وجه ذلك:
أن الشريك إذا جاز له أن يستأجر من يتجر فيه بأجرة فجوازه بغير أجر من باب أولى.
ولأن الإبضاع معتاد في عقد الشركة، ومن عادة التجار، وهو طريق لحصول الربح.
القول الثاني:
ليس له أن يبضع إلا أن يأذن له الشريك، وهو مذهب الشافعية، وأصح القولين في مذهب الحنابلة (١).
جاء في المحرر: «وليس له أن يبضع ولا يودع في أصح الوجهين» (٢).
وفي الكافي: «فإن قال له: اعمل برأيك فله عمل ما يقع في التجارة من الرهن والارتهان ... والإبضاع بالمال» (٣).
الراجح:
أرى أن القول بأن للشريك أن يبضع دون إذن شريكه هو الأقوى، والأصلح للشركة، وأحب إلي أن يتولى المتبرع العقد، ويتولى الشريك بنفسه الدفع والقبض حفاظًا على مال الشركة، والله أعلم.
* * *
стр. 6722
الباب الثالث
في شركة الأعمال (الأبدان)
توطئه
في تعريف شركة الأعمال
تعريف شركة الأعمال:
تعددت مسميات شركة الأعمال لدى الفقهاء:
فأطلق عليها بعضهم (شركة الأبدان)؛ لأن العمل يكون من الشريكين بأبدانهما غالبًا.
وسماها بعضهم (شركة الصنائع)؛ لأن الصنعة هي الدافع إلى المشاركة، فهي تقوم بين أصحاب الحرف والصنائع.
وسميت (شركة التقبل)؛ لقبول أحدهما العمل وإلقائه على صاحبه، أو لأن المشتركين يتقبلون الصنائع والأعمال من الناس.
وسميت (شركة التضمن)؛ لأن كلًا من الشريكين ضامن لما يتقبله الآخر، إذا عرفنا مسمياتها، فنأتي على تعريفها الاصطلاحي.
تعريف الحنفية:
عرفها بعضهم بقوله: «وهي أن يشترك خياطان، أو خياط وصباغ على أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما» (١).
стр. 6723
مفهوم شركة الأعمال عند الحنفية:
(ا) ـ العقد عند الحنفية وارد على تقبل العمل، وليس على العمل نفسه، وعللوا ذلك بأن العمل عرض لا يقبل القبول (١).
(٢) ـ لا يشترط عند الحنفية اتحاد الصنعة عندهم، ولذلك جازت الشركة بين خياط وصباغ، كما لا يشترط عندهم اتحاد المكان خلافًا للمالكية في المسألتين كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(٣) ـ عبر الحنفية بالكسب بدلًا من قولهم الربح؛ لأن ما يجنيه الصانع من عمله أقرب إلى الكسب منه إلى الربح، فالربح نماء المال عن طريق البيع، بخلاف نماء العمل فإنه مكتسب، وقد يقال: المكتسب أعم من الربح، فكل ربح مكتسب، وليس كل مكتسب ربحًا.
تعريف المالكية:
قال النفرواي في تعريف شركة الأبدان: «لم أقف على حدها لأحد، ويمكن رسمها بالمعنى المصدري بأنها: اتفاق شخصين فأكثر متحدي الصنعة، أو متقاربيها على العمل، وما يحصل يكون على حسب العمل» (٢).
وعرفها بعض المالكية: بأنها عقد على عمل بينهما، والربح بينهما بما يدل عليه عرفًا (٣).
مفهوم شركة الأعمال عند المالكية:
(١) ـ قول المالكية: (عقد) إشارة إلى أن شركة الأعمال يجب أن يتوفر فيها
стр. 6724
مقومات العقد وأركانه العامة من صيغة، وعاقدين، ومحل، وما يشترط في الصيغة من شروط كتطابق الإيجاب والقبول، وما يشترط في العاقدين من أهلية وتحقق التراضي، وأن يكون المحل مباحًا.
(٢) ـ تشمل شركة الأعمال عند المالكية نوعين من المشاركة:
(أ) تقبل الأعمال. (ب) الاشتراك في تملك المباحات، خلافًا للحنفية حيث يمنعون المشاركة في تملك المباحات كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
جاء في المدونة: «هل يجوز للشريكين أن يشتركا على أن يحتطبا الحطب فما احتطبا من شيء فهو بينهما نصفين. قال: إن كان يعملان جميعًا معًا في موضع واحد فلا بأس» (١).
كما أجاز المالكية المشاركة في صيد السمك، وصيد الطير والوحش إذا كانا يعملان معًا، كما أجاز المالكية المشاركة في حفر القبور وحفر المعادن والآبار والعيون، وبناء البنيان، وعمل الطين، وضرب اللبن، وطبخ القرميد، وقطع الحجارة (٢).
(٣) ـ يشترط عند المالكية: اتحاد المكان والعمل، خلافًا للحنفية والحنابلة. فإن اختلف العمل كخياط وصباغ لم تصح شركة الأعمال عند المالكية إلا أن يتلازما، والمراد بالتلازم: أن يقف أحد العملين على الآخر: كأن يقوم أحدهما بالغوص لطلب اللؤلؤ والثاني يمسك عليه، ويجدف، أو أحدهما يصوغ، والثاني يسبك له، وهكذا (٣).
стр. 6725
قال ابن جزي: «وإنما تجوز بشرطين: أحدهما اتفاق الصنعة كخياطين وحدادين، ولا تجوز مع اختلاف الصنعة كخياط، ونجار. والشرط الثاني: اتفاق المكان الذي يعملان فيه، فإن كانا في موضعين لم يجز» (١).
(٤) شركة الأعمال عند المالكية قائمة على العمل، وقد يدخل المال في الشركة إلا أنه لا يكون مقصودًا الاتجار به بذاته، وإنما يراد أن يتوصل عن طريقه إلى تحقيق الغرض من المشاركة، كشراء آلات النجارة، وآلات الجراحة، وأدوات الحفر وقطع الحجارة ونحو ذلك.
وقد يخرجان مالًا، ويشتريان به ثيابًا أو جلودًا، ويفصلانها، ويخيطانها نعالًا، ويبيعانها، ثم يشتريان بثمنها ثيابًا وجلودًا يعملان عليها وهكذا، وذلك كثير (٢).
تعريف الشافعية:
قال النووي: شركة الأبدان: وهو أن يشترك الدلالان أو الحمالان أو غيرهما من أهل الحرف على ما يكسبان ليكون بينهما متساويًا أو متفاضلًا ... سواء اتفقا في الصنعة أو اختلفا (٣).
ولما كانت الشركة ممنوعة عند الشافعية لما فيها من الغرر والجهالة لم يتكلموا على خصائصها.
تعريف الحنابلة:
عرفها ابن قدامة بقوله: أن يشترك اثنان فيما يكتسبونه بأيديهم كالصناع
стр. 6726
يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم، وإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح كالحطب، والحشيش، والثمار المأخوذة من الجبال .... فهذا جائز (١).
وصح عند الحنابلة أن يقول أحدهما: أنا أتقبل، وأنت تعمل (٢).
مفهوم شركة الأعمال عند الحنابلة:
(١) قول الحنابلة: (أن يشترك اثنان) سواء أكان الاثنان طبيعيين أم كانا اعتباريين، كما لو قام عقد بين شركتين اعتباريتين، أحدهما شركة تقوم على حرفة التجارة، والأخرى على حرفة الصناعة، ثم تعقد الشركتان بينهما شركة أعمال تكون كل منهما طرفًا في الشركة الجديدية.
(٢) ـ قول الحنابلة (فيما يكتسبون من المباح) مفهوم شركة الأعمال عند الحنابلة موافق لمفهوم شركة الأعمال عند المالكية، حيث شملت الشركة نوعين من المشاركة:
الأولى: تقبل الأعمال، جاء في الفروع: «وهي أن يشتركا فيما يتقبلانه في ذممهما من عمل» (٣).
الثانية: الاشتراك فيما يتملكان من مباح، كالاحتطاب والاحتشاش، ونحوها، جاء في الإنصاف: «ويصح في الاحتشاش والاصطياد ... وسائر المباحات» (٤).
стр. 6727
(٣) ـ لا يشترط عند الحنابلة اتحاد المكان، واتحاد العمل خلافًا للمالكية، بل يصح أن يكون العمل من أحدهما، والتقبل من الآخر، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
(٥) ـ لا يشترط اتقان العمل من الشريكين، بل يمكن أن يتقبل العمل من لا يتقنه، ثم يدفعا العمل إلى من يتقنه. وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لهذا في مبحث مستقل.
* * *
стр. 6728
الفصل الأول
في مشروعية شركة الأبدان
قال ابن تيمية: الأصل في العقود الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله (١).
تعامل الناس من غير نكير أصل من الأصول (٢).
[م-١٣١٧] اختلف الفقهاء في حكم شركة الأبدان على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تصح مطلقًا، مع اتحاد الصنعة واختلافها، وسواء عملا جميعًا أو عمل أحدهما، وتقبل الآخر، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، ووجه ضعيف في مذهب الشافعية (٣).
стр. 6729
واستدلوا لذلك بالآتي:
الدليل الأول:
الأصل في المعاملات الحل والإباحة حتى يقوم دليل صحيح صريح على التحريم، ولا يوجد دليل على تحريم شركة الأعمال.
الدليل الثاني:
الاستدلال بالعام على بعض أفراده، فإن الاستدلال به من باب الاستدلال بالكلي على جزئياته، وقد قامت الأدلة الصحيحة على صحة الشركة بوجه عام، وهي بعمومها دالت على جواز شركة الأعمال، وحصر الاستدلال بها على شركة العنان كما يقول الشافعية تخصيص للعام بلا مخصص، وقد سقنا الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على جواز الشركة بوجه عام، وكل هذه الأدلة صالحة للاستدلال بها على جواز شركة الأعمال، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
الدليل الثالث:
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
وجه الاستدلال
أن اشتراك الغانمين في المغانم من قبيل المشاركة بالأعمال، فهم إنما استحقوا الغنيمة بالعمل، وهو الجهاد في سبيل الله.
الدليل الرابع:
(ث-١٦٢) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
стр. 6730
أبي عبيدة،
عن عبد الله قال: اشتركنا يوم بدر أنا وعمار وسعد فيما أصبنا يوم بدر، فأما أنا وعمار فلم نجئ بشيء، وجاء سعد بأسيرين (١).
[أعله بعضهم بالانقطاع، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل] (٢).
الدليل الخامس:
الاحتجاج بجريان العمل في شركة الأعمال في جميع الأعصار من غير نكير (٣).
الدليل السادس:
حاجة المسلمين إلى مثل هذه الشركة، قال ابن تيمية: «كثير من مصالح المسلمين لا ينتظم بدونها كالصناع المشتركين في الحوانيت من الدلالين وغيرهم فإن أحدهم لا يستقل بأعمال الناس، فيحتاج إلى معاون والمعاون لا يمكن أن تقدر أجرته وعمله كما لا يمكن مثل ذلك في المضاربة ونحوها، فيحتاجون إلى الاشتراك» (٤).
الدليل السابع:
القياس على شركة الأموال، فالربح تارة يستحق بالمال، وتارة يستحق بالعمل، فالربح في المضاربة يستحقه رب المال في مقابل ماله، ويستحقه العامل في مقابل عمله، فإذا صح عقد الشركة بين اثنين أحدهما يقدم المال،
стр. 6731
والآخر يقدم العمل، صح أن تعقد الشركة بين اثنين بالعمل، خاصة أن العمل يعتبر منفعة، والمنافع أموال على الصواب، لها قيمة، ويضمن متلفها، والله أعلم.
القول الثاني:
تصح شركة الأعمال بشرط اتحاد الصنعة أو تلازمها، واتحاد المكان، وهذا مذهب المالكية (١).
واستدلوا على ذلك بالآتي:
أن الصنعة إذا كانت واحدة، أو كانت متلازمة بحيث لا تقوم صناعة أحدهما إلا بالأخرى، وكانا يعملان في موضع واحد فالشركة بينهما متحققة تمامًا، فيشتركان في نفاق السلعة، كما يشتركان في كسادها، بخلاف ما إذا اختلفت الصنعة أو المكان فإنه قد تنفق سلعة أحدهما دون الآخر، وبالتالي يكون العقد مشتملًا على غرر، وقد يتعرض أحدهما لأكل مال أخيه بالباطل.
القول الثالث:
لا تصح شركة الأعمال بحال، وهذا مذهب الشافعية واختيار ابن حزم من الظاهرية (٢).
قال ابن حزم: «لا تجوز الشركة بالأبدان أصلًا لا في دلالة ولا في
стр. 6732
تعليم ولا في خدمة ولا في عمل يد ولا في شيء من الأشياء فإن وقعت فهي باطلة لا تلزم» (١).
واستدلوا على ذلك بالآتي:
الدليل الأول:
استدل ابن حزم بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤].
وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وجه الاستدلال:
قال ابن حزم: «هذا كله عموم في الدنيا والآخرة؛ لأنه لم يأت بتخصيص شيء من ذلك قرآن، ولا سنة، فمن ادعى في ذلك تخصيصًا فقد قال على الله تعالى ما لا يعلم» (٢).
ويناقش:
بأن المراد في قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي من الخير. ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي من الشر. فالآية تدل على أن حسنات العبد وسيئاته لا تذهب لغيره، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] ولو حملت الآية على عموم ما قاله ابن حزم لم تصح جميع أنواع الشركات؛ لأنه ما من شركة إلا وفيها عمل، والشريك يستفيد من عمل شريكه، ولولا ذاك لما قامت الشركة.
стр. 6733
الدليل الثاني:
أن المقصود من الشركة الربح، والربح يستدعي وجود المال، وهذا النوع من الشركات قائم على غير مال، فلم تصح، ولا يصح الاستدلال بالمضاربة، فإن العمل بالمضاربة تبع للمال، فعنصر المال موجود، ويجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا.
ونوقش هذا:
بأن شركة الأموال شرعت لتنمية المال، وأما شركة الأعمال فما شرعت لتنمية المال، بل لتحصيل أصل المال، والحاجة إلى تحصيل أصل المال فوق الحاجة إلى تنميته، فلما شرعت لتحصيل الوصف فلأن تشرع لتحصيل الأصل أولى، والله أعلم.
الدليل الثالث:
أن الشركة تقوم على خلط المال؛ لأن الخلط أصل معناها اللغوي، وهذا المعنى معتبر في المعنى الشرعي، وشركة الأعمال لا خلط فيها، وإذا انتفى الاختلاط أصبح كل واحد منهما متميزًا ببدنه ومنافعه فوجب أن يختص بفوائده.
ونوقش هذا:
لا نسلم أن الشركة لا تقوم إلا على خلط المال، وقد عقدت مبحثًا مستقلًا للتدليل على أن الخلط ليس بشرط، وعلى التنزل فإنه قد يقال: إن الخلط متحقق في شركة الأعمال، فالضمان عليهما، فما تقبله ذمة أحدهما قد اشتغلت به ذمة الآخر، والكسب الحاصل بينهما، وهذا يحقق نوعًا من الخلط، والله أعلم.
الدليل الرابع:
اشتمال هذه الشركة على الغرر؛ لأن الشريك لا يدري قد يكسب صاحبه وقد
стр. 6734
لا يكسب، وإذا كانت الجهالة برأس مال الشركة توجب فساد العقد، فكذلك الجهالة بالعمل توجب فساده، ذلك أن العمل في هذه الشركة يمثل رأس مال الشركة.
ونوقش هذا:
بأن العمل في شركة الأبدان معلوم بالعادة، فلا غرر ولا جهالة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحنفية يرون أن العقد في شركة الأعمال وارد على تقبل العمل وليس على العمل نفسه باعتبار أن العمل لا ينضبط، وتقبل العمل يعني ضمانه للغير، ولذلك قال في بدائع الصنائع: «الأجر في هذه الشركة إنما يستحق بضمان العمل، لا بالعمل؛ لأن العمل قد يكون منه، وقد يكون من غيره كالقصار والخياط إذا استعان برجل على القصارة والخياطة أنه يستحق الأجر وإن لم يعمل لوجود ضمان العمل منه» (١).
القول الراجح:
أرى أن مذهب الحنفية والحنابلة أقوى من مذهب الشافعية بل وأقوى من مذهب المالكية القائل بجواز شركة الأبدان بشرط اتحاد الصنعة واتحاد المكان. قال الشيخ صالح الأطرم وفقه الله:
«والراجح قول الجمهور، وهو أن شركة الأبدان جائزة في الجملة لما يأتي:
(١) ـ ما يشتمل عليه القول بجوازها من التوسعة على الناس في تعاملهم بدون ضرر يلحقهم.
стр. 6735
(٢) ـ ولما في مشروعية هذه الشركة من التعاون بين أفراد المجتمع مما يرفع مستوى المعيشة، ويقوي المعنوية، ويشجع بعضهم بعضًا في تحصيل الثروة، وسد حاجيات المجتمع والقدرة على توفير متطلبات الحياة، وخصوصًا في هذا العصر الذي تنوعت فيه طرق المكاسب من بعيد وقريب.
(٣) ـ أن عمل الصحابة صريح في الدلالة، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ويستبعد خفاؤه على النبي ﷺ .....
(٤) ـ أن الأصل في المعاملات الإباحة، ولم يرد ما يحظر هذا ويمنعه، كيف، وقد جاء ما يعضد هذا الأصل» (١).
واعلم أن هذه الأسماء التي وقعت في كتب الفروع لأنواع من الشركة، كالمفاوضة، والعنان، والوجوه، والأبدان لم تكن أسماء شرعية، ولا لغوية، بل اصطلاحات حادثة متجددة ويكفي في الدخول فيها مجرد التراضي؛ لأن حاصل ما يستفاد من شركة المفاوضة والعنان والوجوه والأبدان أنه يجوز للرجل أن يشترك هو وآخر في شراء شيء، أو في المشاركة في إنجاز عمل معين وبيعه، ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل واحد منهما من الثمن، وهذا شيء واحد، واضح المعنى، يفهمه العامي فضلًا عن العالم، ويفتي بجواز هـ المقصر فضلًا عن الكامل، وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه كل واحد منهما من الثمن، أو يختلف، وأعم من أن يكون المدفوع نقدًا أو عرضًا، وأعم من أن يكون ما اتجر به جميع مال كل واحد منهما، أو بعضه، وأعم من أن يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل واحد منهما ....
стр. 6736
ولا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الآخر في أن يعمل عنه عملًا استؤجر عليه كما هو معنى شركة الأبدان اصطلاحًا، ولا معنى لاشتراط شروط في ذلك، فيكفي في الدخول فيها مجرد التراضي؛ لأن ما كان منها من التصرف في الملك فمناطه التراضي، ولا يتحتم اعتبار غيره، وهب أنهم جعلوا لكل قسم من هذه الأقسام ـ التي هي في الأصل شيء واحد ـ اسمًا يخصه، فلا مشاحة في الاصطلاحات، لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات، وتكلفهم لتلك الشروط، وتطويل المسافة على طالب العلم، وإتعابه بتدوين ما لا طائل تحته، وأنت لو سألت حراثًا، أو بقالًا عن جواز الاشتراك في شراء شيء وفي ربحه لم يصعب عليه أن يقول: نعم.
ولو قلت له: هل يجوز العنان، أو الوجوه، أو الأبدان لحار في فهم معاني هذه الألفاظ، بل قد شاهدنا كثيرًا من المتبحرين في علم الفروع يلتبس عليه الكثير من تفاصيل هذه الأنواع، ويتلعثم إن أراد تمييز بعضها من بعض، اللهم إلا أن يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه، فربما يسهل عليه ما يهتدي به إلى ذلك، وليس المجتهد من وسع دائرة الآراء العاطلة عن الدليل، وقبل كل ما يقف عليه من قال وقيل، فإن ذلك هو دأب أسراء التقليد، بل المجتهد من قرر الصواب، وأبطل الباطل في كل مسألة عن وجوه الدلائل، ولم يحل بينه وبين الصدع بالحق مخالفة من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين، فالحق لا يعرف بالرجال (١).
* * *
стр. 6737
الفصل الثاني
التوصيف الفقهي لعقد شركة الأعمال
ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة (١).
العقود الجائزة إذا تضمنت ضررًا تحولت إلى اللزوم (٢).
[م-١٣١٨] اختلف الفقهاء في شركة الأعمال هل هي عقد لازم أو عقد جائز؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
كل الشركات تعتبر من العقود الجائزة لا فرق بين شركة الأموال وبين شركة الأعمال، وهو مذهب الجمهور، واختاره بعض المالكية (٣).
القول الثاني:
عقد الشركة عقد لازم، ومنه شركة الأعمال وهذا مذهب المالكية إلا أنهم اختلفوا متى يلزم العقد؟
стр. 6738
فقيل: يلزم بمجرد العقد، وعليه جمهور المالكية (١).
وقيل: لا يلزم إلا بمجرد العمل، اختاره بعض المالكية (٢).
قال الخرشي: «وفي لزوم شركة العمل بالعقد، أو بالشروع قولان كما في أبي الحسن، ويظهر من قول المؤلف ككثير الآلة ترجيح القول بأنها تلزم بالشروع» (٣).
وأدلة الأقوال في هذه المسألة هي الأدلة نفسها في توصيف عقد شركة الأموال، وقد سبق أن ذكرتها فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والحمد لله، وقد رجحنا أن عقد الشركة عقد جائز، إلا أنه ينبغي أن يقيد الجواز بأن يبقى حكم اللزوم على ما تم تقبله من أعمال قبل الفسخ؛ لأن هذه الأعمال تم تقبلها على حكم الشركة، فيكون كل من الشريكين ملزمًا بها بمقتضى عقد الشركة، وأن لا يعود الفسخ على الشريك بالضرر؛ لأن العقود الجائزة إذا تضمنت ضررًا تحولت إلى اللزوم، والله أعلم.
* * *
стр. 6739
الفصل الثالث
في أقسام شركة الأعمال
المبحث الأول
في انقسام شركة الأبدان إلى تقبل الأعمال وتملك المباحات
قال السرخسي: المباح إنما يملك بالإحراز (١).
المباح قبل حيازته لا مالك له، ولا يجوز بيعه (٢).
قال ابن قدامة: العمل أحد جهتي المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال (٣).
[م-١٣١٩] اتفق القائلون في شركة الأبدان على جواز تقبل الأعمال كالخياطة، واختلفوا في المشاركة في تملك المباحات، كالاحتشاش والاحتطاب على قولين:
القول الأول:
الاشتراك بالأعمال المباحة شركة فاسدة وهذا مذهب الحنفية (٤).
القول الثاني:
يصح الاشتراك في تملك المباحات، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة (٥).
стр. 6740
وأما الشافعية فقد منعوا شركة الأبدان مطلقًا كما مر معنا عند الكلام على حكم شركة الأعمال (الأبدان) (١).
وقد سبق ذكر أدلتهم في مبحث سابق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 6741
المبحث الثاني
في انقسام شركة الأعمال إلي عنان ومفاوضة
[م-١٣٢٠] اختلف الفقهاء في انقسام شركة الأعمال إلى عنان ومفاوضة على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى تقسيم كل من شركة الأموال وشركة الأعمال إلى عنان ومفاوضة.
فشركة الأعمال تكون مفاوضة إذا عقدت بلفظ المفاوضة، أو تضمنت معنى المفاوضة بأن تحقق فيها التساوي في تقبل الأعمال، والتساوي في الضمان، والتساوي في الكسب بأن يكون الكسب بينهما نصفين.
و تكون عنانًا إذا عقدت بلفظ العنان، أو عقدت على الإطلاق، أو كانت على التفاوت في تقبل الأعمال، أو على التفاوت في الضمان، أو على التفاوت بينهما في الكسب، أو على نوع محدد من الأعمال.
جاء في الفتاوى الهندية: «وأما شركة الأعمال فهي كالخياطين والصباغين أو أحدهما خياط والآخر صباغ أو إسكاف يشتركان من غير مال على أن يتقبلا الأعمال فيكون الكسب بينهما فيجوز ذلك ..... ثم هي قد تكون مفاوضة وقد تكون عنانًا فإن ذكر في الشركة لفظ المفاوضة، أو معنى المفاوضة: بأن اشترط الصانعان على أن يتقبلا جميعا الأعمال، وأن يضمنا الأعمال جميعًا على التساوي، وأن يتساويا في الربح والوضيعة، وأن يكون كل واحد كفيلًا عن صاحبه فيما لحقه بسبب الشركة فهي مفاوضة وإن شرطا التفاضل في العمل
стр. 6742
والأجر، بأن قالا: على أحدهما الثلثان من العمل، وعلى الآخر الثلث والأجر والوضيعة بينهما على قدر ذلك فهي شركة عنان وكذا إذا ذكرا لفظة العنان وكذا إذا أطلقا الشركة فهي عنان كذا في محيط السرخسي» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن تقسيم الشركة إلى شركة عنان ومفاوضة خاص في شركة الأموال، ولا دخل لهما في شركة الأبدان، أو الوجوه.
قال ابن جزي: «شركة العنان: أن يجعل كل واحد من الشريكين مالًا، ثم يخلطاه، أو يجعلاه في صندوق واحد، ويتجرا به معًا، ولا يستبد أحدهما بالتصرف دون الآخر» (٢).
وأكثر المالكية على أن خصائص شركة العنان هي خصائص شركة المفاوضة إلا في شيء واحد، أن شركة العنان من شرطها ألا يستبد أحدهما بالتصرف دون الآخر بخلاف شركة المفاوضة.
كما جعل الشافعية أيضًا شركة العنان والمفاوضة في الأموال خاصة.
قال الماوردي: «شركة العنان فهي: أن يخرج كل واحد منهما مالًا مثل مال صاحبه، ويخلطاه فلا يتميز، ويأذن كل واحد منهما لصاحبه أن يتجر بالمال فيما رأى من صنوف الأمتعة على أن يكون الربح بينهما على قدر المالين، والخسران كذلك» (٣).
стр. 6743
ويبطل الشافعية شركة المفاوضة كما مر معنا سابقًا.
وأما الحنابلة فجعلوا شركة العنان في شركة الأموال خاصة، وجعلوا شركة المفاوضة الصحيحة أن يجمع أنواعًا من الشركات في عقد واحد.
قال ابن قدامة: «وأما شركة المفاوضة فنوعان، أحدهما: أن يشتركا في جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان، والوجوه، والأبدان ... » (١).
وهذه تقسيمات اصطلاحية فقهية، لا تعتمد على دليل من الشرع كما أسلفنا، ولا أرى مانعًا من تقسيم شركة الأعمال إلى عنان ومفاوضة، كما جرى تقسيم شركة الأموال إلى عنان ومفاوضة، والله أعلم.
* * *
стр. 6744
الفصل الرابع
في شروط شركة الأعمال
سبق لنا شروط الشركة على سبيل العموم، كأهلية الشريكين للتصرف، باعتبار أن كل واحد منهما وكيل عن شريكه فيما يعمله، ويكتسبه، ويتقبله، وأن يكون نصيب كل واحد منهما مما يكتسبانه بسبب عملهما معلومًا، وأن يكون شائعًا كالنصف والربع، ويشترط في شركة الأعمال أن يكون كل واحد من الشريكين من أهل الكفالة؛ لأن كل واحد منهما يضمن ما تقبله الآخر.
وهناك شروط خاصة في شركة الأعمال سوف أتعرض لها إن شاء الله تعالى في المباحث التالية.
* * *
стр. 6745
الشرط الأول
كون محل الشركة عملا
قال ابن قدامة: تقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل، ويستحق به الربح (١).
[م-١٣٢١] يشترط لقيام شركة الأعمال أن يكون محل العقد فيها هو العمل؛ ولذلك سميت بشركة الأعمال؛ لأن قوامها العمل، وهو العنصر الأساسي المكون لمحل العقد، بخلاف شركة الأموال.
وإذا كانت شركة الأموال تعمل على تحصيل الأرباح عن طريق رأس مال الشركة فإن شركة الأعمال تعمل على تحصيل المال وكسبه عن طريق العمل، فالعمل هو رأس مال الشركة، وما يجنيه الشريكان من مال لا يسمى ربحًا؛ لأن الشركة لم تقم على المال أصلًا، وإنما يسميه الفقهاء كسبًا.
وهل يشترط أن يكون العمل جنسًا واحدًا من كلا الشريكين، أو يصح أن يكون العمل من أحدهما، والتقبل من الآخر؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
أجاز الحنفية والحنابلة أن يكون العمل من أحدهما، والتقبل من الأخر.
وجه القول بالجواز:
أن التقبل يعتبر عملًا من الأعمال؛ فصارت شركة بالأعمال.
стр. 6746
ولأن التقبل يوجب الضمان على المتقبل، والضمان يستحق به الربح.
جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: «قال في شرح الطحاوي ولو أن رجلا أجلس على دكانه رجلًا يطرح عليه العمل بالنصف، القياس أن لا تجوز هذه الشركة؛ لأن من أحدهما العمل ومن أحدهما الحانوت، فتكون هذه شركة بالعروض.
وفي الاستحسان تجوز لأن هذه شركة التقبل؛ لأن تقبل العمل من صاحب الحانوت عمل فصارت شركة بالأعمال» (١).
وجاء في المغني: «وإذا قال أحدهما: أنا أتقبل وأنت تعمل، والأجرة بيني وبينك صحت الشركة. وقال زفر: لا تصح، ولا يستحق العامل المسمى، وإنما له أجرة المثل.
ولنا أن الضمان يستحق به الربح، بدليل شركة الأبدان، وتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل، ويستحق به الربح، فصار كتقبله المال في المضاربة، والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضارب، فينزل بمنزلة المضاربة» (٢).
القول الثاني:
منع المالكية أن يتقبل أحدهما والآخر يعمل إلا أن يتولى أحدهما العمل، والآخر الخدمة وتكون قيمة العمل والخدمة سواء، فتصح.
وجه القول بالجواز:
إذا كانت قيمة العمل والخدمة سواء تحقق شرط المالكية في الشركة، وهو
стр. 6747
التساوي العمل، واشترطنا أن يكون من أحدهما العمل ومن أحدهما الخدمة المساوية للعمل؛ لأن الشركة لا تقوم إلا بمجموع العملين، فإما أن يعملا جميعًا، أو يتعطلا جميعًا.
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن أقعدت رجلًا في حانوتي، وقلت له: أتقبل عليك المتاع، وتعمل أنت، على أن ما رزقنا الله فبيننا نصفين؟ قال: لا يجوز هذا عند مالك».
وجاء في شرح ميارة: «نص اللخمي على الجواز فيما إذا تشاركا، وأحدهما يحيك، والآخر يخدم، ويتولى ما سوى النسج إذا تقاربت قيمة ذلك، قال: وليس كالسلعتين المختلفتين؛ لأنهما هنا إما أن يعملا جميعًا، أو يتعطلا جميعًا، فلم يكن هذا غررًا، وعلى مثل هذا أجيزت الشركة في طلب اللؤلؤ، أحدهما يتكلف الغوص، والآخر يقذف، أو يمسك عليه إذا كانت الأجرة سواء» (١).
* * *
стр. 6748
المبحث الأول
في دفع الدابة إلى من يعمل بها بجزء من كسبها
قال ابن قدامة: العين التي تنمى بالعمل يصح العقد عليها ببعض نمائها (١).
[م-١٣٢٢] لو دفع الرجل دابته، أو آلته إلى من يعمل بها بجزء من كسبها، فهل تكون هذه الشركة من شركة الأعمال، باعتبار أن المال المستفاد نتيجة العمل، وليس ربحًا، أو يكون هذه العقد من باب المضاربة بالآلات باعتبار أن المال من أحدهما، والعمل من الآخر، ويمثل المال هنا الدابة أو الآلة عند من يقول بصحة المضاربة بالعروض؟
والمهم عندنا ما حكم هذه الشركة من الناحية الفقهية، فإذا صحت فإن التوصيف الفقهي مقبول كيف ما كان، سواء اعتبرناها من شركات الأعمال، أو من عقد المضاربة.
وقد اختلف الفقهاء في حكمها على قولين:
القول الأول:
لا تصح، وهو مذهب الجمهور، ورواية في مذهب الحنابلة (٢).
стр. 6749
جاء في بدائع الصنائع: «ولو دفع دابة إلى رجل ليؤجرها على أن الأجر بينهما كان ذلك فاسدًا» (١).
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت لو قال رجل لرجل: اعمل على دابتي، فما عملت من شيء فلي نصفه ولك نصفه. قال: قال مالك: لا خير فيه وما عمل من شيء على الدابة فهو للعامل، ولرب الدابة على العامل أجر دابته بالغًا ما بلغ. قلت: وكذلك السفن مثل الدواب عند مالك؟ قال: نعم كذلك قال مالك: هي مثل الدواب» (٢).
دليل من قال بالمنع:
الدليل الأول:
استدل الجمهور على المنع بأن هذه ليست من أقسام الشركة؛ لأن الشركة لا
стр. 6750
تكون إلا في النقود، ولا تصح أن تكون مضاربة؛ لأن الدواب والآلات لا يمكن بيعها، ولا المتاجرة فيها، لذا لا تصح أن تكون رأس مال المضاربة، وللمالك أجرة المثل، ويختص العامل بالربح.
وعلل المالكية المنع بجهالة الأجرة. قال الخرشي: «تكون الإجارة فاسدة إذا قال له: اعمل على دابتي، أو اعمل على سفينتي ... فما حصل من ثمن أو أجرة فلك نصفه. وعلة الفساد: الجهل بقدر الأجرة» (١).
كما علل بعضهم المنع بأن الآلة باقية على ملك مخرجها ذاتًا ومنفعة، فلا بد من اشتراكهما فيها بملك أو كراء لتصح الشركة، فلو اشترى أو استأجر العامل نصف آلته، ثم اشتركا في العمل عليها صحت الشركة (٢).
القول الثاني:
يصح أن يدفع الرجل دابته، أو آلته إلى من يعمل بها بجزء من كسبها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
جاء في المغني: «وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما يرزق الله بينهما نصفين، أو أثلاثًا، أو كيفما شرط صح، نص عليه في رواية الأثرم، ومحمد ابن أبي حرب، وأحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعي ما يدل على هذا» (٤).
стр. 6751
جاء في الفروع: «لو دفع دابته إلى من يعمل بها بجزء من الأجرة جاز ذلك في مذهب الحنابلة. وعنه: لا، اختاره ابن عقيل» (١).
واستدل الحنابلة على الجواز بالقياس على المساقاة والمزارعة فإنه دفع لعين من المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها.
الراجح:
القول بصحة المشاركة بناء على أن الأصل في العقود الصحة والجواز، والله أعلم.
* * *
стр. 6752
المبحث الثاني
لا يشترط إتقان العمل من الشريك
من لزمه عمل شيء لا يعرفه، أمكنه القيام به بأن يستأجر من يفعله (١).
[م-١٣٢٣] جاء في شرح منتهى الإرادات: «لو اشترك شخصان لا يعرفان الخياطة في تقبلها، ويدفعان ما تقبلاه لمن يعمله، وما بقي من الأجرة لهما صح لما تقدم، ويلزم غير عارف إقامة عارف للصنعة مقامه في العمل ليعمل ما يلزمه للمستأجر» (٢).
وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى سبق تحريرها في عقد الإجارة، وهو أن الأجير المشترك لا يلزمه أن يقوم بنفسه بالعمل إلا أن يشترطه المستأجر.
* * *
стр. 6753
الشرط الثاني
أن يكون العمل المشترك يمكن استحقاقه بعقد الإجارة
ما لا يباح من الأعمال لا تصح الشركة فيه.
ما حرم فعله حرم طلبه (١).
[م-١٣٢٤] لما كانت شركة الأعمال تقوم على تقبل العمل من الناس، وأخذ الأجرة عليه، واستحقاق الشركاء جميعًا الأجرة، صار من شرط الشركة أن تكون على عمل يمكن استحقاقه بعقد الإجارة؛ لأن تقبل العمل من الناس هو في حقيقته عقد إجارة بين المتقبل والمتقبل منه؛ لأن التقبل يعني التزام العمل للغير وضمانه له.
ويشترط في العمل أن يتوفر فيه شرطان:
الأول: أن يكون العمل مباحًا.
الثاني: أن يكون العمل مما يجوز التوكيل فيه.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام «يشترط في شركة الأعمال أن يحوز العمل شرطين:
الشرط الأول:
أن يكون العمل حلالًا، فلا تصح الشركة في العمل الحرام، كالاشتراك في السرقة، والغصب، والارتشاء.
стр. 6754
الشرط الثاني:
أن يكون العمل مما يجوز التوكيل فيه، وأن يكون عملًا إذا قام به العامل يستحق الأجرة عليه، كالاشتراك في تعليم الكتابة، والقرآن والكتب الشرعية، فلو اشترك اثنان في تعليم الكتب الشرعية جاز» (١).
والخلاف بين الحنفية وبين المالكية والحنابلة في جواز المشاركة في تملك المباحات راجع إلى هذا الشرط، هل يصح التوكيل فيه، والاستئجار عليه أو لا يصح، فمن قال: لا يصح منع المشاركة في تملك المباحات كالحنفية، ومن قال بالصحة جوز هذا كالمالكية، والحنابلة. وقد ذكرنا أدلتهم في مسألة سابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 6755
مبحث
في شركة الدلالين
التصرف عن الغير لا يجوز إلا بوكالة أو ولاية (١).
لا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله من جهة النطق، أو جهة العرف (٢).
إذا تعذر حمل التوكيل على العموم حمل على المتعارف (٣).
[م-١٣٢٥] إذا كان المالك الذي يسلم ماله إلى الدلال قد رضي أن يباشر البيع غيره من وكلائه، سواء رضي ذلك بالقول، بأن أذن له صراحة، أو كان هناك عرف معروف، أن الدلال يسلم السلعة إلى وكلاء له، فإن الشركة في هذا جائزة، ولا ينبغي أن يختلف فيها، وذلك أن الدلال وكيل المالك، والوكيل له أن يوكل غيره إذا رضي الموكل بذلك باتفاق العلماء، وإنما تنازعوا في جواز توكيله بلا إذن الموكل، ولهذا تنازعوا في شركة الدلالين على قولين (٤).
القول الأول:
لا تصح شركة الدلالين، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وهو المشهور عند المتأخرين (٥).
стр. 6756
تعليل من قال: لا تصح:
التعليل الأول:
علل الحنفية المنع بأن عمل الدلالة لا يمكن استحقاقه بعقد الإجارة، حتى لو استأجر له دلالًا يبيع له ويشتري، فالإجارة فاسدة.
ويناقش:
هذا التعليل يرجع إلى توصيف العقد بأنه إجارة، وإذا كان كذلك فإن العمل مجهول، فقد يجد الدلال مشتريًا، وقد لا يجد، ولكن إذا اعتبر العقد من عقود الجعالة، فإن جهالة العمل في عقد الجعالة لا يؤثر في صحة العقد، والله أعلم.
التعليل الثاني:
علل الحنابلة المنع، بأن الشركة الشرعية لا تخرج عن الضمان والوكالة، وهما غير موجودين في هذه الشركة.
فالوكالة لا تصح؛ لأن الدلال وكيل صاحب السلعة في بيعها، فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلًا له فيما وكل فيه، وليس للوكيل حق التوكيل.
ولا يوجد فيها ضمان؛ لأنه لا دين يصير في ذمة واحد منهما، ولا تقبل عمل.
ويجاب:
أما القول بأنها لا تصح؛ لأن الوكيل لا يملك حق التوكيل فيما وكل فيه،
стр. 6757
فيقال: بأن غرض المالك ومقصوده هو بيع سلعته، ولا يوجد له غرض صحيح في كون البيع يتولاه شخص بعينه، فإذا تم غرضه فقد حصل مقصوده، وقد لا يتولى نائب الوكيل إبرام العقد، وإنما يقتصر عمله على عرض السلعة، والمناداة عليها.
وأما القول بأن شركة الدلالين لا تصح لكونها لا يوجد فيها ضمان، ولا تقبل عمل، فإن هذا لا يكفي في رد الشركة، لأن شركة التقاط المباحات لا ضمان فيها، ولا تقبل، وقد ذهب كل من المالكية والحنابلة إلى صحتها.
القول الثاني:
تصح شركة الدلالين، وهو الوجه الثاني في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الحنفية (١).
دليل من قال بالصحة:
إن قامت شركة الدلالين على مجرد عرض السلعة، والمناداة عليها، والقيام
стр. 6758
على تحصيل الأموال من المشترين، وتسجيل عقود البيع والشراء، فلا خلاف في جواز ذلك؛ لأن مأخذ المنع عند القائلين بالمنع أن الدلال لا يحق له التوكيل فيما وكل فيه، وهو إنما وكل في البيع، وشركاؤه لم يتولوا إبرام العقد.
قال ابن تيمية: «فأما مجرد النداء، والعرض، وإحضار الديون فلا خلاف في جوازه» (١).
ويلحق بذلك إذا سلم المالك ماله إلى الدلالين مع علمه باشتراكهم، فإن ذلك بمثابة الإذن لهم في تولي البيع.
قال ابن تيمية: «تسليم الأموال إلى الدلالين مع العلم باشتراكهم إذن لهم» (٢).
وعلى فرض أن يقوم بالبيع غير من وكل به، فإن كان بحضور صاحبه كان ذلك بمنزلة الإذن منه بذلك، وإن كان ذلك بغيبته فما المانع من صحة ذلك، فإذا كان للأجير المشترك أن يوكل غيره بالقيام بالعمل، كالخياط، والنجار، والحداد، جاز للدلال أن يستنيب غيره في البيع؛ لأن الوكالة بأجر لا تخرج عن كونها إجارة، كما أن ثمن البيع لا يحدده الدلال، وإنما يحدده المالك، إلا أن يمنع من ذلك المالك بأن يقول له: لا يبع مالي إلا أنت، فهنا يجب على الدلال أن يتولى البيع بنفسه، وهذا بحد ذاته لا يمنع شركة الأعمال؛ لأنها شركة قائمة على الاشتراك في الكسب كما قلنا سابقًا، والله أعلم.
قال ابن تيمية: «ووجه صحتها أن بيع الدلال وشراءه بمنزلة خياطة الخياط، وتجارة التجار، وسائر الأجراء المشتركين، ولكل منهم أن يستنيب وإن لم
стр. 6759
يكن للوكيل أن يوكل، ومأخذ من منع أن الدلالة من باب الوكالة وسائر الصناعات من باب الإجارة وليس الأمر كذلك» (١).
الراجح:
أرى أن القول بالجواز هو القول الراجح؛ لأن الأصل في العقود الصحة والجواز، والعمل على ذلك في سائر الأقطار، والله أعلم.
* * *
стр. 6760
الشرط الثالث
في اتحاد العمل والمكان في شركة الأعمال
الشركة عقد يقصد به الربح، وهو لا يتوقف على اتحاد العمل والمكان.
استحقاق الربح إنما هو بالنظر إلى الشرط المذكور في عقد الشركة، وليس هو بالنظر إلى العمل في الواقع.
[م-١٣٢٦] هل يشترط اتحاد العمل (الصنعة) والمكان، أو تصح الشركة مع اختلاف الصنعة والمكان، كطبيب، ومهندس، ونجار، وحداد؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا يشترط اتحاد المكان ولا اتحاد الصنعة، فتجوز الشركة بين خياط وصباغ، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، ووجه ضعيف في مذهب الشافعية (١).
دليل من قال: لا يشترط اتحاد المكان ولا اتحاد الصنعة:
الدليل الأول:
عدم الدليل الموجب لاتحاد الصنعة، واتحاد المكان، فلا يوجد دليل من