الفرع الخامس
في إيداع الشريك مال الشركة
إطلاق التصرف للشريك محكوم بثلاثة أمور، بالعقد المتضمن الإذن، وبالعرف الجاري، وبما فيه مصلحة الشركة.
[م-١٣٠٦] اختلف الفقهاء هل عقد الشركة يعطي الشريك حق إيداع المال؟ على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية، ورواية في مذهب الحنابلة، إلى أن لكل من الشريكين أن يودع مال الشركة (١).
واستدلوا على ذلك: بأن الشريك إذا كان له أن يستأجر على حفظ المال، فكونه يودعه بلا أجر أولى بالجواز.
ولأن عقد الشركة يعطي الشريك كل تصرف يكون فيه مصلحة للشركة، والإيداع كذلك؛ إذ به يحفظ المال من السرقة، ويدفع به أخطار الطريق، فالإيداع اليوم من ضرورات التجارة؛ لأن العامل لا يقوى على حفظ المال كله بنفسه خاصة مع توسع التجارة، وتعدد الأسفار، وكثرة المشاغل.
جاء في بدائع الصنائع: «وله أن يودع; لأن الإيداع من عادة التجار، ومن ضرورات التجارة أيضا; لأنه لا بد للتاجر منه; لأنه يحتاج إلى ذلك عند اعتراض أحوال تقع عادة; لأن له أن يستحفظ المودع بأجر فبغير أجر أولى» (٢).
стр. 6687
القول الثاني:
ذهب جمهور الفقهاء بأن الشريك إذا أودع بلا حاجة كان ضامنًا (١).
قال في التاج والإكليل: «وأما إيداعه، فإن كان لوجه عذر لنزوله ببلد، فيرى أن يودع؛ إذ منزله الفنادق، وما لا أمن فيه، فذلك له وأما ما أودع لغير عذر فإنه يضمنه» (٢).
الراجح:
الإيداع اليوم لا أرى حاجة إليه مع قيام المصارف، وإيداع المصارف اليوم وإن سمي وديعة فهو في الحقيقة قرض مضمون، ولا يمكن اليوم أن يستغني عنه الشركاء؛ لأن فيه فوائد كثيرة لا يقتصر على حفظ المال، واسترداده متى شاء صاحبه، بل يتعداه إلى توثيق القبض والدفع، وفتح الاعتمادات لتسهيل البيع والشراء والتوريد والتصدير، والمنفعة ليست للمستقرض وحده، فالمقرض عندما أقرض المصرف لم يراع إلا مصلحته هو فقط، وقد تكلمنا عن توصيف الودائع المصرفية في المجلد الثاني عشر، فأغنى ذلك عن إعادته.
* * *
стр. 6688
الفرع السادس
في السفر بمال الشركة
الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة (١).
تصرف الشريك ... ينفذ بلا إذن شريكه إذا كان في حدود مصلحة الشركة (٢).
[م-١٣٠٧] اتفق الفقهاء على أن للشريك أن يسافر بمال الشركة إذا أذن له شريكه، واختلفوا فيما لو سافر بالمال دون إذنه على أربعة أقوال:
القول الأول:
للشريك والمضارب أن يسافر بلا إذن من شريكه، إذا أمن الطريق، وهو الصحيح من قول أبي حنيفة، ومحمد، والمذهب عند الحنابلة (٣).
جاء في الفتاوى الهندية: «ولشريك العنان والمبضع والمضارب أن يسافروا بالمال، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، ومحمد» (٤).
وجاء في تحفة الفقهاء: «وكذا لكل واحد منهما ـ يعني الشريكين ـ أن يبضع
стр. 6689
ويودع، ويوكل بالبيع، ويحتال بالثمن، ويستأجر، ويسافر بمال الشركة عند أبي حنيفة ومحمد في أصح الرويات» (١).
واستدلوا على جواز السفر بالمال:
بأن الإذن المطلق بالتصرف يشمل السفر بالمال.
ولأن السفر من عادة التجار.
ولأن المقصود من الشركة الربح، وهو يتحقق في السفر أكثر من غيره.
القول الثاني:
ليس للشريك أن يسافر بمال الشركة إلا بإذن أو ضرورة كنهب ونحوه، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، ورأي المالكية في شركة العنان خاصة، وأحد الأقوال عن أبي يوسف من الحنفية (٢).
قال في مغني المحتاج: «ولا يسافر به: أي المال المشترك؛ لما في السفر من الخطر، فإن سافر ضمن، فإن باع صح البيع، وإن كان ضامنًا» (٣).
стр. 6690
واستدلوا على المنع:
بأن السفر تغرير بالمال، ومخاطرة، ولا يجوز له تعريض مال الغير للخطر إلا بإذن صاحبه.
القول الثالث:
يسافر الشريك بمال الشركة إلى موضع لا يبيت عن منزله، وهو قول مروي عن أبي يوسف (١).
وجه ذلك:
أنه إذا كان قريبًا بحيث يبيت في منزله أصبح في حكم الحاضر، وليس في حكم المسافر.
القول الرابع:
يسافر الشريك بما لا حمل له، ولا مؤونة، وهو قول محكي عن أبي يوسف (٢).
وجه ذلك:
أن ما له حمل ومؤونة إذا احتاج شريكه إلى رده يلزمه مؤونة الرد، فيتضرر به، ولا مؤنة تلزمه فيما لا حمل له.
الراجح:
أن المرجع في ذلك ما سبق ذكره، وهو أن كل ما يتضمنه العقد، أو الإذن
стр. 6691
العرفي، أو مصلحة الشركة فإن الشريك له أن يتصرف فيه، ولو لم يرجع إلى الشريك، وإذا رجعنا إلى السفر رأينا أن فيه مصلحة للشركة ظاهرة، وعرف التجار اليوم يقبله خاصة مع تداخل التجارة، وسهولة الاتصالات، وسرعة المبادلات، واعتماد التجارة اليوم على الاستيراد والتصدير، وفتح أسواق البلاد بعضها على بعض إلا أن ذلك مقيد بحالة الأمن دون حالة الخوف، ومناطق الحروب، والله أعلم.
* * *
стр. 6692
الفرع السابع
في حق الشريك في الإقالة
تصرف الشريك ... ينفذ بلا إذن شريكه إذا كان في حدود مصلحة الشركة (١).
[م-١٣٠٨] اختلف الفقهاء في الشريك، هل له أن يقايل ما اشتراه الآخر، والخلاف فيها يرجع إلى الخلاف في الإقالة، فمن رأى أنها بيع رأى أن الشريك له أن يقايل؛ لأن له أن يبيع. ومن رأى أنها فسخ اختلفوا هل للشريك أن يفسخ العقد، أو ليس له ذلك؟ على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والمالكية والأصح في مذهب الحنابلة، أن الشريك له أن يقايل فيما بيع من مال الشركة، سواء أكان هو البائع أم شريكه.
جاء في بدائع الصنائع: «ولأحدهما أن يقايل فيما باعه الآخر؛ لأن الإقالة فيها معنى الشراء، وأنه يملك الشراء فيملك الإقالة» (٢).
وقيد المالكية الجواز بأن لا يكون في ذلك محاباة للبائع، وأن يكون في ذلك مصلحة للشركة.
وهذا القيد معتبر عند الفقهاء في كل من تصرف لغيره.
جاء في التاج والإكليل: «وإقالة أحدهما فيما باعه هو أو شريكه، وتوليته لازمة كبيعه، ما لم تكن فيه محاباة، فيكون كالمعروف لا يلزم إلا ما جرَّ به إلى
стр. 6693
التجارة نفعًا، وإلا لزمه قدر حصته منه، وإقالة لخوف عدم الغريم ونحوه من النظر» (١).
وجاء في شرح الخرشي: «ويجوز له أن يقيل من شيء باعه هو أو شريكه من مال المفاوضة بغير إذن شريكه؛ لأن كلًا وكيل عن صاحبه» (٢).
وجاء في الإنصاف: «قوله (وأن يقايل) هذا الصحيح من المذهب. قال في الكافي والشرح والفروع: ويقايل في الأصح. وقال في المغني: الأولى أنه يملك الإقالة; لأنها إذا كانت بيعا: فهو يملك البيع. وإن كانت فسخا: فهو يملك الفسخ بالرد بالعيب إذا رأى المصلحة فيه. فكذلك يملك الفسخ بالإقالة إذا كان فيه حظ ....
قال في القواعد: الأكثرون على أن المضارب والشريك يملك الإقالة للمصلحة. سواء قلنا: هي بيع أو فسخ ... » (٣).
وفي المبدع: «ويقايل؛ لأن الحظ قد يكون فيها، وظاهره مطلقًا، وهو الأصح؛ لأنها إن كانت بيعًا فقد أذن له فيه، وإن كانت فسخًا، ففسخ البيع المضر من مصلحة التجارة، فملكه كالرد بالعيب» (٤).
القول الثاني:
ذهب الحنابلة في أحد القولين إلى أن الشريك ليس له أن يقيل
стр. 6694
جاء في الإنصاف: «وقيل: ليس له ذلك ـ يعني: الإقالة ـ وأطلقهما في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والهادي والتلخيص والرعايتين والحاوي الصغير» (١).
وجه القول بذلك:
الإقالة على الصحيح أنها فسخ للبيع، وليست بيعًا، وإذا كانت فسخًا لم يملكها الشريك؛ لأن الفسخ ليس من أعمال التجارة.
جاء في الإنصاف: «وقال في الفصول على المذهب: لا يملك الإقالة. وعلى القول بأنها بيع: يملكها. وتقدم ذلك في فوائد الإقالة» (٢).
والقول بالمنع هو مقتضى قواعد مذهب الشافعية، حيث قالوا: المال المشترك لا يجوز لأحد التصرف فيه إلا بإذن صاحبه (٣).
القول الثالث:
أنه يجوز للشريك أن يقيل مع الإذن وإلا فلا، وهو قول في مذهب الحنابلة» (٤).
وهذا القول ليس قولًا جديدًا، ولولا أن صاحب الإنصاف حكاه لما ذكرته؛ لأن القول بالجواز مع الإذن يرجع إلى القول بأنه ليس للشريك أن يقيل، لأن كل التصرفات المباحة تجوز مع إذن الشريك.
стр. 6695
الراجح:
أن الشريك له أن يقيل كما له أن يبيع ويشتري؛ لأن جميع الأعمال التي تحقق مصلحة للشركة مأذون فيها للشريك، وإن لم تكن بيعًا أوشراء، والله أعلم.
* * *
стр. 6696
الفرع الثامن
في الرد بالعيب
الإذن بالتجارة إذن في توابعها (١).
كل من ملك التجارة يملك ما هو من توابعها (٢).
الشركة تنعقد على عادة التجار (٣).
[م-١٣٠٩] اختلف الفقهاء في حق الشريك أن يرد بالعيب ما اشتراه شريكه على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الرد بالعيب من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد، فليس للشريك أن يرد بالعيب ما اشتراه شريكه (٤).
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «الرد بالعيب أيضًا من حقوق العقد، فما اشتراه أحد الشريكين ليس للآخر رده بالعيب ... » (٥).
القول الثاني:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الشريك له أن يرد بالعيب ما اشتراه شريكه.
جاء في شرح الخرشي: «كل واحد من الشريكين وكيل عن صاحبه في البيع
стр. 6697
والشراء والأخذ والعطاء .... ويطالب كل واحد بتوابع معاملة الآخر من استحقاق، ورد بعيب» (١).
وجاء في الإنصاف: «(ويجوز لكل واحد منهما أن يرد بالعيب). يعني ولو رضي شريكه وله أن يقر به بلا نزاع. قال في التبصرة: ولو بعد فسخها» (٢).
وقال ابن قدامة: «أما الشريكان إذا اختلفا في رد المعيب فلطالب الرد رد نصيبه وللآخر إمساك نصيبه إلا أن يكون البائع لم يعلم أن الشراء لهما جميعًا فلا يلزمه قبول رد بعضه; لأن ظاهر الحال أن العقد لمن وليه فلم يجز إدخال الضرر على البائع بتبعيض الصفقة عليه» (٣).
الراجح:
إذن الشريك مقيد بشرط السلامة، وشراء الشريك للشركة يتناول السليم دون المعيب، وإذا رد الشريك ما اشتراه شريكه يكون كما لو رده المشتري؛ لأن الشريك وكيل عن شريكه، والوكيل نائب عن موكله، والله أعلم.
стр. 6698
الفرع التاسع
في حق الشريك في دفع المال إلى أجني مضاربة
الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة (١).
كل تصرف يفتقر إلى الإذن لم يقم السكوت مقام الإذن (٢).
[م-١٣١٠] اختلف الفقهاء في حق الشريك في دفع المال إلى أجنبي مضاربة على قولين:
القول الأول:
لكل واحد من الشريكين أن يدفع مال الشركة إلى أجنبي مضاربة. وهو مذهب الحنفية، وبعض الحنابلة، وبه قال المالكية في شركة المفاوضة بشرط أن يتسع المال لذلك (٣).
جاء في البحر الرائق: «ولكل من شريكي العنان والمفاوضة أن يبضع،
стр. 6699
ويستأجر، ويودع، ويضارب، ويوكل» (١).
جاء في المدونة: «أرأيت المتفاوضين، هل يجوز لهما أن يقارض أحدهما دون صاحبه في قول مالك؟ قال: نعم، إذا كانا تفاوضا كما وصفت لك، قد فوض هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا يعمل بالذي يرى» (٢).
وجاء في بداية المجتهد: «ويجوز لأحد الشريكين أن يبضع وأن يقارض .... » (٣).
القول الثاني:
ليس للشريك أن يدفع مال الشركة إلى مضارب أجنبي إلا بإذن شريكه، وهو مذهب الشافعية ومذهب الحنابلة (٤).
وجه القول بالجواز:
الوجه الأول:
إذا كان للشريك أن يستأجر من يعمل في مال الشركة، فلأن يملك الدفع مضاربة أولى؛ لأن الأجير يستحق الأجر مطلقًا سواء حصل في الشركة ربح أو لم يحصل، والمضارب لا يستحق شيئًا بعمله إلا إذا كان في المضاربة ربح.
الوجه الثاني:
أن المضاربة أضعف من الشركة، والأقوى يستتبع الأضعف، وإنما كانت
стр. 6700
المضاربة أضعف؛ لأن الخسارة فيها يختص بها رب المال، وهي في الشركة على الشريكين بقدر المال.
وفي المضاربة الفاسدة ليس للمضارب شيء من الربح، أما في الشركة الفاسدة فالربح بين الشريكين بقدر المال.
ثم إن مقتضى الشركة الاشتراك في الأصل والربح، ومقتضى المضاربة الاشتراك في الربح دون الأصل.
وجه من قال: لا يجوز:
أن مضاربة الأجنبي تثبت في المال حقوقًا للغير، وبه يستحق جزءًا من الربح لغير الشركاء فلا تصح بدون إذن الشركاء.
الراجح:
الذي أميل إليه أن الشريك ليس له حق في عقد المضاربة مع آخرين؛ لأن ذلك يعني إدخال شركاء في عقد الشركة، وهذا لابد من الاتفاق عليه، ولأن الأنسان قد يرضى فلانًا مضاربًا ولا يرضى غيره، ولأن الدخول في المضاربة قد لا يكون في مصلحة الشركة في كل حال؛ لأنها عرضة للخسارة، والله أعلم.
стр. 6701
الفرع العاشر
في إقرار الشريك بدين على الشركة
الإذن بالتجارة لا يتضمن الإبراء والإقرار (١).
الشريك وكيل، ولا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله من جهة النطق، أو من جهة العرف (٢).
[م-١٣١١] إذا أقر أحد الشريكين بدين على الشركة، فهل يلزم الشريك إقراره؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والصحيح في مذهب الحنابلة إلى أن إقرار الشريك في شركة العنان لا يجوز على صاحبه، بخلاف شركة المفاوضة فقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أن إقراره على شريكه نافذ بشرط ألا يكون متهمًا في إقراره؛ لأن الإقرار من توابع التجارة؛ فلو لم يصح إقراره لم يعامله أحد، فلا بد من قبول إقراره فيما هو من باب التجارة (٣).
стр. 6702
واستثنى الحنفية إقرار الشريك في حال كان المال في يده، فإنه يقبل؛ لأنه أمين بخلاف ما إذا لم يكن المال في يده؛ لأنه يدعي دينًا عليه فلا يقبل (١).
وإليك نصوص الفقهاء الدالة على هذا:
جاء في بدائع الصنائع: «ولو أقر بدين لم يجز على صاحبه؛ لأن الإقرار حجة قاصرة، فلا يصدق في إيجاب الحق على شريكه بخلاف المفاوضة؛ لأن الجواز في المفاوضة بحكم الكفالة لا بالإقرار» (٢).
وفي مجلة الأحكام العدلية: «المفاوضان كفيل بعضهما لبعض ... وعليه فكما ينفذ إقرار أحدهما في حق نفسه، يكون نافذًا في حق شريكه على ذلك الوجه، فإذا أقر أحدهما بدين فللمقر أن يطالب أيهما شاء» (٣).
وجاء في حاشية ابن عابدين: «إذا قال الشريك: استقرضت ألفًا، فالقول له: إن المال في يده ..... لأنه حينئذ أمين، فقد ادعى أن الألف حق الغير، بخلاف ما إذا لم يكن في يده؛ لأنه يدعي دينًا عليه» (٤).
وفي الفتاوى الهندية: «ويجوز إقرار أحد شريكي العنان لمن لا تقبل شهادته له بدين وجب بسبب تجارة دخلت تحت شركتهما بالإجماع، ويلزمه دون صاحبه، وإقرار أحد المتفاوضين لمن لا تقبل شهادته له لا يصح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أصلًا لا في حق شريكه ولا في حق نفسه كذا في المحيط» (٥).
стр. 6703
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت لو أن متفاوضين في تجارة أقر أحدهما بدين من تجارتهما؟ قال: يلزم صاحبه إقراره إذا كان الذي أقر له بالدين ممن لا يتهم عليه» (١).
وفي بداية المجتهد: «وإقرار أحد الشريكين في مال لم يتهم عليه لا يجوز» (٢).
وجاء في تصحيح الفروع: «قوله في شركة العنان: ويقبل إقرار أحدهما بعين ودين على المال قبل الفرقة بينهما في وجهٍ.
وفي آخر في نصيبه ..... و القول الثاني: هو الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب وقطع به في الكافي والمغني والوجيز وغيرهم وقدمه في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة والمقنع والشرح والرعايتين والحاوي الصغير وشرح ابن منجى وابن رزين وغيرهم» (٣).
وجاء في مطالب أولي النهى: «لا يقبل إقرار أحدهما بدين إن كان غير متعلق بالشركة؛ لأنه غير مأذون فيه، أما إذا كان مأذونًا بالاستدانة للشركة، وأقر أنه استدان لها فيقبل إقراره أصالة عن نفسه، ووكالة عن شريكه؛ لأن إذنه في الاستدانة تضمن الإقرار بمتعلقاتها، وهو متجه» (٤).
القول الثاني:
يقبل إقرار أحد الشريكين بدين على المال قبل الفرقة بينهما، اختاره القاضي
стр. 6704
من الحنابلة، وصححه الناظم، قال المرداوي في تصحيح الفروع: «وهو الصواب، وهل هو إلا وكيل في حصة شريكه؟ وقد قال الأصحاب: يقبل إقرار الوكيل في كل تصرف وكل فيه، وهذا كذلك» (١).
الراجح:
قبول إقرار الشريك على شريكه إلا في حالتين:
إذا كان لم يأذن له في الاستدانة، فإن هذا يعتبر تعديًا منه.
أو كان إقراره لمن يتهم عليه، كإقراره لأبيه، أو لولده، والله أعلم.
* * *
стр. 6705
الفرع الحادي عشر
في تصرفات الشريك في مال الشركة
الإذن بالتجارة إذن في توابعها (١).
الإذن في الشيء إذن في لوازمه.
من تصرف لغيره بولاية، أو وكالة، ففاتت المصلحة مع اجتهاده، وعدم تفريطه فلا ضمان عليه (٢).
[م-١٣١٢] لا خلاف بين الفقهاء في أن الشريك يملك بمقتضى عقد الشركة أن يبيع ويشتري، ويأخذ ويعطي، والإذن في الشيء إذن في لوازمه، فله أن يقبض المبيع والثمن، ويقبضهما، ويخاصم في الدين، ويطالب به، ويحيل ويحتال، ويرد بالعيب.
جاء في بدائع الصنائع: «لأحد شريكي العنان أن يبيع مال الشركة؛ لأنهما بعقد الشركة أذن كل واحد لصاحبه ببيع مال الشركة; ولأن الشركة تتضمن الوكالة فيصير كل واحد منهما وكيل صاحبه بالبيع; ولأن غرضهما من الشركة الربح، وذلك بالتجارة وما التجارة إلا البيع والشراء فكان إقدامهما على العقد إذنًا من كل واحد منهما لصاحبه بالبيع والشراء دلالة» (٣).
وجاء في المغني لابن قدامة: «شركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة ; لأن كل واحد منهما يدفع المال إلى صاحبه أمنة وبإذنه له في التصرف وكله.
стр. 6706
ومن شرط صحتها أن يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فإن أذن له مطلقا في جميع التجارات تصرف فيها وإن عين له جنسًا أو نوعًا أو بلدًا تصرف فيه دون غيره ; لأنه متصرف بالإذن فوقف عليه كالوكيل. ويجوز لكل واحد منهما أن يبيع ويشتري مساومة، ومرابحة، وتولية، ومواضعة وكيف رأى المصلحة ; لأن هذا عادة التجار. وله أن يقبض المبيع، والثمن ويقبضهما ويخاصم في الدين ويطالب به ويحيل ويحتال ويرد بالعيب فيما وليه هو وفيما ولي صاحبه» (١).
* * *
стр. 6707
المسألة الأولي
في بيع الشريك بغبن فاحش
[م-١٣١٣] اختلف الفقهاء في بيع الشريك بغبن فاحش:
فأجازه أبو حنيفة.
ومنعه أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، كما منعه كل من الشافعية، والحنابلة، وهو مقتضى مذهب المالكية قياسًا على منع الوكيل (١).
جاء في بدائع الصنائع: «وأما بيعه فعلى الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم في التوكيل بمطلق البيع أنه يملك البيع نقدًا ونسيئة، وبغبن فاحش في قول أبي حنيفة ﵀، فالمضارب أولى؛ لأن المضاربة أعم من الوكالة» (٢).
وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «وإن باع بغبن فاحش لم يصح في نصيب شريكه، وفي نصيبه قولا تفريق الصفقة» (٣).
وجاء في شرح الخرشي: «وللموكل رد البيع بالغبن الفاحش» (٤).
وجاء في كشاف القناع: «ولا يحابي، فيبيع بأنقص من ثمن المثل، أو يشتري بأكثر منه؛ لأن الشركة انعقدت على التجارة بالمال، وهذه ليست منها» (٥).
стр. 6708
الراجح:
أن البيع بغبن فاحش إن كان المغبون يثبت له الخيار مطلقًا، كان للشريك أن يقبل، أو يرفض البيع، فإذا قبل كان البيع صحيحًا لإذن الشريك بذلك، وإن رفض البيع فسخ البيع. وإن كان المغبون لا يثبت له الخيار نظر، فإن كان الشريك قد فرط أصبح المغبون ضامنًا مقدار ما غبن فيه لشريكه، وإن كان قد احتاط في البيع والشراء، واجتهد فيه، ولم يكن الباعث على ذلك محاباة، وقد بذل العامل جهده، واستفرغ وسعه، ثم ظهر غبن لم يقصر فيه فهو معذور يشبه خطأ الإمام، أو الحاكم، ولأن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة، أو حصول المفسدة ولا لزوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر. وهذا اختيار ابن تيمية (١).
* * *
стр. 6709
المسألة الثانية
في بيع الشريك بالدين
جاء في كشاف القناع: الاستدانة على الغير بغير إذنه لا تجوز (١).
[م-١٣١٤] اتفق الفقهاء على جواز بيع الشريك نقدًا، واختلفوا في البيع نسيئة على قولين:
القول الأول:
له أن يبيع ويشتري بالنسيئة، وهو مذهب الحنفية، والصحيح من مذهب الحنابلة، ومذهب المالكية في شركة المفاوضة (٢).
جاء في المبسوط: «ويبيع بالنقد والنسيئة، وعندنا هذا يملكه كل واحد منهما بمطلق عقد الشركة» (٣).
وجاء في بدائع الصنائع: «وله أن يبيع مال الشركة بالنقد والنسيئة ; لأن الإذن بالبيع بمقتضى الشركة وجد مطلقًا، ولأن الشركة تنعقد على عادة التجار ومن عادتهم البيع نقدًا ونسيئة» (٤).
стр. 6710
وجاء في الإنصاف: «وأما جواز البيع نساء، فأطلق المصنف فيه وجهين، وهما روايتان ..... أحدهما: له ذلك، وهو الصحيح من المذهب» (١).
وفي الكافي في فقه الإمام أحمد: «وهل لأحدهما أن يبيع نساء .... ؟ يخرج على روايتين: إحداهما له ذلك؛ لأنه عادة التجار، ولأن المقصود الربح، وهو في هذه أكثر» (٢).
القول الثاني:
ليس له أن يبيع بالدين، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
وجه المنع:
أن في البيع نساء تغريرًا بالمال، وتعريضه للضياع، وهذا لابد فيه من إذن الشريك.
الراجح:
الذي أميل إليه أن الشريك لا يبيع نساء إلا أن يكون هناك إذن من الشريك، سواء كان الإذن صريحًا أو عرفيًا، فإن لم يكن فلا يحق له البيع نساء، ولو كان فيه مصلحة للشركة؛ لأن هذه المصلحة يقابلها مفسدة أخرى، وهو خوف إعسار المدين، ومطله، وتجميد قدر من رأس مال الشركة إلى حين السداد، والله أعلم.
* * *
стр. 6711
المسألة الثالثة
في شراء الشريك بالدين
الشراء بالدين إذا تضمن زيادة رأس مال الشركة منع إلا بإذن الشريك.
[م-١٣١٥] عرفنا في المسألة السابقة خلاف العلماء في البيع بالدين، فما حكم الشراء بالدين؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن للشريك أن يشتري بالدين بشرط أن يكون في يده من مال الشركة من ذلك الجنس. فإذا اشترى بالدراهم أو بالدنانير نسيئة اشترط أن يكون في يده مال ناض للشركة دراهم أو دنانير.
وإذا اشترى بالعروض كالمكيل أو الموزون نسيئة اشترط أن يكون في يده مثلها. فإن لم يكن في يده صار مشتريًا لنفسه، وليس للشركة.
وإن كان في يده عروض فاشترى بالدراهم والدنانير نسيئة لم يصح؛ لأن العروض لا تصلح أن تكون رأس مال الشركة.
وإن كان في يده دراهم فاشترى بالدنانير نسيئة أو العكس صح استحسانًا؛ لأن الدراهم والدنانير كجنس واحد، وهما متجانسان معنى في الثمنية وفي ضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، فصار كأنه اشترى بجنس ما في يده صورة ومعنى (١).
стр. 6712
ومذهب الحنابلة قريب من مذهب الحنفية حيث منع الحنابلة الشراء بأكثر من رأس المال، أو بثمن ليس معه من جنسه إلا في النقدين بأن يشتري بفضة ومعه ذهب أو بالعكس؛ لأنه عادة التجار، ولا يمكن التحرز منه، ويجوز أن يشتري نساء ما عنده ثمنه؛ لأنه لا يفضي إلى الزيادة في رأس مال الشركة (١).
قال ابن قدامة في الشرح الكبير: «وليس له أن يستدين على مال الشركة، فإن فعل فهو عليه، وربحه له، إلا أن يأذن شريكه ...... لأنه أدخل في الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه، فلم يجز كما لو ضم إليها ألفًا من ماله .... فإن أذن له شريكه جاز كبقية أفعال التجارة المأذون فيها» (٢).
وجاء في الإنصاف: «وليس له أن يستدين بأن يشتري بأكثر من رأس المال. هذا المذهب المنصوص عن الإمام أحمد ﵀، وعليه جماهير الأصحاب» (٣).
وقال ابن قدامة: «ولا يستدين على مال الشركة، ولا يشتري ما ليس عنده ثمنه؛ لأنه يؤدي إلى الزيادة في مال الشركة، ولم يؤذن فيه، فإن فعل فعليه ثمن ما اشتراه، ويختص بملكه وربحه وضمانه .... ويجوز أن يشتري نساء ما عنده ثمنه؛ لأنه لا يفضي إلى الزيادة فيها» (٤).
وجه قول الحنفية والحنابلة:
أن الشريك وكيل بالشراء، والوكيل بالشراء يملك الشراء بالنقد والنسيئة إلا
стр. 6713
أننا اشترطنا أن يكون في يده من مال الشركة من ذلك الجنس حتى لا يكون مستدينًا على المالك، فليس للشريك شركة عنان، ولا للمضارب ولاية الاستدانة بمطلق العقد إلا أن يؤذن لهما في ذلك، ولأنه لو صح استدانتهما زاد مال الشركة والمضاربة، وما رضي كل واحد من الشريكين بتصرف صاحبه إلا في مقدار ما جعلاه رأس المال، فلهذا كان شراؤه بالنسيئة في هذه الحالة على نفسه خاصة.
القول الثاني:
ذهب خليل وابن عبد السلام من المالكية إلى أنه لا يجوز له الشراء بالدين بغير إذن شريكه، فإن أذن له شريكه فإن كان في شيء معين جاز، وإن كان الإذن في شيء غير معين لم يجز (١).
قال الدسوقي: «وحاصل ما ذكره الشارح: أن الشريك إذا اشترى بالدين، فإما أن يكون بإذن شريكه أو لا، وفي كل: إما أن تكون السلعة معينة أو لا. فإن كان بغير إذن شريكه فالمنع، كانت السلعة معينة أم لا. وإن كان بإذنه جاز إن كانت السلعة معينة وإلا منع .... » (٢).
وقال الخرشي: «وأما الشراء بالدين في شيء غير معين فلا يجوز لأحدهما ولا لهما؛ لأنها شركة ذمم، وبعبارة: لا الشراء به؛ لئلا يأكل شريكه ربح ما لم يضمن» (٣).
стр. 6714
القول الثالث:
ذهب بعض المالكية كابن الحاجب، وابن شاس، وابن عرفة، وحكى بعضهم أن هذا هو مذهب المالكية إلى جواز شراء أحد الشريكين بالدين، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وعللوا ذلك: بأنه لابد للناس من ذلك، ولأنه إذا جاز البيع بالدين جاز الشراء به، ولا فرق.
والصحيح أن هناك فرقًا بين البيع بالدين والشراء به، فالأول لا يتضمن الزيادة على رأس مال الشركة بخلاف الثاني.
الراجح:
الذي أميل إليه إلى أن الشراء بالدين يتوقف على إذن الشريك، فإن أذن له جاز، وإن لم يأذن كان الشراء للشريك، وليس للشركة، والله أعلم.
стр. 6715
المسألة الرابعة
تصرف الشريك في الرهن والارتهان
قال ابن قدامة: الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه (١).
الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة (٢).
إذا رهن الشريك متاعًا بدين عليهما، أو ارتهن بدين لهما فإن كان بإذن شريكه جاز، وإن كان بدون إذنه فقد اختلف العلماء في على أربعة أقوال:
القول الأول:
إن كانت الشركة مفاوضة جاز له أن يرهن ويرتهن على شريكه مطلقًا.
جاء في المبسوط: «ورهن المفاوض وارتهانه بدين المفاوضة جائز عليه، وعلى شريكه كالاستيفاء .... وليس لشريكه أن ينقض الرهن؛ لأنه سلطه على أن يرهن ويبيع» (٣).
وإن كانت الشركة عنانًا فليس له الرهن، فإن رهن عين مال الشركة بدين عليهما لم يجز، وكان ضامنًا للرهن.
وإن ارتهن بدين لهما، وقبض الرهن لم يجز على شريكه؛ لأنه لم يسلطه أن يرتهن، وصح في نصيبه إن كان هو العاقد، فإن تلف الرهن بيده بعد القبض،
стр. 6716
فإن كانت قيمة الرهن مساوية لقيمة الدين كان شريكه مخيرًا إن شاء ضَمِن حصته من الدين من مال شريكه؛ لأن هلاك الرهن في يده بمنزلة استيفاء الدين، وإن شاء راجع المدين، وطلب حصته من الدين، وفي هذه الصورة للمدين الرجوع على المرتهن بنصف الرهن.
وإن وجب الدين بعقد شريكه أو بعقدهما لم يصح الارتهان. هذا مذهب الحنفية.
ويكفي في إذن الشريك في الرهن والارتهان، أن يقول له: اعمل فيه برأيك (١).
وجه التفريق بين شركة العنان والمفاوضة:
أن كل واحد من الشريكين في شركة العنان وكيل بالبيع فقط، لذا اشترطنا أن يلي العقد بنفسه؛ لأن الرهن إيفاء والارتهان استيفاء، والوكيل بالبيع فقط لا يملك حق الإيفاء والاستيفاء من مال شريكه إلا بإذنه، وأما شركة المفاوضة فكل واحد منهما يملك الإيفاء والاستيفاء فيما عقده صاحبه؛ لأنه قد فوض الرأي إليه في التصرف فيكون على هذا قد سلطه على أن يرهن ويبيع ويودع ويضارب ويسافر بالمال ويخلطه ... الخ ما يقوم به التاجر.
القول الثاني:
إن كانت الشركة عنانًا فليس له حق الرهن والارتهان إلا بإذن شريكه؛ وهذا
стр. 6717
مذهب المالكية؛ لأنه إذا كان الشريك في شركة العنان ممنوعا من البيع إلا بموافقة شريكه، فالرهن والارتهان من باب أولى.
قال الخرشي: «شركة العنان ... مأخوذة من عنان الدابة، أي كل وحد من الشريكين شرط على صاحبه أن لا يستبد بفعل شيء في الشركة إلا بإذن شريكه، ومعرفته، فكأنه أخذ بعنانه: أي بناصيته أن لا يفعل فعلًا إلا بإذنه» (١).
ولم أقف على قولهم في شركة المفاوضة، وإن كان ظاهر كلامهم من إطلاق التصرف في شركة المفاوضة أنه يملك الرهن والارتهان، والله أعلم.
جاء في الفواكه الدواني: «إن أطلق كل واحد لصاحبه التصرف في العقد أو بعده، كانت شركة مفاوضة، يجوز لكل واحد التصرف بالمصلحة من غير إذن شريكه، فيبيع، ويشتري، ويقبل، ويولي، ويقبل العيب، وإن أبى شريكه، وإن لم يطلق له، بأن سكت كلٌ حين العقد، أو حجر على صاحبه باللفظ، كانت شركة عنان» (٢).
قال ابن عبد السلام: «إن كلًا من الشريكين يجوز تصرفه في مال شريكه، في حضرته، ومع غيبته، فلو شرطا أنه لا يتصرف واحد منهما إلا بحضرة صاحبه، وموافقته عليه ... لزم الشرط، وتسمى شركة عنان» (٣).
القول الثالث:
ليس له أن يرهن ولا أن يرتهن مطلقًا، وهذا وجه في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 6718
وهو مقتضى مذهب الشافعية، وإن لم أجد نصًا صريحًا عنهم، إلا أنهم قالوا: «تصرف الشريك كتصرف الوكيل» (١)، وقال الماوردي في الحاوي: «تصرف الوكيل مقصور على ما تضمنه الإذن الصريح» (٢).
ونص الشافعية بأن الوكيل في البيع لا يحق له الرهن (٣).
وقال الشيرازي: «ولا يجوز لأحد الشريكين أن يتصرف في نصيب شريكه إلا بإذنه، فإن أذن كل واحد منهما بالتصرف تصرفا .... ولا يجوز لأحدهما أن يتجر في نصيب شريكه إلا في الصنف الذي يأذن فيه الشريك، ولا أن يبيع بدون ثمن المثل، ولا بثمن مؤجل .... إلا أن يأذن له شريكه؛ لأن كل واحد منهما وكيل للآخر في نصفه، فلا يملك إلا ما يُمَلَّك كالوكيل» (٤)، والله أعلم.
وجه المنع:
أن في الرهن خطرًا على ضياع المال.
ويناقش:
لو صح ذلك في الرهن لم يصح في الارتهان، لأن في الارتهان توثيق الدين، والرجوع على المرهون عند تعذر الوفاء للاستيفاء منه.
القول الرابع:
له أن يرهن ويرتهن، لا فرق بين أن يكون ممن ولي العقد أو من غيره، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
стр. 6719
قال في الإنصاف: وهو الصحيح من المذهب (١).
وقال ابن قدامة: «وهل لأحدهما أن يرهن بالدين الذي عليهما، أو يرهن بالدين الذي لهما على وجهين أصحهما أن له ذلك عند الحاجة؛ لأن الرهن يراد للإيفاء والارتهان يراد للاستيفاء، وهو يملك الإيفاء والاستيفاء فملك ما يراد لهما ..... ولا فرق بين أن يكون ممن ولي العقد أو من غيره؛ لكون القبض من حقوق العقد، وحقوق العقد لا تخص العاقد، فكذلك ما يراد له» (٢).
الراجح:
أن الشريك إذا باع بالدين فإن كان قد أذن له بذلك، فإن الارتهان ينبغي أن لا يختلف فيه؛ لأنه تصرف يعود على الشركة بالمصلحة، ففيه حفظ لمال الشركة، والشريك مأمور في كل تصرف يكون فيه مصلحة للشركة.
وأما رهن مال الشركة في شراء شيء للشركة دينًا فهو محل اجتهاد؛ لأن ذلك يعني تجميد مقدار من مال الشركة، وتجميده يعني تعطيله من تحريكه في السوق، والاكتساب به، فهل يقال: إن الإذن للشريك في الشراء بالدين من رأس مال الشركة يعني الإذن في الرهن، أو يقال: إن الإذن بالشراء بالدين لا يعني الإذن بالرهن، لأن الشراء غير الرهن، هذا محل تأمل، والله أعلم.
* * *
стр. 6720
المسألة الخامسة
في إبضاع الشريك
كل تصرف لا يتضمنه الإذن المطلق، ولا العرف الجاري، ولا فيه مصلحة للشركة فإن الشريك ممنوع منه (١).
[م-١٣١٦] الإبضاع: هو أن يدفع المال لمن يشتري له بضاعة متبرعًا (٢).
وهل للشريك أن يبضع دون إذن شريكه، اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
للشريك أن يبضع دون إذن شريكه، وهذا مذهب الحنفية، ورواية في مذهب الحنابلة، وهو مذهب المالكية في شركة المفاوضة (٣).
قال في البحر الرائق: «ولكل من شريكي العنان والمفاوضة أن يبضع، ويستأجر، ويودع ... » (٤).
وفي التاج والإكليل: «لأحد المتفاوضين أن يبضع ويقارض دون إذن شريكه» (٥).
стр. 6721
وجه ذلك:
أن الشريك إذا جاز له أن يستأجر من يتجر فيه بأجرة فجوازه بغير أجر من باب أولى.
ولأن الإبضاع معتاد في عقد الشركة، ومن عادة التجار، وهو طريق لحصول الربح.
القول الثاني:
ليس له أن يبضع إلا أن يأذن له الشريك، وهو مذهب الشافعية، وأصح القولين في مذهب الحنابلة (١).
جاء في المحرر: «وليس له أن يبضع ولا يودع في أصح الوجهين» (٢).
وفي الكافي: «فإن قال له: اعمل برأيك فله عمل ما يقع في التجارة من الرهن والارتهان ... والإبضاع بالمال» (٣).
الراجح:
أرى أن القول بأن للشريك أن يبضع دون إذن شريكه هو الأقوى، والأصلح للشركة، وأحب إلي أن يتولى المتبرع العقد، ويتولى الشريك بنفسه الدفع والقبض حفاظًا على مال الشركة، والله أعلم.
* * *
стр. 6722
الباب الثالث
في شركة الأعمال (الأبدان)
توطئه
في تعريف شركة الأعمال
تعريف شركة الأعمال:
تعددت مسميات شركة الأعمال لدى الفقهاء:
فأطلق عليها بعضهم (شركة الأبدان)؛ لأن العمل يكون من الشريكين بأبدانهما غالبًا.
وسماها بعضهم (شركة الصنائع)؛ لأن الصنعة هي الدافع إلى المشاركة، فهي تقوم بين أصحاب الحرف والصنائع.
وسميت (شركة التقبل)؛ لقبول أحدهما العمل وإلقائه على صاحبه، أو لأن المشتركين يتقبلون الصنائع والأعمال من الناس.
وسميت (شركة التضمن)؛ لأن كلًا من الشريكين ضامن لما يتقبله الآخر، إذا عرفنا مسمياتها، فنأتي على تعريفها الاصطلاحي.
تعريف الحنفية:
عرفها بعضهم بقوله: «وهي أن يشترك خياطان، أو خياط وصباغ على أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما» (١).
стр. 6723
مفهوم شركة الأعمال عند الحنفية:
(ا) ـ العقد عند الحنفية وارد على تقبل العمل، وليس على العمل نفسه، وعللوا ذلك بأن العمل عرض لا يقبل القبول (١).
(٢) ـ لا يشترط عند الحنفية اتحاد الصنعة عندهم، ولذلك جازت الشركة بين خياط وصباغ، كما لا يشترط عندهم اتحاد المكان خلافًا للمالكية في المسألتين كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(٣) ـ عبر الحنفية بالكسب بدلًا من قولهم الربح؛ لأن ما يجنيه الصانع من عمله أقرب إلى الكسب منه إلى الربح، فالربح نماء المال عن طريق البيع، بخلاف نماء العمل فإنه مكتسب، وقد يقال: المكتسب أعم من الربح، فكل ربح مكتسب، وليس كل مكتسب ربحًا.
تعريف المالكية:
قال النفرواي في تعريف شركة الأبدان: «لم أقف على حدها لأحد، ويمكن رسمها بالمعنى المصدري بأنها: اتفاق شخصين فأكثر متحدي الصنعة، أو متقاربيها على العمل، وما يحصل يكون على حسب العمل» (٢).
وعرفها بعض المالكية: بأنها عقد على عمل بينهما، والربح بينهما بما يدل عليه عرفًا (٣).
مفهوم شركة الأعمال عند المالكية:
(١) ـ قول المالكية: (عقد) إشارة إلى أن شركة الأعمال يجب أن يتوفر فيها
стр. 6724
مقومات العقد وأركانه العامة من صيغة، وعاقدين، ومحل، وما يشترط في الصيغة من شروط كتطابق الإيجاب والقبول، وما يشترط في العاقدين من أهلية وتحقق التراضي، وأن يكون المحل مباحًا.
(٢) ـ تشمل شركة الأعمال عند المالكية نوعين من المشاركة:
(أ) تقبل الأعمال. (ب) الاشتراك في تملك المباحات، خلافًا للحنفية حيث يمنعون المشاركة في تملك المباحات كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
جاء في المدونة: «هل يجوز للشريكين أن يشتركا على أن يحتطبا الحطب فما احتطبا من شيء فهو بينهما نصفين. قال: إن كان يعملان جميعًا معًا في موضع واحد فلا بأس» (١).
كما أجاز المالكية المشاركة في صيد السمك، وصيد الطير والوحش إذا كانا يعملان معًا، كما أجاز المالكية المشاركة في حفر القبور وحفر المعادن والآبار والعيون، وبناء البنيان، وعمل الطين، وضرب اللبن، وطبخ القرميد، وقطع الحجارة (٢).
(٣) ـ يشترط عند المالكية: اتحاد المكان والعمل، خلافًا للحنفية والحنابلة. فإن اختلف العمل كخياط وصباغ لم تصح شركة الأعمال عند المالكية إلا أن يتلازما، والمراد بالتلازم: أن يقف أحد العملين على الآخر: كأن يقوم أحدهما بالغوص لطلب اللؤلؤ والثاني يمسك عليه، ويجدف، أو أحدهما يصوغ، والثاني يسبك له، وهكذا (٣).
стр. 6725
قال ابن جزي: «وإنما تجوز بشرطين: أحدهما اتفاق الصنعة كخياطين وحدادين، ولا تجوز مع اختلاف الصنعة كخياط، ونجار. والشرط الثاني: اتفاق المكان الذي يعملان فيه، فإن كانا في موضعين لم يجز» (١).
(٤) شركة الأعمال عند المالكية قائمة على العمل، وقد يدخل المال في الشركة إلا أنه لا يكون مقصودًا الاتجار به بذاته، وإنما يراد أن يتوصل عن طريقه إلى تحقيق الغرض من المشاركة، كشراء آلات النجارة، وآلات الجراحة، وأدوات الحفر وقطع الحجارة ونحو ذلك.
وقد يخرجان مالًا، ويشتريان به ثيابًا أو جلودًا، ويفصلانها، ويخيطانها نعالًا، ويبيعانها، ثم يشتريان بثمنها ثيابًا وجلودًا يعملان عليها وهكذا، وذلك كثير (٢).
تعريف الشافعية:
قال النووي: شركة الأبدان: وهو أن يشترك الدلالان أو الحمالان أو غيرهما من أهل الحرف على ما يكسبان ليكون بينهما متساويًا أو متفاضلًا ... سواء اتفقا في الصنعة أو اختلفا (٣).
ولما كانت الشركة ممنوعة عند الشافعية لما فيها من الغرر والجهالة لم يتكلموا على خصائصها.
تعريف الحنابلة:
عرفها ابن قدامة بقوله: أن يشترك اثنان فيما يكتسبونه بأيديهم كالصناع