← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

المبحث الرابع في الشيك الفرع الأول تعريف الشيك والفرق بينه وبين بقية الأوراق التجارية تعريف الشيك: عرف الشيك بأنه ورقة تجارية تتضمن أمراً صادراً من شخص يسمى الساحب إلى أحد البنوك بأن يدفع لإذن شخص ثالث، وهو المستفيد مبلغاً معيناً من النقود بمجرد الاطلاع (١). خصائص الشيك يتميز الشيك بالخصائص الآتية: أ- صلاحية الشيك للتداول والقبول، وهو بهذه المثابة يعتبر ورقة تجارية تشبه النقد. ب - يعتبر محرر الشيك ضامناً لقيمته حتى يتم سداده. ج - لا يفقد الشيك قيمته في حال ضياعه، وإنما هو سند بدين يثبت بإحدى طرق الإثبات المعتبرة في حالة ضياعه. د - يعتبر الشيك صحيحاً ويجب دفعه لدى الاطلاع، ولا يعتبر رضا المسحوب عليه إلا إذا كان غير مدين للساحب بمثل قيمته.

стр. 6477

هـ - الورقة التي تتوفر لها جميع سمات الشيك، ولكن لا تكون مسحوبة على مصرف (بنك) لا تعتبر شيكاً صحيحاً. و - يشترط لسحب الشيك أن يكون المسحوب عليه مديناً للساحب بما لا يقل عن قيمته، فإن سحب شيك على غير مدين به اعتبر ذلك جريمة توجب العقوبة، وتبقى للشيك قيمته المالية في ذمة ساحبه. ز - لا يجوز للمسحوب عليه رفض اعتماد الشيك إذا كان لديه مقابل وفاء يكفي لدفع قيمته. الفرق بين الشيك وبقية الأوراق التجارية: من خلال ما سبق يتضح أوجه الشبه والاختلاف بين الشيك والكمبيالة: فهما يتشابهان بأن كلاً منهما يستلزم وجود ثلاثة أشخاص: (ساحب، ومستفيد، ومسحوب عليه). ويفترض سبق وجود علاقتين قانونيتين بينهما: (علاقة بين الساحب والمسحوب عليه) تقوم على وجود رصيد لدى المسحوب عليه. (علاقة بين الساحب والمستفيد) وتسمى القيمة الواصلة يكون فيها المستفيد دائناً للساحب. كما أن كلاً منهما يكون قابلاً للتداول بالطرق التجارية، ويمكن القول: إن التمييز بين الشيك والكمبيالة قد يبدو عسيراً في حال ما إذا كان سحبها على مدين بها، وكانت واجبة الدفع عند الاطلاع، وكان سحبها على مصرف ولذلك أوجب المشرع أن يعنون الصك بالكمبيالة فرقاً بينها وبين الشيك، ولو من حيث الشكل. وقد يبدو الفرق بينهما واضحا جليا في الحالات التالية.

стр. 6478

(١) لا يلزم توفر مقابل وفاء الكمبيالة حين إصدارها، ويكفي توفرها في ميعاد الاستحقاق، أما في الشيك فإنه يجب أن يكون مقابل الوفاء موجوداً قبل إصدار الشيك، أو في وقت إصداره على الأقل. (٢) تعتبر الكمبيالة أداة وفاء وائتمان، ولذلك فإنها غالباً ما تكون مؤجلة الدفع، أي أن ميعاد استحقاقها يكون لاحقاً لتاريخ الإصدار، أما الشيك فإنه أداة وفاء فقط، ولذلك فإنه يكون واجب الوفاء دائماً لدى الاطلاع. (٣) يجوز أن يكون المسحوب عليه في الكمبيالة مصرفاً أو شخصاً عادياً، أما الشيك فلا يسحب عادة إلا على مصرف، وبعض القوانين توجب ذلك. وأما الفرق بين الشيك والسند لأمر: فإن العلاقة في الشيك غالباً ما تكون ثلاثية (ساحب، ومسحوب عليه، ومستفيد). ويجوز اقتصاره على طرفين هما الساحب وهو المستفيد في نفس الوقت، والمسحوب عليه. وهو البنك وإلى هذا تشير المادة السادسة والتسعون من نظام الأوراق التجارية السعودي. بينما السند لأمر سبق لنا أن العلاقة ثنائية (محرر السند والمستفيد). كما أن الشيك يتضمن أمراً بالدفع، ويحرر من قبل الساحب، وأما السند لأمر فيتضمن تعهداً بالدفع، ويحرر من قبل المدين (١). * * *

стр. 6479

الفرع الثاني التوصيف الفقهي للشيك المسألة الأولى الشيك الموجه من العميل إلى مصرف له فيه حساب [ن-٢١٨] إذا كان لمحرر الشيك رصيد دائن في البنك، فإن الشيك لا يعدو في هذه الحالة أن يكون وثيقة بدين تقضي بإحالة محتواه من ذمة ساحبه إلى ذمة المسحوب عليه مع بقاء مسؤولية ساحبه حتى سداده، وأنه ينبغي ألا يسحب إلا على من لديه مقابل وفائه، ولا يلزم لاعتباره قبول المسحوب عليه. وكل هذه الخصائص هي خصائص الحوالة فالأقرب في التخريج الفقهي لهذا الشيك أنه يعتبر حوالة. فالساحب: هو المحيل. والمستفيد: هو المحال. والمصرف: هو المحال عليه. والحوالة مشروعة بالإجماع. (ح-٨٨٣) ومستند الإجماع ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج. عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع (١).

стр. 6480

ونوقش هذا التخريج: بأن ساحب الشيك يعتبر ضامناً لقيمته حتى يتم سداده، بينما الحوالة تقتضي براء المحيل من الدين. [م-١٢٧١] وقد اختلف الفقهاء في حكم الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل: فذهب الحنفية إلى أن الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل تحولت إلى كفالة (عقد ضمان) (١). وقيل: إذا شرط الضمان بطلت الحوالة، وهو الراجح في مذهب الشافعية (٢). ودليلهم: أن اشتراط الضمان في الحوالة ينافي مقتضى العقد، لأن الحوالة تقتضي براء المحيل من الدين، واشتراط ما ينافي مقتضى العقد يجعله باطلاً. وقيل: عقد الحوالة لا يقتضي براءة المحيل من الدين، وهو قول زفر، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣)، فالأول يرى أن الحوالة كالكفالة، والثاني يرى أن الحوالة تنقل المطالبة بالدين فقط، ولا تنقل الدين فهو باق في ذمة المحيل. وانظر حجتهما في عقد الحوالة. وأجاز الشافعية في وجه مرجوح عندهم جواز أخذ الضمان على الحوالة، بناء على أن الحوالة بيع، وليست استيفاء (٤).

стр. 6481

الراجح: سبق أن بينت أن اشتراط الضمان في عقد الحوالة شرط صحيح؛ لأن شرط الضمان لا يترتب عليه محذور شرعي، ولا يسلَّم أن شرط الضمان ينافي مقتضى عقد الحوالة، فهناك فرق بين أن يشترط عدم براءة المحيل وبين أن يشترط ضمانه، فالأول هو الذي ينافي مقصود العقد وحقيقته، لأن المقصود من الحوالة براءة المحيل، وإذا شرط عدم براءته كان ذلك منافياً مقصود العقد، وأما شرط الضمان فلا ينافي مقصود العقد؛ لأنه لا يمنع براءة المحيل من الدين، وانتقاله إلى ذمة المحال عليه بناء على عقد الحوالة، غاية ما في الأمر، أنه يقتضي اشتغال ذمته بالدين مرة أخرى بعد براءته منه، وانتقاله إلى ذمة المحال عليه، صحيح أن المحيل بقي مطالباً بالدين، لكن نوع المطالبة اختلف، فقبل الحوالة: كان مطالباً بالدين باعتباره أصيلاً، وبعد الحوالة التي اشترط فيه ضمانه، أصبح مطالباً بالدين باعتباره ضامناً، لا باعتباره أصيلاً، إذ أصبح المدين الأصيل هو المحال عليه، يوضح ذلك: أن المحال - في هذه المسألة - لو أبرأ المحال عليه من الدين برئ المحيل؛ لأنه أصبح ضامناً، وبراءة الأصيل توجب براءة الضامن، بخلاف ما لو أبرأ المحيل، حيث لا يبرأ المحال عليه؛ لأنه أصبح المدين الأصيل، وبراءة الضامن لا توجب براءة الأصيل. واشتغال ذمة المحيل بعد براءته، لا يقتضي بطلان العقد.

стр. 6482

المسألة الثانية ألا يكون لمحرر الشيك رصيد في البنك [ن-٢١٩] إذا كان محرر الشيك ليس له رصيد في البنك، وإنما له حساب مكشوف. فإما أن يقبل البنك المسحوب عليه، أو لا يقبل. فإن لم يقبل لم يترتب عليها شيء، وقد اعتبرها الحنابلة أنها وكالة في اقتراض (١). ويجب على محرر الشيك ألا يحرر شيكاً بلا رصيد إلا بعد أخذ موافقة البنك؛ لأن تحرير الشيك بلا رصيد يعتبر مخالفاً للأنظمة، وجرماً يعاقب فاعله. وإن قبل المحال عليه: فقيل: تعتبر حوالة صحيحة، وهذا على رأي من لا يشترط لصحة الحوالة أن يكون المحال عليه مديناً للمحيل، ويجيز الحوالة على من لا دين عليه إذا قبلها، وهذا مذهب الحنفية، ويسمونها بالحوالة المطلقة (٢). وقيل: تعتبر حوالة غير صحيحة، وهذا مذهب الشافعية (٣). ووجهه: أن الحوالة عندهم بيع، وإذا كانت بيعاً، لم تصح الحوالة على من

стр. 6483

لا دين عليه؛ لعدم الاعتياض، إذ ليس عليه شيء يجعله عوضاً عن حق المحتال (١). وقيل: تعتبر كفالة، وهذا مذهب المالكية (٢). وقيل: تعتبر وكالة في اقتراض، وهذا مذهب الحنابلة (٣). وهذا القولان لا يتعارضان، فهي كفالة بالنسبة إلى علاقة المحال (المستفيد) بالمحال عليه (البنك)، ووكالة في اقتراض بالنسبة إلى علاقة المحيل (محرر الشيك) بالمحال (المستفيد). وإنما لم تكن حوالة؛ لأنه ليس فيها تحويل حق من ذمة إلى أخرى، وإنما جازت الوكالة بلفظ الحوالة لاشتراكهما في المعنى: وهو استحقاق الوكيل مطالبة من عليه دين، كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه، وتثبت فيها أحكام الوكالة. وسواء كان الراجح في الشيك أنه حوالة، أو حمالة، أو وكالة في اقتراض فإنه لا حرج شرعاً من تحرير الشيك الموجه من العميل إلى مصرف ليس له فيه رصيد بشرط أن يكون القرض خالياً من الربا، أو من اشتراط السداد في مدة محددة، فإن تأخر أخذ على ذلك فائدة ربوية. والله أعلم.

стр. 6484

المبحث الخامس الفرق بين الأوراق المالية والأوراق التجارية [ن-٢٢٠] بعد أن عرفنا الأوراق التجارية، وأنها تنقسم إلى كمبيالة وسند إذني، وشيك، نريد أن نعرف في هذا المبحث الفرق بين الأوراق المالية (الأسهم والسندات) المتداولة في سوق رأس المال والتي سبق بحثها، وبين الأوراق التجارية المتداولة في سوق النقد. ومع أن كلاً من الأوراق المالية والأوراق التجارية تعتبر صكوكاً تمثل مبالغ نقدية قابلة للتداول بالطرق التجارية إلا أن بينها فروقاً يمكن تلخيصها فيما يلي: (١) - الاختلاف بينها من حيث الأجل، فالأوراق النقدية قصيرة الأجل، وتاريخ استحقاقها محدد بشكل قاطع، بينما الأسهم والسندات متوسطة أو طويلة الأجل، ويتعذر في كثير من الأحيان تحديد الأجل الذي تستحق فيه الأوراق المالية تحديداً قاطعاً، فصاحب السهم له الحق في البقاء في الشركة ما دامت الشركة قائمة باستثناء الشركات التي تحصل على امتياز حكومي لاستغلال مشروع معين لفترة من الزمن. (٢) - الاختلاف بينها من حيث القيم التي تمثلها. فالأوراق المالية تمثل قيماً متساوية حين الإصدار، ثم تتغير قيمتها باستمرار تبعاً لتقلبات الأسعار، ويكون الدخول فيها عالي الخطورة، بينما قيم الأوراق التجارية لا تثمل قيماً متساوية حين إصدارها، بل تختلف قيمتها باختلاف المعاملات التي حررت من أجلها، وتظل قيمتها ثابتة حتى تاريخ استحقاقها، وبالتالي تتميز بانخفاض درجة المخاطرة.

стр. 6485

(٣) - الأوراق التجارية تمثل ديوناً فقط، بخلاف الأوراق المالية فإن منها ما يمثل ديوناً كالسندات، ومنها ما يمثل ملكية كالأسهم. (٤) - يستطيع أي شخص كامل الأهلية من إصدار الأوراق التجارية، بخلاف الأوراق المالية فإن إصدارها مختص بالمؤسسات المالية، وشركات المساهمة، والشخصيات الاعتبارية. (٥) - يمكن لصاحب الأوراق التجارية استعجال قيمتها وذلك بخصمها لدى المصارف والبنوك المركزية، وأما الأوراق المالية فإن صاحبها إذا احتاج إلى قيمتها فليس أمامه إلا بيعها في السوق الثانوية، وقد يصادف ذلك هبوط في قيمتها، فيتضرر صاحبها، وقد يكون العكس. (٦) - تعتبر الورقة التجارية مضمونة الوفاء بقيمتها من قبل محررها، ومن قبل الموقعين عليها، بخلاف الأوراق المالية فإن بائعها لا يضمن يسار الشركة التي أصدرتها، وتنتهي مسئوليته عند تسليم السهم أو السند إلى المشتري. * * *

стр. 6486

المبحث السادس أحكام التعامل بالأوراق التجارية الفرع الأول تحصيل الأوراق التجارية [ن-٢٢١] تحصيل الأوراق التجارية عقد مركب من عقدين: الأول: الإيداع. الثاني: الوكالة بأجر. بيان ذلك: أن التاجر بحكم مشاغله الكثيرة في الأسواق يكون مشغولاً دائماً عن تحصيل الأوراق التجارية نظراً إلى أن تحصيل الأوراق يستلزم إجراءات كثيرة من قيود سجلات، وخطابات إنشائية وجوابية، واتصالات مباشرة وغير مباشرة لذلك يقوم التاجر بتوكيل البنك بتحصيل قيم هذه الأوراق لهم عند حلول أجلها بعمولة يجري الاتفاق على تحديدها فيقوم التاجر بتظهير الورقة التجارية إلى البنك الذي يختاره تظهيراً توكيلياً ويختلف مقدار العمولة التي يطلبها البنك لقاء قيامه بالتحصيل تبعا لاختلاف قيمة الورقة التجارية وأجل وفائها ومحله وغير ذلك من الاعتبارات. ويسبق ذلك أن يكون هناك وجود عقد للحفظ والإيداع للورقة التجارية قبل موعد استحقاق دفعها، ولو بأيام لتكون تحت تصرف المصرف الموكل بالتحصيل، لذا فعقد الوديعة حاضر في عملية التحصيل ضمناً. وبعد الإيداع يقوم البنك بتحصيل الورقة، واختلف العلماء في التوصيف الفقهي لعملية التحصيل على قولين:

стр. 6487

القول الأول: ذهب أكثر أهل العلم على اعتبار تحصيل الورقة وكالة بأجرة (١). فالعميل يوكل البنك في تحصيل دينه مقابل أجر معين، والوكالة جائزة شرعاً سواء أكانت بأجر أم بغير أجر، وإذا لم ينص العاقدان على الأجر في الوكالة فيعمل بالعرف الدارج. ويجوز التوكيل في تقاضي الديون وقبضها من غير رضا الخصم (المدين) والبنك كوكيل بأجر يستحق الأجرة إذا قام بالعمل والإجراءات المتعلقة بالمطالبة بالدين في تاريخه، سواء حصل قبض الدين أم لا كالمحامي الذي يستحق الأجر مقابل وكالته في الدفاع عن موكله، سواء كسب القضية أم خسرها. القول الثاني: ذهب بعض أهل العلم إلى اعتبار تحصيل الأوراق التجارية عملية إجارة، يقول الدكتور رفيق المصري: «إذا قدم أحد العملاء إلى مصرف ورقة تجارية (كمبيالة أو سنداً لأمر) لتحصيل قيمتها له في تاريخ الاستحقاق، فهذا جائز، ويجوز للمصرف أن يتقاضى من العميل أجراً على التحصيل، فهذه العملية ليست إلا من باب الإجارة المشروعة» (٢). والأول عندي أقرب؛ لأن المصرف يتصرف في التحصيل نيابة عن الوكيل، والنيابة في التصرف إلى الوكالة أقرب منها إلى الإجارة، والله أعلم.

стр. 6488

وبهذا يتبين أن تعامل البنوك الإسلامية في تحصيل الأوراق التجارية مشروع سواء اعتبرنا ذلك وكالة بأجر، أو إجارة، والله الموفق. * * *

стр. 6489

الفرع الثاني رهن الأوراق التجارية [ن-٢٢٢] رهن الأوراق التجارية: عبارة عن اتفاق بين الراهن والمرتهن يتم بموجبه رهن الورقة عن طريق التظهير على نحو يفيد أن قيمتها ضمان لدين سابق بذمة الراهن (١). والتوصيف الفقهي لعملية رهن الأوراق التجارية أنه رهن دين بدين، وقد اتفق الفقهاء على صحة رهن الدين في غير الابتداء، وذلك كما لو آل المرهون بعد القبض ديناً في ذمة متلفه، واختلفوا في جوازه في الابتداء على ثلاثة أقوال. القول الأول: لا يجوز رهن الدين مطلقاً، أي سواء كان من المرتهن، أو من غيره. وهذا مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والأصح عند الحنابلة (٤).

стр. 6490

دليل القائلين بأنه لا يجوز رهن الدين . الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] «وجه الدلالة: بأن الله تعالى وصف الرهان بكونها مقبوضة، والصفة تقوم مقام الشرط، والدين لا يمكن قبضه، فلا يصح رهنه. ويجاب: بأن قبض كل شيء بحسبه، فقبض العقار: يكون بالتخلية، وقبض المنقول بالنقل، وقبض الدين يكون بقبض الوثيقة، أو بالإشهاد. الدليل الثاني: أن الدين غير مقدور على تسليمه، فلا يصح رهنه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء. ويناقش: بأن الدين مقدور على تسليمه وقت حلوله، وقياسه على السمك في الماء، والطير في الهواء قياس مع الفارق. الدليل الثالث: أن فيه غرراً؛ لاحتمال أن يجحده المدين، والغرر يفسد العقود. ويناقش: بأن احتمال الجحود كاحتمال تلف العين المرهونة، فكما لا يقدح احتمال التلف في صحة رهن العين، لا يقدح احتمال الجحود في صحة رهن الدين، وقد قيدنا رهن الدين بالإشهاد، أو الوثيقة التي تثبت الدين، فانتفى احتمال الجحود.

стр. 6491

القول الثاني يجوز رهن الدين مطلقاً، أي سواء كان ممن هو عليه، أو من غير من هو عليه، وهذا مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، ورواية في مذهب الحنابلة (٣). إلا أن المالكية اشترطوا في رهنه على من هو عليه: أن يكون أجل الدين (الرهن) مثل أجل الدين الذي فيه الرهن، أو أبعد منه؛ لئلا يؤدي إن كان الدين من قرض إلى: أسلفني وأسلفك. وإن كان الدين من بيع، إلى بيع وسلف، وهذا ممنوع. وإن كان رهن الدين لغير من هو عليه، فيشترط لصحته كتابة وثيقة ودفعها للمرتهن، فإن لم يكن هناك وثيقة اكتفى بالإشهاد ألا يقضيه غريمه حتى يصل المرتهن إلى حقه، وأنه إن فعل كان متعدياً، ويغرم الدين؛ لأنه أتلفه. دليل القائلين بجواز رهن الدين . الدليل الأول: لا يوجد دليل يمنع من رهن الدين، ولا يترتب على ذلك محذور شرعي يمنع من صحته، وقد ثبت ذلك من خلال مناقشة أدلة المانعين.

стр. 6492

الدليل الثاني: أن الدين يجوز بيعه،، وما جاز بيعه جاز رهنه، وقد فصلنا الكلام على جواز بيع الدين في أحواله المختلفة، وإنما الممنوع منه بيع الدين بالدين، وهذا ليس منه. القول الثالث: يجوز رهن الدين ممن هو عليه فقط، وهو الوجه الجديد عند الشافعية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢). دليل من قال: يجوز رهن الدين على من هو عليه . هذا القول لدى الحنابلة مبني على اختيارهم في بيع الدين، وأن الدين يجوز بيعه فقط إذا كان على من هو عليه، فجاز عندهم رهنه على من هو عليه. ويناقش: بأن هناك صوراً يجوز فيها بيع الدين على غير من هو عليه إذا خلت من الربا، ومن الغرر، كما هو مذهب المالكية والشافعية، فليس جواز بيع الدين مقصوراً على بيعه على من هو عليه، فلتراجع. وإذا جاز رهن الدين، جاز رهن الأوراق التجارية، والله أعلم. * * *

стр. 6493

الفرع الثالث في معنى خصم الأوراق التجارية [ن-٢٢٣] خصم الأوراق التجارية: هو «تظهير الورقة التجارية التي لم يحل أجلها بعد إلى المصرف (البنك) تظهيراً ناقلاً للملكية، في مقابل أن يعجل المصرف قيمتها للمظهر، بعد أن يخصم منها مبلغاً يتناسب مع الأجل الذي يحل عنده موعد استحقاقها» (١). فهو مصطلح اقتصادي جديد ربوي النشأة، ظهر في عصر المصارف العامة التي تعتمد الفوائد الربوية في تعاملها، وتعتمد عليها تلك المصارف في استثمار أموالها، وتعتبرها الأكثر قبولاً. فهذه العملية تتم من خلال ما يلي: أولاً: يتقدم حامل الورقة التجارية (كمبيالة، أو سند إذني) إلى المصرف طالباً منه خصمها. ثانياً: يقوم المصرف بدفع قيمة الورقة التجارية المدون عليها بعد خصم الفائدة، وهي تختلف بحسب المدة الباقية من أجل الورقة، وعمولة المصرف، ونفقات التحصيل. ثالثاً: يقوم حامل الورقة بتظهير الورقة للمصرف، ويتقاضى منه المبلغ المتفق عليه.

стр. 6494

رابعاً: يعتبر حامل الورقة ضامناً للوفاء بقيمة الورقة التجارية، بحيث يحق للمصرف الرجوع عليه، ومطالبته بها إذا امتنع المسحوب عليه. وبهذا يتبين أن عملية خصم الأوراق التجارية: أن يقوم طرف ثالث، لا شأن له بحقيقة الدين الموجود، هل كان ناشئاً عن قرض، أو عن بيع، أو عن أي عقد من عقود المعاوضات، فيستفيد من حاجة الدائن إلى السيولة، فيعطيه أقل مما له، وينتظر المدين حتى يدفع كامل قيمة الدين. فائدتها: يستفيد المظهر (العميل) من عملية الخصم: تعجيل قيمة الورقة التجارية الذي يرغب في خصمها، واستلام قيمتها في الحال، دون الانتظار إلى موعد الاستحقاق. وينتفع المصرف من عملية خصم الأوراق التجارية بأن المصرف يتقاضى مقابل قيامه بهذه العملية ما يسمى (بالآجيو) الذي يتكون من العناصر الآتية: الأول: الفائدة أو سعر الخصم . وتحسب عن المدة من تاريخ الخصم، حتى تاريخ استحقاق الورقة التجارية، ويتحدد سعر الفائدة على أساس سعر الخصم الذي يحدده البنك المركزي مع زيادة نسبة تتراوح بين ١% و ٢% حتى يستطيع البنك التجاري أن يعيد خصم الأوراق التجارية لدى البنك المركزي عند الحاجة، وبذا يحقق البنك التجاري لنفسه ربحاً بمقدار هذا الفرق عند إعادة الخصم. وهذه الفائدة لا يجوز أخذها كما سيأتي إن شاء الله تعالى، سواء اعتبرنا الخصم بأنه قرض بفائدة، أو اعتبرناه بيع دين بدين.

стр. 6495

الثاني: العمولة . ويتقاضاها المصرف نظير الخدمة التي يقوم بها في عملية الخصم، لتغطية النفقات العامة للمصرف، ويتم تقديرها بالنظر إلى قيمة الورقة التجارية، ومقدار الأجل المتبقي على موعد الدفع، ومقدار المخاطرة التي قد يتعرض لها المصرف (١). «ويختلف الحكم باختلاف وجود خدمة حقيقية أولاً، فإن كانت العمولة مقابل خدمة حقيقية يؤديها المصرف للعميل - واقتصر الأمر عليها دون أخذ فوائد- فإن أخذ العمولة حينئذ جائز؛ لأنها من قبيل الأجرة على عمل، وعلى هذا فلا بد أن يقابلها عمل حقيقي، وأن تكون مبلغاً مقطوعاً لا بالنسبة، وألا تتكرر إلا بتكرار الخدمة، أو العمل» (٢). وإنما كان الواجب في العمولة أن تكون محددة بمبلغ مقطوع، وليس على أساس نسبي، لأن الجهد الذي يبذله المصرف في إعداد عقد القرض الذي تكون قيمته ألف وحدة نقدية، لا يختلف عن الجهد المبذول في إعداد عقد قيمته عشرة آلاف وحدة نقدية، أو أكثر، فالمعيار الذي يفصل بين العمولة كأجر، وأنها ليست ربا: ـ هو وجود خدمة فعلية. ــ تحديد مبلغ العمولة بشكل مقطوع، وليس نسبياً. ــ عدم تكرارها (٣).

стр. 6496

أما إذا كانت العمولة لا يقابلها عمل حقيقي، فهي فائدة ربوية متسترة باسم العمولة، ولذلك فالقانون الفرنسي يعتبرها فائدة ما لم تكن مقابلة بخدمة للعميل المقترض، وكذا الشأن في القضاء المختلط في مصر (١). ونص القانون المدني السوري: «كل عمولة أو منفعة - أيا كان نوعها - اشترطها الدائن، إذا زادت هي والفائدة المتفق عليها على الحد الأقصى المتقدم ذكره تعتبر فائدة مستترة، وتكون قابلة للتخفيض، إذا ما ثبت أن هذه العمولة، أو المنفعة لا تقابلها خدمة حقيقية، يكون الدائن قد أداها، ولا منفعة مشروعة» (٢). الثالث: المصاريف: وهي المبالغ التي ينفقها المصرف لتحصيل قيمة الورقة التجارية في موعدها، كمصاريف الاتصالات والبريد، وتختلف باختلاف مكان الوفاء، أو مكان المسحوب عليه. وهذه المبالغ التي يأخذها البنك إن كانت مقابل مصاريف حقيقية، فإن هذا جائز إذا اقتصر الأمر على ذلك دون أخذ الفائدة، وأما إذا كانت هذه المبالغ لا يقابلها مصاريف حقيقية، وإنما يقابلها القرض، فإنها حينئذ منفعة محرمة، وما قيل في العمولة يقال فيها (٣). وبهذا نكون قد عرفنا الأوراق التجارية، وعرفنا عملية الخصم، وتوصيفها التوصيف الفقهي، وبقي من المباحث أن نعرف الحكم الفقهي لعملية خصم الأوراق التجارية. * * *

стр. 6497

الفرع الرابع حكم خصم الأوراق التجارية [ن-٢٢٤] إذا عرفنا فيما سبق الأوراق التجارية، وعرفنا عملية الخصم التي تتعرض له عن طريق التداول، والفائدة المرجوة من هذا الخصم، فما هو كلام الفقهاء في الحكم الفقهي في خصم هذه الأوراق. وللجواب على ذلك نقول: هذه المبالغ التي تضمنتها الأوراق التجارية من كمبيالة، أو سند أذني ونحوهما، لا تخرج عن قسمين: الأول: أن يتولى الخصم المصرف المدين بقيمة الكمبيالة. الثاني: أن يتولى الخصم غير المصرف المدين بقيمة الكمبيالة. ولكل قسم حكمه، ولذلك سوف نعرض لكل قسم في مبحث مستقل، ليتبين حكمه الفقهي، إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 6498

المطلب الأول أن يتولى الخصم المصرف المدين بقيمة الكمبيالة [ن-٢٢٥] يرجع حكم خصم الأوراق التجارية إذا تولاه المصرف المدين بقيمة الكمبيالة، إلى حكم مسألة قديمة تناولها الفقهاء بالبحث، واختلفوا فيها، وهي مسألة: الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً، والمعروفة بقولهم: (ضع وتعجل)، ومن أجل أن نتعرف على الحكم بالتفصيل، نتناول خلاف الفقهاء في هذه المسألة. خلاف الفقهاء في مسألة الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً [م-١٢٧٢] اختلف الفقهاء في مسألة الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً على ثلاثة أقوال. القول الأول: لا يجوز الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والمشهور عند الحنابلة (٤).

стр. 6499

القول الثاني: يجوز، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، وابن القيم (١). القول الثالث: لا يجوز إلا في دين المكاتب، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقد سبق ذكر أدلة هذه المسألة في كتاب الربا، وبينت أن القول بالجواز أقوى دليلاً؛ لأن في منع الناس من هذا إضراراً بهم فيما لا محذور فيه بينا، والأصل في معاملة الناس الحل حتى يتبين التحريم، والله أعلم. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: «الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع وتعجل) جائزة شرعاً، لا تدخل في الربا المحرم، إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهم طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية» (٣). وإذا تبين أن مسألة ضع وتعجل الراجح فيها الجواز، كان خصم الكمبيالة على المصرف، إذا كان هو المدين، لا أرى فيه بأساً، والله أعلم. وقد ذهب إلى القول بالجواز الشيخ المترك، قال ﵀: «إن كانت السندات

стр. 6500

التجارية على المصرف الخاصم، فإن هذه المعاملة تعتبر في حكم الصلح المؤجل ببعضه حالاً، وقد رجحنا جوازه فيما تقدم» (١). ويقول الشيخ مبارك آل سليمان: «إذا علم ما تقدم من جواز الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً، تبين الحكم في خصم الكمبيالة إذا كان المصرف المدين بقيمة الكمبيالة هو الذي تولى الخصم، وهو الجواز، والأدلة على ذلك هي الأدلة على جواز الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً» (٢). ويقول الدكتور علاء الدين زعتري: «قد يكون الدائن والمدين فرداً مع شركة أو مؤسسة أو مع مصرف فهو جائز - يعني خصم الديون - فإذا كانت الأوراق التجارية مسحوبة على المصرف، وأراد المصرف التعجل في الدفع جاز، وكذا لو كانت الأوراق التجارية مسحوبة على العميل، وأراد خصمها لدى المصرف الدائن، جاز. والحاجة إلى خصم الديون موجودة، فكثيراً ما يعرض للإنسان حاجة، أو سفر، أو نحو ذلك، وله عند الناس أموال مؤجلة، فيطلب الدائن من المدين حقه قبل حلول الأجل، مقابل إسقاط جزء له من الدين، أو يكون المدين قد استدان المال لحاجته إليه، ثم زالت الحاجة والمال متوفر لديه، ويرغب في إبراء ذمته، فتكون هذه المعاملة من باب الصلح والإبراء والإسقاط، وهو جائز شرعاً» (٣). ومع وضوح هذه المسألة، إلا أن هناك من رأى فرقاً بين خصم الكمبيالة على

стр. 6501

المصرف المدين، وبين مسألة ضع وتعجل: وممن ذهب إلى هذا الشيخ عبد الله الطيار (١)، والدكتور عبد الرزاق الهيتي (٢). وقد علل الهيتي ذلك بقوله: «لأن مسألة (ضع وتعجل) عند القائلين بجوازها، نجد الدائن فيها، هو الذي يملي شروطه، ويعرض المقدار الذي يضعه من الدين، بينما ينعكس الأمر في عملية الخصم؛ لأن المدين (المصرف) هنا هو الذي يملي الشروط، ويحدد مقدار الخصم، ذلك لأن المبلغ المخصوم من هذه الورقة خاضع لحساب معروف في النظم المحاسبية، فالمصرف - وكما هو معروف - يأخذ في عملية الخصم فائدة معلومة عن مدة الانتظار، تزيد وتنقص حسب طول المدة وقصرها، وهذا يوضح بجلاء أن عملية الخصم في جوهرها، إنما هي عملية قرض بفائدة، فهي إذاً لم تكن محرمة لذاتها، كما يقول المذهب القائل بحرمة (ضع وتعجل) فهي محرمة؛ لأن المقصود منها هو التوصل إلى الربا» (٣). ويناقش: ما صح في حق الدائن صح في حق المدين، لأنه أحد المتعاقدين. قال الشيخ مبارك آل سليمان: «لا فرق من جهة الحكم بين أن يملي المدين الشروط، أو يمليها الدائن؛ لأنه لا يعقل لذلك الفرق معنى يرتب عليه الشارع حكماً، ومثل ذلك يقال فيما ذكره من أن المبلغ المخصوم يخضع لنظم محاسبية معروفة، تأخذ في اعتبارها طول المدة، أو قصرها؛ لأنه إذا جاز الخصم من حيث المبدأ، لم يؤثر في ذلك الطريقة التي يحسب بها، والله أعلم» (٤). * * *

стр. 6502

المطلب الثاني الخصم من مصرف ثالث غير مدين بالكمبيالة [ن-٢٢٦] انتهينا من الفصل السابق في كلام العلماء حول حكم مسألة خصم الأوراق، فيما إذا تولى الخصم نفس المصرف المدين بقيمة الكمبيالة، ونناقش هنا فيما إذا تولى الخصم طرف ثالث: وقد ذهب عامة العلماء إلى تحريم خصم الأوراق التجارية، إذا قام بها طرف ثالث، على خلاف في تخريج هذه العملية، وإليك تخريج القائلين بالتحريم، وبيان وجه المنع منها: التخريج الأول: تخريج خصم الأوراق التجارية على أنه بيع جاء في مجلة مجمع الفقه الإسلامي: «معظم العلماء المعاصرين خرجوا حكم الكمبيالة على أساس أنه بيع دين بنقد أقل منه» (١). وهذا ما أفتى به البنك الإسلامي الأردني (٢). فحامل الأوراق التجارية من كمبيالة، ونحوها، يبيع الدين الثابت له فيها على أحد المصارف، بثمن حال، أقل من ثمنها، على أن يقبض المصرف قيمة الأوراق التجارية كاملة من المسحوب عليه في تاريخ الاستحقاق.

стр. 6503

فهي باختصار بيع دين بنقد أقل منه، على غير من هو عليه. فالبائع: حامل الكمبيالة (العميل) والمشتري: (المصرف). والمبيع: الدين الثابت بالكمبيالة. والثمن: النقد الذي يدفعه البنك للعميل. ويقول الشيخ عبد الله السعيدي: «وهذا التخريج يبدو وجيهاً، فإن الكمبيالة لا تخلو من دين لحاملها على موقعيها، وعلى هذا فإن خصمها لدى البنك، معناه رغبة حاملها الاعتياض عن الدين الثابت بها، بنقد من جنسه أقل منه، وهذه المعاوضة من قبيل بيع عاجل بآجل» (١). وبهذا التوصيف تكون علاقة هذا البيع في بيع ما ليس عند الإنسان علاقة ظاهرة، لأنها من قبيل بيع الديون. تحريم خصم الأوراق التجارية بناء على هذا التخريج: إذا اعتبرنا أن خصم الأوراق التجارية: هي من قبيل بيع الدين على غير من هو عليه، فلا تجوز مطلقاً على قول من يمنع بيع الدين على غير من هو عليه كالحنفية والحنابلة؛ سواء بيعت بثمن مساو، أم لا. وكذلك هي ممنوعة عند من يقول بجواز بيع الدين على غير من هو عليه؛ لأن بيع النقود بمثلها يجب فيه أمران: التقابض، والتماثل، وهنا تخلف الأمران، حيث وجد التأجيل، والتفاضل، فوقع في الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة.

стр. 6504

يقول القاضي تقي الدين العثماني: «حسم الكمبيالة بمبلغ أقل من مبلغها لا يجوز عند أحد من المذاهب الفقهية المعتبرة، فإنه بيع لنقد حال، بنقد مؤجل أقل منه، وهو في معنى الربا، وهو الذي انتهى إليه مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة، ونص قراره: «إن حسم الأوراق التجارية غير جائز شرعاً؛ لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم» (١). وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما نصه: «ولا تصح أيضاً على سبيل بيع الدين لغير من هو عليه عند من يصححه؛ لأن العوضين من النقود، ولا يجوز بيع النقود بجنسها مع التفاضل، وعند اختلاف الجنس يجب التقابض» (٢). ويقول الشيخ المترك ﵀: «إن قلنا: إن هذه العملية من باب بيع الدين على غير من هو عليه، فهو بيع غير صحيح حتى عند من يجيز بيع الدين على غير من هو عليه؛ لأن العوضين هنا من النقود، ولا يجوز بيع النقود بجنسها مع التفاضل، وعند اختلاف الجنس يجب التقابض، ومن شروط بيع الدين ألا يؤدي إلى محظور شرعي، ومن المحظورات اشتمال عقد البيع على الربا بنوعيه: التفاضل، أو النسأ، وهما متحققان فيما بينا من المثال؛ لأن الدين والثمن من الأموال الربوية، والمصرف يدفع قليلاً، ليقبض أكثر منه بعد مدة» (٣). مناقشة هذا التخريج: لم يقبل بعض الباحثين تكييفها على أنها بيع دين بنقد أقل منه، وعلل ذلك

стр. 6505

بأن بيع الدين لغير من هو عليه، عند من يجيزه، يشترط في مثل هذا: التقابض، وعدم التفاضل «. «ويرد على هذا: لا مانع من توصيفها بأنها من قبيل بيع الدين لغير من هو

стр. 6506

عليه في صورته الممنوعة، وليس في صورته الجائزة، لأنه لا يلزم من توصيف المعاملة من الناحية الفقهية، أن تكون قد توفرت فيها شروط الإباحة. وفي هذا المعنى يقول الشيخ مبارك آل سليمان: «لا يصح أن يحكم الباحث على العقد مسبقاً بحل، أو حرمة، ثم يستبعد أي تخريج لا يوصل إلى هذا الحكم المسبق، وإنما الواجب أن يتجرد الباحث للحق، فيجتهد في إعطاء العقد المستجد الوصف الفقهي المناسب من حيث إلحاقه بأحد العقود المعروفة إن أمكن ذلك، ثم يحكم عليه بمقتضى ذلك تخريجاً عليه، بصرف النظر عما ينتج من ذلك من حل أو حرمة» (١). التخريج الثاني: تخريج الخصم على أنه قرض بفائدة وقد اختار هذا القول جملة من الباحثين، منهم السنهوري، ونزيه حماد، والسالوس، وسامي حمود، وجمال الدين عوض، وحسن الأمين وغيرهم، على خلاف بينهم: هل هو قرض وحوالة، أو قرض وضمان. يقول الدكتور جمال الدين عوض: «الهدف هو القرض، والأسلوب: هو التظهير، والعمليتان مرتبطتان بحيث لا يمكن الوقوف عند إحداهما وحده» (٢). ويقول الشيخ مبارك آل سليمان: «الأقرب بالنظر إلى مقاصد المتعاقدين: هو حمل خصم الكمبيالة على القرض .... أما حمله على بيع الدين لغير من هو عليه، فيرد عليه أنه قد لا يوجد دين على المسحوب عليه، وهذا يعني أن هذا الحمل، وإن كان يصدق في فرض، لكنه لا يصدق في فرض آخر، فهو قد يصدق إذا كان المسحوب عليه مديناً لحامل الورقة، أما إذا كان غير مدين له، وهو ما يتصور لو أن المسحوب عليه لم يتلق بعد مقابل وفائها من الساحب، فإن ذلك لا يكون بيعاً؛ لأنه ليس ثمة دين يباع، إلا أنه لا يوجد ما يمنع من حمله على البيع من وجه آخر، وذلك بالنظر إلى مقصود المصرف من عملية الخصم، إذ مقصوده إعطاء نقود، والاعتياض عنها بنقود أكثر منها، وهذا حقيقة البيع، ولهذا قلت من قبل: إن طلب الزيادة على القرض يخرجه من عقود الإرفاق إلى عقود المعاوضة» (٣). ويقول الدكتور سامي حمود: «فإذا انتقلنا إلى ميدان الفقه الإسلامي، الذي يعتد في نظرته للعقود بالمقاصد والمعاني، فإننا نجد، بأن الهدف في عملية الخصم: هو القرض، يبدو أنه أقرب الآراء للقبول من هذه الناحية، فالمصرف لم يقصد أن يكون مشترياً للحق الثابت في الورقة، ولا أن يكون محالاً به، وإنما قصد الإقراض، فقبل انتقال ملكية الورقة المخصومة إليه، على سبيل الضمان، فإذا حل ميعاد استحقاقها، ولم يدفع أي من الملتزمين قيمتها، فإن المصرف يعود على الخاصم بالقيمة، وهو لا يكلف نفسه، أو لا يرغب أن يكلف نفسه بملاحقة الملتزمين حتى نهاية المطاف، كما هو حاصل عملياً» (٤). وهذا التوجيه جيد، إلا أنه يعكر عليه، كيف تكون الورقة المالية من قبيل الضمان، وقد انتقلت ملكيتها مباشرة للمصرف بمجرد التظهير؟ فهذا شأن البيع، وليس شأن الضمان، وسيأتي مزيد مناقشة لهذا، إن شاء الله تعالى.

стр. 6507

ويقول الدكتور حسن الأمين: «عملية الخصم هي على القول الراجح في تكييفها الشرعي من قبيل القرض بفائدة، وليست من قبيل حوالة الحق؛ لعدم تساوي الدين المحال به، والمحال عليه، وذلك شرط لصحة الحوالة. كما أنها ليست من قبيل بيع الدين الثابت بالأوراق المخصومة؛ لأن بيع الدين لغير من عليه الدين يلزم فيه التقابض وعدم التفاضل» (١). [ن-٢٢٧] وإذا اعتبرنا المبلغ الذي أخذه بائع الكمبيالة قرضاً، فكيف نكيف الورقة المالية التي أخذها المصرف (المشتري)؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: إنها من قبيل الرهن. وإلى هذا ذهب السنهوري (٢)، ورجحه السالوس (٣)، وأحمد بزيع الياسين (٤) وغيرهم.

стр. 6508

والقول بأن الورقة التجارية رهن بالقرض لا يصح، إذا عرفنا أن المصرف المقرض يحق له حسمها لدى مصرف آخر، أو لدى البنك المركزي قبل حلول الأجل، وهذا يدل على أنه قد تملكها بالتظهير، وليست أمانة في يده، بينما الرهن أمانة في يد المرتهن، لا يحق له بيعه، ولا التصرف فيه، وإنما يجوز بيعه إذا حل الأجل، و تعذر الاستيفاء من صاحبه. القول الثاني: يعتبر الورقة من قبيل الحوالة. يقول القاضي: محمد تقي العثماني قاضي القسم الشرعي للمحكمة العليا بباكستان: «والذي يظهر لي أن حسم الكمبيالة ليس بيعاً في الحقيقة، وإنما هو إقراض، وحوالة، فالذي يحسم الكمبيالة يقرض حاملها مبلغاً، ثم يحيل المقترض إياه على مصدر الكمبيالة، والدليل على ذلك أن في قوانين معظم البلاد، لا يتحمل الحاسم خطر عدم التسديد، بل يحق له الرجوع على حامل الكمبيالة إذا لم يقع التسديد من مصدر الكمبيالة، وهذا شأن الحوالة على مذهب الحنفية. وعلى هذا، فما يعطيه حاسم الكمبيالة قرض أقرضه إلى حاملها، بشرط أن يحيله على مديونه بمبلغ أكثر منه، وهو ربا صراح؛ لأن الحوالة من صحة شرطها تساوي الدينين، وقد تحقق هنا بين مبلغ القرض والمبلغ المستوفى فيما بعد، زيادة في مقابل الأجل، وهو من ربا النسيئة» (١). ويقول الشيخ مبارك آل سليمان: «الخصم، وما يتصل به من تظهير، قرض بفائدة أولاً، ثم حوالة بالدين على المسحوب عليه ثانياً، وهي حوالة غير صحيحة، ذلك أن الفائدة على القرض محرمة ... » (٢).

стр. 6509

وذهب الشيخ نزيه حماد إلى توصيفها تارة بحسب شكلها، وتارة بحسب المقصود والغاية منها، فجعلها من قبيل بيع الدين على غير من هو عليه بالنظر إلى شكلها، وجعلها قرضاً بفائدة باعتبار المقصود والغاية منها، وهذا محاولة منه في الجمع بين التخريجين، وعملية خصم الورقة لا بد أن تكون إما هذا أو ذاك، لا أن تكون عقدين مختلفين، وإن كان بين الدين والقرض تشابهاً من جهة الشكل، إلا أن بينهما اختلافاً من جهة المقصود: فيجتمعان: أن في كل منهما مبادلة مال بمال على سبيل التمليك، ويختلفان بالمقصود: فالمقصود من القرض الإرفاق والإحسان إلا ما كان منه مشتملاً على ربا، والمقصود من البيع: المعاوضة، وطلب الربح. وعلى هذا فالراجح عند الشيخ نزيه أنه يراها قرضاً بفائدة، وليست من قبيل بيع دين بنقد (١). يقول الشيخ نزيه: «حسم الكمبيالات صورة من صور الإقراض بفائدة التي تقوم بها البنوك التقليدية، وهو عملية محظورة شرعاً؛ لابتنائها على قاعدة القرض الربوي، ولانطوائها بلا ريب على الربا، وهو محرم شرعاً، وذلك لأمرين: أحدهما: أننا لو أخذنا عملية خصم الكمبيالات على ظاهرها بحسب الشكل

стр. 6510

الذي أفرغت به فيه لوجدناها من قبيل بيع الدين لغير من عليه الدين، حيث يبيع صاحب الكمبيالة (الدائن) دينه المؤجل المسطور فيها لغير المدين بثمن معجل أقل من جنسه، وبيع الدين لغير من عليه الدين محظور مطلقاً عند أكثر الفقهاء، وجائز عند بعضهم إذا انتفى فيه الغرر والربا، غير أن الربا ليس بمنتف ههنا، بل هو متحقق؛ لأن العوضين من النقود، وقد باع الدائن نقداً آجلاً لغير المدين بنقد عاجل أقل منه من جنسه، فانطوى بيعه هذا على ربا الفضل والنساء، ومن هنا كان محظوراً باتفاق الفقهاء. والثاني: أننا لو نظرنا إلى عملية خصم الكمبيالات بحسب المقصود والغاية منها لوجدناها أحد أمرين: أ - إما إقراض مبلغ، وأخذ المقرض حوالة من المقترض بمبلغ أكثر منه، يستوفى بعد مدة معينة، وهو ربا صريح لا مجال للتأويل فيه؛ لأن الحوالة يشترط لصحتها التساوي بين الدين المحال به، والمحال عليه، وهنا تحقق بين الدين المحال به (وهو مبلغ القرض) والدين المحال عليه (وهو المبلغ الذي تثبته الكمبيالة) زيادة في مقابل الأجل، وذلك من ربا النسيئة. ب - وإما قرض مضمون بالورقة التجارية المظهرة لأمر المصرف تظهيراً تاماً، إذ المصرف لم يقصد أن يكون مشترياً للحق الثابت في الذمة، ولا أن يكون محالاً، وإنما قصد الإقراض، فقبل انتقال ملكية الورقة المخصومة إليه على سبيل الضمان، فإذا حل وقت استحقاقها، ولم يدفع أي من الملتزمين قيمتها، فإن المصرف يعود على الخاصم بالقيمة، دون أن يرغب أو يكلف نفسه مؤونة ملاحقة الملتزمين حتى نهاية المطاف، كما هو الحاصل عملياً» (١).

стр. 6511

خلاصة الكلام السابق: يتلخص مما سبق أن تخريج خصم الأوراق التجارية على اعتبارها قرضاً أن ذلك من قبيل القرض بفائدة، ويكون قبول الورقة التجارية إما باعتبارها من قبيل الرهن، وذلك لضمان الاستيفاء، أو من قبيل الحوالة الفاسدة، هذا ملخص ما نقلناه سابقاً، والله أعلم. تحريم خصم الأوراق التجارية بناء على هذا التخريج: إذا اعتبرنا خصم الأوراق التجارية أنها من قبيل القرض بفائدة، فإن عملية الخصم تكون محرمة بالإجماع، وذلك لأن المقرض إذا اشترط على المقترض أن يرد إليه أكثر مما أقرضه، فإنه يدخل في باب القرض الذي يجر نفعاً، وهو محرم بالإجماع. قال العيني: «وقد أجمع المسلمون نقلاً عن النبي ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا» (١). قال ابن عبد البر: «وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك» (٢). وقال ابن المنذر: «أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف هدية، أو زيادة، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة ربا» (٣). وقال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراماً» (٤).

стр. 6512

ونكون بهذا قد انتهينا من قضية تخريج خصم الأوراق التجارية عند من قال بتحريم هذه المعاملة، والراجح عندي، والله أ علم أنها من قبيل بيع الديون أي: بيع الدين المؤجل بنقد أقل منه. وأنه قد جمع بين ربا الفضل، وربا النسيئة. القول الثاني: تخريج من قال: بإباحة عملية خصم الأوراق التجارية . حاول بعض الباحثين تخريج عملية خصم الأوراق التجارية على بعض المعاملات الشرعية السائغة، وبالتالي يكون بالإمكان جعل عملية خصم الأوراق التجارية من المعاملات السائغة، ومن هؤلاء الدكتور مصطفى الهمشري، والدكتور علي عبد الرسول، وهو خلاف ما ذهب إليه عامة الباحثين، والفقهاء المعاصرين، وإليك بعض تخريجاتهم. التخريج الأول: على أن عملية الخصم مركبة من قرض بضمان، وتوكيل بالأجر . يقول الدكتور الهمشري: «هذا التخريج قائم على أساس أن علمية الخصم عملية مركبة من شيئين: ١ - قرض بضمان الأوراق التجارية. ٢ - توكيل بالأجر من العميل للبنك، لاستيفاء قيمة هذا الدين، ويخصم قيمة الأجر مقدماً من القرض المضمون الذي يسحبه العميل من البنك. والعملية بهذا التصور ليس فيها بيع يؤدي إلى محظور شرعي، ويساعدنا في هذا التخريج جواز أخذ البنك في عملية القرض النفقة والمؤونة، والإسلام يقر القرض بضمان، كما يقر الوكالة بأجر، وبهذا تكون عملية الخصم من الممكن اعتبارها حلالا شرعاً، ويوزع ما يؤخذ على الخصم باسم (الأجيو) على نفقة القرض، الذي أخذه العميل بضمان الورقة التجارية، وعلى مصاريف

стр. 6513

التحصيل، كالانتقال، وإرسال الإخطارات، وعلى أجر الوكالة لاستيفاء المبلغ، وتوضيح ذلك أن (الأجيو) مكون من ثلاثة عناصر، كما سبق، وهي الفائدة، العمولة، والمصروفات، وفي تخريجنا هذا سيحصل البنك على عائد يتكون من ثلاثة أشياء: نفقة القرض، أجر الوكالة، مصاريف التحصيل» (١). وقد ناقشت قضية: كون القرض بضمان، فيما سبق من دعوى أن الورقة المالية هي رهن في يد المصرف. وأما الجواب عن دعوى التوكيل بأجر، فيقال: أولاً: دعوى الوكالة تتنافي مع حقيقة التظهير، وذلك أن تظهير الأوراق التجارية للمصرف ينقل ملكيتها له (٢)، ولذلك من حق المصرف أن يتصرف في الورقة التجارية وذلك بإعادة الخصم لدى مصرف آخر، أو لدى البنك المركزي، ونقل الملكية ينافي دعوى الوكالة، وذلك أن الوكيل نائب عن الموكل. ثانياً: أن عملية الخصم مكونة من ثلاثة عناصر: وهي الفائدة، والعمولة، والمصروفات، ومعلوم أن الفائدة ربا محرم، قال الهمشري: «وفي تخريجنا: سيحصل البنك على عائد يتكون من ثلاثة أشياء: نفقة القرض، وأجر الوكالة، ومصاريف التحصيل».

стр. 6514

فهل كان الحل يتوقف فقط على المسميات، بحيث إذا غيرنا الاسم أصبح الحرام حلالاً، وعلى التنزل فإن تخريجه هذا لم ينقل المعاملة إلى الحل، لأن ما سماه نفقة القرض، ما ذا يقصد بها، إن كان يقصد بذلك، أن هذا في مقابل القرض، كان ذلك من الربا الصريح المجمع على تحريمه، وإن كان مقصوده النفقات التي تدفع في مقابل الخدمات الحقيقية التي يقدمها البنك، لإجراء عملية الخصم، فإن هذه النفقات، قد أخذت في مقابل ما سماه مصاريف التحصيل، وأجر الوكالة، وتبقى النفقة الزائدة على ذلك، والتي لا يوجد ما يبررها، سوى أنها فائدة على القرض. ثالثاً: قوله: الإسلام يقر القرض بضمان، كما يقر الوكالة بأجر. فالجواب عنه: لا يلزم من جواز هذه المعاملة على انفراد، أن تكون جائزة مجتمعة، فقد ثبت النهي عن الجمع بين سلف وبيع، مع أن السلف جائز وحده، والبيع جائز وحده. (ح-٨٨٤) وروى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه. عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١). [إسناده حسن] (٢). وفي عملية الخصم: جمع بين عقد تبرع (القرض) وعقد معاوضة (الوكالة بأجرة)، وفي هذا ذريعة لاستباحة الزيادة على القرض.

стр. 6515

التخريج الثاني لمن قال: بالإباحة: التخريج باعتبار الخصم على أنه تنازل على سبيل الإبراء والإسقاط (ضع وتعجل). وهو تخريج ذكره الهمشري، ومال إليه، وذكر أنه يتفق مع الروح الإسلامية، وفي هذا يقول: «يعتمد هذا التخريج على جواز أخذ أقل من قيمة ما يستحق بعقد المداينة، ويكون الفرق متنازلاً عنه على سبيل الإبراء، والإسقاط». ثم يؤيد هذا التخريج بقوله: «وفي كتب الفقه أمثلة على ذلك، منها الصلح على ما استحق بعقد المداينة، مثل بيع النسيئة، ومثل الإقراض، أخذ لبعض حقه، وإسقاط الباقي، وصورته: رجل له على آخر ألف درهم، فصالحه عنها على خمسمائة جاز، ويجعل مستوفياً لنصف حقه، ومبرئاً له عن النصف الآخر، لا معاوضة؛ لأنه يكون ربا، وتصحيح تصرف المسلم واجب ما أمكن، وقد أمكن بما ذكرنا. فالتنازل على سبيل المعاوضة حرام، وعلى سبيل الهبة والإبراء صحيح، ومباح، فلم لا نجوز عملية الخصم بناء على هذا التصوير؟ ونكون بذلك صححنا تصرفاً شائعاً، بدلاً من تحريمه، ما دام في فقهنا فسحة، ويكون العميل عندما يقدم الكمبيالة للخصم قد رضي بأخذ أقل من القيمة الأصلية المدونة فيها، وتنازل عن الباقي على سبيل الإبراء والإسقاط، لا المعاوضة، ومظاهر الإبراء ظاهرة، فالعميل هو الذي يذهب إلى البنك باختياره، ويطالب بنفسه، وبهذا تكون عملية الخصم لا ربا فيها، قال: وأميل إلى هذا التخريج إذا عدلت صيغ بنود (الأجيو) وعندئذ لا أجد في نفسي حرجاً في قبوله» (١).
следующие страницы →