المبحث الثاني
في حكم الشركة على سبيل العموم
[م-١٢٧٣] ذهب عامة العلماء إلى جواز الشركة في الجملة واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم.
على خلاف بينهم هل الشركة مستحبة أو مباحة. ومن هذه الأدلة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤].
وجه الاستدلال:
قوله: (الخلطاء) فقد ذهب طاووس، وعطاء، والطبري، والبغوي، والبخاري في صحيحه بأن الخلطاء هم الشركاء (١).
واستبعده القرطبي؛ لأن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] فلم تكن بينهم شركة.
ولقوله ﷺ : (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) (٢).
فالخلطة هنا: خلطة جوار في المسرح، والمبيت، والحوض، والفحل، وكل واحد منهما يختص بعين ماله، والشركة أخص من ذلك (٣).
стр. 6547
والحق أن لفظ الخلطاء عام يشمل الشركاء وغيرهم:
جاء في التسهيل لعلوم التنزيل: «الخلطة أعم من الشركة، ألا ترى أن الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها» (١).
وعلى القول بأن الخلطاء في الآية المقصود بها الشركاء، فإن الشركة هنا ليست من شركة العقود، بل هي من شركة الملك، لتميز مال كل واحد منهما، والاحتجاج بالآية إنما يصح على قول من يقول: إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما ينسخه، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ الآية [الزمر:٢٩].
والشركة في هذا العبد مطلقة، لتشمل الشركة بأنواعها من ملك، أو عقد.
الدليل الثالث:
قال تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
استدل بها بعض الفقهاء على مشروعية الشركة، وهي دليل فقط على شركة الملك، وهي غير شركة العقد المقصودة في هذا الباب.
الدليل الرابع:
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية [الكهف:١٩].
وجه الاستدلال:
استدل بها بعض الفقهاء على مشروعية الشركة بدليل أن الورق كان
стр. 6548
لجميعهم، وهذا يعني جواز الشركة، إلا أن الآية ليست نصًا في شركة العقد، فلم يجمعوا الورق بقصد التجارة، وهي في شريعة من قبلنا.
الدليل الخامس
(ح-٨٨٥) ما رواه البخاري من طريق سليمان بن أبي مسلم، قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدًا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدًا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه، فقال:
فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا النبي ﷺ عن ذلك، فقال: ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه (١).
الدليل السادس:
(ح-٨٨٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن سليمان المصيصي، حدثنا محمد بن الزبرقان، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه،
عن أبي هريرة رفعه قال إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 6549
الدليل السابع:
(ح-٨٨٧) ما رواه أحمد من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد.
عن السائب بن أبي السائب، أنه كان يشارك رسول الله ﷺ قبل الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح جاءه، فقال النبي ﷺ : مرحبا بأخي وشريكي، كان لا يداري، ولا يماري .... الحديث (١).
стр. 6550
[مضطرب سندًا ومتنًا، وذكر المزي أن المحفوظ أنه من رواية مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب] (١).
стр. 6551
الدليل الثامن:
(ث-١٥٩) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
стр. 6552
أبي عبيدة،
عن عبد الله قال: اشتركنا يوم بدر أنا وعمار وسعد فيما أصبنا يوم بدر، فأما أنا وعمار فلم نجئ بشيء، وجاء سعد بأسيرين (١).
[أعله بعضهم بالانقطاع، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل] (٢).
стр. 6553
الدليل التاسع:
حكى جمع من أهل العلم الإجماع على جواز الشركة في الجملة.
قال ابن قدامة: «أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها» (١).
وقال النفرواي المالكي: «وهي جائزة كتابًا، وسنة، وإجماعًا .... وانعقد الإجماع على جوازها» (٢).
وقال الكاساني في بدائع الصنائع: «وأما الكلام في الشركة بالأموال فأما العنان فجائز بإجماع فقهاء الأمصار، ولتعامل الناس ذلك في كل عصر من غير نكير» (٣).
كما حكى الإجماع المواق من المالكية كما في التاج والإكليل (٤)، وزكريا الأنصاري من الشافعية (٥)، والبهوتي من الحنابلة (٦)، وغيرهم.
стр. 6554
[م-١٢٧٤] وإذا عرفنا الأدلة على جواز الشركة في الجملة، فقد اختلفوا في أيهما أفضل:
فقيل: الشركة أفضل؛ لقيامها على التعاون، فكل منهما ينتفع بما عند الآخر من مال وعمل وخبرة ومن خلال عقد الشركة يمكن جمع رؤوس الأموال الكثيرة وتحقيق التنمية الاقتصادية وذلك بقيام المشروعات الضخمة والمتنوعة لخدمة المجتمع.
(ح-٨٨٨) ولما رواه أبو داود بإسناده من حديث أبي هريرة رفعه، قال: إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما.
[ضعيف] (١).
وقيل: الانفراد أفضل؛ لأن الإنسان يكون فيها حرًا، إن شاء تبرع وتصدق، وأهدى.
قال شيخنا محمد بن عثيمين: «كل من الانفراد والاشتراك له مزية على الآخر، ولكن المزية التي لا يعدلها شيء، هي السلامة في مسألة الإنفراد؛ لأنه يصعب مراعاة كل أحوال الشركة».
* * *
стр. 6555
المبحث الثالث
أنواع الشركة بمعناها العام
[م-١٢٧٥] ذهب جمهور الفقهاء على تقسيم الشركات إلى قسمين: شركة أملاك، وشركة عقود (١).
وذهب بعض الحنفية إلى زيادة قسم ثالث، وهو شركة الإباحة (٢).
وإليك تعريف كل قسم من هذه الأقسام.
تعريف شركة الأملاك:
شركة الأملاك: قيل في تعريفها: هي الاشتراك في الملك جبرًا كالإرث، واختلاط الأموال، أو اختيارًا كالهبة والوصية ونحوهما.
ولا تحتاج إلى إيجاب وقبول، بل ركنها اجتماع النصيبين جبرًا أو اختيارًا.
وعرفها بعضهم بقوله: كون الشيء مشتركًا بين أكثر من واحد، مخصوصًا بهم بسبب من أسباب التملك، كالاشتراء والاتهاب وقبول الوصية والتوارث، أو بخلط أو اختلاط الأموال بعضها ببعض بصورة لا تكون قابلة للتمييز والتفريق (٣).
وحكمها: لا يترتب عليها أي حكم من أحكام الشركات المعروفة في الفقه الإسلامي، بل يعتبر كل واحد من الشريكين أجنبيًا في نصيب صاحبه، فلا يجوز
стр. 6556
له التصرف فيه بغير إذنه؛ لأن التصرف فرع الملك أو الولاية، ولا ملك ولا ولاية لأي واحد من الشريكين في نصيب صاحبه لا بالوكالة ولا بالقرابة.
ولا تحتاج هذه الشركة إلى عقد، وقد يكون التملك فيها جبرًا كالإرث، أو اختيارًا كالهبة والوصية والخلط ونحو ذلك.
تعريف شركة العقود:
عرفها بعضهم: بأنها عقد بين اثنين فأكثر، يقتضي إذن الجميع أو بعضهم في التصرف للجميع، على أن يكون الربح بينهم جميعًا (١).
وهذه الشركة لا تقوم إلا بالتراضي بين الشركاء، ويجوز للشريك أن يتصرف في نصيبه بمقتضى الملك، وفي نصيب صاحبه بمقتضى الوكالة، والوكالة مستفادة من الشركة بمقتضى العقد؛ ذلك أن الشركة عقد على التصرف، ولا تصرف في مال الغير إلا بتفويض من صاحبه، كما أن كل واحد من الشركاء كفيل عن الآخر، والمقصود من الشركة الحصول على الربح.
وشركة العقد ليست نوعًا واحدًا، بل هي أنواع. من ذلك:
شركة أموال: وهي عقد بين شريكين فأكثر، على أن يتجروا في رأس مال لهم، ويكون الربح بينهم بنسبة معلومة.
وهي تنقسم إلى عنان ومفاوضة.
стр. 6557
والأولى جائزة بالإجماع، والثانية منعها الشافعية وأجازها غيرهم.
وسيأتي بيان ذلك في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
وشركة أعمال: وهي أن يتعاقد اثنان فأكثر، على أن يتقبلوا نوعًا معينًا من العمل، وأن تكون الأجرة بينهم بنسبة معلومة.
وقد منعها الشافعية وأجازها غيرهم. وسيأتي بيان ذلك في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
وشركة وجوه: وهي أن يتعاقد اثنان فأكثر، على أن يشتريا نسيئة، ويبيعا نقدًا، ويقتسما الربح بينهما.
وقد أجازها الحنفية والحنابلة، ومنعها المالكية والشافعية. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وهناك عقد القراض (المضاربة): وهي أن يدفع شخص لآخر مبلغًا من المال ليتجر فيه، على أن يشتركا في الربح، ومنه المزارعة والمساقاة، وهناك خلاف بين الفقهاء هل عقد المضاربة يلحق بعقد الشركات؟ أو هو عقد لا شركة فيه، باعتبار أن رأس المال يخص المالك وحده، فلا توجد فيه مشاركة، والعمل يختص به العامل، فلا توجد به أيضًا مشاركة، وإنما المشاركة إن وجدت فهي في الربح خاصة، وقد يوجد وقد لا يوجد، ووجود الربح يكون حادثًا بعد قيام العقد والشروع في العمل، بخلاف عقود الشركات، والله أعلم.
وسيأتي إن شاء الله تعالى شيء من التفصيل والتوثيق لهذه التعريفات عند دراسة كل نوع على حدة.
تعريف شركة الإباحة:
نص بعض الحنفية على هذا النوع من الشركات.
стр. 6558
فقد جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «شركة الإباحة: وهي كون العامة مشتركين في صلاحية التملك بالأخذ والإحراز للأشياء المباحة التي ليست في الأصل ملكًا لأحد كالماء» (١).
والفرق بين شركة الملك والعقد وبين شركة الإباحة: أن الاشتراك في شركة الملك والعقد: هو الأعيان والأموال، وأما الاشتراك في شركة الإباحة فهو صلاحية الإحراز والتملك.
كذلك يدخل في شركة الإباحة الاشتراك في الانتفاع بالطرق العامة، والمساقي، ومجاري المياه والأنهار، فهذه الأشياء ملك مشترك بين المنتفعين.
(ح-٨٨٩) والدليل على هذه الشركة ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا ثور الشامي، عن حريز بن عثمان، عن أبي خداش،
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
وإذا عرفنا أقسام الشركة بالمفهوم العام للشركة، فإن شركة الملك وشركة الإباحة ليست من شركات المعاوضة، فلا تدخل معنا في هذه الدراسة، بخلاف شركة العقود، فإنها تقوم بغرض الحصول على الأرباح، لهذا ستكون الدراسة مختصة بها.
* * *
стр. 6559
المبحث الرابع
في الوصف الفقهي للشركة
الفرع الأول
عقود الشركة من العقود الجائزة
قال الحنفية: الشركة تتضمن معنى الوكالة (١).
قلت: والوكالة عقد جائز فكذا الشركة.
[م-١٢٧٦] اختلف الفقهاء في عقد الشركة، هل يعتبر من العقود اللازمة، أو من العقود الجائزة.
فقيل: الشركة عقد جائز مطلقًا، قبل خلط المالين وبعده، وهذا مذهب الجمهور، واختيار ابن رشد الجد، والحفيد من المالكية (٢).
إلا أن الحنفية اشترطوا لجواز الفسخ شرطين:
أحدهما: أن يعلم الشريك صاحبه بالفسخ.
стр. 6560
والثاني: أن يكون مال الشركة ناضًا (نقدًا) لا عروضًا (١).
وجه من قال: الشركة عقد جائز:
أن الشركة مبنية على الوكالة، وعلى الإذن بالتصرف، والوكالة من العقود الجائزة، وفسخ الشركة يبطل الإذن بالتصرف.
وقيل: الشركة عقد لازم مطلقًا، قبل الشروع وبعده، ويستمر اللزوم إلى أن ينض المال أو يتم العمل الذي تقبل، أو يتفقا على الفسخ. وهو مذهب المالكية (٢).
وجه القول باللزوم:
أن الشركة من عقود المعاوضات، وعقود المعاوضات عقود لازمة، لا تفسخ إلا برضا الطرفين.
جاء في مواهب الجليل: «قال ابن عبد السلام في شركة الأموال: المذهب لزومها بالعقد» (٣).
وفي شرح الخرشي: «الشركة تلزم بمجرد القول على المشهور» (٤).
стр. 6561
وفي حاشية الدسوقي: «الشركة عقد يلزم بالقول كسائر العقود والمعاوضات، وهذا مذهب ابن القاسم، ومذهب غيره أنها لا تلزم إلا بخلط المالين» (١).
وقيل: الشركة لا تلزم إلا بخلط المالين، اختاره بعض المالكية (٢).
وجه ذلك:
أن الخلط بمنزلة الشروع في العمل، فقبل الشروع في العمل لا ضرر في فسخ الشركة على أي من الشريكين بخلاف الفسخ بعد الشروع في العمل فإن الفسخ يجب أن يكون بالتراضي.
الراجح:
الذي أميل إليه أن عقد الشركة عقد جائز، إلا أن يكون هناك شرط في لزوم العقد مدة معينة، ويتفقا على ذلك، فالمؤمنون على شروطهم، ومثل هذا ما يشترط في شركات المساهمة في أن المساهم لا يخرج من الشركة إلا إذا دخل مكانه آخر ليستمر لزوم العقد إلى أجله، والله أعلم.
стр. 6562
الفرع الثاني
الشركة وعقود المعاوضات
[م-١٢٧٧] لم يتعرض كثير من الفقهاء إلى الوصف الفقهي لعقد الشركة، وهل يعتبر من عقود المعاوضات أو من عقود الإرفاق، أو هو عقد قائم بذاته، يطلق عليه ابن تيمية عقود المشاركة؟
ويمكن القول بأن هناك قولين يمكن تخريجهما في الوصف الفقهي لعقد الشركة بناء على كلام الفقهاء:
القول الأول:
بأن عقد الشركة لا يعتبر من عقود المعاوضات، وهو مقتضى مذهب جماهير أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو صريح كلام ابن تيمية.
فالمتأمل لمذهب الحنفية، والذين لا يشترطون حضور رأس مال الشركة عند العقد، ولا تساوي المالين من الشركاء، أن هذا يعني عندهم أن عقد الشركة ليس من عقود المعاوضات؛ إذ لو كان من عقود المعاوضات، وهم يشترطون أن يكون رأس مال الشركة من الأثمان ما جاز التفرق قبل قبض نصيب الشريك، ولو كان من عقود المعاوضات لاشترط التساوي بين المالين حتى لا يقعوا في ربا الفضل.
كما أنهم يرون أن العقد من العقود الجائزة، وعقود المعاوضات الأصل فيها أنه من العقود اللازمة.
ولأن المال في يد الشريك يعتبر أمانة، ولو كان قائمًا على المعاوضة لكانت يده يد ضمان، فبناء على هذه الأوصاف يجزم الباحث بأن عقد الشركة عند الحنفية ليس من عقود المعاوضة القائمة على المبادلة على سبيل التمليك.
стр. 6563
ومذهب الحنابلة قريب من مذهب الحنفية حيث لا يشترطون تساوي المالين، وهم يصرحون بأن الشريك ينفذ تصرفه بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه، ولو كان فيها معاوضة وتمليك لكان تصرفه في ملك شريكه بحكم الملك المشترك بينهما، كما أن الشركة عندهم عقد جائز، وليس عقدًا لازمًا.
والمتأمل في مذهب الشافعية، وإن اشترطوا بعض الشروط التي لم يشترطها الجمهور إلا أن الشركة عندهم لا تدخل في باب المعاوضات.
ذلك أن الشافعية يشترطون خلط المالين خلطًا لا يمكن تمييزهما قبل عقد الشركة، ليكون الملك مشاعًا بين الشريكين، ثم يتم عقد الشركة، والذي بموجبه يكون الإذن في التصرف، وهذا الإذن لا يعتبر بحد ذاته معاوضة.
قال النووي في الروضة: «وينبغي أن يتقدم الخلط على العقد، فإن تأخر حكى في التتمة وجهين، أصحهما المنع؛ إذ لا اشتراك حال العقد ..... ولو ورثوا عروضًا، أو اشتروها، فقد ملكوها شائعة، وذلك أبلغ من الخلط، فإذا انضم إليه الإذن في التصرف تم العقد» (١).
وعليه فالشركة عند الشافعية هي ملك مشاع يسبق العقد، وذلك يحصل باختلاط المالين حتى لا يمكن تمييزهما، فإن أمكن التمييز فلا تصح الشركة، يتبعه بعد ذلك إذن بالتصرف، والإذن بالبيع لا يعتبر بيعًا، وإنما هو وكالة بالبيع. كما أنهم يتفقون مع الحنفية بأن عقد الشركة عقد جائز، وليس عقدًا لازمًا؛ لأن مبناه على الوكالة، والوكالة من العقود الجائزة.
ويرى ابن تيمية أن الشركات ليست من عقود المعاوضات.
стр. 6564
يقول ابن تيمية: «التصرفات العدلية في الأرض جنسان: معاوضات ومشاركات فالمعاوضات كالبيع والإجارة والمشاركات شركة الأملاك وشركة العقد» (١).
ويقول أيضًا: «ولما كان المحرم نوعين: نوعًا لعينه، ونوعًا لكسبه، فالكسب الذي هو معاملة الناس نوعان: معاوضة، ومشاركة. فالمبايعة والمؤاجرة ونحو ذلك هي المعاوضة. وأما المشاركة فمثل مشاركة العنان وغيرها من المشاركات» (٢).
واختار هذا الرأي من المعاصرين الأستاذ مصطفى الزرقاء، قال الأستاذ: «وأما عقود الإعارة والوكالة والشركة ونحوها فإنها خالية خلوًا تامًا من معنى المعاوضة، فتعتبر عقود أمانة، ويكون مال الموكل في يد وكيله، ومال القاصر في يد وصيه، ومال الشريك في يد شريكه، والعارية في يد مستعيرها كل ذلك أمانة محضة غير مضمونة بمقتضى العقد كالوديعة» (٣).
ويرى الأستاذ أن هذا القول هو مذهب الحنفية، محتجًا بنص في الهداية: «ويده ـ يعني الشريك ـ في المال يد أمانة؛ لأنه قبض المال بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة، فصار كالوديعة» (٤).
فقوله: (لا على وجه البدل) نفي للمعاوضة.
ويرى الشيخ الزرقاء أن الفرق بين عقود المعاوضات وعقود الأمانات يدور على الضمان.
стр. 6565
يقول الشيخ الزرقاء: «والمبدأ الشرعي الذي يقوم على أساسه التمييز بين عقود الضمانات وعقود الأمانات بحسب ما يوحي به استقراء الأحكام، واستنطاق عللها الفقهية في شتى المناسبات، وهو أن فكرة الضمان في العقد تدور مع معنى المعاوضة ولو نهاية ومآلًا، وحينئذ يكون العقد عقد ضمان في الناحية التي تتعلق بها المعاوضة» (١).
وقد يناقش هذا القول:
بأن يقال: لا مانع من كون الشركة من عقود المعاوضة، وكون المال في يد الشريك أمانة، فعقد الشركة نقل ملك جميع المال إلى جميع الشركاء، وقبل الشركة لم يكن يملك الشريك إلا سهمه فقط، ونقل الملك إنما انعقد لطلب النماء والربح، وهذا هو الغرض من عقود المعاوضات، ألا ترى أن الإجارة من عقود المعاوضة، تبذل فيها المنفعة في مقابل المال، وهذا متفق عليه، والعين في يد المستأجر أمانة لا يضمنها إلا بالتعدي والتفريط، والله أعلم.
وقد يجاب عن ذلك:
بأن يقال: إن المعاوضة على المنفعة، وليست على العين، فانفكت.
القول الثاني:
ذهب المالكية بأن عقد الشركة عقد لازم متضمن معنى البيع، ولذلك اشترطوا إذا كان رأس مال الشركة من الأثمان أن يكون مال الشركة من جنس واحد، ويمنعون أن يكون نصيب أحد الشريكين من الدراهم والآخر من الدنانير؛ لأن هذا يعني عندهم اجتماع الشركة والصرف، وهو ممنوع عندهم، إلا أن المالكية لم يعطوه حكم الصرف من كل وجه، فهم في الصرف يشترطون
стр. 6566
الفورية، فلو تأخر القبض، ولو في مجلس العقد بطل الصرف، ومع ذلك فهم في عقد الشركة لم يشترطوا الفورية، بل صححوا عقد الشركة إذا غاب نقد أحدهما اليوم واليومين، بشرط أن يحضر الشريك الآخر نقده، حتى يخرجوا من باب بيع الدين بالدين.
قال القرافي في الذخيرة: «فعقد الشركة في المال بيع، يبيع كل واحد منهما نصف متاعه بنصف متاع صاحبه، لكنه بيع لا مناجزة فيه؛ لبقاء يد كل واحد منهما على ماله بسبب الشركة» (١).
وقد ذهب ابن رشد إلى أن عقد الشركة يصح أن يقع على جهة المعاوضة، وعلى جهة الرفق والإحسان.
يقول ابن رشد: «العقود تنقسم إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة، وقسم يكون بغير معاوضة كالهبات والصدقات.
والذي يكون بمعاوضة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: يختص بقصد المغابنة والمكايسة: وهي البيوع والإجارات والمهور والصلح، والمال المضمون بالتعدي وغيره.
والقسم الثاني: لا يختص بقصد المغابنة، وإنما يكون على جهة الرفق، وهو القرض.
والقسم الثالث: هو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعًا. أعني على قصد المغابنة، وعلى قصد الرفق كالشركة، والإقالة، والتولية» (٢).
стр. 6567
وجه من يرى أن الشركة فيها معنى المعاوضة:
أن الشركة بالنظر إلى تبادل الحقوق، فالشريك يدفع حصة من مال الشركة ليأخذ بعد ذلك مقابلًا لما أعطى، بأن يكون له نصيب في أرباح الشركة.
وبناء على ما تقدم نستطيع أن نقول: إن المالكية وحدهم هم الذين ذهبوا إلى أن عقد الشركة من عقود المعاوضات، وضمنوا الشركة معنى البيع، وقالوا بلزوم عقد الشركة قياسًا على سائر المعاوضات، وقد أدخلنا الشركة في عقود المعاوضات بناء على مذهب المالكية، وإن كان قول الجمهور أقوى؛ لأنه لا معاوضة في الحقيقة بين الشريكين، وإنما المعاوضة تقوم بين الشركاء وبين سائر الناس ممن يتعاملون مع الشركة بيعًا وشراء، ونحوهما، والله أعلم.
стр. 6568
الباب الأول
في أركان الشركة
[م-١٢٧٨] الشركة على سبيل العموم كغيرها من العقود يستوجب أركانًا، والركن: هو ما تقوم عليه الماهية، وبعدمه تنعدم الشركة.
وقد اختلف الحنفية مع الجمهور في تحديد الأركان:
فالحنفية يرون أن الشركة كسائر العقود ليس لها إلا ركن واحد: وهو الصيغة: الإيجاب والقبول (١).
وذهب الجمهور إلى أن أركان الشركة ثلاثة على سبيل الإجمال:
الصيغة: الإيجاب والقبول.
والعاقدان: ويتكونان من اثنين فأكثر.
والمعقود عليه: وهو المال بالاتفاق، والعمل على خلاف بينهم (٢).
فبعضهم يجعل العمل ركنًا داخلًا في المعقود عليه كبعض المالكية (٣).
стр. 6569
وأما الشافعية فتارة يعدونه ركنًا خامسًا (١)، وتارة يرون العمل خارجًا عن الأركان، وإنما يترتب على الشركة بعد وجودها، وما وجد بعد قيام الشركة فجعله من الأركان فيه نظر (٢).
وسبب الاختلاف:
أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته.
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (٣).
* * *
стр. 6570
الفصل الأول
في شروط الشركة العامة المتعلقة بالصيغة
ذكر ابن تيمية: أن العقد ينعقد بما عده الناس انعقادًا فيه، من لفظ، أو فعل (١).
وقال القرافي: مقصود الشرع الرضا، فأي دال على مقصود الشرع اعتبر (٢).
[م-١٢٧٩] يشترط في الصيغة: أن تشتمل على ما يفيد الشركة عرفًا، والإذن بالتصرف لمن يتصرف من الشريكين بالبيع والشراء ونحوهما.
جاء في الفواكه الدواني: «وأما الصيغة فهي كل ما دل عليها عرفًا من قول كاشتركنا، أو فعل كخلط المالين في شركة الأموال» (٣).
جاء في الشرح الكبير: «ولزمت ـ أي الشركة ـ بما يدل عليها عرفًا كاشتركنا .... أو يقوله أحدهما، ويسكت الآخر راضيًا به، أو شاركني، ويرضى الآخر، ولا يحتاج لزيادة على القول المشهور» (٤).
وقد ذكرت في الباب الثالث من عقد البيع أحكام الصيغة (الإيجاب والقبول)، من ذلك:
الخلاف في تحديد الإيجاب والقبول.
وانقسام الإيجاب والقبول: إلى صريح وكناية، وقولية وفعلية، وأحكامهما.
стр. 6571
وتكلمت عن الصيغة القولية للإيجاب والقبول في صيغة الماضي، والمضارع، والأمر، وفي صيغة الإيجاب والقبول بالجملة الاسمية، وفي القبول بكلمة (نعم).
وتكلمت عن الصيغة الفعلية كالإيجاب والقبول بالمعاطاة، والخلاف الفقهي في اعتبارها، وفي الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة، والكتابة، وعن صيغ الإيجاب والقبول بوسائل الاتصال الحديثة، وفي صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد، وفي الإيجاب والقبول الصوري كبيع التلجئة، وفي الهزل في البيع.
وتعرضت لشروط الإيجاب والقبول، ولرجوع الموجب، وهل يشترط تقدم الإيجاب على القبول، وفي مبطلات الإيجاب.
وبينت مواضع الاتفاق ومواضع الخلاف في كل هذه المسائل، مع بيان الراجح فيها، وما بينته في عقد البيع يجري على عقد الشركة، وذكره هناك يغني عن تكراره هنا، والحمد لله وحده.
стр. 6572
المبحث الأول
في انعقاد الشركة بالمعاطاة
الأصل في العقود من المعاملات المالية أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها، من قول، أو فعل (١).
وجاء في الموسوعة الكويتية: تقوم دلالة الفعل مقام دلالة اللفظ (٢).
[م-١٢٨٠] علمنا أن الإيجاب والقبول عن طريق اللفظ ركن متفق عليه لدى الفقهاء، فتنعقد الشركة بكل لفظ يدل عرفًا على إرادة الشركة، واختلفوا في انعقاد الشركة بالمعاطاة، دون اللفظ.
مثاله: لو أن شخصا ما أخرج جميع ما يملك من نقد وقال لآخر: أخرج مثل هذا واشتر وما رزق الله من ربح فهو بيننا على التساوي، فلم يتكلم الآخر، وإنما قام بخلط المالين، وأخذ وأعطى، وفعل كما أشار صاحبه، فهل يعتبر هذا الفعل بمنزلة القبول، وتنعقد به الشركة، أم لا بد من اللفظ؟
اختلف الفقهاء في ذلك، والخلاف فيه راجع إلى الخلاف في العقد على سبيل العموم، هل ينعقد بالمعاطاة، أو يحتاج الانعقاد فيه إلى اللفظ:
فقيل: العقود تنعقد بالمعاطاة مطلقًا، وهو مذهب الجمهور (٣).
стр. 6573
وقيل: لا تنعقد مطلقًا، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
وقيل: تنعقد في الخسيس دون النفيس، وهو اختيار الكرخي من الحنفية، والقاضي أبي يعلى وابن الجوزي من الحنابلة (٢).
وسبق ذكر الأدلة في هذه المسألة في مسألة انعقاد البيع بالمعاطاة، وقد ذكرنا حجج كل قول، ورجحنا القول بالجواز مطلقًا، وأجبنا عن أدلة المخالفين بما يغني عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 6574
المبحث الثاني
في تعليق انعقاد الشركة
قال ابن القيم: تعليق العقود، والفسوخ، والتبرعات، والالتزامات، وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف (١).
وقال السعدي: التعليق للعقود كلها بالشروط المعلومة غير المجهولة جائز لا محذور فيه (٢).
العقد المنجز: هو الذي خلت صيغة العقد فيه عن التعليق أو الإضافة.
ومثال التعليق: أن يقول: شاركتك إن قدم زيد من السفر.
والمقصود بالإضافة: إضافة العقد إلى زمن مستقبل، كأن يقول: شاركتك إذا دخل شهر رمضان، أو شاركتك من بداية السنة الجديدة.
والعقد المعلق: قيل في تعريفه: هو ربط حصول مضمون جملة، بحصول مضمون جملة أخرى، بأداة من أدوات الشرط (٣).
مثاله: أن يعلق أحد المتعاقدين الشركة على رضا أبيه، أو موافقة زيد من الناس، أو على قدومه.
فالتعليق مانع للانعقاد ما لم يحصل الشرط.
стр. 6575
والأصل في عقد التمليك أن يكون العقد منجزًا كغيره من العقود، فإذا لم يوجد ما يصرف الصيغة عن التنجيز، فإن الشركة تبدأ من وقت العقد، أو من وقت خلط المالين، على خلاف سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى.
[م-١٢٨١] وإذا كانت صيغة عقد الشركة معلقة، أو مضافة، فهل تنعقد الشركة؟
لم أقف على نص صريح عن الأئمة في حكم تعليق عقد الشركة.
وعقد الشركة إذا نظرت إليه على أنه قائم على جواز التوكل والتوكيل، فقد اختلف الفقهاء في جواز عقد الوكالة، كما لو قال: إذا قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذه السلعة، أو أضاف عقد الوكالة إلى وقت، بأن قال: وكلتك في بيع هذه السلعة غدًا، فقد اختلف الفقهاء في جواز التعليق فيها على قولين:
القول الأول:
ذهب الجمهور، وهو قول في مذهب الشافعية إلى جواز التعليق في عقد الوكالة (١).
وتعليلهم في ذلك:
قال ابن القيم: «تعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف» (٢)، ثم ساق أدلته المختلفة على صحة التعليق في أمور شتى.
стр. 6576
ولأن عقد الشركة إذن في التصرف، فجاز تعليقه على شرط مستقبل كالوصية.
القول الثاني:
ذهب الشافعية في المشهور إلى أنه لا يجوز تعليق عقد الوكالة (١).
وحجتهم في ذلك:
أن العقود لا تنعقد إلا مع الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق.
ولأنه عقد تؤثر الجهالة في إبطاله، فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والإجارة.
والراجح القول الأول، وقد سبق لنا الكلام على تعليق العقد في البيع والإجارة، ورجحت صحة تعليق العقود فيهما، فإذا صح ذلك في عقود التمليكات صح من باب أولى في عقود المشاركات، والله أعلم.
* * *
стр. 6577
الفصل الثاني
في شروط الشركة العامة المتعلقة بالعاقد
المبحث الأول
في اشتراط توفر الأهلية في العاقدين
قال الحنفية: الشركة تتضمن معنى الوكالة (١).
وقال الكسائي: ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة (٢).
[م-١٢٨٢] يشترط في العاقدين توفر الأهلية، والأهلية في الشركاء: هو صلاحية كل منهما للتوكل والتوكيل من أجل صحة التصرف، وهذا يعني أن يكون الشريك عاقلًا حرًا رشيدًا، وهذا بالاتفاق (٣).
وذلك أن عقد الشركة مبني على الوكالة، فالشريك وكيل في نصيب شريكه، وموكل لشريكه فيما هو فيه أصيل.
وهذا الشرط موضع وفاق في الجملة حيث يكون العمل لكلا الشريكين (٤).
وإذا كان العمل لأحد الشريكين: فالشرط أن يكون أهلية الآذن للتوكيل، وأهلية المأذون للتوكل.
ومن هنا اختلفوا في اشتراط الإبصار والبلوغ، والإسلام.
стр. 6578
فالشافعية مثلًا يصححون أن يكون الأعمى موكلًا، ولا يصححون أن يكون وكيلًا خلافًا للجمهور (١). هذا في اشتراط الإبصار.
وفي اشتراط البلوغ: صحح الحنفية للصبي المميز ـ ولو بغير إذن وليه ـ أن يكون وكيلًا في شركة العنان، ولا يرونه أهلًا أن يكون موكلًا إلا أن يأذن له وليه، ولا تصح منه شركة المفاوضة مطلقًا؛ لأنه يشترط لها أن يكون من أهل الكفالة، والصبي ليس من أهل الكفالة (٢).
والحنابلة يجيزون ذلك بشرط إذن الولي (٣).
وأما الشافعية فلا يجيزون أن يكون الصبي وكيلًا، ولا موكلًا مطلقًا، أذن الولي، أو لم يأذن (٤).
стр. 6579
وقد تكلمت عن عقد الصبي بالتفصيل في عقد البيع فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وأما اشتراط الإسلام فقد عقدت له فصلًا مستقلًا؛ لأنه لم يسبق بحثه في عقد البيع، والله الموفق.
* * *
стр. 6580
الفرع الأول
في اشتراط إسلام الشريك
قال الكاساني: ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة (١).
وغير المسلم أهل للتوكيل.
[م-١٢٨٣] اختلف الفقهاء في اعتبار الإسلام شرطًا في الأهلية المعتبرة للشركة:
فقيل: تجوز مشاركة غير المسلم بشروط، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وجماعة من السلف (٢)،
على اختلاف بينهم في شروط الجواز (٣).
стр. 6581
لأن المنع من أجل التهمة، وهذا لا يفسد الشركة.
دليل من قال: تجوز بشروط:
الدليل الأول:
(ح-٨٩٠) ما رواه البخاري في صحيحه بسنده،
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها (١).
وجه الاستدلال:
إذا صح أن تكون الثمرة مشتركة في عقدي المساقاة والمزارعة بين الرسول ﷺ وبين اليهود، صحت مشاركة المسلم لغيره في سائر عقود المشاركات.
الدليل الثاني:
تعامل الرسول ﷺ مع اليهود بيعًا وشراء، وإذا صحت معاملتهم فالشركة نوع من المعاملة.
(ح-٨٩١) فقد روى البخاري من طريق الأسود،
عن عائشة ﵂، قالت: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير (٢).
(ح-٨٩٢) وأكل الرسول ﷺ من طعام أهل الكتاب. والحديث في الصحيحين (٣)، ولا يأكل الرسول ﷺ إلا طيبًا.
стр. 6582
الدليل الثالث:
الشركة تقوم على الوكالة كما في شركة العنان، أو على الوكالة والكفالة كما في شركة المفاوضة، وغير المسلم أهل للوكالة والكفالة، فتصح شركته.
القول الثاني:
قالوا: تكره مشاركة المسلم لغيره، وهو مذهب الشافعية، واختاره بعض المالكية، واختار الحنابلة الكراهة في مشاركة المجوسي والوثني دون الكتابي (١).
جاء في شرح منتهى الإرادات: «وتكره مشاركة مسلم مع كافر مجوسي نصًا؛ لأنه لا يأمن معاملته بالربا، وبيع الخمر ونحوه، ولا تكره الشركة مع كتابي لا يلي التصرف، بل يليه المسلم» (٢).
دليل من قال: بالكراهة:
(ث-١٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم،
عن أبي حمزة، قال: قلت لابن عباس: إن رجلًا جلابًا يجلب الغنم، وإنه ليشارك اليهودي والنصراني. قال: لا يشارك يهوديًا، ولا نصرانيًا، ولا مجوسيًا. قال: قلت: لم؟ قال: لأنهم يربون، والربا لا يحل (٣).
[حسن إن شاء الله] (٤).
стр. 6583
وإذا كان النهي من أجل مخافة الوقوع في الربا فإن هذا يمكن أن يتقيه الشريك المسلم بأن يكون المال في يده، أو تكون الشركة معقودة على سلع معينة مباحة.
وبناء على ما تقدم نرى أن العلماء قاطبة لم يعتبروا مشاركة الكافر من الموالاة المحرمة، وأكثرهم على الجواز بلا كراهة إذا كان المسلم هو الذي يلي العمل، أو كان المال حاضرًا بين الشريكين لا يغاب في يد الكافر (١).
ومن كره هذه المعاملة علل ذلك بالخوف في الوقوع في الكسب المحرم؛ لأن الكافر لا يتقي الكسب المحرم كالربا، ولذلك لو كان هذا الأمر مأمونًا لم يكن هناك حاجة إلى اشترط مثل هذا الشرط، والله أعلم.
* * *
стр. 6584
الفرع الثاني
في عقد الشركة على الأعيان المباحة قبل تملكها
قال الكاساني: ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة، وما لا تجوز فيه الوكالة لا تجوز فيه الشركة (١).
المباح قبل حيازته لا مالك له، ولا يجوز بيعه (٢).
قال السرخسي: المباح إنما يملك بالإحراز (٣).
قال ابن قدامة: العمل أحد جهتي المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال (٤).
[م-١٢٨٤] سبق لنا أنه يشترط في العاقد أن يكون أهلًا للتوكل والتوكيل، وهذا يعني أنه لا بد للمعقود عليه أن يكون قابلًا للوكالة؛ ليكون تصرف كل شريك في نصيب شريكه صحيحًا.
وقد اختلف الفقهاء في عقد الشركة على الأشياء المباحة كالاحتطاب، والاحتشاش على قولين.
القول الأول:
أن الاشتراك بالأعمال المباحة كالصيد والحطب، والحشيش شركة فاسدة وهذا مذهب الحنفية (٥).
стр. 6585
القول الثاني:
الاشتراك على ذلك شركة صحيحة، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة (١).
وأما الشافعية فقد منعوا شركة الأبدان مطلقًا كما سيأتي عند الكلام على شركة الأعمال (الأبدان) (٢).
وسبب الخلاف بين الحنفية وبين المالكية والحنابلة:
هو في صحة التوكيل في تملك المباحات، فالشركة بالاتفاق تبع للوكالة، والوكالة في تملك المباح فيه نزاع: فالحنفية يرون أن المباح قبل حيازته لا مالك له، ومن شروط الوكالة أن يكون الموكل له ملك أو ولاية فيما وكل به، ولا ملك ولا ولاية في الأمور المباحة قبل حيازتها، ويكون ملك الحطب لمن حازه.
وأما المالكية والحنابلة فنظروا في الجواز إلى أن هذا اشتراك في اقتسام ثمرة العمل، فإذا جاز الاشتراك في اقتسام ما عملاه بأيديهما من خياطة، أو صناعة، فكذلك الاشتراك في الاحتطاب والاحتشاش، فإنه من عمل أيديهما.
ولأن العمل أحد جهتي المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال، فالعقد في الشركة موجه إلى ما ينتجه العمل في الأمور المباحة، لا في مباح خال من العمل والإحراز.
ولأن الشخص يصح له أن يستنيب في تحصيل المباحات بأجر، فكذلك يصح توكيل كل واحد منهما صاحبه بنصف ما يكتسبه الآخر.