стр. 6616
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 14474
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
دبيان الدبيان
Полный текст (10 239 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6617
الفرع الثاني
في الشروط المختلف فيها
الشرط الأول
في اشتراط أن يكون رأس المال من النقدين
[م-١٢٨٩] اتفق الفقهاء على جواز الشركة بالنقود من الذهب والفضة كالدنانير والدراهم.
قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الشركة الصحيحة: أن يخرج كل واحد من الشريكين مالًا مثل مال صاحبه: دنانير، أو دراهم، ثم يخلطان ذلك حتى يصير مالًا واحدًا» (١).
وقال ابن قدامة: «ولا خلاف في أنه يجوز جعلُ رأس المال الدراهمَ والدنانيرَ، فإنها قيم الأموال وأثمان البياعات، والناس يشتركون بها من لدن النبي ﷺ إلى زماننا من غير نكير» (٢).
واختلفوا في الشركة بالذهب والفضة إذا لم يكن نقدًا، وكذلك اختلفوا في الشركة في الفلوس والعروض، وسوف نبحث هذه المسائل إن شاء الله تعالى في مباحث مستقلة.
* * *
стр. 6618
المسألة الأولى
في كون رأس مال الشركة من الفلوس
كل ما تعورف تداوله من أعيان ومنافع، وحقوق، يعتبر محلًا صالحًا للتعاقد عليه ككل مال متقوم (١).
كل شيء يصلح محلًا للالتزام، يصلح أن يكون حصة في الشركة، سواء أكان عقارًا أم منقولًا، ماديًا أم معنويًا (٢).
[م-١٢٩٠] سبق لنا أن الفقهاء متفقون على جواز الشركة بالنقود من الذهب والفضة كالدنانير والدراهم؛ لأنها قيم الأموال، وأثمان المبيعات، واختلفوا في كون رأس مال الشركة من الفلوس على قولين:
القول الأول:
تصح الشركة في الفلوس النافقة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى عند الحنفية (٣)، وهو المذهب عند الشافعية (٤).
стр. 6619
ويمكن تخريج القول بجواز المشاركة بالفلوس على مذهب المالكية، فإنني وإن لم أقف على نص صريح في الفلوس إلا أنهم نصوا على جواز المشاركة في العروض، فإن اعتبرنا الفلوس أثمانًا فالجواز ظاهر.
جاء في تهذيب المدونة: «والصفر عرض ما لم يضرب فلوسًا، فإذا ضرب جرى مع الذهب والورق فيما يحل ويحرم» (١).
وإن اعتبرنا الفلوس عروضًا، فقد أجاز المالكية أن يكون رأس مال الشركة من العروض.
جاء في شرح الخرشي: «وكذلك تصح الشركة بالعرضين سواء اتفقا في الجنس والقيمة، أو اختلفا فيهما، ويعتبر في الشركة بالعرض ـ سواء كان من جانب، أو من جانبين ـ قيمته يوم الاشتراك» (٢).
القول الثاني:
لا تصح الشركة في الفلوس، ولو كانت نافقة، وهي الرواية المشهور عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، والمذهب عند الحنابلة.
جاء في بدائع الصنائع: «وأما الفلوس فإن كانت كاسدة فلا تجوز الشركة ولا
стр. 6620
المضاربة بها؛ لأنها عروض، وإن كانت نافقة فكذلك في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد تجوز» (١).
وجاء في المغني: «ولا تصح الشركة بالفلوس، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وابن القاسم صاحب مالك» (٢).
مرجع الخلاف:
هل النحاس إذا ضرب على شكل فلوس خرج من كونه عروضًا إلى كونه أثمانًا، أو أنه يبقى على حاله عروضًا، وإن ضرب على شكل فلوس؟
فمن قال: إن الفلوس عروض (سلع) فقد اختلفوا فيها كما اختلفوا في العروض.
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث المشاركة في العروض في المبحث التالي، فانظره مشكورًا.
ومن قال: إن الفلوس إذا راجت تحولت إلى أثمان اختلفوا أيضًا:
فمنهم من قال: إنها أثمان اصطلاحية، يمكن إلغاؤها، وقد تكون ثمنًا في مكان دون آخر. وبالتالي لا يصح أن يكون رأس مال الشركة من الفلوس.
ومنهم من ألحقها بالأثمان من كل وجه، فلم يمنع من كون رأس مال الشركة من الفلوس.
قال مالك في الفلوس: « ... لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهت أن تباع بالذهب والورق نظرة» (٣).
стр. 6621
وقال ابن تيمية: «الفلوس النافقة يغلب عليها حكم الأثمان، وتجعل معيار أموال الناس» (١).
وقال أيضًا: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي، ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود بها الانتفاع بها بنفسها، فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها، ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت» (٢).
الراجح:
جواز أن يكون رأس مال الشركة من الفلوس مطلقًا سواء كان يتعامل بها على أنها أثمان كما لو كانت رائجة في التعامل بين الناس، أو كانت عروضًا، وفي حالة كونها عروضًا يشترط أن تكون لها قيمة في ذاتها، والله أعلم
стр. 6622
المسألة الثانية
الشركة في العروض
كل ما تعورف تداوله من أعيان ومنافع، وحقوق، يعتبر محلًا صالحًا للتعاقد عليه ككل مال متقوم (١).
كل شيء يصلح محلًا للالتزام، يصلح أن يكون حصة في الشركة، سواء أكان عقارًا أم منقولًا، ماديًا أم معنويًا (٢).
[م-١٢٩١] اختلف الفقهاء في كون رأس مال الشركة من العروض على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا تصح المشاركة بالعروض مطلقًا، سواء أكانت من المثليات أم من القيميات، وسواء أكانت من الطرفين أم من أ حدهما، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف (٣)، والمشهور من المذهب عند الحنابلة (٤)، واختيار ابن حزم (٥).
جاء في العناية شرح الهداية: «ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير
стр. 6623
والفلوس النافقة» (١).
وجاء في الروض المربع: «ويشترط لشركة العنان والمضاربة أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين؛ لأنهما قيم الأموال، وأثمان البيعات فلا تصح بعروض» (٢).
دليل من قال: لا تصح الشركة بالعروض:
الدليل الأول:
أن العروض يمتنع وقوع الشركة على أعيانها، أو قيمتها، أو أثمانها.
أما امتناع وقوع الشركة على أعيانها، فلأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال، أو بمثله، وهذه العروض لا مثيل لها حتى يرجع إليه. وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر، فيستوعب بذلك جميع الربح، أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
وأما امتناع وقوعها على قيمتها؛ فلأن قيمتها مجهولة، لأنها لا تعرف إلا بالحرز والظن، فيؤدي ذلك إلى جهالة الربح، وقد يختلفون في القيمة فيؤدي ذلك إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه، فيشاركه الآخر في العين المملوكة له.
стр. 6624
وأما امتناع الشركة على أثمان العروض؛ فلأنها معدومة حال العقد، ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن مكانه، وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير شركة معلقة على شرط، وهو بيع الأعيان، وهذا لا يجوز (١).
ويناقش:
بأن القائلين بصحة الشركة في العروض مطلقًا يقولون بأن الشركة فيها لا تتم إلا بعد تقويمها، والاتفاق على القيمة، ثم تصبح القيمة هي محل الشركة، وإذا لم يتم الاتفاق على القيمة لم تنعقد، وعلى ضوء ذلك يتحقق الضمان بعد هذا التقويم، وما يحدث للعروض من زيادة أو نقص بعد هذا التقويم يكون من نصيب الشركاء، والضمان عليهم، وبهذا تزول جميع الإشكالات السابقة.
الدليل الثاني:
(ح-٨٩٥) روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
أنه لو باع كل واحد منهما رأس ماله، وتفاضل الثمنان، فإن ما يستحقه أحدهما من الزيادة في مال صاحبه يكون من ربح ما لم يضمن، ولم يملك؛ لأنه
стр. 6625
لو تلف مال أحدهما كان من نصيب مالكه، وليس من مال الشركة، بخلاف الدراهم والدنانير فإنها لا تتعين بالتعيين فيكون ضمانها من مال الشركة، فيكون ربحها من ربح ما يضمن.
ونوقش هذا:
بأن القائلين بصحة الشركة في العروض يرون أن الضمان في الشركة يثبت بمجرد العقد، ولا يتوقف الضمان على خلط العروض، ولا على التصرف فيها؛ لأن الشركة تقتضي ثبوت الملك لكل واحد منهما في نصف مال صاحبه بمجرد العقد، وبالتالي تنطبق عليهما قاعدتا الغرم بالغنم، والخراج بالضمان (١).
الدليل الثالث:
أن الشركة تقوم على الوكالة، وهي لا تصح في العروض، فلا يجوز للشخص أن يتصرف في عروض موكله على وجه الوكالة عن غيره، وإذا لم تجز الوكالة في ذلك، وهي من مستلزمات الشركة، فإن الشركة لا تجوز.
стр. 6626
ويجاب:
بأن القائلين بصحة الشركة في العروض مطلقًا يرون أن الشريك إذا قدم عروضه للشركة، وتم عقد الشركة بالإيجاب والقبول فإن العروض تصبح ملكًا للشركة، ومن ثم يكون تصرف الشريك في نصيبه بالأصالة، وفي نصيب شريكه بالوكالة، وبالتالي لا تكون العروض مملوكة للشريك وحده، بل مملوكة للشركاء، ويكون الغنم لهم، والغرم عليهم.
القول الثاني:
تصح الشركة في العروض، مثلية كانت أو قيمية، اتفقت جنسًا أم اختلفت، على أن تكون قيمتها المتفق عليها يوم العقد هي رأس مال الشركة.
وهذا القول قد اختاره من الحنفية ابن أبي ليلى (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، ورواية في مذهب الحنابلة، اختارها أبو بكر الخلال، وأبو الخطاب، وصوبه في الإنصاف، ورجحه ابن تيمية (٣).
стр. 6627
جاء في تهذيب المدونة: «ولا بأس أن يشتركا بعرضين مختلفين أو متفقين، أو طعام وعروض على قيمة ما أخرج كل واحد منهما يومئذ» (١).
دليل من قال بصحة الشركة بالعروض:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل يمنع أن يكون رأس مال الشركة من العروض، والقاعدة في المعاملات أنه لا يحرم منها إلا ما حرم الله ورسوله.
الدليل الثاني:
العروض هي مال بالاتفاق، والقائلون بجواز المشاركة بها يشترطون أن يتفق الشركاء على تقويم تلك العروض بالنقود وقت العقد، وبالتالي تكون هذه العروض بمثابة النقود، لأن الشركة انعقدت على قيمة العروض، وليس على أعيانها، وبالتالي يكون رأس مال الشركة معلومًا، وهو قيمة العروض.
الدليل الثالث:
أن المقصود من الشركة متحقق في العروض، وهو جواز تصرف الشريكين في المالين جميعًا، وكون ربح المال بينهما، وهذا يحصل بالعروض كما يحصل بالأثمان.
القول الثالث:
أن الشركة تصح بالعروض بشرط أن تكون مثلية، كالحبوب، والأدهان، ولا تصح الشركة بالعروض إن كانت متقومة، وبه قال محمد بن الحسن من
стр. 6628
الحنفية (١)، والأظهر عند الشافعية (٢).
جاء في مغني المحتاج: «وتصح الشركة في كل مثلي، أما النقد الخالص فبالإجماع ..... وأما غير النقدين من المثليات كالبر، والشعير، والحديد فعلى الأظهر؛ لأنه إذا اختلط بجنسه ارتفع التمييز فأشبه النقدين .... » (٣).
دليل من فرق بين المثلي والقيمي:
بأن المثليات عند خلطها يرتفع تمييزها، فتكون مماثلة للنقدين، بخلاف المتقوم، حيث لا يمكن خلطه، فيبقى نصيب كل شريك متميزًا، والشركة لا تصح حتى يخلط مالهما خلطًا لا يتميز به مال أحدهما من مال الآخر حتى يتحقق معنى الشركة.
ويناقش:
بأنه لا دليل على وجوب خلط المالين، وأن المقصود من الشركة هو التصرف في المالين، وهذا لا يتوقف على الخلط.
الراجح من الخلاف:
أرى أن القول الراجح هو القول بجواز الشركة في العروض، لقوة أدلتهم، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، والله أعلم.
стр. 6629
وقد أجاز المانعون الشركة في العروض عن طريق الحيلة، وهذا دليل على ضعف قولهم:
قال الكاساني: «والحيلة في جواز الشركة في العروض، وكل ما يتعين بالتعيين: أن يبيع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال صاحبه حتى يصير كل واحد منهما نصفين، وتحصل شركة ملك بينهما، ثم يعقدان بعد ذلك عقد الشركة فتجوز بلا خلاف، ولو كان من أحدهما دراهم، ومن الآخر عروض، فالحيلة في جوازه أن يبيع صاحب العروض نصف عرضه بنصف دارهم صاحبه، ويتقابضا، ويخلطا جميعًا حتى تصير الدراهم بينهما والعروض بينهما، ثم يعقدان عليهما عقد الشركة فيجوز» (١).
وقال الشيرازي في المهذب: «وإن لم يكن لهما غير العروض، وأرادا الشركة، باع كل واحد منهما بعض عرضه ببعض عرض الآخر، فيصير الجميع مشتركًا بينهما، ويشتركان في ربحه» (٢).
* * *
стр. 6630
المسألة الثالثة
الشركة في الذهب والفضة غير المضروبة
كل ما تعورف تداوله من أعيان ومنافع، وحقوق، يعتبر محلًا صالحًا للتعاقد عليه ككل مال متقوم (١).
كل شيء يصلح محلًا للالتزام، يصلح أن يكون حصة في الشركة، سواء أكان عقارًا أم منقولًا، ماديًا أم معنويًا (٢).
[م-١٢٩٢] اختلف الفقهاء في الشركة بالذهب والفضة غير المضروبة كالتبر والحلي، ونحو ذلك، ويرجع الخلاف فيها إلى الخلاف في العروض:
قال ابن قدامة: «والحكم في النقرة كالحكم في العروض؛ لأن قيمتها تزيد وتنقص فهي كالعروض» (٣).
فمن منع الشركة بالعروض مطلقًا سيمنع الشركة فيها، وهو ظاهر المذهب عند الحنفية، والمذهب عند الحنابلة.
ومن أجاز الشركة بالعروض مطلقًا، أو بشرط أن تكون العروض مثلية أجاز الشركة فيها، فالأول مذهب المالكية بشرط التساوي في القدر والجودة، والثاني قول للشافعية.
ومنهم من أجاز الشركة في الذهب غير المضروب وإن منع الشركة في العروض بشرط أن يجري التعامل بها باعتبار أن جريان التعامل بها يلحقها
стр. 6631
بالأثمان، وهو المذهب عند الحنفية، وإليك تفصيل الخلاف في المسألة من خلال النصوص الفقهية في مختلف المذاهب الفقهية.
القول الأول:
لا تصح الشركة بالذهب غير المضروب، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
جاء في الفتاوى الهندية: «التبر من الذهب والفضة بمنزلة العروض في ظاهر الرواية لا يصلح رأس مال الشركة كذا في فتاوى قاضي خان» (١).
وقد جعل الحنفية التبر في الشركة بمنزلة العروض، فلم يصلح رأس مال الشركة والمضاربة. وجعلوه في الصرف بمنزلة الأثمان؛ لأن الذهب والفضة ثمن بأصل الخلقة (٢).
وقال المالكية: لا تجوز الشركة بتبر، ومسكوك، ولو تساويا قدرًا إن كثر فضل السكة، فإن ساوتها جودة التبر فقولان (٣).
стр. 6632
وجاء في كشاف القناع: «ولا تصح شركة عنان ومضاربة بمغشوش من النقدين غشًا كثيرًا عرفًا؛ لأنه لا ينضبط غشه، فلا يتأتى رد مثله؛ لأن قيمتها تزيد وتنقص فهي كالعروض، ولا فلوس ولو نافقة؛ لأنها عروض، ولا نقرة، وهي التي لم تضرب؛ لأن قيمتها تزيد وتنقص، فأشبهت العروض» (١).
وجه من قال: بمنع الشركة بالعروض:
أن التبر عنده سلعة تتعين بالتعيين، فهي بمنزلة العروض فلا تصلح رأس مال الشركات والمضاربات (٢).
وقد ذكرنا أدلة القائلين بمنع الشركة بالعروض في مسألة سابقة.
القول الثاني:
تصح الشركة بالذهب غير المضروب، وهو المذهب عند الحنفية، وأحد القولين عند الشافعية، إلا أن الحنفية اشترطوا أن يجري التعامل بها (٣).
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ولا تنعقد المفاوضة والعنان إلا بالدراهم والدنانير، وتبرهما إن جرى التعامل به، وبالفلوس الرائجة».
وجاء في أسنى المطالب: «ومنها التبران: أي تبر الدراهم والدنانير فتصح الشركة فيهما» (٤).
وجاء في حاشية الجمل: «ومن النقد الذي تجوز فيه الشركة التبر، فلا تختص الشركة بالنقد المضروب بخلاف القراض فإنه يختص به» (٥).
стр. 6633
واستدل أصحاب هذا القول:
استدل الحنفية على صحة المشاركة بأن التبر والنقرة تشبه العروض من وجه؛ لأنها ليست ثمنًا للأشياء، وتشبه الدراهم والدنانير من وجه؛ لأن العقد عليها صرف، فأعطيت الشبه من كل واحد منهما، فاعتبرت فيها عادة الناس في التعامل فإذا تعاملوا بها ألحقت بالدراهم، وإن لم يتعاملوا بها ألحقت بغير الدراهم (١).
ولأن التعامل بالتبر يجعلها بمنزلة الأثمان. قال في بدائع الصنائع: «وأما التبر فهل يصلح رأس مال الشركة ..... الأمر موكول إلى تعامل الناس، فإن كانوا يتعاملون به فحكمه حكم الأثمان المطلقة، فتجوز الشركة بها، وإن كانوا لا يتعاملون فحكمها حكم العروض» (٢).
وفي الدر المختار: «ولا تصح مفاوضة وعنان .... بغير النقدين والفلوس النافقة، والتبر، والنقرة: أي ذهب وفضة لم يضربا إن جرى مجرى النقود التعامل بها، وإلا فكعروض».
واستدل الشافعية على صحة المضاربة بالتبر والنقرة في أحد القولين بأن الشركة تصح في كل مال مثلي، ومن المثلي التبر والنقرة.
جاء في الإقناع للشربيني: «والأصح صحتها في كل مثلي ..... ومن المثلي تبر الدراهم والدنانير، فتصح الشركة فيه، فما أطلقه الأكثرون هنا من منع الشركة فيه، ولعل منهم المصنف مبني على أنه متقوم كما نبه عليه في أصل الروضة» (٣).
стр. 6634
الراجح:
القول بجواز الشركة في الذهب والفضة مطلقًا سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة، لجواز الشركة في العروض، والله أعلم.
* * *
стр. 6635
الشرط الثاني
في اشتراط خلط المالين
عقد الشركة عقد على التصرف، فلا يشترط فيه الخلط كالوكالة (١).
الشركة عقد يقصد به الربح، وهو لا يتوقف على الخلط (٢).
[م-١٢٩٣] اختلف الفقهاء في اشتراط خلط المالين لانعقاد الشركة على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن الشركة تلزم بالعقد مطلقًا، وإن لم يحصل خلط بين المالين على خلاف بينهم باعتبار الخلط شرطًا في الضمان (٣).
فقال الحنفية والمالكية، وهو رواية عن أحمد: إن الخلط شرط في الضمان، فلو ضاع المال بعد الخلط فهو من مال الشركة، وإن ضاع قبل الخلط فهو من مال صاحبه، والكسب بينهما مطلقًا حصل خلط أو لم يحصل.
والخلط عند الحنفية: هو الخلط الذي لا يميز مال أحدهما من الآخر (٤).
стр. 6636
والخلط عند المالكية يشمل الخلط الحسي والخلط الحكمي:
فالحسي: بأن تضم الحصص بعضها إلى بعض.
والحكمي: بأن يكتفي بتخصيصه، أو وضعه في خزانة لهما، أو في يد أمين يختارانه، أو في يد وكيلهما.
واختار الحنابلة أن هلاك المال بعد انعقاد الشركة هلاك من مال الشركة مطلقًا، خلط المال أو لم يخلط، ووافقهم المالكية فيما إذا كان المال عرضًا (١).
جاء في الإنصاف: «وإن تلف أحد المالين فهو من ضمانهما. يعني: إذا تلف بعد عقد الشركة، وشمل مسألتين:
إحداهما: إذا كانا مختلطين فلا نزاع أنه من ضمانهما.
الثانية: إذا تلف قبل الاختلاط فهو من ضمانهما أيضًا على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. وجزم به في المحرر والوجيز، وغيرهما، وقدمه في الفروع وغيره. وعنه من ضمان صاحبه فقط، ذكرها في التمام» (٢).
стр. 6637
وجه من قال: إن الخلط ليس بشرط في انعقاد الشركة:
أن عقد الشركة عقد يقصد به الربح، فلا يشترط فيه خلط المال، ولأنه عقد على التصرف، فلم يكن من شرطه الخلط كالوكالة.
جاء في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «الشركة عقد توكيل من الطرفين ليشتري كل منهما بماله على أن يكون المشترى بينهما، وهذا لا يفتقر إلى الخلط، والربح يستحق بالعقد كما يستحق بالمال، ولهذا يسمى العقد شركة وهذه الشركة مستندة إلى العقد .... حتى جاز شركة الوجوه والتقبل، فإذا استندت إلى العقد لم يشترط فيها المساواة والاتحاد والخلط» (١).
وأما وجه كون الهالك قبل الخلط من مال صاحبه:
أن المال إن هلك في يد صاحبه فظاهر، وإن هلك في يد الآخر فهو أمانة في يده، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط بخلاف ما بعد الخلط حيث يهلك على الشركة؛ لأنه لا يتميز، فيجعل الهلاك من المالين (٢).
وجه من قال: إن الهلاك بعد العقد من مال الشركة مطلقًا ولو لم يحصل خلط .
أن ربح الشركة إذا كان لهما فيجب أن يكون الهلاك عليهما، ولأن الشركة اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهما في نصف مال صاحبه، فيكون تلفه منهما، وزيادته لهما، ولأن الضمان أحد موجبي الشركة، فتعلق بالشريكين كالربح، وكما لو اختلطا، والله أعلم.
стр. 6638
القول الثاني:
اختار زفر من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية، وهو المذهب عند الشافعية، إلى أنه يشترط في صحة عقد الشركة خلط رأس مال الشركة بعضه ببعض خلطًا لا يمكن التمييز بينهما (١).
واشترط الشافعية أن يتقدم الخلط على العقد، فإن وقع بعده، ولو في مجلسه ففيه وجهان، أصحهما: المنع إذ لا اشتراك حال العقد.
والثاني: الجواز إن وقع في مجلس العقد؛ لأنه كالعقد.
وإن وقع الخلط بعد مفارقة المجلس لم يجز على الوجهين. ولا يكفي الخلط مع إمكان التمييز كدراهم بدنانير، أو صحاح بمكسرة، أو حنطة جديدة بحنطة قديمة (٢).
دليل الشافعية على اشتراط الخلط:
أن الشركة مأخوذة من الاشتراك والاختلاط، ومع تميز المالين لا توجد شركة ولا خلطة.
ولأن عقد الشركة يستوجب الاشتراك في الربح، وهو متوقف على الخلط، ولذلك لو كان المال مشتركًا على الشيوع فقد حصل المقصود، وإن لم يحصل خلط للمالين، فإن مال كل واحد متميز بملكه، فإن تلف تلف على صاحبه، وإن ربح كان الربح له دون شريكه، فلم تنعقد الشركة.
стр. 6639
ويقول ابن حزم: «ولا تجوز الشركة إلا في أعيان الأموال فتجوز في التجارة بأن يخرج أحدهما مالًا والآخر مالًا مثله من نوعه، أو أقل منه، أو أكثر منه فيخلطا المالين ولا بد حتى لا يميز أحدهما ماله من الآخر ثم يكون ما ابتاعا بذلك المال بينهما على قدر حصصهما فيه، والربح بينهما كذلك والخسارة عليهما كذلك، فإن لم يخلطا المالين فلكل واحد منهما ما ابتاعه هو أو شريكه به، ربحه كله له وحده وخسارته كلها عليه وحده.
برهان ذلك: أنهما إذا خلطا المالين فقد صارت تلك الجملة مشاعة بينهما فما ابتاعا بها فمشاع بينهما وإذا هو كذلك فثمنه أصله وربحه مشاع بينهما، والخسارة مشاعة بينهما. وأما إذا لم يخلطا المالين فمن الباطل أن يكون لزيد ما ابتيع بمال عمرو أو ما ربح في مال غيره أو ما خسر في مال غيره لما ذكرنا آنفا من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤]» (١).
ويناقش:
بأن الشركة ليست متوقفة على الخلطة، وإنما تقوم بالعقد، وهو الإيجاب والقبول، ولذلك فقد توجد الشركة على الصحيح، وإن لم يوجد مال كشركة الأبدان، وملك الشريكين لمال الشركة يحصل بالعقد وإن لم يوجد اختلاط إذا تعين مال الشركة، والله أعلم.
الراجح:
الراجح - والله أعلم - القول بعدم اشتراط الخلط، ذلك أن الشركة قائمة
стр. 6640
على الوكالة فيما يتعلق بالتصرف، وهذا لا يتوقف على خلط المالين، ومقصودها الربح، وهو لا يتوقف على الخلط أيضًا، والله أعلم.
* * *
стр. 6641
مطلب
الشركة بالمال المشاع
الإشاعة لا تمنع من التصرف في المال.
الإشاعة في المال أبلغ من خلطه.
[م-١٢٩٤] إذا كان هناك مال مملوك على سبيل الاشتراك، كأن يرث مجموعة مالًا، فيعقد هؤلاء الورثة شركة فيما بينهم على حصصهم في التركة قبل قسمتها، فهل تصح الشركة بينهم، والمال ما زال مشاعًا؟
فذهب عامة الفقهاء إلى صحة الشركة في المال المشاع قبل فرزه، ولم أقف على خلاف في المسألة (١).
وجهه: أن الشركة إن اعتبرناها من عقود المعاوضات، وأنها متضمنة لمعنى البيع كما هو مذهب المالكية فليس في المشاع ما يمنع من المشاركة؛ لأن بيع المشاع جائز، وحكي في جوازه الإجماع (٢).
قال ابن تيمية: «يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين كما مضت بذلك سنة رسول الله ﷺ » (٣).
стр. 6642
وإن اعتبرنا الشركة مبنية على الوكالة في التصرف، كما هو مذهب الجمهور، فالإشاعة لا تمنع من التصرف في المال، ما دام أن هذا التصرف قد أذن فيه الشريك.
وعلى مذهب الشافعية الذين يشترطون خلط المال قبل العقد، فإن الشيوع أبلغ من خلط المال عندهم؛ لأنه في الشيوع ما من جزء في المال إلا وهو مشترك بينهما.
قال النووي في الروضة: «ولو ورثوا عروضًا، أو اشتروها، فقد ملكوها شائعة، وذلك أبلغ من الخلط، فإذا انضم إليه الإذن في التصرف تم العقد» (١).
وأما قول ابن حزم: «لو ورثا سلعة، أو وهبت لهما، أو ملكاها بأي وجه ملكاها به، فلو تعاقدا أن يبتاعا هكذا لم يلزم؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله» (٢).
فابن حزم في هذا النص لا يمنع من المشاركة بالمشاع، وإنما يمنع اشتراط أن يكون الشراء بين الشريكين على سبيل الشيوع، ومذهب ابن حزم في الشروط من أضيق المذاهب، وهو لا يصحح إلا شرطًا جاء نص خاص في جوازه، والإذن به، والدليل على أن ابن حزم يجيز الشركة في المشاع أنه يشترط خلط المالين في الشركة لصحة الشركة، كمذهب الشافعية.
يقول ابن حزم: «ولا تجوز الشركة إلا في أعيان الأموال، فتجوز في التجارة بأن يخرج أحدهما مالًا، والآخر مالًا مثله من نوعه، أو أقل منه، أو أكثر منه، فيخلطا المالين، ولابد حتى لا يميز أحدهما ماله من الآخر، ثم يكون ما ابتاعا
стр. 6643
بذلك المال بينهما على قدر حصصهما فيه، والربح بينهما كذلك، والخسارة عليهما كذلك ....... برهان ذلك أنهما إذا خلطا المالين فقد صارت تلك الجملة مشاعة بينهما، فما ابتاعا بها فمشاع بينهما، وإذا هو كذلك فثمنه أصله، وربحه مشاع بينهما، والخسارة مشاعة بينهما، وأما إذا لم يخلطا المالين فمن الباطل أن يكون لزيد ما ابتيع بمال عمرو، أو ما ربح في مال غيره، أو ما خسر في مال غيره، لما ذكرنا آنفا من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤] (١).
* * *
стр. 6644
الشرط الثالث
في اشتراط أن يكون رأس المال عينا لا دينا
[م-١٢٩٥] يشترط جمهور الفقهاء أن يكون رأس مال شركة الأموال معينًا، والتعيين يعني مسألتين:
أحدهما: أن لا يكون رأس مال الشركة دينًا في ذمة أجنبي يحتاج إلى تحصيل.
الثاني: اشتراط حضور رأس مال الشركة المعين عند الشراء، واختلفوا في اشتراط حضوره عند العقد إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يشترط حضور رأس المال عند العقد من كلا الشريكين، وإنما يشترط حضوره عند الشراء، وهذا مذهب الحنفية.
وقال صاحب درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: «لا يكون الدين أي المطلوب من ذمم الناس رأس مال لشركة المفاوضة أو العنان؛ لأنه لا يمكن بالدين شراء المال وبيعه والربح من ذلك .... وإذا كان رأس مال أحدهما عينًا، والآخر دينًا فلا تصح الشركة أيضًا. وكذلك يشترط أن يكون رأس المال حين عقد الشراء حاضرًا، أي غير غائب، ولا يشترط حضوره عند عقد الشركة إذا كان رأس المال غائبا عن المجلس، وكان مشارا إليه فتصح الشركة» (١).
فقوله: (مشارًا إليه) احتراز من الدين، فإنه متعلق بالذمة، لا يمكن الإشارة إلى عينه.
стр. 6645
وجاء في الفتاوى الهندية: «ويشترط حضوره عند العقد، أو عند الشراء ..... ولا تصح بمال غائب أو دين» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الشريكين إن غاب نقداهما معًا منعت الشركة، وإن غاب نقد أحدهما جاز بشرطين:
أحدهما: أن تكون غيبة المال قريبة كاليومين.
والثاني: ألا يتجر بالحاضر إلا بعد قبض المال الغائب.
فإن بعدت الغيبة امتنعت الشركة مطلقًا، ولو لم يتجر إلا بعد القبض.
وإن اتجر بالحاضر قبل قبض الغائب امتنعت الشركة مطلقًا حتى ولو قرب الغائب. وكذا تبطل الشركة إن غاب النقدان كلاهما (٢).
واختار القاضي أبو يعلى من الحنابلة حضور أحد المالين لصحة الشركة (٣).
واستدل المالكية لقولهم:
بأن الشركة عقد يتضمن البيع عندهم، ولهذا اشترطوا أن يكون رأس مال الشركة من جنس واحد إذا كانا من النقود خوفًا من اجتماع الشركة مع الصرف
стр. 6646
وهذا يعني أن غياب النقدين مبطل للشركة؛ لأنه من قبيل بيع الدين بالدين، وهذا لا يجوز، فإذا كان أحد العوضين حاضرًا خرجت من هذا المحذور، وبقي محذور بيع الغائب، وبيع الغائب جائز عند المالكية ما لم يتفاحش بعده، فإذا تفاحش فالبيع غير صحيح، وإذا لم يتفاحش فالبيع صحيح إلا أنه لا بد من انتظار قبض الغائب ليتمكن الشريك من التصرف فيه على التكافؤ والمساواة مع شريكه وإلا فسدت الشركة بمقدار النصيب الغائب، والله أعلم.
ولأن غياب المال يومين يعتبر في حكم الحاضر؛ لأن ما قرب من الشيء يعطى حكمه، وهذه قاعدة مطردة في مذهب المالكية، ولذلك خفف المالكية تأخير تسليم رأس مال السلم اليوم واليومين من هذا الباب مع قولهم بوجوب تقديم رأس مال السلم.
القول الثالث:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط حضور المال عند العقد؛ لأن المقصود من الشركة الربح، وذلك عن طريق التصرف، والتصرف لا يمكن في المال الغائب أو في الدين، فلا يتحقق المقصود من الشركة، ولأن المدين قد لا يدفع الدين، كما قد لا يحضر المال الغائب.
ولأن الشافعية يشترطون خلط المال قبل انعقاد الشركة كما سبق بحثه، والمال الغائب والدين لا يمكن تصور خلطه قبل انعقاد الشركة.
إلا أن الحنابلة يرون أن الشركة إذا عقدت بمال غائب، أو دين في الذمة، وأحضر المال، وشرع الشريكان في التصرف، فإن الشركة تنعقد بهذا التصرف نفسه.
جاء في كشاف القناع: «(و منها) أي شروط الشركة (حضور المالين كمضاربة) لتقرير العمل، وتحقيق الشركة، (فلا تصح) الشركة على مال (غائب
стр. 6647
ولا) على مال (في الذمة)؛ لأنه لا يمكن التصرف فيه في الحال، وهو مقصود الشركة لكن إذا أحضراه، وتفرقا، ووجد منهما ما يدل على الشركة فيه انعقدت حينئذ» (١).
الراجح:
هل يمكن أن نجعل حضور المال عند العقد، أو عند الشراء شرطًا للنفاذ، وليس شرطًا للانعقاد، فالشركة تنعقد جائزة مع غياب المال، وتنفذ بحضور المال والتصرف فيه، إن كان هذا ما يراد في اشتراط حضور المال عند الشراء فالقول له قوة، خاصة أن عقد الشركة ليس من عقود المعاوضات على الصحيح حتى يقال: لا تصح بالدين، بل إن بيع الدين يصح في بعض صوره إذا خلا من بيع الدين بالدين، كما بينا ذلك في عقد البيع، فكونه يصح انعقاد الشركة بالدين من باب أولى، وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع من جواز ذلك، ولا يقتضي تجويزه مخالفة قاعدة من قواعد الشرع، ولا وقوعًا في محظور من ربا، ولا قمار، ولا بيع غرر، ولا مفسدة في ذلك بوجه ما، وقد صحح الحنفية والحنابلة عقد المضاربة بالدين على أجنبي، كأن يقول: اقبض مالي على فلان، واعمل به مضاربة. وعقد المضاربة عقد مشاركة بالربح (٢). والله أعلم.
стр. 6648
الشرط الرابع
في اشترط أن يكون رأس مال الشركة من جنس واحد
الشركة عقد توكيل في التصرف من الطرفين يقصد به الربح، فلا يشترط اتحاد جنس المال (١).
الشركة عقد يقصد به الربح، ومورد العقد ومحله العمل، والمال تابع، فيصح من جنسين (٢).
[م-١٢٩٦] اختلف الفقهاء في الرجلين يشتركان، فيخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم، أو يخرج هذا عروضًا من جنس، والآخر عروضًا من جنس آخر عند من يجوِّز أن يكون رأس مال الشركة من العروض ـ على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
لا يشترط التجانس في رأس مال الشركة، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة.
قال السرخسي: «لو كان رأس مال أحدهما دراهم، والآخر دنانير تنعقد الشركة بينهما صحيحة عندنا» (٣).
وقال ابن قدامة: «ولا يشترط لصحتها اتفاق الجنسين، بل يجوز أن يخرج أحدهما دراهم، والآخر دنانير، نص عليه أحمد» (٤).
стр. 6649
وجه القول بالصحة:
أن خلط المالين على الصحيح ليس شرطًا للشركة، لا في انعقاد الشركة، ولا في استحقاق الربح، وإذا كان الحال كذلك لم يكن اتحاد الجنس شرطًا في صحة الشركة، ولأن الشركة عقد توكيل من الطرفين، وهذا لا يحتاج إلى اشتراط اتحاد جنس مال الشركة.
القول الثاني:
يشترط التجانس مطلقًا، فإذا أخرج أحدهما دنانير وجب أن يخرج الآخر دنانير أيضًا، وإذا أخرج أحدهما برًا، وجب أن يخرج الآخر برًا كذلك. وهذا مذهب الشافعية، وبه قال زفر من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (١).
وجه القول باشتراط اتحاد الجنس:
يرجع القول باشتراط اتحاد الجنس إلى القول بوجوب خلط مال الشركة خلطًا لا يمكن معه التمييز؛ لأنه مع اختلاف الجنس لا يمكن اختلاط المالين لتميز كل واحد بنوع مختلف عن الآخر، وسبق أن ذكرنا دليل الشافعية وابن حزم على وجوب خلط المالين، وأجبنا عنه، فأغنى ذلك عن إعادته، والله أعلم.
القول الثالث:
يشترط التجانس إن كان رأس مال الشركة نقودًا: دنانير، أو دراهم، فإن أخرج دنانير، وجب على الآخر أن يخرج دنانير مثله، وتعتبر مساواة ذهب أحدهما لذهب الآخر وزنًا، وصرفًا، وقيمة.
стр. 6650
стр. 6651
جاء في شرح ميارة: «تجوز ـ يعني الشركة ـ بالعين من ذهب أو فضة إن اتحد الجنس .... وفهم من اشتراط اتحاد الجنس أنه لا يجوز أن يخرج هذا ذهبًا، والآخر فضة .... وأما الشركة بالطعامين المختلفين فالمشهور، وهو مذهب المدونة: الشركة فيهما ممنوعة ........ ولا بأس أن يشتركا بعرضين متفقين أو مختلفين، أو طعام وعرض على قيمة ما أخرج كل واحد» (١).
وقال ابن عبد البر: «ولو جعل أحدهما خمسمائة درهم، والآخر خمسين دينارًا لم يجز، وسواء باعه نصف الدراهم بنصف الدنانير، أو لم يبعه؛ لأنه صرف وشركة، ولا يجوز عند مالك وأكثر أصحابه أن يجتمعا» (٢).
وجه اشتراط اتحاد الجنس في الأثمان والأطعمة:
أن الشركة عند المالكية تتضمن معنى البيع، فإذا كان الصنفان مما لا يجوز فيهما النساء مثل الشركة بالدنانير من عند أحدهما، والدراهم من عند الآخر دخل الشركة في ذلك من اجتماع البيع والصرف معًا، وعدم التناجز، وهذا لا يجوز عند المالكية، ويدخل الشركة بالطعامين المختلفين من اجتماع بيع الطعام بالطعام مع عدم التناجز.
стр. 6652
أما إذا كانت الشركة بالأثمان من أحدهما، وبالطعام أو بالعرض من الآخر، لم يوجد اجتماع للصرف مع البيع، ولم يؤثر عدم التناجز في اجتماع البيع والشركة (١).
قال الخرشي: «وإنما اعتبر في الشركة بالنقدين الاتفاق في الصرف، والقيمة، والوزن، والجودة والرداءة؛ لأنها مركبة من البيع والوكالة، فإذا اختلف النقدان وزنًا أدى إلى بيع الذهب بالذهب متفاضلًا، أو الفضة بالفضة كذلك وإن اختلفا جودة ورداءة أدى للدخول على التفاوت في الشركة حيث عملا على الوزن؛ لأن الجيد أكثر قيمة من الرديء فقد دخلا على ترك ما فضلته قيمة الجيد على الرديء والشركة تفسد بشرط التفاوت.
وإن دخلا على العمل على القيمة فقد صرفاها للقيمة، وذلك يؤدي إلى النظر في بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة للقيمة، وإلغاء الوزن؛ لأن معيار بيع النقد بجنسه هو الوزن.
وإن اختلفا صرفا مع اتحادهما وزنا وجودة ورداءة وقيمة: فإن دخلا على إلغاء ما تفاوت صرفهما فيه أدى ذلك إلى الدخول على التفاوت في الشركة.
وإن دخلا على عدم إلغائه فقد صرفا الشركة لغير الوزن، فيؤدي إلى إلغاء الوزن في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وذلك ممتنع» (٢).
الراجح:
الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في الوصف الفقهي للشركة في مسألتين سبق بحثهما:
стр. 6653
الأولى: هل الشركة من عقود المعاوضات، أو ليست من عقود المعاوضات؟
الثاني: هل خلط مال الشركاء شرط في انعقاد الشركة، أو ليس بشرط؟
فمن رأى أن عقد الشركة ليس من عقود المعاوضات، وأن الخلط ليس شرطًا في انعقاد الشركة قال بصحة الشركة مع اختلاف جنس رأس المال، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وهو الراجح كما سبق بيانه عند بحث تلك المسألتين.
ومن رأى أن خلط المال شرط في صحة الشركة كالشافعية رأى أن اتحاد الجنس شرط مطلقًا في جميع مال الشركاء، سواء كان رأس المال من الأثمان أو من العروض.
ومن رأى أن الشركة من عقود المعاوضات، وأنها متضمنة معنى البيع كالمالكية اشترط اتحاد الجنس في حال حرم النساء، كما لو كان رأس مال الشركة كله من النقود، أو كان كله من الطعام، ولا يجب إذا كان رأس مال أحد الشركاء عروضًا، والآخر من الأثمان.
هذا هو منشأ الخلاف، وما رجحناه في المسألتين نرجحه هنا، وهو أن الشركة ليست من عقود المعاوضات، وليس الخلط شرطًا في صحة انعقاد الشركة، والله أعلم.
* * *
стр. 6654
الشرط الخامس
العلم بمقدار رأس مال الشركة
قال الزيلعي: كل جهالة لا تفضي إلى المنازعة لا توجب الفساد (١).
[م-١٢٩٧] اختلف الفقهاء هل يشترط العلم بمقدار رأس مال الشركة عند التعاقد على قولين:
القوال الأول:
لا يشترط العلم بمقدار رأس مال ا لشركة وقت العقد، وهذا مذهب الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية.
قال في بدائع الصنائع: «وأما العلم بمقدار رأس المال وقت العقد فليس بشرط لجواز الشركة بالأموال عندنا» (٢).
وقال النووي: «هل يشترط العلم حالة العقد بقدر النصيبين، بأن يعرفا أن المال بينهما نصفان، أو على نسبة أخرى؟ وجهان: أصحهما: لا يشترط إذا أمكن معرفته من بعد.
ومأخذ الخلاف: أنه إذا كان بينهما مال مشترك، وكل واحد يجهل حصته، فأذن كل واحد لصاحبه في التصرف في كل المال، أو في نصيبه، هل يصح الإذن؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لجهلهما. وأصحهما نعم؛ لأن الحق لا يعدوهما» (٣).
стр. 6655
ولأن الجهالة بالمال لا تمنع جواز العقد لعينها، بل لما يتسبب عنها من نزاع في المستقبل، وجهالته عند العقد لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن معرفته معلومة في الغالب.
القول الثاني:
يشترط العلم بمقدار رأس مال الشركة وقت العقد، وهو مذهب المالكية والحنابلة، ووجه مرجوح في مذهب الشافعية (١).