خلاصة الكلام السابق:
يتلخص مما سبق أن تخريج خصم الأوراق التجارية على اعتبارها قرضاً أن ذلك من قبيل القرض بفائدة، ويكون قبول الورقة التجارية إما باعتبارها من قبيل الرهن، وذلك لضمان الاستيفاء، أو من قبيل الحوالة الفاسدة، هذا ملخص ما نقلناه سابقاً، والله أعلم.
تحريم خصم الأوراق التجارية بناء على هذا التخريج:
إذا اعتبرنا خصم الأوراق التجارية أنها من قبيل القرض بفائدة، فإن عملية الخصم تكون محرمة بالإجماع، وذلك لأن المقرض إذا اشترط على المقترض أن يرد إليه أكثر مما أقرضه، فإنه يدخل في باب القرض الذي يجر نفعاً، وهو محرم بالإجماع.
قال العيني: «وقد أجمع المسلمون نقلاً عن النبي ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا» (١).
قال ابن عبد البر: «وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك» (٢).
وقال ابن المنذر: «أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف هدية، أو زيادة، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة ربا» (٣).
وقال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراماً» (٤).
стр. 6512
ونكون بهذا قد انتهينا من قضية تخريج خصم الأوراق التجارية عند من قال بتحريم هذه المعاملة، والراجح عندي، والله أ علم أنها من قبيل بيع الديون أي: بيع الدين المؤجل بنقد أقل منه. وأنه قد جمع بين ربا الفضل، وربا النسيئة.
القول الثاني: تخريج من قال: بإباحة عملية خصم الأوراق التجارية .
حاول بعض الباحثين تخريج عملية خصم الأوراق التجارية على بعض المعاملات الشرعية السائغة، وبالتالي يكون بالإمكان جعل عملية خصم الأوراق التجارية من المعاملات السائغة، ومن هؤلاء الدكتور مصطفى الهمشري، والدكتور علي عبد الرسول، وهو خلاف ما ذهب إليه عامة الباحثين، والفقهاء المعاصرين، وإليك بعض تخريجاتهم.
التخريج الأول: على أن عملية الخصم مركبة من قرض بضمان، وتوكيل بالأجر .
يقول الدكتور الهمشري: «هذا التخريج قائم على أساس أن علمية الخصم عملية مركبة من شيئين:
١ - قرض بضمان الأوراق التجارية.
٢ - توكيل بالأجر من العميل للبنك، لاستيفاء قيمة هذا الدين، ويخصم قيمة الأجر مقدماً من القرض المضمون الذي يسحبه العميل من البنك.
والعملية بهذا التصور ليس فيها بيع يؤدي إلى محظور شرعي، ويساعدنا في هذا التخريج جواز أخذ البنك في عملية القرض النفقة والمؤونة، والإسلام يقر القرض بضمان، كما يقر الوكالة بأجر، وبهذا تكون عملية الخصم من الممكن اعتبارها حلالا شرعاً، ويوزع ما يؤخذ على الخصم باسم (الأجيو) على نفقة القرض، الذي أخذه العميل بضمان الورقة التجارية، وعلى مصاريف
стр. 6513
التحصيل، كالانتقال، وإرسال الإخطارات، وعلى أجر الوكالة لاستيفاء المبلغ، وتوضيح ذلك أن (الأجيو) مكون من ثلاثة عناصر، كما سبق، وهي الفائدة، العمولة، والمصروفات، وفي تخريجنا هذا سيحصل البنك على عائد يتكون من ثلاثة أشياء: نفقة القرض، أجر الوكالة، مصاريف التحصيل» (١).
وقد ناقشت قضية: كون القرض بضمان، فيما سبق من دعوى أن الورقة المالية هي رهن في يد المصرف.
وأما الجواب عن دعوى التوكيل بأجر، فيقال:
أولاً: دعوى الوكالة تتنافي مع حقيقة التظهير، وذلك أن تظهير الأوراق التجارية للمصرف ينقل ملكيتها له (٢)، ولذلك من حق المصرف أن يتصرف في الورقة التجارية وذلك بإعادة الخصم لدى مصرف آخر، أو لدى البنك المركزي، ونقل الملكية ينافي دعوى الوكالة، وذلك أن الوكيل نائب عن الموكل.
ثانياً: أن عملية الخصم مكونة من ثلاثة عناصر: وهي الفائدة، والعمولة، والمصروفات، ومعلوم أن الفائدة ربا محرم، قال الهمشري: «وفي تخريجنا: سيحصل البنك على عائد يتكون من ثلاثة أشياء: نفقة القرض، وأجر الوكالة، ومصاريف التحصيل».
стр. 6514
فهل كان الحل يتوقف فقط على المسميات، بحيث إذا غيرنا الاسم أصبح الحرام حلالاً، وعلى التنزل فإن تخريجه هذا لم ينقل المعاملة إلى الحل، لأن ما سماه نفقة القرض، ما ذا يقصد بها، إن كان يقصد بذلك، أن هذا في مقابل القرض، كان ذلك من الربا الصريح المجمع على تحريمه، وإن كان مقصوده النفقات التي تدفع في مقابل الخدمات الحقيقية التي يقدمها البنك، لإجراء عملية الخصم، فإن هذه النفقات، قد أخذت في مقابل ما سماه مصاريف التحصيل، وأجر الوكالة، وتبقى النفقة الزائدة على ذلك، والتي لا يوجد ما يبررها، سوى أنها فائدة على القرض.
ثالثاً: قوله: الإسلام يقر القرض بضمان، كما يقر الوكالة بأجر.
فالجواب عنه: لا يلزم من جواز هذه المعاملة على انفراد، أن تكون جائزة مجتمعة، فقد ثبت النهي عن الجمع بين سلف وبيع، مع أن السلف جائز وحده، والبيع جائز وحده.
(ح-٨٨٤) وروى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (١).
[إسناده حسن] (٢).
وفي عملية الخصم: جمع بين عقد تبرع (القرض) وعقد معاوضة (الوكالة بأجرة)، وفي هذا ذريعة لاستباحة الزيادة على القرض.
стр. 6515
التخريج الثاني لمن قال: بالإباحة:
التخريج باعتبار الخصم على أنه تنازل على سبيل الإبراء والإسقاط (ضع وتعجل).
وهو تخريج ذكره الهمشري، ومال إليه، وذكر أنه يتفق مع الروح الإسلامية، وفي هذا يقول:
«يعتمد هذا التخريج على جواز أخذ أقل من قيمة ما يستحق بعقد المداينة، ويكون الفرق متنازلاً عنه على سبيل الإبراء، والإسقاط».
ثم يؤيد هذا التخريج بقوله: «وفي كتب الفقه أمثلة على ذلك، منها الصلح على ما استحق بعقد المداينة، مثل بيع النسيئة، ومثل الإقراض، أخذ لبعض حقه، وإسقاط الباقي، وصورته: رجل له على آخر ألف درهم، فصالحه عنها على خمسمائة جاز، ويجعل مستوفياً لنصف حقه، ومبرئاً له عن النصف الآخر، لا معاوضة؛ لأنه يكون ربا، وتصحيح تصرف المسلم واجب ما أمكن، وقد أمكن بما ذكرنا.
فالتنازل على سبيل المعاوضة حرام، وعلى سبيل الهبة والإبراء صحيح، ومباح، فلم لا نجوز عملية الخصم بناء على هذا التصوير؟ ونكون بذلك صححنا تصرفاً شائعاً، بدلاً من تحريمه، ما دام في فقهنا فسحة، ويكون العميل عندما يقدم الكمبيالة للخصم قد رضي بأخذ أقل من القيمة الأصلية المدونة فيها، وتنازل عن الباقي على سبيل الإبراء والإسقاط، لا المعاوضة، ومظاهر الإبراء ظاهرة، فالعميل هو الذي يذهب إلى البنك باختياره، ويطالب بنفسه، وبهذا تكون عملية الخصم لا ربا فيها، قال: وأميل إلى هذا التخريج إذا عدلت صيغ بنود (الأجيو) وعندئذ لا أجد في نفسي حرجاً في قبوله» (١).
стр. 6516
وهذا التخريج: هو عين مسألة ضع وتعجل، فيتعجل بعض حقه، ويضع البعض الآخر، على سبيل الإبراء، والإسقاط.
ولا يصح هذا التخريج من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
تخريج الخصم على أنه من باب التنازل على سبيل الإبراء والإسقاط لا يصح، وذلك لأن ذمة المصرف غير مشغولة بقيمة الكمبيالة، فهو ليس مديناً بها، فكيف يبرأ من شيء لم يثبت في ذمته أصلاً، وإذا لم يكن البنك مديناً لطالب الخصم، فإنه يصدق عليه أنه زاد في مقابل التأجيل، لا أنه وضع في مقابل التعجيل، فالمصرف قد أقرض طالب الخصم نقداً ليسترد أكثر منه عند حلول أجل الورقة، فهي زيادة في مقابل التأجيل.
الوجه الثاني:
أن حامل الورقة لم يكن تنازله على سبيل الإسقاط والهبة، وإنما كان ذلك بشرط أن يقوم المصرف بإقراضه جزءاً من قيمتها، كما أن الإسقاط، والإبراء ليس متروكاً لاختيار المظهر، فإن شاء تركها للمصرف، وإن شاء أخذها، بل إن المصرف وهو المقرض يشترطها، وبهذا تكون معاملته على سبيل المعاوضة، وليس من قبيل الإسقاط والإبراء، وهذا لا يجوز.
الوجه الثالث:
أن من أجاز علمية (ضع وتعجل) نظر إلى النفع الذي يلحق المدين من براءة ذمته، وإلى النفع الذي يلحق الدائن بتعجيل حقه، أما في عملية الخصم، فالأمر مختلف؛ لأن المدين لا يزال مديناً لم تبرأ ذمته، ولم يجن نفعاً، بل تعاقب عليه دائن آخر، وهو المصرف.
стр. 6517
التخريج الثالث لمن قال بالإباحة:
التخريج باعتبار الخصم على أنه قرض، وجعالة.
قرض من المصرف لحامل الكمبيالة، وجعالة على تحصيل قيمة الكمبيالة.
يقول الدكتور علي عبد الرسول: «إن الفقهاء يرون أن خصم الكمبيالة يكون حلالاً، إذا اتخذ صورة أخرى، وهو أن يحصل الدائن على قيمة الكمبيالة من البنك كقرض بلا فائدة، منقوص منه مبلغ يستحقه البنك كعمولة، أو جعالة، نظير التحصيل، وذلك على الصورة الشرعية الآتية:
يقدم الدائن الكمبيالة بدينه المؤجل لشخص آخر (وقد يكون بنكاً) يتفق معه على مبلغ يتركه من الدين جعلاً له على التحصيل، ويأخذ منه باقي الدين قرضاً بلا فائدة، وعند حلول الأجل يحصله ذلك الشخص لحساب الدائن، ويأخذه سداداً لدينه، وللجعل الذي التزمه له الدائن.
وله اتخاذ جميع الإجراءات التي تكفل سداد الدين على حساب الدائن، فإن تعذر تحصيل الدين حتى بالإجراءات القانونية، كأن أفلس المدين عاد ذلك الشخص على الدائن بقيمة القرض فقط، ولم يستحق الجعل، وعلى هذا النظام يكون القطع على الكمبيالة جائزاً شرعاً إذ مرجعه إلى أنه تحصيل للدين نظير جعل على التحصيل، مع دفع باقي الدين قرضاً بلا فائدة، ولا شيء غير ذلك، فهو جائز شرعاً.
فقد قال شارح متن خليل في فقه المالكية ما نصه: «والمجاعلة على اقتضاء الدين بجزء مما يقتضيه، منعها أشهب، والأظهر جوازها» (١)، وفيه أيضاً «ولم
стр. 6518
يختلف قول مالك ﵁ في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار، فيقول لآخر: ما اقتضيت من شيء من ديني، فلك نصفه» (١).
فيكون القطع على الكمبيالة على هذا النظام جائزاً على مذهب مالك ﵁ ....
فعلينا إذن أن نعطي حسم الكمبيالة صورته، وحقيقته المقبولة شرعاً، فنعتبره تركاً لبعض الدين، لمن يحصله، جعلاً له على التحصيل، ولا يقتضي ذلك إلا تعديلاً طفيفاً فيما نرى في النظام الحالي، يتلخص في عدم تحميل العميل بأية مبالغ إذا لم يتم تحصيل الكمبيالة، بحيث لا يعود البنك على العميل في هذه الحالة إلا بمقدار ما قبضه منه فعلاً، وأما تحديد الجعل فلا يختلف الأمر، فالجعل الذي يخصم، ويستحق للبنك، لا بد وأن يتحدد عملاً على أساس مقدار الدين ومدته» (٢).
وقد تعقب بما يلي:
أولاً: تسمية ما يأخذه المصرف جعلاً تغيير في الأسماء فقط، يدل لذلك ما ذكره الباحث من أن الجعل لا بد أن يتحدد على أساس مدة القرض، إذ ذلك شأن الفائدة، لا الجعل؛ لأنه لا أثر لطول المدة التي تفصل بين التوكيل بتحصيل الكمبيالة، وبين مباشرة التحصيل على مقدار الجعل؛ لأن مباشرة التحصيل لن تكون إلا في تاريخ الاستحقاق، فلا أثر للمدة التي تسبق ذلك،
стр. 6519
طالت المدة، أو قصرت، فدل ذلك على أن المأخوذ في الاعتبار هو مدة القرض، وأن الجعل في حقيقته، ما هو إلا الفائدة على القرض.
ثانياً: من المعلوم أن الجعالة من العقود الجائزة، وليست اللازمة، ومعنى ذلك، أنه يجوز للجاعل أن يفسخ العقد قبل أن يبدأ العامل بالعمل، فإذا عرفنا أن المصرف لا يبدأ في مباشرة العمل إلا في تاريخ الاستحقاق، فهل سيقبل المصرف عدول مظهر الورقة عن العقد قبل تاريخ الاستحقاق، وهو الذي ما أقرضه أصلاً، إلا طمعاً في الجعل؟
ثالثاً: ما ذكره المالكية ليس فيه أنهم جمعوا بين قرض وجعالة، حتى يمكن الاستشهاد به، وإنما ذكروا أن العامل الذي يحصل الدين يأخذ الجعل مما يقتضيه، وليس فيه أنه أقرض الجاعل شيئاً، فهو ينطبق تماما لو كان العقد يقتصر على تحصيل الكمبيالة فقط دون الخصم، وكون الجعل يحدد بجزء مما يقتضيه من الدين، ليس هو محل الإشكال، حتى يكون الاستشهاد به في كلام المالكية، وإنما الإشكال في الجمع بين القرض والجعالة، وهو الذي ليس في كلام المالكية ما يصلح مستمسكاً للاحتجاج به على قضيتنا (١).
التخريج الرابع لمن قال بالإباحة:
تخريج الخصم على أنه حوالة، أو استيفاء بأجر.
ذكر ذلك الهمشري، ورده، وفي ذلك يقول: «لم لا نعتبر عملية الخصم عملية استيفاء بأجر، وهو أحد مفهومات الحوالة، ونعتبر الأجر ما اصطلح البنك على تسميته بـ (الأجيو) (٢).
стр. 6520
ودعم هذا بفتوى للشيخ محمد رشيد رضا، حيث ورد على الشيخ سؤال عن حكم بيع الدين إلى بعض البنوك أو غيرها بأحد النقدين أو الأوراق المالية.
فكان في الفتوى: « ... ولمن احتاج إلى ذلك أن يأخذ ما يأخذ من البنك أو غيره على أنه دين، يحوله بقيمته على مدينه، أو بأكثر منه، ويجعل الزيادة أجرة، أو ما شاء ... » (١).
ومع ذلك فقد رد الهمشري نفسه على الشيخ محمد رشيد رضا، ولم ير هذا التخريج يقوى على إباحة عملية الخصم، وفي ذلك يقول رداً على محمد رشيد رضا: «إن هذه الفتوى لا تقوى على إباحة عملية الخصم بصورتها الراهنة، حيث إنه قد سبق أن البنك يخصم من العميل ثلاثة أشياء:
١ - الفائدة. ٢ - العمولة (الأجر). ٣ - المصاريف.
فالعمولة: وهي الأجر، من الممكن إجازتها، وكذا المصاريف؛ لأن كلاً منها مقابل خدمات حقيقية قدمها البنك، فالعمولة مقابل فتح الحساب، ومسكه، والمصاريف مقابل ما أنفقه، وتكبده، وهذا يتفق مع الإسلام وسماحته، وما نادت به الفتوى، ويبقى بعد ذلك حكم الفائدة، فكيف نستسيغها؟ وعلى أي تأويل نخرجها؟ وهذا ما أغفلته الفتوى، حيث إن الإجابة لم تتعمق في فهم ما يؤخذ عند بيع الدين، أو خصمه، وبهذا اقتصرت الفتوى عند الإجابة على تغطية ما يؤخذ عند بيع الدين، أو استيفائه كأجر، ولم تتناول الفائدة، اللهم إلا إذا أدمجت الفائدة مع العمولة، وأصبح الكل أجراً، وبالطبع لا يمكن أن نتصور ذلك؛ لأن العرف
стр. 6521
والقانون يأبيان إدماج الفائدة مع العمولة في بند واحد؛ لأن كلاً منهما يحدد بنسبة معينة، مما يفهم منه انفصال الفائدة عن العمولة.
وبناء على ما تقدم، فالعملية بصورتها الراهنة لا يقوى هذا التخريج على إباحتها، وإن أباحت الفتوى هذا التصرف، فذلك لأنها قصرت في فهم طبيعة التعامل، أو على اعتبار إدماج الفائدة والعمولة، واعتبارهما كأجر، وقد ثبت أنهما منفصلان» (١).
كما أن الشيخ مبارك آل سليمان تعقبه بأمر آخر:
وفي ذلك يقول: «فهم الباحث مما ذكره بعض الفقهاء، من أن الحوالة تتضمن معنى الاستيفاء، أن المراد بذلك استيفاء المحال دينه من المحال عليه، وليس كذلك، إذ لو كان الأمر كذلك، لكان ذلك توكيلاً من المدين لدائنه في قبض الدين من المحال عليه، واستيفاء دينه من ذلك، وليس حوالة تبرأ بها ذمة المحيل، ولهذا قلت: إن هذا التخريج - يعني تخريج الخصم على أنه حوالة، أو استيفاء بأجر - يرجع إلى التخريج السابق - يعني: تخريج الخصم على أنه قرض بضمان، ووكالة بأجر- والصواب في معنى تضمن الحوالة للاستيفاء، أن المراد بذلك أن المحال بقبوله الحوالة، يكون قد استوفى دينه من المحيل حكماً، بدليل أن المحيل تبرأ ذمته من الدين بمجرد الحوالة، بحيث لا يرجع عليه المحال بحال، ولهذا اعتبر الفقهاء الحوالة قبضاً، يوضح ذلك أنه بمجرد الحوالة لم يحصل استيفاء من المحال عليه حقيقة، فلو كان المراد ما فهمه الباحث، ما صح القول بأن الحوالة في حقيقتها استيفاء» (٢).
стр. 6522
التخريج الخامس لمن قال: بالإباحة .
تخريج الخصم على أنه تبادل بين القيمة الاسمية والقيمة الحالية.
وهو رأي ذكره الدكتور محمد مصلح الدين، ونسبه إلى خبراء البنوك، دون أن يسميهم، يقول الدكتور:
«والخصم في الواقع: هو الفرق بين القيمة الاسمية للكمبيالة، وقيمتها الحالية، ففي هذه الصفقة تستبدل القيمة الاسمية للكمبيالة بالقيمة الحالية، فهو بهذا تبادل بين قيمتين نقديتين، ولهذا كانت صفقات الخصم: عبارة عن صفقات بيع، فمن يقدم الكمبيالة للبنك، لصرفها نقداً، عليه أن يقبل ما هو أقل من قيمتها الاسمية، والزيادة التي يكسبها البنك: هي بلا شك عن ربا، ولكنه يتعلق بصفقات بيع، لهذا فهو ربا فضل، يصبح طبقاً لرأي ابن القيم مباحاً بسبب حاجات الجمهور ... وبناء على رأي ابن القيم يؤكد خبراء البنوك أن الخصم بما أنه صفقة بيع، لا يمكن أن يندرج تحت تعريف الربا من نوع النسيئة، وهو المحرم قطعاً بنص القرآن، وعلاوة على ذلك هم يشيرون إلى حالة العرايا ... والتي أباحها النبي في حالة حاجة الناس، للحصول على الرطب .. وعلى هذا القياس يقول هؤلاء الخبراء: إن استبدال القيم النقدية كما هو في حالة الذهب والفضة، يجب أن يسمح به، فما ينطبق ويصح على حالة التمر، يجب أن يسري أيضاً لنفس السبب، استجابة لحاجة الناس في حالة الأشياء المماثلة من نفس النوع، مثل الذهب والفضة، اللذين لهما قيم نقدية، وبهذه
стр. 6523
الطريقة فهم يعتقدون أن استبدال القيمة الاسمية للكمبيالة بالقيمة الحالية لها مسموح به ... وزيادة على ذلك فهم يشيرون إلى كلمة نسيئة التي تعني التأخير الممنوح للمدين، ويذكرون أن علة الحكم، أو السبب الذي من أجله حرم الربا تكمن في النسيئة؛ لأن التأخير قد منح للمدين نظير زيادة في المبلغ المقرض، وكما لاحظ ابن القيم، فإنه أعطى فرصة للدائن للاستمرار في زيادة مبلغه حتى وصل مبلغ المائة إلى الآلاف، وكانت النتيجة أن المدين قد مني كلية بالحرب، ويقولون: إن هذا لا يحدث في الخصم» (١).
ويناقش هذا التخريج:
أولاً: القول بأن خصم الأوراق هو تبادل بين قيمتين: الاسمية والحالية، يتوجه سؤال؟ هذه المبادلة على سبيل التمليك لا تخرج، إما أن تكون بيعاً، أو تكون قرضاً، ولا يمكن تصور غير هذا، فإن كانت بيعاً، كان من قبيل بيع نقد آجل بنقد عاجل أقل منه، فيجتمع بذلك ربا الفضل وربا النسيئة.
وإن كانت على سبيل القرض، فلا يجوز للمقرض أن يشترط زيادة على قرضه، وقد نقلت الإجماع على تحريمه.
ثانياً: القياس على العرايا قياس غير صحيح، وذلك أن من شرط القياس عند كثير من العلماء، أن لا يكون الأصل المقيس عليه مستثنى من القياس، فالقاعدة: عدم جواز العرايا، ولكنها أبيحت استثناء من الأصل، فلا يصح القياس عليها، وهي مستثناة من القاعدة، وقياس القيم النقدية (الذهب والفضة) على العرايا، وهو ما عبر عنه بحالة التمر قياس غير صحيح، وذلك أن الذهب
стр. 6524
والفضة كانت موجودة على عهد النبي ﷺ ، وكانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير، ولم ينقل أن النبي ﷺ رخص في استبدال الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مع التفاضل عند قيام الحاجة، فلو أخذ هذا المبدأ، وهو إباحة الربا عند قيام الحاجة لادعى كل متعامل بالربا حاجته إليه.
الراجح في عملية خصم الأوراق التجارية:
الذي أذهب إليه أن عملية الخصم هي من باب بيع الدين على غير من هو عليه، ولا يصح أن توصف بأنها قرض؛ لأن القرض إذا قصد به التكسب خرج من القرض إلى المعاوضة، وهذا شأن البيوع.
وإذا كانت عملية الخصم من باب بيع الدين على غير من هو عليه فإن كانت تتم عن طريق المصارف فهي محرمة شرعاً لاشتمالها على الربا، لأن الخصم سيكون عن طريق دفع نقد أقل ليأخذ نقداً أكثر، وهذا محرم؛ لأنه يجمع بين ربا الفضل وربا النسيئة.
وإن تمت عملية الخصم خارج المصرف، فإنه يمكن لنا أن نضع من الشروط ما يحمي هذه المعاملة من الوقوع في الربا:
من ذلك:
(أ) ألا يبيع الكمبيالة بنقد مطلقاً، بل يجب أن يكون الثمن عرضاً حتى لا يكون بين الثمن والمثمن أي من ربا الفضل أو ربا النسيئة.
(ب) أن يتعين الثمن حتى لا يكون البيع من باب بيع الدين بالدين.
بهذين الشرطين لا أرى أي محذور في خصم الأوراق التجارية، والله أعلم.
* * *
стр. 6525
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد الرابع عشر
стр. 6526
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 6527
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (١٤)
стр. 6528
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فهذا هو المجلد الرابع عشر والخامس عشر من المعاملات المالية، وقد خصصته لعقود الشركة والمضاربة، ومنها عقدا المساقاة والمزارعة، وإن كان الراجح في عقود الشركة أنها ليست من عقود المعاوضات عند جماهير العلماء خلافًا للمالكية إلا أن عقد الشركة لما كان فيه شوب معاوضة، وكنت قد درست في المجلد السابق شركات المساهمة ضمن أحكام سوق المال، والمعاملات المصرفية رأيت أن أختم هذه العقود باستكمال عقود الشركة، وإلحاق عقود الشركة في الفقه الإسلامي بشركة المساهمة وبهذا أكون قد انتهيت من عقود المعاوضات، ولله الحمد.
وقد انتظم بحث عقود الشركة في الخطة التالية:
تمهيد:
المبحث الأول: في تعريف الشركة وبيان مشروعيتها.
المبحث الثاني: في حكم الشركة على سبيل العموم.
المبحث الثالث: أنواع الشركة بمعناها العام.
المبحث الرابع: في الوصف الفقهي للشركة.
الفرع الأول: عقود الشركة من العقود الجائزة.
الفرع الثاني: عقد الشركة بين عقود المعاوضات.
الباب الأول: في أركان الشركة.
стр. 6529
الفصل الأول: في شروط الشركة المتعلقة بالصيغة.
المبحث الأول: في انعقاد الشركة بالمعاطاة.
المبحث الثاني: في تعليق انعقاد الشركة.
الفصل الثاني: في شروط الشركة العامة المتعلقة بالعاقد.
المبحث الأول: في اشتراط توفر الأهلية في العاقدين.
الفرع الأول: في اشتراط إسلام الشريك.
الفرع الثاني: في عقد الشركة على الأعيان المباحة قبل تملكها.
الباب الثاني: في شركة الأموال.
الفصل الأول: في شركة العنان.
المبحث الأول: في شركة العنان وبيان خصائصها.
المبحث الثاني: في حكم شركة العنان
الفصل الثاني: في شركة المفاوضة.
المبحث الأول: في تعريف شركة المفاوضة.
المبحث الثاني: في اشتراط لفظ المفاوضة في الصيغة.
المبحث الثالث: في حكم شركة المفاوضة.
المبحث الرابع: في شروط شركة الأموال.
الفرع الأول: في الشروط المتفق عليها.
الفرع الثاني: في الشروط المختلف فيها.
الشرط الأول: في اشتراط أن يكون رأس المال من النقدين.
стр. 6530
المسألة الأولى: في كون رأس مال الشركة من الفلوس.
المسألة الثانية: الشركة في العروض.
المسألة الثالثة: الشركة في الذهب والفضة غير المضروبة.
الشرط الثاني: في اشتراط خلط المالين.
مطلب: الشركة بالمال المشاع.
الشرط الثالث: في اشتراط أن يكون رأس المال عينا لا دينا.
الشرط الرابع: في اشترط أن يكون رأس مال الشركة من جنس واحد.
الشرط الخامس: العلم بمقدار رأس مال الشركة.
الشرط السادس: في اشتراط العمل في شركة العنان علي أحد المتعاقدين.
الشرط السابع: في اشتراط التساوي في رأس المال.
المبحث الخامس: في الربح والوضيعة في شركة العنان.
المبحث السادس: في اشتراط توقيت الشركة.
المبحث السابع: في تصرفات الشريك.
الفرع الأول: في التبرع من مال الشركة.
الفرع الثاني: في خلط مال الشركة بماله الخاص.
الفرع الثالث: في توكيل الشريك رجلا أجنبيا.
الفرع الرابع: في استئجار الشريك من يعمل معه.
الفرع الخامس: في إيداع الشريك مال الشركة.
الفرع السادس: في السفر في مال الشركة.
стр. 6531
الفرع السابع: في حق الشريك في الإقالة.
الفرع الثامن: في الرد بالعيب.
الفرع التاسع: في حق الشريك في دفع المال إلى أجني مضاربة.
الفرع العاشر: في إقرار الشريك بدين على الشركة.
الفرع الحادي عشر: في تصرفات الشريك في مال الشركة.
المسألة الأولي: في بيع الشريك بغبن فاحش.
المسألة الثانية: في بيع الشريك بالدين.
المسألة الثالثة: قي شراء الشريك بالدين.
المسألة الرابعة: تصرف الشريك في الرهن والارتهان.
المسألة الخامسة: في إبضاع الشريك.
الباب الثالث: في شركة الأعمال (الأبدان).
توطئه: في تعريف شركة الأعمال.
الفصل الأول: في مشروعية شركة الأبدان.
الفصل الثاني: التوصيف الفقهي لعقد شركة الأعمال.
الفصل الثالث: في انقسام شركة الأعمال.
المبحث الأول: في انقسام شركة الأبدان إلي تقبل الأعمال وتملك المباحات.
المبحث الثاني: في انقسام شركة الأعمال إلي عنان ومفاوضة.
الفصل الرابع: في شروط شركة الأعمال.
الشرط الأول: كون محل الشركة عملا.
стр. 6532
المبحث الأول: في دفع الدابة إلي من يعمل بها بجزء من كسبها.
المبحث الثاني: لا يشترط إتقان العمل من الشريك.
الشرط الثاني: أن يكون العمل المشترك يمكن استحقاقه بعقد الإجارة.
مبحث: في شركة الدلالين.
الشرط الثالث: في اتحاد العمل والمكان في شركة الأعمال.
الشرط الرابع: أن يكون نصيب كل واحد من الشركاء معلوما شائعا.
مبحث: إذا عمل أحد الشريكين دون الآخر.
الفصل الخامس: في ضمان الشريك في شركة الأعمال.
الفصل السادس: في كيفية اقتسام الربح في شركة الأعمال.
مبحث: في تحمل الخسارة في شركة الأعمال.
الفصل السابع: في موت أحد الشريكين.
الباب الرابع: في شركة الوجوه.
الفصل الأول: في تعريف شركة الوجوه.
الفصل الثاني: في صور شركة الوجوه.
الفصل الثالث: في حكم شركة الوجوه.
الفصل الرابع: في أركان شركة الوجوه.
الفصل الخامس: في شروط شركة الوجوه.
الفصل السادس: في تقاسم الأرباح والخسائر في شركة الوجوه.
المبحث الأول: في تقاسم الأرباح.
стр. 6533
المبحث الثاني: في طريقة تحمل الخسائر في شركة الوجوه.
الباب الخامس: في عقد المضاربة (القراض).
توطئة: في تعريف المضاربة.
الفصل الأول: في توصيف عقد المضاربة.
الفصل الثاني: المضاربة علي وفق القياس.
الفصل الثالث: في حكم عقد الضاربة.
الفصل الرابع: في أركان عقد المضاربة.
المبحث الأول: في أحكام الصيغة.
المبحث الثاني: انعقاد المضاربة بالمعاطاة.
المبحث الثالث: في توقيت الإيجاب والقبول في عقد المضاربة.
المبحث الرابع: في تعليق صيغة عقد المضاربة.
الفصل الخامس: في شروط عقد المضاربة.
المبحث الأول: الشروط الخاصة برأس المال.
الشرط الأول: في اشتراط أن يكون رأس المال من النقود.
الفرع الأول: في المضاربة بالعروض.
الفرع الثاني: في المضاربة بالتبر والنقار والحلي.
الفرع الثالث: في المضاربة بالفلوس.
الشرط الثاني: أن يكون رأس المال معلومًا للعاقدين.
الشرط الثالث: أن يكون رأس المال معينا.
стр. 6534
المبحث الأول: أن يقارضه على دراهم غير معينة.
الفرع الأول: أن يكون مال المضاربة دينًا على العامل.
الفرع الثاني: أن يكون مال المضاربة دينًا على أجنبي.
الفرع الثالث: المقارضة على أحدى الصرتين.
الفرع الرابع: المضاربة بالوديعة.
الفرع الخامس: المضاربة بالمغصوب.
الشرط الرابع: في اشتراط تسليم رأس مال المضاربة.
المبحث الثاني: الشروط الخاصة بالربح.
الشرط الأول: العلم بنصيب ما يأخذه كل واحد منهما من الربح.
المبحث الأول: أن يدفع المالك مال المضاربة ويسكت عن الربح.
المبحث الثاني: أن يذكر الربح ولا ينص على مقداره.
المبحث الثالث: إذا قال ضارب على أننا شريكان في الربح أو الربح بيننا.
المبحث الرابع: إذا قال المالك لك مثل ما شرط لفلان.
الشرط الثاني: أن يكون الربح لكل منهما جزءًا شائعا.
المبحث الأول: إذا اشترط أحدهما أو كلاهما دراهم معلومة.
المبحث الثاني: أن يشترط ربح صنف معين من مال القراض.
المبحث الثالث: أن يشترط ربح نصف المال من غير تعيين.
الشرط الثالث: في اشترط أن يكون الربح مخصوصًا بالمتعاقدين.
مبحث: إذا قال المالك تصرف والربح كله لك أو كله لي.
стр. 6535
الشرط الرابع: أن يكون المشروط للمضارب مشروطًا من الربح.
مبحث: في الوقت الذي يملك المضارب حصته من الربح.
الفصل السادس: في حكم تصرفات المضارب.
المبحث الأول: لبيع والشراء ولوازمهما.
الفرع الأول: إذا باع العاقل بأقل من ثمن المثل.
الفرع الثاني: إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل.
الفرع الثالث: في شراء المضارب سلعة من مال المضاربة.
الفرع الرابع: في شراء رب المال من العامل.
الفرع الخامس: في بيع المضارب بالدين.
المبحث الثاني: للمضارب أن يستأجر من يساعده على أعمال التجارة.
المبحث الثالث: في حق المضارب في التوكيل.
المبحث الرابع: في حق المضارب في الإيداع.
المبحث الخامس: في حق المضارب في السفر في المال.
المبحث السادس: في حق المضارب في النفقة.
المبحث السابع: في شراء المضارب بأكثر من رأس مال المضاربة.
المبحث الثامن: في دفع العامل مال المضاربة إلي مضارب جديد.
المبحث التاسع: في خلط مال المضاربة بمال آخر.
الفرع الأول: خلط مال المضاربة بمال مضاربة أخرى والمالك واحد.
الفرع الثاني: خلط مال المضاربة بمال العامل أو بمال غيره.
стр. 6536
الفرع الثالث: خلط المال في المضاربة المشتركة في المصارف الإسلامية.
المسألة الأولي: تعريف المضاربة المشتركة.
المسألة الثانية: التوصيف الفقهي لعقد المضاربة المشتركة.
المسألة الثالثة: خلط أموال المضاربين بعد بدئ النشاط فيها.
المسألة الرابعة: خلاف العلماء في اعتماد حساب النمر.
المبحث العاشر: في تقييد تصرفات العامل.
الفرع الأول: التقييد بمكان أو بسلعة معينة.
الفرع الثاني: تقييد العامل بالشراء من شخص معين.
الفرع الثالث: تقييد المضاربة بوقت معين.
الفرع الرابع: تقييد المضارب بالبيع نقدًا.
الفصل السابع: في أحكام المضاربة الصحيحة.
المبحث الأول: رأس المال أمانة في يد المضارب.
المبحث الثاني: في ضمان مال المضاربة بالتعدي أو بالتفريط.
المبحث الثالث: في اشتراط ضمان رأس مال المضاربة.
الفصل الثامن: في المضاربة الفاسدة.
الفصل التاسع: في انتهاء المضاربة.
المبحث الأول: في انتهاء المضاربة بالموت.
فرع: إذا لم يعلم العامل بموت رب المال.
المبحث الثاني: انتهاء المضاربة بالفسخ.
стр. 6537
المبحث الثالث: إذا طلب أحدهما البيع وأمتنع الآخر لغرض.
المبحث الرابع: في انتهاء عقد المضاربة بالجنون.
المبحث الخامس: في انتهاء عقد المضاربة بالحجر.
المبحث السادس: انتهاء المضاربة بهلاك المال.
الفرع الأول: أن يتلف المال قبل التصرف فيه.
الفرع الثاني: في هلاك مال المضاربة بعد التصرف فيه.
الفرع الثالث: إذا اشتري العامل فتلف المال قبل نقده للبائع.
المبحث السابع: انتهاء المضاربة بانتهاء الوقت المحدد لها.
الباب السادس: في المشاركة المتناقصة.
توطئة: في تعريف المشاركة المتناقصة.
الفصل الأول: التوصيف الفقهي للمشاركة المتناقصة.
الفصل الثاني: في الحكم الفقهي للشركة المتناقصة.
عقد المساقاة والمزارعة.
تمهيد.
المبحث الأول: في تعريف المساقاة والمزارعة.
الفرع الأول: في تعريف المساقاة.
الفرع الثاني: في تعريف المزارعة.
المبحث الثاني: المساقاة والمزارعة على وفق القياس.
الباب الأول: في أركان المساقاة والمزارعة.
стр. 6538
الفصل الأول: في الصيغة التي تنعقد بها المساقاة والمزارعة.
مبحث: في انعقاد المساقاة والمزارعة بلفظ الإجارة.
الباب الثاني: في حكم المساقاة والمزارعة.
الفصل الأول: في جواز المساقاة.
الفصل الثاني: في جواز المزارعة.
الفصل الثالث: في توصيف عقد المساقاة والمزارعة.
المبحث الأول: في توصيف عقد المساقاة.
المبحث الثاني: في توصيف عقد المزارعة.
المبحث الثالث: فيما تلزم به المساقاة.
الفصل الثالث: في ثبوت الخيار في عقدي المساقاة والمزارعة.
الفصل الرابع: في محل المساقاة.
المبحث الأول: فيما تجوز فيه المساقاة.
المبحث الثاني: في المساقاة على أشجار البعل.
المبحث الثالث: في المساقاة على الودي وصغار الشجر.
الفصل الخامس: في صور المزارعة الجائزة والممنوعة.
الباب الثالث: في شروط المساقاة والمزارعة.
الفصل الأول: في شروط المساقاة.
الشرط الأول: أن تكون في أصل يثمر أو ما في معناه.
الشرط الثاني: أن تكون المساقاة قبل طيب الثمرة.
стр. 6539
الشرط الثالث: أن يكون محل العمل معلومًا.
الشرط الرابع: أن يكون نصيب العامل معلومًا مشاعًا.
الشرط الخامس: أن تكون المساقاة إلى أجل معلوم.
المبحث الأول: في المساقاة إلى الجذاذ.
المبحث الثاني: أكثر مدة المساقاة.
المبحث الثالث: في أقل مدة المساقاة.
الشرط السادس: أن يكون العمل كله على العامل.
الشرط السابع: في اشتراط أن تكون الثمرة مشتركة بين العامل والمالك.
الشرط الثامن: في اشتراط إسلام الساقي والمالك.
الفصل الثاني: في شروط المزارعة.
الشرط الأول: أهلية العاقدين.
الشرط الثاني: في بيان جنس البذر.
الشرط الثالث: في تحديد مقدار البذر.
الشرط الرابع: في اشتراط أن يكون البذر من أحدهما.
الشرط الخامس: في اشتراط خلط البذر من العاقدين.
الشرط السادس: في تماثل البذرين جنسا.
الشرط السابع: في اشتراط تعيين رب البذر.
الشرط الثامن: كون الخارج في المزارعة مشتركا بين الزارعين.
الشرط التاسع: في اشتراط التخلية بين الأرض وبين العامل.
стр. 6540
الشرط العاشر: أن يكون نصيب العامل جزءًا مشاعًا.
الشرط الحادي عشر: في اشتراط بيان نصيب من لا بذر منه.
الباب الرابع: في أحكام المساقاة.
الفصل الأول: في أحكام المساقاة.
المبحث الأول: فيما يلزم العامل في عقدي المساقاة والمزارعة.
المبحث الثاني: المساقي أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط.
المبحث الثالث: فيمن تجب عليه زكاة الحائط.
المبحث الرابع: في نفقة عامل المساقاة.
المبحث الخامس: في مساقاة العامل غيره.
المبحث السادس: في مساقاة الشريك لشريكه.
المبحث السابع: في مساقاة حوائط عدة.
المبحث الثامن: في التخيير في المساقاة إن كان سيحًا فبكذا أو كلفة فبكذا.
المبحث التاسع: في جواز اشتراط العامل غلمان رب المال.
الفصل الثاني: في أحكام المساقاة الفاسدة.
المبحث الأول: فيما تفسد به المساقاة.
المبحث الثاني: في حكم المساقاة الفاسدة.
الباب الخامس: في انتهاء عقد المساقاة.
الفصل الأول: في انتهاء عقد المساقاة بالفسخ.
المبحث الأول: الفسخ بعجز العامل.
стр. 6541
المبحث الثاني: فسخ العقد بالإقالة.
المبحث الثالث: انفساخ المساقاة بالموت.
الفصل الثاني: انتهاء المساقاة بمضي المدة.
الفصل الثالث: انتهاء عقد المساقاة باستحقاق الحائط.
وبهذا المسائل المختارة من عقود الشركات أكون قد أتممت خطة البحث في عقود المعاوضات، أسأل الله أن يجعل العمل خالصًا لوجهه، وأن يتجاوز به عني بعفوه وكرمه، وأن يصلح به النية، وأن يرزقه القبول، وأن يجزل المثوبة لكل من علمني، وكل من أفدت منه في هذا المشروع المبارك.
* * *
стр. 6542
تمهيد
المبحث الأول
في تعريف الشركة وبيان مشروعيتها
الشركة في الفقه الإسلامي أنواع مختلفة، كل نوع منها ينفرد بتعريف خاص، لذا كان اهتمام أكثر الفقهاء موجهًا إلى تعريف أنواعها، وقد عرف بعضهم الشركة بمعناها العام، من ذلك (١):
تعريف الحنفية:
عرفها بعضهم بأنها: «اختصاص ما فوق الواحد بشيء، وامتيازهم به» (٢).
стр. 6543
فقوله: (اختصاص): الاختصاص: هو الانفراد بالشيء دون غيره بشيء ما، بما له من ولاية أو ملك، فالانفراد بالشيء: هي تلك العلاقة القائمة بين المختص ومحل الاختصاص.
والمختص هنا هو الشريكان، ومحل الاختصاص: هو محل الشركة.
وقوله: (ما فوق الواحد) إشارة إلى تعدد المختص، وأن الشركة لا تكون إلا بين اثنين فأكثر.
وقوله (بشيء ما وامتيازهم به) إشارة إلى محل الاختصاص.
ونوقش:
بأن التعريف غير مانع، فالوكالة تعطي اختصاص اثنين فأكثر بمحل واحد، وليست شركة، فالموكل يمتاز باختصاص الملك والتصرف، والوكيل يمتاز باختصاص التصرف دون الملك (١).
تعريف المالكية:
جاء في شرح حدود ابن عرفة: «الشركة الأعمية: تقرر متمول بين مالكين فأكثر ملكًا فقط» قال الشارح ... فيدخل ... شركة الإرث والغنيمة، لا شركة التجر» (٢).
وانتقد هذا التعريف:
بأن قوله: (ملكًا فقط) هذا التعريف خاص بشركة الملك، والشركة بالمعنى العام يجب أن يصدق على جميع أفراد الشركة: شركة الملك وشركة العقد،
стр. 6544
فالتعريف العام يجب أن ينطبق على كل ما يصدق عليه اسم الشركة، فخروج ما سماه الشارح شركة التجر من التعريف يدل على أن هذا التعريف ليس تعريفًا عامًا للشركة، والله أعلم.
تعريف الشافعية:
عرفها الشافعية بقولهم: «ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع» (١).
فقوله: (ثبوت الحق) يعني: حالًا أو مآلًا بالفعل أو بالقول.
وهو بهذا يشمل شركة الملك وشركة العقد؛ لأن الحق إن كان ثبوته عن طريق العقد فيختص بالمال وفي شركة العقد فقط، أو يثبت بغير العقد كالإرث ونحوه فتدخل فيه شركة الملك.
والشركة قد تكون في المال وقد تكون في غير المال، كما لو اشتركا في حق القصاص مثلًا فإنه حق قد يثبت لأكثر من اثنين على سبيل الشيوع.
وقوله: (على سبيل الشيوع) هذا القيد معتبر عند الشافعية لأنهم يشترطون لصحة الشركة خلط المالين، فلا تصح الشركة عند الشافعية فيما لا شيوع فيه كشركتي الأعمال والوجوه.
تعريف الحنابلة:
عرفها ابن قدامة بقوله: «هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف» (٢).
فقوله: (الاجتماع في استحقاق) إشارة إلى شركة الملك.
стр. 6545
وقوله: (أو تصرف) إشارة إلى شركة العقد.
وهذا التعريف على اختصارها هو أجمعها، والله أعلم.
* * *
стр. 6546
المبحث الثاني
في حكم الشركة على سبيل العموم
[م-١٢٧٣] ذهب عامة العلماء إلى جواز الشركة في الجملة واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم.
على خلاف بينهم هل الشركة مستحبة أو مباحة. ومن هذه الأدلة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤].
وجه الاستدلال:
قوله: (الخلطاء) فقد ذهب طاووس، وعطاء، والطبري، والبغوي، والبخاري في صحيحه بأن الخلطاء هم الشركاء (١).
واستبعده القرطبي؛ لأن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] فلم تكن بينهم شركة.
ولقوله ﷺ : (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) (٢).
فالخلطة هنا: خلطة جوار في المسرح، والمبيت، والحوض، والفحل، وكل واحد منهما يختص بعين ماله، والشركة أخص من ذلك (٣).
стр. 6547
والحق أن لفظ الخلطاء عام يشمل الشركاء وغيرهم:
جاء في التسهيل لعلوم التنزيل: «الخلطة أعم من الشركة، ألا ترى أن الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها» (١).
وعلى القول بأن الخلطاء في الآية المقصود بها الشركاء، فإن الشركة هنا ليست من شركة العقود، بل هي من شركة الملك، لتميز مال كل واحد منهما، والاحتجاج بالآية إنما يصح على قول من يقول: إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما ينسخه، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ الآية [الزمر:٢٩].
والشركة في هذا العبد مطلقة، لتشمل الشركة بأنواعها من ملك، أو عقد.
الدليل الثالث:
قال تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
استدل بها بعض الفقهاء على مشروعية الشركة، وهي دليل فقط على شركة الملك، وهي غير شركة العقد المقصودة في هذا الباب.
الدليل الرابع:
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية [الكهف:١٩].
وجه الاستدلال:
استدل بها بعض الفقهاء على مشروعية الشركة بدليل أن الورق كان
стр. 6548
لجميعهم، وهذا يعني جواز الشركة، إلا أن الآية ليست نصًا في شركة العقد، فلم يجمعوا الورق بقصد التجارة، وهي في شريعة من قبلنا.
الدليل الخامس
(ح-٨٨٥) ما رواه البخاري من طريق سليمان بن أبي مسلم، قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدًا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدًا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه، فقال:
فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا النبي ﷺ عن ذلك، فقال: ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه (١).
الدليل السادس:
(ح-٨٨٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن سليمان المصيصي، حدثنا محمد بن الزبرقان، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه،
عن أبي هريرة رفعه قال إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 6549
الدليل السابع:
(ح-٨٨٧) ما رواه أحمد من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد.
عن السائب بن أبي السائب، أنه كان يشارك رسول الله ﷺ قبل الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح جاءه، فقال النبي ﷺ : مرحبا بأخي وشريكي، كان لا يداري، ولا يماري .... الحديث (١).
стр. 6550
[مضطرب سندًا ومتنًا، وذكر المزي أن المحفوظ أنه من رواية مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب] (١).