← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

لأن المنع من أجل التهمة، وهذا لا يفسد الشركة. دليل من قال: تجوز بشروط: الدليل الأول: (ح-٨٩٠) ما رواه البخاري في صحيحه بسنده، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها (١). وجه الاستدلال: إذا صح أن تكون الثمرة مشتركة في عقدي المساقاة والمزارعة بين الرسول ﷺ وبين اليهود، صحت مشاركة المسلم لغيره في سائر عقود المشاركات. الدليل الثاني: تعامل الرسول ﷺ مع اليهود بيعًا وشراء، وإذا صحت معاملتهم فالشركة نوع من المعاملة. (ح-٨٩١) فقد روى البخاري من طريق الأسود، عن عائشة ﵂، قالت: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير (٢). (ح-٨٩٢) وأكل الرسول ﷺ من طعام أهل الكتاب. والحديث في الصحيحين (٣)، ولا يأكل الرسول ﷺ إلا طيبًا.

стр. 6582

الدليل الثالث: الشركة تقوم على الوكالة كما في شركة العنان، أو على الوكالة والكفالة كما في شركة المفاوضة، وغير المسلم أهل للوكالة والكفالة، فتصح شركته. القول الثاني: قالوا: تكره مشاركة المسلم لغيره، وهو مذهب الشافعية، واختاره بعض المالكية، واختار الحنابلة الكراهة في مشاركة المجوسي والوثني دون الكتابي (١). جاء في شرح منتهى الإرادات: «وتكره مشاركة مسلم مع كافر مجوسي نصًا؛ لأنه لا يأمن معاملته بالربا، وبيع الخمر ونحوه، ولا تكره الشركة مع كتابي لا يلي التصرف، بل يليه المسلم» (٢). دليل من قال: بالكراهة: (ث-١٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن أبي حمزة، قال: قلت لابن عباس: إن رجلًا جلابًا يجلب الغنم، وإنه ليشارك اليهودي والنصراني. قال: لا يشارك يهوديًا، ولا نصرانيًا، ولا مجوسيًا. قال: قلت: لم؟ قال: لأنهم يربون، والربا لا يحل (٣). [حسن إن شاء الله] (٤).

стр. 6583

وإذا كان النهي من أجل مخافة الوقوع في الربا فإن هذا يمكن أن يتقيه الشريك المسلم بأن يكون المال في يده، أو تكون الشركة معقودة على سلع معينة مباحة. وبناء على ما تقدم نرى أن العلماء قاطبة لم يعتبروا مشاركة الكافر من الموالاة المحرمة، وأكثرهم على الجواز بلا كراهة إذا كان المسلم هو الذي يلي العمل، أو كان المال حاضرًا بين الشريكين لا يغاب في يد الكافر (١). ومن كره هذه المعاملة علل ذلك بالخوف في الوقوع في الكسب المحرم؛ لأن الكافر لا يتقي الكسب المحرم كالربا، ولذلك لو كان هذا الأمر مأمونًا لم يكن هناك حاجة إلى اشترط مثل هذا الشرط، والله أعلم. * * *

стр. 6584

الفرع الثاني في عقد الشركة على الأعيان المباحة قبل تملكها قال الكاساني: ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة، وما لا تجوز فيه الوكالة لا تجوز فيه الشركة (١). المباح قبل حيازته لا مالك له، ولا يجوز بيعه (٢). قال السرخسي: المباح إنما يملك بالإحراز (٣). قال ابن قدامة: العمل أحد جهتي المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال (٤). [م-١٢٨٤] سبق لنا أنه يشترط في العاقد أن يكون أهلًا للتوكل والتوكيل، وهذا يعني أنه لا بد للمعقود عليه أن يكون قابلًا للوكالة؛ ليكون تصرف كل شريك في نصيب شريكه صحيحًا. وقد اختلف الفقهاء في عقد الشركة على الأشياء المباحة كالاحتطاب، والاحتشاش على قولين. القول الأول: أن الاشتراك بالأعمال المباحة كالصيد والحطب، والحشيش شركة فاسدة وهذا مذهب الحنفية (٥).

стр. 6585

القول الثاني: الاشتراك على ذلك شركة صحيحة، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة (١). وأما الشافعية فقد منعوا شركة الأبدان مطلقًا كما سيأتي عند الكلام على شركة الأعمال (الأبدان) (٢). وسبب الخلاف بين الحنفية وبين المالكية والحنابلة: هو في صحة التوكيل في تملك المباحات، فالشركة بالاتفاق تبع للوكالة، والوكالة في تملك المباح فيه نزاع: فالحنفية يرون أن المباح قبل حيازته لا مالك له، ومن شروط الوكالة أن يكون الموكل له ملك أو ولاية فيما وكل به، ولا ملك ولا ولاية في الأمور المباحة قبل حيازتها، ويكون ملك الحطب لمن حازه. وأما المالكية والحنابلة فنظروا في الجواز إلى أن هذا اشتراك في اقتسام ثمرة العمل، فإذا جاز الاشتراك في اقتسام ما عملاه بأيديهما من خياطة، أو صناعة، فكذلك الاشتراك في الاحتطاب والاحتشاش، فإنه من عمل أيديهما. ولأن العمل أحد جهتي المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال، فالعقد في الشركة موجه إلى ما ينتجه العمل في الأمور المباحة، لا في مباح خال من العمل والإحراز. ولأن الشخص يصح له أن يستنيب في تحصيل المباحات بأجر، فكذلك يصح توكيل كل واحد منهما صاحبه بنصف ما يكتسبه الآخر.

стр. 6586

جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن اشتركا على أن يحتطبا على دوابهما أو على غلمانهما أو يحتشا عليهم أو يلقطا الحب أو الثمار أو يحملاه على الدواب فيبيعان ذلك أتجوز هذه الشركة في قول مالك أم لا؟ قال: إذا كانا جميعا يعملان في عمل واحد لا يفترقان فذلك جائز. وهذا بمنزلة لو عملا بأيديهما في شيء واحد» (١). (ث-١٦١) ويستدل الحنابلة على الجواز بما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة. عن عبد الله قال: اشتركنا يوم بدر أنا وعمار وسعد فيما أصبنا يوم بدر، فأما أنا وعمار فلم نجئ بشيء، وجاء سعد بأسيرين (٢). [أعله بعضهم بالانقطاع، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل] (٣). وقد اعترض على هذا الحديث: بأنه كيف ينفرد أحد من الجند بما يصيب من الغنائم قبل قسمة الغنائم بين الجند. وأجاب الحنابلة: بأن هذا كان يوم بدر، وقبل نزول التشريع في قسمة الغنائم. وأما خلاف الشافعية مع الجمهور في رفض شركة الأعمال مطلقًا فسوف نتعرض له بشيء من التفصيل عند الكلام على شركة الأعمال (الأبدان) والله أعلم. * * *

стр. 6587

الباب الثاني في شركة الأموال الفصل الأول في شركة العنان المبحث الأول في شركة العنان وبيان خصائصها تعريف العنان اصطلاحًا (١): إذا بحثنا قبل تعريف شركة العنان عن سبب تسمية هذا النوع بهذا الاسم وجدناه يدور على ثلاثة معان: المعنى الأول: أنها إنما سميت بهذا الاسم لتساوي الشريكين في ولاية التصرف والفسخ،

стр. 6588

واستحقاق الربح بقدر المالين، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، كاستواء طرفي العنان (١). المعنى الثاني: أن التسمية مأخوذ من منع العنان الدابة، فكون الشريك ممنوعًا من التصرف إلا بإذن شريكه، ومعرفته، فكأنه أخذ بعنانه: أي بناصيته أن لا يفعل فعلًا إلا بإذنه (٢). المعنى الثالث: أن شركة العنان مأخوذة من عَنَّ الشيء إذا عرض، لأن كلًا منهما عَنَّ له أن يشارك صاحبه. قال الماوردي: «واختلف الناس لمَ سميت شركة العنان. قال قوم: لأنهما قد استويا في المال مأخوذًا من استواء عنان الفرسين إذا تسابقا. وقال آخرون: إنما سميت شركة العنان؛ لأن كل واحد منهما قد جعل لصاحبه أن يتجر فيما عَنَّ له: أي عرض. وقال آخرون: إنما سميت بذلك؛ لأن كل واحد منهما يملك التصرف في جميع المال كما يملك عنان فرسه، فيصرفه كيف يشاء» (٣). إذا عرفنا سبب التسمية فقد اختلف الفقهاء في تعريف شركة العنان اصطلاحًا نظرًا لاختلافهم في تقسيم الشركات.

стр. 6589

تعريف الحنفية لشركة العنان: عرفها بعض الحنفية: أن يشترك اثنان في نوع بر، أو طعام، أو يشتركا في عموم التجارات، ولا يذكرا الكفالة» (١). خصائص شركة العنان عند الحنفية: الأول: أنها عقد قائم على الوكالة دون الكفالة (الضمان)، كما هو واضح من التعريف. وهذا يعني: أن الشركة تنعقد ممن ليس بأهل للكفالة بأن كان أحدهما صبيًا مأذونًا له في التجارة، أو كلاهما (٢). كما يعني ذلك أيضًا أن تكون الشركة مطلقة عن التقييد بوقت، ويجوز أن تكون مقيدة بوقت معين؛ لأن الوكالة يجوز فيها أن تكون مطلقة، ومقيدة، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (٣). الثاني: أنها تقبل أن تكون في عموم التجارات، أو في نوع خاص منها بحسب الاشتراط قياسًا على الوكالة، فإنها تصح أن تكون عامة، ويجوز أن تكون خاصة (٤). جاء في البحر الرائق نقلًا عن البزازية: «شركة العنان عامة، بأن يشتركا في أنواع التجارات كلها، وخاصة، وهو أن يشتركا في شيء واحد كالثياب والرقيق» (٥).

стр. 6590

الثالث: يجوز أن يشترط العمل عليهما ... ويجوز أن يشترطا العمل على أحدهما دون الآخر (١). الرابع: تصح الشركة مع التساوي في المال والربح، ومع التفاضل فيهما خلافًا لزفر القائل: إن الربح يجب أن يكون على قدر رأس المال (٢). وتتفق شركة العنان عند الحنابلة في خصائصها مع تعريف الحنفية، لهذا أحببت أن أقدم تعريف الحنابلة لشركة العنان على تعريف المالكية والشافعية. تعريف الحنابلة: قال في الإقناع: «شركة العنان: بأن يشترك اثنان فأكثر بماليهما، ليعملا فيه ببدنيهما وربحه بينهما، أو يعمل أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح ماله» (٣). فالشركة عند الحنابلة تتفق مع الحنفية في أغلب خصائصها، فهي تقوم على الوكالة، وتقبل أن تكون في عموم التجارات، أو في نوع خاص منها، ويجوز أن يكون العمل منهما، أو من أحدهما، وتصح الشركة مع التساوي في المال والربح ومع التفاضل فيهما، ويختلفون مع الحنفية أن الحنفية لا يدخلون الضمان في شركة العنان خلافًا للحنابلة، والله أعلم. تعريف المالكية لشركة العنان: هناك ثلاثة تعاريف للمالكية لشركة العنان:

стр. 6591

التعريف الأول: وهو ما عليه أكثر المالكية كالقاضي عبد الوهاب البغدادي، والقرافي وابن عبد السلام وابن حاجب وابن شاس، ومشى عليه خليل في مختصره، واعتمده شراح مختصر خليل: أن شركة العنان: أن يجعل كل واحد من الشريكين مالًا، ثم يخلطاه، أو يجعلاه في صندوق واحد، ويتجرا به معًا، ولا يستبد أحدهما بالتصرف دون الآخر (١). فأكثر المالكية على أن خصائص شركة العنان هي خصائص شركة المفاوضة إلا في شيء واحد، وهو تقييد التصرف. ولذا قال ابن عبد السلام: «إن كلًا من الشريكين يجوز تصرفه في مال شريكه في حضرته، ومع غيبته، فلو شرطا أنه لا يتصرف واحد منهما إلا بحضرة صاحبه وموافقته عليه .... لزم الشرط، وتسمى شركة عنان» (٢). فيكفي في تسمية الشركة بشركة العنان وجود هذا الشرط في عقد الشركة، سواء كانت الشركة في نوع من المال، أو في أنواع منه. وفي شرح ميارة: «الثالثة شركة العنان، وفسرها ابن الحاجب، وابن شاس، بأن يشترط كل منهما نفي الاستبداد: أن لا يفعل أحدهما شيئًا حتى يشاركه فيها الآخر» (٣). وقال الخرشي: «شركة العنان .... مأخوذة من عنان الدابة، أي كل واحد من

стр. 6592

الشريكين شرط على صاحبه أن لا يستبد بفعل شيء في الشركة إلا بإذن شريكه، ومعرفته، فكأنه أخذ بعنانه: أي بناصيته أن لا يفعل فعلًا إلا بإذنه» (١). وقال القرافي: «وإنما تجوز شركة العنان بأربعة شروط: الأول: استواء المالين في الجنس والصفة. الثاني: خلطها. الثالث: إذن كل واحد في التصرف. الرابع: اتفاقهما على أن الربح والخسران على قدر المال» (٢). وبناء على هذا تكون خصائص شركة العنان عند أكثر المالكية هي: الأول: استواء المالين في الجنس والصفة. الثاني: لا بد من خلط المالين حقيقة، أو حكمًا. الثالث: أن الشريك لا يستقل بالتصرف، فلا بد من إذن الشريك فرقًا بينها وبين شركة المفاوضة، قال ابن عبد البر: «وإذا اشتركا شركة عنان في سلعة موصوفة، أو بعينها لم يكن لأحدهما بيعها بغير إذن صاحبه، وهذه شركة الأعيان في كل شيء معين معلوم يشتريانه» (٣). الرابع: أن يكون الربح والخسران على قدر رؤوس الأموال. وهذا ما عليه أكثر المالكية، وهو الذي سوف أعتمده في أحكام الشركات.

стр. 6593

التعريف الثاني: تعريف ابن رشد وابن القاسم: قال ابن رشد الجد في تعريف شركة العنان: «وأما شركة العنان فهي الشركة في شيء خاص، كأنه عَنَّ لهما أمر، أي عرض، فاشتركا فيه، فهي مأخوذة من قولهم عن الشيء يعن: إذا عرض» (١). فخصائص شركة العنان عند ابن رشد: أن الشركة تكون في نوع من المال خاص، وليس في كل الأموال، وسواء شرط فيها نفي الاستبداد، أو لم يشترط. «فكلام ابن رشد يدل على أنها الشركة الواقعة في شيء خاص، كالاشتراك في شراء مزرعة من البطيخ، أو الباذنجان، أو قطيع من المواشي، وإعادة بيعه، وتوزيع أرباحه على الشركاء، وبذلك ينتهي الاشتراك بينهما» (٢). وهو يتفق في المضمون مع رأي ابن القاسم، إلا أن ابن القاسم لا يعتمد التسمية باعتبارها غير معروفة في الحجاز. قال سحنون كما في المدونة: «قلت: هل كان مالك يعرف شركة عنان؟ قال - أي ابن القاسم - ما سمعته من مالك، ولا رأيت أحدًا من أهل الحجاز يعرفه. قال ابن القاسم: وما اشتركا فيه، إن كان في جميع الأشياء فقد تفاوضا، وإن كانا إنما اشتركا في أن يشتريا نوعًا واحدًا من التجارات، مثل الرقيق، والدواب، فقد تفاوضا في ذلك النوع. فأما العنان فلا يعرف، ولا نعرف من قول مالك إلا ما وصفت» (٣).

стр. 6594

التعريف الثالث للمالكية: وهناك قول ثالث في تعريف شركة العنان، وهي أن يشتركا في واحد كدابة أوثوب. فتحصل لنا ثلاثة تعريفات عند المالكية: جمعها الحطاب في مواهب الجليل بقوله: «لو شرط أنه لا يتصرف واحد منهما إلا بحضرة صاحبه وموافقته على ذلك، وهو معنى نفي الاستبداد لزم الشرط، وتسمى شركة عنان، وظاهر كلامه أنه يكفي في تسميتها بهذا الاسم حصول الشرط المذكور، سواء كانت في نوع من المتاجر أو لا. ومنهم من قال: هي الشركة في نوع مخصوص، سواء حصل ذلك الشرط أو لم يحصل. ومنهم من قال: هي الشركة في شيء بعينه، يعني كثوب واحد أو دابة واحدة» (١). تعريف الشافعية لشركة العنان: عرفها الماوردي بقوله: «شركة العنان هي: أن يخرج كل واحد منهما مالًا مثل مال صاحبه، ويخلطاه فلا يتميز ويأذن كل واحد منهما لصاحبه أن يتجر بالمال فيما رأى من صنوف الأمتعة على أن يكون الربح بينهما على قدر المالين، والخسران كذلك» (٢). خصائص شركة العنان عند الشافعية: الأول: أن يكون المال من الدراهم أو الدنانير، وقيل: تصح في كل مثلي.

стр. 6595

الثاني: أن يكونا من جنس واحد؛ ليمكن خلطهما. الثالث: أن يخلط أحدهما بالآخر بحيث لا يتميزا. الرابع: أن يكون الربح بقدر المالين، والخسارة كذلك (١). وبهذا نكون قد عرفنا شركة العنان وخصائصها عند كل مذهب من المذاهب الفقهية، والله أعلم. * * *

стр. 6596

المبحث الثاني في حكم شركة العنان [م-١٢٨٥] اتفق الفقهاء على جواز شركة العنان وإن اختلفوا في بعض الشروط. قال الكاساني في البدائع: «وأما الكلام في الشركة بالأموال: فأما العنان فجائز بإجماع فقهاء الأمصار، ولتعامل الناس ذلك في كل عصر من غير نكير» (١). وقال في التاج والإكليل: «من أقسام شركة الأموال شركة العنان .... وهذه الشركة جائزة بإجماع لجميع الناس، إذا اتفقوا عليها ورضوا بها» (٢). وقال القرافي: «وشركة العنان متفق على جوازها» (٣). وقال في مغني المحتاج: «وشركة العنان صحيحة بالإجماع» (٤). وقال ابن قدامة: «وهي جائزة بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وإنما اختلف في بعض شروطها» (٥). ومستند الإجماع أدلة كثيرة من الكتاب والسنة ذكرتها عند الكلام على حكم المشاركة على سبيل الإجمال، من ذلك:

стр. 6597

(ح-٨٩٣) ما رواه البخاري من طريق سليمان بن أبي مسلم، قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدًا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدًا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب، فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا النبي ﷺ عن ذلك، فقال: ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه (١). * * *

стр. 6598

الفصل الثاني في شركة المفاوضة المبحث الأول في تعريف شركة المفاوضة تعريف شركة المفاوضة اصطلاحًا (١): شركة المفاوضة هي القسم الثاني من شركة الأموال، فقد سبق لنا القسم الأول منها، وهي شركة العنان. وقد اختلف الفقهاء في تعريف شركة المفاوضة اصطلاحًا؛ لاختلافهم في بعض شروطها. تعريف الحنفية لشركة المفاوضة: جاء تعريف الحنفية لشركة المفاوضة بقولهم: «أن يشترك الرجلان، فيتساويا في مالهما، وتصرفهما، ودينهما» (٢).

стр. 6599

فالمفاوضة بناء على هذا التعريف لابد أن يتحقق فيها الشروط التالية: الشرط الأول: أن يتساويا في مالهما، والمراد بالمال ما تصح الشركة فيه، وهو الأثمان عند الحنفية (الدراهم والدنانير) ولا يعتبر التفاضل فيما لا تصح فيه الشركة، كالعروض، والديون، والعقار، حتى لو كان لأحدهما عروض أو ديون على الناس لا تبطل المفاوضة ما لم تقبض ا لديون (١). قال في فتح القدير: «وإن ورث أحدهما مالًا تصح فيه الشركة، أو وهب له، ووصل إلى يده بطلت المفاوضة، وصارت عنانًا؛ لفوات المساواة فيما يصلح رأس المال، إذ هي شرط ابتداء وبقاء، وهذا لأن الآخر لا يشاركه فيما أصابه؛ لانعدام المساواة في حقه، إلا أنها تنقلب عنانًا؛ لأن العنان لا يشترط فيها المساواة، وإن ورث أحدهما عرضًا فهو له، ولا تفسد المفاوضة، وكذا العقار؛ لأنه لا تصح فيه الشركة فلا تشترط المساواة فيه» (٢). وهذا الشرط انفرد به الحنفية، وهو شرط يصعب تحقيقه في الواقع، ويجعل قيام شركة المفاوضة بشروط الحنفية لا يكاد يوجد، وإن وجد لا يعمر طويلًا؛ لأن استمرار كل شريك على ما كان له من نقود عند تكوين الشركة، وعدم زيادتها بعد ذلك أمر يكاد يكون متعذرًا. الشرط الثاني: اشترط الحنفية أن يعقد الشركة بلفظ المفاوضة، فإن لم يذكر لفظها فلابد من

стр. 6600

ذكر تمام معناها، بأن يقول أحدهما للآخر، وهما حران بالغان مسلمان أو ذميان: شاركتك في جميع ما أملك من نقد، وقدر ما تملك على وجه التفويض العام من كل منا للآخر في التجارات، والنقد، والنسيئة، وعلى أن كلًا منا ضامن عن الآخر ما يلزمه من أمر كل بيع (١). وسوف نناقش هذا الشرط في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. الشرط الثالث: التساوي في التصرف، بأن يقدر كل واحد منهما على جميع ما يقدر عليه الآخر، وإلا فات معنى المساواة (٢). فلا تصح الشركة بين صبي وبالغ؛ حتى ولو كان الصبي مأذونًا له في التجارة؛ لأنه يجب أن يكون لكل واحد من الشريكين أهلية الكفالة، بأن يكون بالغًا حرًا عاقلًا، والصبي ليس أهلًا للكفالة. الشرط الرابع: التساوي في الدين، بأن تكون الشركة بين مسلمين، أو ذميين، فلا تصح الشركة بين مسلم وذمي، وهذا الشرط عند الحنفية راجع إلى الشرط السابق، وهو التساوي في التصرف؛ لأن التساوي في التصرف غير موجود بين المسلم والكافر؛ لأن الكافر إذا اشترى خمرًا أو خنزيرًا لا يقدر المسلم أن يبيعه وكالة من جهته، فيفوت شرط التساوي في التصرف خلافًا لأبي يوسف حيث أجازها مع الكراهة، وقد سبق بحث هذه المسألة في شركة العنان.

стр. 6601

الفرق بين شركة المفاوضة وشركة العنان عند الحنفية: يشترط التساوي في الأموال النقدية في شركة المفاوضة، ولا يشترط ذلك في العنان. ويشترط أن تكون المفاوضة في عموم التجارات، وأما العنان فلا يشترط ذلك. ويشترط التساوي في الربح في شركة المفاوضة، وأما العنان فيجوز أن يكون الربح حسب الاتفاق تساويا في رأس المال، أو تفاضلا. ويشترط التساوي في التصرف في شركة المفاوضة وذلك أن يكون في كل واحد من الشريكين أهلية الكفالة بأن يكون بالغًا حرًا عاقلًا، وأما العنان فلا يشترط ذلك، وإنما يشترط فيه أهلية التوكل والتوكيل. شركة المفاوضة تعطي الحق المطلق في التصرف، بينما شركة العنان يكون الشريك فيها مقيدًا بإذن الشريك، أو عادة التجار. ويشترط التساوي في الدين في شركة المفاوضة، ولا يشترط في شركة العنان، وهذا الشرط راجع إلى اشتراط التساوي في التصرف كما قدمنا. تعريف شركة المفاوضة عند المالكية: عرفها أبو بكر الطرطوشي بقوله: «أن يفوض كل واحد التصرف للآخر في البيع والشراء، والضمان، والكفالة، والتوكيل، والقراض، وما فعله لزم الآخر إن كان عائدًا إلى تجارتهما، ولا يكونان شريكين إلا فيما يعقدان عليه الشركة متفاضلًا أم لا، إذا كان الربح والعمل على قدر ذلك» (١).

стр. 6602

ومن خلال هذا التعريف تتضح لنا شركة المفاوضة من خلال العناصر التالية: (١) ـ لا يشترط المساواة في رأس مال الشركة، بل تنعقد الشركة وإن تفاضل الشركاء في الحصص المقدمة منهم، وليس عليهم أن يقدموا كافة ما يملكون من الأموال، بل يجوز أن يستبقي الشريك ما شاء، ويشارك بما شاء. جاء في الشرح الكبير: «ولا يفسدها ـ يعني شركة المفاوضة ـ انفراد أحدهما، أو كل منهما بشيء من المال غير مال الشركة يعمل فيه لنفسه» (١). (٢) التساوي بين الشركاء في التصرف، فتصرف الشريك بالبيع أو بالشراء، أو بالضمان، أو بالتوكيل يكون ملزمًا للعاقد وبقية الشركاء، سواء كانوا حاضرين أثناء التعاقد أم لا؛ لأن يد كل واحد منهما كيد الجميع. (٣) ـ الربح والعمل على قدر رأس المال، فلو كانت الشركة بين اثنين مثلًا، وشارك أحدهما بالثلث، والآخر بالثلثين، فعلى الأول ثلث الأعمال، على الثاني الثلثان، والربح بينهما على مثل ذلك، فالأول له ثلث الربح، والثاني له الثلثان، ولا يجوز الاتفاق على خلافه (٢). قال القاضي عبد الوهاب: «ولا يجوز أن يشترط العمل أو الربح بخلاف رؤوس الأموال» (٣). الفرق بين شركة العنان وشركة المفاوضة عند المالكية: أكثر المالكية على أن خصائص شركة العنان هي خصائص شركة المفاوضة

стр. 6603

إلا في شيء واحد، أن شركة العنان من شرطها ألا يستبد أحدهما بالتصرف دون الآخر بخلاف شركة المفاوضة. ولذا قال ابن عبد السلام: «إن كلًا من الشريكين يجوز تصرفه في مال شريكه في حضرته، ومع غيبته، فلو شرطا أنه لا يتصرف واحد منهما إلا بحضرة صاحبه، وموافقته عليه .... لزم الشرط، وتسمى شركة عنان» (١). فالفرق بين شركة العنان، وشركة المفاوضة، هو وجود هذا الشرط في عقد الشركة، سواء كانت الشركة في نوع من المال أو في أنواع منه. وبهذا نعرف أن شركة المفاوضة بمفهومها عند المالكية لا خلاف فيها عند الفقهاء حتى الشافعية الذين يمنعون شركة المفاوضة يمكن أن يقولوا بالجواز إذا تم خلط المالين، وكانا من جنس واحد. الاتفاق والاختلاف بين تعريف الحنفية والمالكية: يتفق الحنفية والمالكية في إطلاق التصرف من كل من الشريكين للآخر، ومساواتهما في ذلك. ويتفقون أيضًا أن شركة المفاوضة قائمة على الوكالة والكفالة. ويختلفون فيما بينهم: (١) ـ أن الحنفية يشترطون المساواة في الأموال بحيث لا يكون أحد الشركاء مستقلًا بمال غير مال الشركة، بينما يرى المالكية أن المساواة في مال الشركة ليست شرطًا، فتصح المفاوضة سواء اشتركا في كل ما يملكانه، أو في بعض أموالهما.

стр. 6604

(٢) ـ يعتبر الحنفية المساواة في الدين شرطًا لصحة شركة المفاوضة بخلاف المالكية فلا يعتبرونه شرطًا، بل تصح شركة المفاوضة بين المسلم والذمي بشرط أن لا يغيب الذمي على بيع أو شراء، أو قضاء أو اقتضاء إلا بحضرة المسلم. تعريف شركة المفاوضة عند الحنابلة: يرى الحنابلة أن المفاوضة نوعان: النوع الأول: نوع جائز: وهو أن يفوض كل منهما إلى صاحبه الشراء والبيع، والمضاربة والتوكيل، والابتياع في الذمة والمسافرة بالمال، والارتهان، وضمان ما يرى من الأعمال (١). والشركة بهذا التعريف من أوسع أنواع الشركات، فهي عقد يجمع الشركات كلها على اختلاف أنواعها من عنان، ووجوه، وأبدان، وجميعها منصوص على صحتها في المذهب. وقد سبق لنا تعريف شركة العنان، وأما شركة الوجوه والأبدان فسوف نفردهما بالدراسة والبحث إن شاء الله تعالى. وهذا التعريف لشركة المفاوضة قريب جدًا من تعريف المالكية، إلا أن المالكية لا يدخلون في الشركة شركة الوجوه؛ لأن الشركة عندهم لا تقوم إلا على أحد أمرين: المال أو العمل، وكلاهما معدوم في شركة الوجوه، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على شركة الوجوه في باب مستقل، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.

стр. 6605

النوع الثاني: نوع ممنوع: وهو أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث، أو يجده من ركاز، أو لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر من أرش جناية، وضمان غصب، وقيمة متلف، وغرامة ضمان، أو كفالة (١). وهذا النوع الثاني يتفق مع تعريف الشافعية للمفاوضة: حيث عرفها بعضهم: بأن يشترك اثنان، ليكون بينهما كسبهما بأموالهما وأبدانهما، وعليهما ما يعرض من غرم، ولو بغير الشركة كغصب، و إتلاف، وبيع فاسد، و غير ذلك (٢). وهذا النوع يعتبر شركة فاسدة عند الشافعية والحنابلة لما تنطوي عليه من الغرر، وبهذا يتبين أن المالكية والحنابلة في التفسير الأول للمفاوضة لا يتضمن شيئًا من أنواع الغرر التي حرمت من أجلها شركة المفاوضة عند الشافعية ومن تبعهم. وبهذا يعلم أن اختلاف الشافعية في شركة المفاوضة مع الجمهور ليس متجهًا إلى حقيقة واحدة، منعها الشافعية وأجازها الجمهور، فشركة المفاوضة التي أجازها المالكية والحنابلة تختلف تمامًا عن الشركة التي منعها الشافعية في شركة المفاوضة، بل إن الشركة التي منعها الشافعية لا يختلف معهم الحنابلة في منعها، بل ولا حتى الحنفية والمالكية لإدخالهم في الشركات أنواعًا من التصرفات لا يجيز الفقهاء المشاركة فيها. * * *

стр. 6606

المبحث الثاني في اشتراط لفظ المفاوضة في الصيغة قال الزركشي: الرضا هو المعتبر في العقود (١). [م-١٢٨٦] اختلف الفقهاء في اشتراط لفظ المفاوضة في الصيغة على قولين: القول الأول: ذهب الجمهور إلى أن الشركة باختلاف أنواعها تنعقد بما يدل عليها عرفًا. جاء في الفواكه الدواني: «وأما الصيغة فهي كل ما دل عليها عرفًا من قول كاشتركنا، أو فعل كخلط المالين في شركة الأموال» (٢). وجاء في الشرح الكبير: «ولزمت ـ أي الشركة ـ بما يدل عليها عرفًا كاشتركنا .... أو يقوله أحدهما، ويسكت الآخر راضيًا به، أو شاركني، ويرضى الآخر، ولا يحتاج لزيادة على القول المشهور» (٣). القول الثاني: اختلف الحنفية في اشتراط لفظ المفاوضة في انعقاد شركة المفاوضة خاصة؛ لأنهم انفردوا عن الجمهور بشروط يجب تحققها في العقد، لا تجب بمطلق العقد، وقد لا يعرفها عامة الناس.

стр. 6607

فذهب أبو حنيفة من رواية الحسن عنه، وهو قول أبي يوسف ومحمد إلى أن شركة المفاوضة لا تنعقد إلا بلفظ المفاوضة؛ لأن لشركة المفاوضة مقتضيات لا تجمعها إلا هذه اللفظة، إلا أن يكون المتعاقدان يعرفان أحكام المفاوضة، وقد استطاعوا على استيفاء شرائطها بلفظ آخر، فإن العقد يصح بينهما. جاء في المبسوط: «روى الحسن عن أبي حنيفة أن المفاوضة لا تنعقد إلا بلفظ المفاوضة حتى إذا لم يذكر لفظ المفاوضة كان عنانًا عامًا ... وتأويل هذا أن أكثر الناس لا يعرفون جميع أحكام المفاوضة، فلا يتحقق منهما الرضا بحكم المفاوضة قبل علمهما به، ويجعل تصريحهما بالمفاوضة قائمًا مقام ذلك كله؛ فإن كان المتعاقدان يعرفان أحكام المفاوضة صح العقد بينهما إذا ذكرا معنى المفاوضة، وإن لم يصرحا بلفظها؛ لأن المعتبر المعنى دون اللفظ» (١). وقال في بدائع الصنائع: «ومنها: لفظ المفاوضة في شركة المفاوضة كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا تصح شركة المفاوضة إلا بلفظ المفاوضة وهو قول أبي يوسف ومحمد ; لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها إلا لفظ المفاوضة أو عبارة أخرى تقوم مقامها والعوام قلما يقفون على ذلك وهذه العقود في الأعم الأغلب تجرى بينهم فإن كان العاقد ممن يقدر على استيفاء شرائطها بلفظ آخر يصح، وإن لم يذكر لفظها ; لأن العبرة في العقود لمعانيها، لا عين الألفاظ» (٢). وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «شركة المفاوضة لها شروط منها العقد بلفظ المفاوضة، فإن لم يذكر لفظها فلا بد من أن يذكر تمام معناها بأن يقول

стр. 6608

أحدهما للآخر، وهما حران، بالغان، مسلمان، أو ذميان: شاركتك في جميع ما أملك من نقد، وقدر ما تملك على وجه التفويض العام من كل منا للآخر في التجارات، والنقد، والنسيئة، وعلى أن كلًا منا ضامن عن الآخر ما يلزمه من أمر كل بيع» (١). وإذا كنا ضعفنا هذه الشروط عند الحنفية، وأن شركة المفاوضة لا يشترط فيها المشاركة في كل الأموال النقدية لم يكن هناك فرق في انعقادها بين شركة العنان وبين شركة المفاوضة، فتنعقد بكل ما يدل عليها، وتبقى الشروط الجعلية يرجع فيها إلى شروط الشريكين، وإلى العرف الجاري، وإلى مصلحة الشركة، والله أعلم. * * *

стр. 6609

المبحث الثالث في حكم شركة المفاوضة [م-١٢٨٧] اختلف الفقهاء في حكم شركة المفاوضة على قولين: القول الأول: القول بأن شركة المفاوضة جائزة، وهذا مذهب الجمهور في الجملة وإن اختلفوا فيما بينهم في بعض شروطها (١). جاء في العناية: «المفاوضة من العقود الجائزة» (٢). وجاء في الهداية: «وهذه الشركة جائزة عندنا استحسانًا، وفي القياس لا تجوز .... وجه القياس: أنها تضمنت الوكالة بمجهول الجنس، والكفالة بمجهول، وكل ذلك بانفراده فاسد.

стр. 6610

وجه الاستحسان: .... الناس يعاملونها من غير نكير، وبه يترك القياس» (١). وقال في كفاية الطالب الرباني: «وأما شركة الأموال فهي على ثلاثة أقسام: الأول: شركة مفاوضة، ولم يذكرها الشيخ، وحكمها الجواز اتفاقًا» (٢). وقال في المغني: «وأما شركة المفاوضة ... أن يشتركا في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان، والوجوه، والأبدان، فيصح ذلك؛ لأن كل نوع منها يصح على انفراده، فصح مع غيره» (٣). دليل الجمهور على الجواز: الدليل الأول: (ح-٨٩٤) استدل الحنفية بما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: فاوضوا فإنه أعظم للبركة (٤). [لا أصل له] (٥).

стр. 6611

الدليل الثاني: استدل الحنفية بما يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة (١). [لا أصل له] (٢). الدليل الثالث: قال السرخسي: «حجتنا في ذلك أن هذه الشركة تتضمن الكفالة والوكالة، وكل واحد منهما صحيح مقصودًا، فكذلك في ضمن الشركة» (٣). الدليل الرابع: احتج الجمهور على جواز المفاوضة بجريان التعامل فيها بين الناس في كل عصر من غير نكير. قال في الهداية: «وكذا الناس يعاملونها من غير نكير، وبه يترك القياس، والجهالة محتملة تبعًا» (٤).

стр. 6612

القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن شركة المفاوضة لا تجوز (١)، وإن كان توصيف الشافعية لشركة المفاوضة يوافقهم الجمهور على منعها (٢). قال الشافعي في الأم: «شركة المفاوضة باطل، ولا أعرف شيئًا من الدنيا يكون باطلًا إن لم تكن شركة المفاوضة باطلًاـ إلا أن يكونا شريكين يعدان المفاوضة خلط المال، والعمل فيه، واقتسام الربح فهذا لا بأس به .... وإذا اشتركا مفاوضة، وتشارطا أن المفاوضة عندهما هذا المعنى فالشركة صحيحة ..... وإن زعما أن المفاوضة عندهما بأن يكونا شريكين في كل ما أفادا بوجه من الوجوه بسبب المال وغيره فالشركة بينهما فاسدة، ولا أعرف القمار إلا في هذا أو أقل منه» (٣). الراجح: أرى أن شركة المفاوضة قد اختلف الفقهاء في توصيفها، ويجب أن يكون الحكم على الشركة متجهًا لكل توصيف: فشركة المفاوضة في مفهوم الحنفية عندي أن القول بمنعها متجه، وإن قالوا بجوازها؛ لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله؛ ولأن تحقيق المساواة بالمعنى المطلوب في هذه الشركة أمر يتعذر تحقيقه، ولاشتمالها على غرر كثير وجهالة لما فيها من الوكالة بالمجهول والكفالة به، وحتى على القول بجوازها فإنها لن تعمر طويلًا لتعذر استمرار تحقيق ما اشترطوه من الشروط.

стр. 6613

ومثله توصيف الشافعية لشركة المفاوضة، والنوع الثاني من المفاوضة عند الحنابلة، فهو مشتمل على قمار وغرر لا يمكن للفقيه أن يقول بجوازه. وأما توصيف شركة المفاوضة عند المالكية فإنه لا ينبغي الخلاف فيه؛ لأن الشركة عندهم لا تختلف كثيرًا عن شركة العنان، إلا في الاستبداد بالتصرف، فإذا نفاه أصبحت شركة عنان، وإلا كانت مفاوضة، وقريب منه شركة المفاوضة عند الحنابلة بالنوع الأول منه، وقد سبق ذكره عند الكلام على تعريف شركة المفاوضة، والله أعلم. * * *

стр. 6614

المبحث الرابع في شروط شركة الأموال الفرع الأول في الشروط المتفق عليها [م-١٢٨٨] هناك شروط متفق عليها بين الفقهاء لم يختلف الفقهاء في وجوب توفرها، من ذلك: الشرط الأول: أهلية الوكالة . يشترط في الشريك أن تتوفر فيه أهلية الوكالة، جاء في بدائع الصنائع: «أما الشرائط العامة فأنواع: منها أهلية الوكالة ; لأن الوكالة لازمة في الكل، وهي أن يصير كل واحد منهما وكيل صاحبه في التصرف بالشراء والبيع، وتقبل الأعمال; لأن كل واحد منهما أذن لصاحبه بالشراء والبيع وتقبل الأعمال مقتضى عقد الشركة، والوكيل هو المتصرف عن إذن فيشترط فيها أهلية الوكالة لما علم في كتاب الوكالة» (١). الشرط الثاني: أن يكون رأس مال الشركة معلومًا، فلا يجوز أن يكون مجهولًا، ولا جزافًا؛ لأنه لا يمكن الرجوع إليه عند المفاصلة إلا أن الفقهاء اختلفوا، هل تجب معرفته عند العقد؟ أو تصح الشركة إذا أمكن معرفة رأس مال الشركة بعد العقد. وسيأتي تحرير الخلاف إن شاء الله تعالى.

стр. 6615

الشرط الثالث: يشترط معرفة مقدار ما لكل واحد منهما من الربح؛ لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالته توجب فساد العقد. قال في بدائع الصنائع: «أن يكون الربح معلوم القدر، فإن كان مجهولًا تفسد الشركة؛ لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالته توجب فساد العقد كما في البيع والإجارة» (١). الشرط الرابع: أن يكون الربح جزءًا مشاعًا، كالثلث والنصف، فإن كان معينًا، كأن يكون له مائة، أو ألف، فهذا يبطل الشركة بالاتفاق. قال في بدائع الصنائع: «أن يكون الربح جزءًا شائعًا في الجملة لا معينًا، فإن عينا عشرة أو مائة أو نحو ذلك كانت الشركة فاسدة؛ لأن العقد يقتضي تحقق الشركة في الربح، والتعيين يقطع الشركة؛ لجواز أن ألا يحصل من الربح إلا القدر المعين لأحدهما، فلا يتحقق الشركة في الربح» (٢). الشرط الخامس: أن تكون الشركة على أمر مباح، فلا تجوز الشركة على الأعمال المحرمة، كالشركة على إنشاء البنوك الربوية، أو على صالات القمار، والميسر، أو على غيرها من الأعمال المحرمة. جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «أن يكون ذلك العمل حلالًا،

стр. 6616

فلذلك لو عقد اثنان الشركة على إجراء المحرمات، كسرقة الأموال، وغصبها، أو الغناء لا يصح» (١). * * *

стр. 6617

الفرع الثاني في الشروط المختلف فيها الشرط الأول في اشتراط أن يكون رأس المال من النقدين [م-١٢٨٩] اتفق الفقهاء على جواز الشركة بالنقود من الذهب والفضة كالدنانير والدراهم. قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الشركة الصحيحة: أن يخرج كل واحد من الشريكين مالًا مثل مال صاحبه: دنانير، أو دراهم، ثم يخلطان ذلك حتى يصير مالًا واحدًا» (١). وقال ابن قدامة: «ولا خلاف في أنه يجوز جعلُ رأس المال الدراهمَ والدنانيرَ، فإنها قيم الأموال وأثمان البياعات، والناس يشتركون بها من لدن النبي ﷺ إلى زماننا من غير نكير» (٢). واختلفوا في الشركة بالذهب والفضة إذا لم يكن نقدًا، وكذلك اختلفوا في الشركة في الفلوس والعروض، وسوف نبحث هذه المسائل إن شاء الله تعالى في مباحث مستقلة. * * *

стр. 6618

المسألة الأولى في كون رأس مال الشركة من الفلوس كل ما تعورف تداوله من أعيان ومنافع، وحقوق، يعتبر محلًا صالحًا للتعاقد عليه ككل مال متقوم (١). كل شيء يصلح محلًا للالتزام، يصلح أن يكون حصة في الشركة، سواء أكان عقارًا أم منقولًا، ماديًا أم معنويًا (٢). [م-١٢٩٠] سبق لنا أن الفقهاء متفقون على جواز الشركة بالنقود من الذهب والفضة كالدنانير والدراهم؛ لأنها قيم الأموال، وأثمان المبيعات، واختلفوا في كون رأس مال الشركة من الفلوس على قولين: القول الأول: تصح الشركة في الفلوس النافقة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى عند الحنفية (٣)، وهو المذهب عند الشافعية (٤).

стр. 6619

ويمكن تخريج القول بجواز المشاركة بالفلوس على مذهب المالكية، فإنني وإن لم أقف على نص صريح في الفلوس إلا أنهم نصوا على جواز المشاركة في العروض، فإن اعتبرنا الفلوس أثمانًا فالجواز ظاهر. جاء في تهذيب المدونة: «والصفر عرض ما لم يضرب فلوسًا، فإذا ضرب جرى مع الذهب والورق فيما يحل ويحرم» (١). وإن اعتبرنا الفلوس عروضًا، فقد أجاز المالكية أن يكون رأس مال الشركة من العروض. جاء في شرح الخرشي: «وكذلك تصح الشركة بالعرضين سواء اتفقا في الجنس والقيمة، أو اختلفا فيهما، ويعتبر في الشركة بالعرض ـ سواء كان من جانب، أو من جانبين ـ قيمته يوم الاشتراك» (٢). القول الثاني: لا تصح الشركة في الفلوس، ولو كانت نافقة، وهي الرواية المشهور عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، والمذهب عند الحنابلة. جاء في بدائع الصنائع: «وأما الفلوس فإن كانت كاسدة فلا تجوز الشركة ولا

стр. 6620

المضاربة بها؛ لأنها عروض، وإن كانت نافقة فكذلك في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد تجوز» (١). وجاء في المغني: «ولا تصح الشركة بالفلوس، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وابن القاسم صاحب مالك» (٢). مرجع الخلاف: هل النحاس إذا ضرب على شكل فلوس خرج من كونه عروضًا إلى كونه أثمانًا، أو أنه يبقى على حاله عروضًا، وإن ضرب على شكل فلوس؟ فمن قال: إن الفلوس عروض (سلع) فقد اختلفوا فيها كما اختلفوا في العروض. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث المشاركة في العروض في المبحث التالي، فانظره مشكورًا. ومن قال: إن الفلوس إذا راجت تحولت إلى أثمان اختلفوا أيضًا: فمنهم من قال: إنها أثمان اصطلاحية، يمكن إلغاؤها، وقد تكون ثمنًا في مكان دون آخر. وبالتالي لا يصح أن يكون رأس مال الشركة من الفلوس. ومنهم من ألحقها بالأثمان من كل وجه، فلم يمنع من كون رأس مال الشركة من الفلوس. قال مالك في الفلوس: « ... لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهت أن تباع بالذهب والورق نظرة» (٣).
следующие страницы →