءة الضامن، بخلاف ما لو أبرأ المحيل، حيث لا يبرأ المحال عليه؛ لأنه أصبح المدين الأصيل، وبراءة الضامن لا توجب براءة الأصيل. والله أعلم.
وهذا هو الراجح، وقد نبه الشيخ مبارك آل سليمان على أمرين:
الأمر الأول:
أن ضمان الساحب للمسحوب عليه أمر فرضته عليه القوانين، وليس واقعاً باختياره ورضاه، بل عساه ألا يكون عالماً به، وهذا ينافي شرطاً من شروط صحة الضمان، وهو رضا الضامن.
وعليه فالضمان لا يلزم الساحب، ولا يقضى عليه به، إلا إذا شرط عليه ذلك في العقد، أو كان هناك عرف شائع، لأن الإنسان لا يلزم إلا بما ألزم به نفسه، أو ألزمه به الشارع، والله أعلم.
الأمر الثاني:
أن حمل الكمبيالة على الحوالة وإن حملت عليها، لا يعتبر من الحوالة الصريحة، وإنما من الصيغ العملية الدالة على إرادة الحوالة بحسب الظاهر؛ لأن الكمبيالة لما كانت تحرر في العادة بمناسبة وجود دين للمستفيد على
стр. 6465
الساحب، ويدفعها الساحب إلى المستفيد بقصد تمكينه من استيفاء دينه بها، فإنه ليس لذلك معنى إلا أن الساحب أراد بذلك إحالته على المسحوب عليه، ومع ذلك تبقى صيغة غير صريحة بإرادة الحوالة؛ لأنه ليس فيها إلا الأمر بالدفع، كما أن الخطاب فيها موجه إلى المسحوب عليه، وليس إلى المستفيد، فإذا لم يقصد الساحب الحوالة بسحب الكمبيالة، لم يحكم بأنها حوالة، ولو كان المسحوب عليه مديناً له؛ لأنه قد يريد بذلك مجرد توكيل دائنه المستفيد في القبض، ثم استيفاء دينه من ذلك، ومعلوم أن الوكالة ترتب أحكاماً غير الأحكام التي تترتب على الحوالة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يتخلف فيها شروط من شروط الحوالة الصحيحة، ومع ذلك لا يلزم منه بطلان الكمبيالة إذا أمكن حملها على عقد آخر، كالوكالة، أو الاقتراض، أو غير ذلك (١).
* * *
стр. 6466
المسألة الثانية
أن يكون المسحوب عليه غير مدين للساحب
[ن-٢١٦] انتهينا في الكلام السابق على الحالة الأولى، وهو أن يكون المسحوب عليه مديناً للساحب، ونتكلم في هذا المبحث عن الحالة الثانية، وهو أن يكون المسحوب عليه غير مدين للساحب.
فإما أن يقبل المسحوب عليه، أو لا يقبل.
فإن لم يقبل لم يترتب عليها شيء.
وإن قبل المسحوب عليه، فقد اختلف العلماء في هذا العقد على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تصح الحوالة وإن كان المحال عليه ليس مديناً للمحيل، وتسمى بالحوالة المطلقة، بشرط أن يتضمن العقد براءة المحيل، وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن الماجشون من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (١).
فإن لم يتضمن العقد براءة المحيل كان العقد عند الحنفية كفالة.
جاء في البحر الرائق: «الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة» (٢).
стр. 6467
وقال ابن عابدين: «وأما الدين على المحال عليه فليس بشرط» (١).
وقال السيوطي: «لو أحال على من لا دين عليه برضاه، فالأصح بطلانها بناء على أنها بيع. والثاني: يصح بناء على أنها استيفاء» (٢).
القول الثاني:
يشترط في صحة الحوالة أن يكون المحال عليه مديناً للمحيل، وهذا مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٣).
على خلاف بينهم في توصيف العقد إذا لم يكن المحال عليه مديناً للمحيل.
فقيل: العقد حمالة عند المالكية. واقتراض عند الشافعية والحنابلة.
جاء في شرح الخرشي: «ومن شروطها ثبوت دين للمحيل في ذمة المحال عليه وإلا كانت حمالة عند الجمهور، قاله الباجي، ولو وقعت بلفظ الحوالة» (٤).
وجاء في المدونة: «إذا لم يكن على المحتال عليه للذي أحال عليه دين فإنما هي حمالة» (٥).
стр. 6468
وجاء في أسنى المطالب: «لو أحال على من لا دين عليه لم تصح الحوالة، ولو رضي بها؛ لعدم الاعتياض، إذا ليس عليه شيء يجعله عوضاً عن حق المحتال، فإن تطوع بأداء دين المحيل كان قاضياً دين غيره، وهو جائز» (١).
وفي مغني المحتاج: «ولا تصح على من لا دين عليه بناء على الأصح من أنها بيع؛ إذ ليس للمحيل على المحال عليه شيء يجعله عوضاً عن حق المحتال. وقيل: تصح برضاه .... وعلى الأول لو تطوع بقضاء دين المحيل كان قاضياً دين غيره، وهو جائز» (٢).
وقال ابن قدامة: وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فليست حوالة نص عليه أحمد، فلا يلزم المحال عليه الأداء، ولا المحتال قبول ذلك؛ لأن الحوالة معاوضة، ولا معاوضة هنا، وإنما هو اقتراض» (٣).
وجاء في كشاف القناع: «وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فهو وكالة في اقتراض» (٤).
والقول بأنها قرض أو وكالة باقتراض لا يخالف عندي توصيف من قال: بأنها حمالة، لأنها حمالة بالنظر إلى علاقة المحال بالمحال عليه إذا كان قد رضي بالحوالة، ووكالة بالاقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال، واقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال عليه.
القول الثالث:
العقد باطل، وهو قول في مذهب الشافعية.
стр. 6469
قال الماوردي: «فأما وجوب الحق على المحال عليه فقد اختلف أصحابنا هل هو شرط في صحة الحوالة على وجهين:
أحدهما: أنه شرط في صحة الحوالة، فمتى لم يكن للمحيل على المحال عليه ذلك الحق الذي أحال به عليه فالحوالة باطلة؛ لأن الحوالة من تحول الحق، فلا بد من أن يكون الحق واجباً على المحال عليه كما كان واجباً للمحتال.
والوجه الثاني: تصح، وتجرى مجرى الضمان؛ لأنها وثيقة، فعلى هذا لا تتم إلا بقبول المحال عليه» (١).
الراجح:
الذي يظهر لي بأن المحال عليه إذا لم يكن مديناً للمحيل، ورضي بالحوالة فإنها تصح، ولكن لا تكون حوالة مطلقة كما يقول الحنفية، بل يمكن توصيف الحوالة على أنها وكالة في الاقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال، واقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال عليه، وضمان بالنظر إلى علاقة المحال بالمحال عليه، فيكون المحيل مضموناً عنه، والمحال عليه ضامناً، والمحال مضموناً له، وذلك أن المحال عليه عندما رضي بالحوالة أصبح ملتزماً بأداء قيمتها للمحال، وهذا هو حقيقة الضمان، فإن دفعها بأمر المحيل وبنية الرجوع إلى صاحبها أصبح مقرضاً للمحيل، وإن دفعها بدون أمره، أو نوى عدم الرجوع كان متبرعاً، فإن دفعها إكراماً للمحيل كانت هدية، وإن دفعها طلباً للأجر والثواب كانت صدقة، والله أعلم.
* * *
стр. 6470
المسألة الثالثة
أن يكون الساحب غير مدين للمستفيد
[ن-٢١٧] ذهب الأئمة الأربعة إلى اشتراط أن يكون المحيل مديناً للمحال (١).
فإن أحال رجلاً ليس له عليه دين على من له عليه دين فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
تصح، وتكون وكالة بقبض الدين اعتباراً للمعنى؛ لأن المعتبر في العقود المقاصد والمعاني، وليست الألفاظ والمباني. وهذا مذهب الجمهور.
قال ابن نجيم: «إذا أحال رجلاً وليس للمحتال دين على المحيل، فهذه وكالة، وليست حوالة» (٢).
وقال الدسوقي في حاشيته: «وكذا يشترط ثبوت دين للمحال على المحيل» (٣).
стр. 6471
وجاء في البيان للعمراني: «قال أبو العباس: إذا كان لرجل عند رجل ألف، فقال من له الدين لرجل لا شيء عليه له: أحلتك على فلان بألف، فهذا توكيل منه بالقبض، وليس بحوالة؛ لأن الحوالة إنما تكون لمن له حق، ولا حق للمحتال عليه هاهنا، فثبت أن ذلك توكيل» (١).
وجاء في مطالب أولى النهى: «وإحالة من لا دين عليه على مثله: أي من لا دين عليه وكالة في اقتراض» (٢).
وجه ذلك:
قال ابن قدامة: «وإن أحال من لا دين له عليه رجلا على آخر له عليه دين فليس ذلك بحوالة؛ بل هي وكالة تثبت فيها أحكامها; لأن الحوالة مأخوذة من تحول الحق وانتقاله ولا حق هاهنا ينتقل ويتحول وإنما جازت الوكالة بلفظ الحوالة؛ لاشتراكهما في المعنى; وهو استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه وتحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحيل» (٣).
القول الثاني:
لا تصح لا حوالة ولا وكالة، اختاره بعض الشافعية (٤).
أما كون العقد لا يصح حوالة؛ فلأن الحوالة مأخوذة من تحول الحق وانتقاله، ولا حق هنا ينتقل ويتحول.
стр. 6472
وأما كونه لا ينعقد وكالة فاعتباراً للفظ، فإن لفظ الحوالة غير لفظ الوكالة، وهذا القول اختاره بعض الشافعية، وهو يتفق مع أصول مذهبهم بأن المقدم في العقود الألفاظ على المعاني.
وقد سبق عقد مبحث مستقل في مناقشة المعتبر في العقود، هل هو المقاصد والمعاني، أو الألفاظ والمباني في مقدمة عقد البيع وبينت فيه ضعف مذهب الشافعية، وأنهم لم يطردوا في ذلك، ففي أحيان كثيرة يقدمون اللفظ على المعنى، وفي عقود أخرى يقدمون المعنى على اللفظ. فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والله أعلم.
* * *
стр. 6473
المبحث الثالث
السند الإذني (السند لأمر)
تعريفه: صك يتضمن تعهد محرره (وهو المدين) بدفع مبلغ معين من النقود، في تاريخ محدد، لشخص آخر يسمى المستفيد (وهو الدائن).
فالسند الإذني: ورقة تجارية تتضمن طرفين:
الأول: المحرر.
والثاني: المستفيد.
والعلاقة بينهما علاقة دين، المحرر فيها مدين، والمستفيد دائن.
وبهذا يختلف السند الإذني عن الكمبيالة، حيث إن الكمبيالة تتضمن طرفاً ثالثاً، وهو المسحوب عليه.
كما أن الكمبيالة تتضمن أمراً بالدفع من قبل الساحب، أما السند فيتضمن تعهداً بالدفع، ويحرر من قبل المدين.
خصائص السند الإذني:
يتضح مما تقدم أن السند الإذني يتميز بالخصائص الآتية:
(أ) السند الإذني ورقة تجارية تشبه الورقة النقدية من حيث صلاحه للقبول والتداول.
(ب) السند الإذني يشكل علاقة حقوقية بين طرفين هما الساحب والمستفيد.
(ج) لا يلزم لتحرير السند الإذني وجود مقابل وفاء.
(د) لا يلزم لاعتبار السند الإذني قبول المحرر لأنه بتحريره إياه ملتزم بدفع قيمته في ميعاد الاستحقاق.
стр. 6474
(هـ) لا يعتبر السند الإذني ورقة نقدية بمعنى أن قيمته في حال ضياعه تثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة (١).
تداول السند:
يمكن تداول السند الإذني، أو السند لأمر، شأنه بذلك شأن الكمبيالة، وذلك عن طريق التظهير بأنواعه الثلاثة: الناقل للملكية، والتأميني، والتوكيلي:
فالناقل للملكية إذا قصد منه نقل الحق الثابت فيه من شخص إلى آخر عن طريق تظهيره تظهيراً ناقلاً للملكية.
وإذا كان سبب التظهير وجود دين للمظهر إليه، على المظهر، وقام بتظهيره ناقلاً للملكية، فإن التظهير في هذه الحالة يكون حوالة على نحو ما ذكر في تكييف الكمبيالة.
أما إذا لم يكن هناك دين للمظهر على المظهر، فإن التظهير في هذه الحالة يكون هبة، أو قرضاً، أو غير ذلك بحسب نية المظهر.
وأما التظهير التأميني: فإنه يقصد منه رهن السند، باعتباره رهناً للدين الثابت به.
وأما التظهير التوكيلي: فإنه يقصد منه التوكيل في تحصيل الدين عند حلول أجله.
حكم إصدار السند الإذني:
إصدار السند الإذني ليس حراماً بحد ذاته، وذلك أنه وثيقة بدين، فإذا رضي المتداينان بإثبات الدين بأي طريقة كان ذلك جائزاً؛ لأن الكتابة أقل ما فيها أنها
стр. 6475
مأمور بها شرعاً؛ لأن فيها إثبات الدين، وقد قال تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وحتى لا يتعرض الدين للنسيان، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع: «الأوراق التجارية (الشيكات - السندات لأمر- سندات السحب) من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة» (١).
لكن إذا كان على هذا الدين أي فوائد ربوية مقابل التأخير كان التحريم لها لا لذاتها، وإنما لوجود الوصف المحرم الداخل عليها، كما أن حامل السند الإذني، وهو الدائن الأصلي يقوم ببيعه على طرف ثالث بأقل من المبلغ المكتوب عليه طمعاً في استعجال الحصول على الدين قبل حلول أجله، وهو ما يسمى بخصم الورقة التجارية عن طريق تداولها، فإن ذلك محرم شرعاً، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 6476
المبحث الرابع
في الشيك
الفرع الأول
تعريف الشيك والفرق بينه وبين بقية الأوراق التجارية
تعريف الشيك:
عرف الشيك بأنه ورقة تجارية تتضمن أمراً صادراً من شخص يسمى الساحب إلى أحد البنوك بأن يدفع لإذن شخص ثالث، وهو المستفيد مبلغاً معيناً من النقود بمجرد الاطلاع (١).
خصائص الشيك
يتميز الشيك بالخصائص الآتية:
أ- صلاحية الشيك للتداول والقبول، وهو بهذه المثابة يعتبر ورقة تجارية تشبه النقد.
ب - يعتبر محرر الشيك ضامناً لقيمته حتى يتم سداده.
ج - لا يفقد الشيك قيمته في حال ضياعه، وإنما هو سند بدين يثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة في حالة ضياعه.
د - يعتبر الشيك صحيحاً ويجب دفعه لدى الاطلاع، ولا يعتبر رضا المسحوب عليه إلا إذا كان غير مدين للساحب بمثل قيمته.
стр. 6477
هـ - الورقة التي تتوفر لها جميع سمات الشيك، ولكن لا تكون مسحوبة على مصرف (بنك) لا تعتبر شيكاً صحيحاً.
و - يشترط لسحب الشيك أن يكون المسحوب عليه مديناً للساحب بما لا يقل عن قيمته، فإن سحب شيك على غير مدين به اعتبر ذلك جريمة توجب العقوبة، وتبقى للشيك قيمته المالية في ذمة ساحبه.
ز - لا يجوز للمسحوب عليه رفض اعتماد الشيك إذا كان لديه مقابل وفاء يكفي لدفع قيمته.
الفرق بين الشيك وبقية الأوراق التجارية:
من خلال ما سبق يتضح أوجه الشبه والاختلاف بين الشيك والكمبيالة:
فهما يتشابهان بأن كلاً منهما يستلزم وجود ثلاثة أشخاص: (ساحب، ومستفيد، ومسحوب عليه).
ويفترض سبق وجود علاقتين قانونيتين بينهما:
(علاقة بين الساحب والمسحوب عليه) تقوم على وجود رصيد لدى المسحوب عليه.
(علاقة بين الساحب والمستفيد) وتسمى القيمة الواصلة يكون فيها المستفيد دائناً للساحب.
كما أن كلاً منهما يكون قابلاً للتداول بالطرق التجارية، ويمكن القول: إن التمييز بين الشيك والكمبيالة قد يبدو عسيراً في حال ما إذا كان سحبها على مدين بها، وكانت واجبة الدفع عند الاطلاع، وكان سحبها على مصرف ولذلك أوجب المشرع أن يعنون الصك بالكمبيالة فرقاً بينها وبين الشيك، ولو من حيث الشكل. وقد يبدو الفرق بينهما واضحا جليا في الحالات التالية.
стр. 6478
(١) لا يلزم توفر مقابل وفاء الكمبيالة حين إصدارها، ويكفي توفرها في ميعاد الاستحقاق، أما في الشيك فإنه يجب أن يكون مقابل الوفاء موجوداً قبل إصدار الشيك، أو في وقت إصداره على الأقل.
(٢) تعتبر الكمبيالة أداة وفاء وائتمان، ولذلك فإنها غالباً ما تكون مؤجلة الدفع، أي أن ميعاد استحقاقها يكون لاحقاً لتاريخ الإصدار، أما الشيك فإنه أداة وفاء فقط، ولذلك فإنه يكون واجب الوفاء دائماً لدى الاطلاع.
(٣) يجوز أن يكون المسحوب عليه في الكمبيالة مصرفاً أو شخصاً عادياً، أما الشيك فلا يسحب عادة إلا على مصرف، وبعض القوانين توجب ذلك.
وأما الفرق بين الشيك والسند لأمر:
فإن العلاقة في الشيك غالباً ما تكون ثلاثية (ساحب، ومسحوب عليه، ومستفيد).
ويجوز اقتصاره على طرفين هما الساحب وهو المستفيد في نفس الوقت، والمسحوب عليه. وهو البنك وإلى هذا تشير المادة السادسة والتسعون من نظام الأوراق التجارية السعودي. بينما السند لأمر سبق لنا أن العلاقة ثنائية (محرر السند والمستفيد).
كما أن الشيك يتضمن أمراً بالدفع، ويحرر من قبل الساحب، وأما السند لأمر فيتضمن تعهداً بالدفع، ويحرر من قبل المدين (١).
* * *
стр. 6479
الفرع الثاني
التوصيف الفقهي للشيك
المسألة الأولى
الشيك الموجه من العميل إلى مصرف له فيه حساب
[ن-٢١٨] إذا كان لمحرر الشيك رصيد دائن في البنك، فإن الشيك لا يعدو في هذه الحالة أن يكون وثيقة بدين تقضي بإحالة محتواه من ذمة ساحبه إلى ذمة المسحوب عليه مع بقاء مسؤولية ساحبه حتى سداده، وأنه ينبغي ألا يسحب إلا على من لديه مقابل وفائه، ولا يلزم لاعتباره قبول المسحوب عليه. وكل هذه الخصائص هي خصائص الحوالة فالأقرب في التخريج الفقهي لهذا الشيك أنه يعتبر حوالة.
فالساحب: هو المحيل.
والمستفيد: هو المحال.
والمصرف: هو المحال عليه.
والحوالة مشروعة بالإجماع.
(ح-٨٨٣) ومستند الإجماع ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج.
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع (١).
стр. 6480
ونوقش هذا التخريج:
بأن ساحب الشيك يعتبر ضامناً لقيمته حتى يتم سداده، بينما الحوالة تقتضي براء المحيل من الدين.
[م-١٢٧١] وقد اختلف الفقهاء في حكم الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل:
فذهب الحنفية إلى أن الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل تحولت إلى كفالة (عقد ضمان) (١).
وقيل: إذا شرط الضمان بطلت الحوالة، وهو الراجح في مذهب الشافعية (٢).
ودليلهم: أن اشتراط الضمان في الحوالة ينافي مقتضى العقد، لأن الحوالة تقتضي براء المحيل من الدين، واشتراط ما ينافي مقتضى العقد يجعله باطلاً.
وقيل: عقد الحوالة لا يقتضي براءة المحيل من الدين، وهو قول زفر، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣)، فالأول يرى أن الحوالة كالكفالة، والثاني يرى أن الحوالة تنقل المطالبة بالدين فقط، ولا تنقل الدين فهو باق في ذمة المحيل. وانظر حجتهما في عقد الحوالة.
وأجاز الشافعية في وجه مرجوح عندهم جواز أخذ الضمان على الحوالة، بناء على أن الحوالة بيع، وليست استيفاء (٤).