← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المبحث الثاني في بيع الهر [م -١٢٧] اختلف العلماء في بيع الهر على قولين: القول الأول: يجوز بيعه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). القول الثاني: لا يجوز بيعه، حكاه ابن المنذر قولًا لأبي هريرة، وطاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد (٢)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، واختيار ابن حزم الظاهري (٤).

стр. 702

دليل من قال: لا يجوز بيعه . (ح-٦٤) ما رواه مسلم من طريق معقل، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور، قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك (١). وأجيب: وقف العلماء من الحديث إما موقف التضعيف، أو التأويل. أما تضعيف الحديث فقد استنكره الإمام أحمد ﵀ (٢) وابن عبد البر (٣). وأما التأويل فقال بعض العلماء: إن المراد به الهرة الوحشية، فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها. وقال بعض العلماء: المراد بالنهي نهي تنزيه (٤).

стр. 703

قال النووي: «وأما النهي عن ثمن السنور، فهو محمول على أنه لا ينفع، أو على أنه نهي تنزيه، حتى يعتاد الناس هبته، وإعارته والسماحة به، كما هو الغالب، فإن كان مما ينفع، وباع صح البيع، وكان ثمنه حلالًا» (١). وقال القرطبي في المفهم: «لفظ زجر يشعر بتخفيف النهي، وأنه ليس للتحريم، بل على التنزه عن ثمنهما» (٢). وهذا التأويل خلاف الظاهر، والقول بضعف الحديث أوجه. دليل من قال: يجوز بيعه: الأصل الإباحة، وقد قال الإمام أحمد: «ما أعلم فيه شيئًا يثبت أو يصح. وقال أيضًا: الأحاديث فيه مضطربة» (٣). وقال ابن عبد البر: «ليس في السنور شيء صحيح، وهو على أصل الإباحة» (٤). وقال الطحاوي: «ولم نعلم اختلافًا بين أهل العلم في ثمن السنور أنه ليس بحرام، ولكنه دنيء» (٥). قلت: الخلاف محفوظ، فقد صرح بالتحريم ابن حزم، وكرهه جماعة من السلف، نقله عنهم ابن المنذر، وذكرت ذلك في الأقوال، والكراهة عند السلف تحتمل التحريم.

стр. 704

الدليل الثاني: أن الهر حيوان طاهر، يباح اتخاذه مطلقًا، وهو من الطوافين علينا، وفيه منفعة مباحة من اصطياد الفئران، فمثله جائز في النظر، إلا أن يمنع من ذلك دليل يجب التسليم له، وقد قال أحمد وابن عبد البر لا يصح فيه شيء، ونقلناه عنهم قبل قليل. الراجح: صحة بيع الهر، وقد قال الإمام أحمد: لا يصح فيه شيء، يعني في النهي عن بيعه، لهذا أرى أن النظر لا يمنع من إباحة بيعه، فعينه طاهرة، ويشتمل على منفعة مباحة. * * *

стр. 705

المبحث الثالث في بيع الفيل [م -١٢٨] ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز بيع الفيل؛ لأنه حيوان مشتمل على منفعة، منها حمل الأثقال، واستعماله للقتال، ولم يرد فيه نص بالنهي عن اقتنائه (١). قال الكاساني: «ويجوز بيع الفيل بالإجماع؛ لأنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعًا» (٢). وقال النووي: «وكذلك القرد والفيل والهرة .... فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف» (٣). ولعل النووي يقصد بلا خلاف في المذهب، وإلا فالهرة فيها خلاف أشرت إليه في بابه. وقيل: لا يجوز بيع الفيل، لأنه نجس، وهو رواية في مذهب الحنابلة (٤). والقول الأول أصح.

стр. 706

المبحث الرابع في بيع القرد [م -١٢٩] اختلف العلماء في بيع القرد على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز بيعه مطلقًا، وهو المختار في مذهب الحنفية (١)، ومذهب الشافعية (٢). القول الثاني: لا يجوز بيعه مطلقًا، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، رجحها صاحب بدائع الصنائع (٣)، وهو مذهب المالكية (٤)، ورواية في مذهب الحنابلة (٥). القول الثالث: إن كان بيعه من أجل اللهو واللعب لم يصح بيعه، وإن كان لحفظ المتاع

стр. 707

والحراسة صح، وهذا هو الراجح من مذهب الحنابلة (١). دليل من قال: لا يجوز بيعه . الدليل الأول: ذكر ابن عبد البر ﵀ الإجماع على أنه لا يجوز بيعه. قال في الاستذكار: «ولا أعلم بين العلماء خلافًا أن القرد لا يؤكل، ولا يجوز بيعه؛ لأنه لا منفعة فيه» (٢). وإذا اطلعت على الخلاف السابق عرفت أن الإجماع لم ينعقد بعد على تحريم البيع، ولو صح لكان دليلًا كافيًا. الدليل الثاني: أن القرد حيوان لا يؤكل، فلا يجوز شراؤه للأكل، ولا منفعة فيه فيحل بيعه، قال ابن عبد البر: «وما لا منفعة فيه من الحيوان لا يجوز بيعه بحال كالقرد» (٣). واللهو به واللعب لا يسوغ بذل المال في تحصيله، وما قيل: إنه يحفظ المتاع فهي منفعة يسيرة ليست مقصودة. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «وهذه المنفعة -يعني: حفظ المتاع - يسيرة، وليست هي المقصودة منه، فلا يبيح البيع كمنافع الميتة» (٤).

стр. 708

ويجاب: بأن حفظ المتاع ليست منفعة يسيرة، فهذا الكلب المحرم اقتناؤه اغتفر اقتناؤه لمصلحة حراسة الماشية، وهي من المتاع، بل إن حفظ المتاع أولى من منفعة شراء الطاووس للونه، والطير لصوته، فكيف يقلل من منفعة الحراسة، ولقد أخبرني من رأى القرد في الهند يقوم بقطف جوز الهند من أعالي الشجر، بعد أن قام صاحبه بتدريبه وتعليمه. دليل من قال: يجوز بيعه . الدليل الأول: لم يرد نص في النهي عن بيعه، أو اقتنائه، والأصل الحل. الدليل الثاني: أنه حيوان مشتمل على منفعة، فهو يحفظ المتاع، ويحرسه، وكل ما كان كذلك كان مالًا يجوز بيعه وشراؤه، والله أعلم. الراجح: جواز بيعه وشرائه؛ لأن الأصل الجواز، ولاشتماله على منفعة مباحة، والله أعلم. * * *

стр. 709

المبحث الخامس في بيع سباع البهائم والطير [م -١٣٠] اتفقت المذاهب على عدم جواز بيع سباع البهائم إذا كانت هذه السباع مما لا نفع فيها، واختلفوا في تقدير المنفعة المبيحة للبيع. فالحنفية والمالكية ذهبوا إلى إطلاق النفع حتى ولو كان في اقتناء جلده (١). وقصر الشافعية والحنابلة المنفعة بصلاحيته للصيد، زاد الشافعية أو القتال. إذا علم هذا نأتي فقد اختلف العلماء في حكم بيع السباع المشتملة على منفعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز بيع السباع من البهائم والطير مما يشتمل على منفعة في الحال، أو في المال. وهذا مذهب الحنفية (٢).

стр. 710

القول الثاني: ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز بيع ما يصلح للاصطياد، ويقبل التعليم (١)، زاد الشافعية: أو يصلح للقتال (٢). القول الثالث: ذهب المالكية إلى جواز بيع سباع الطيور مطلقًا؛ لأن لحمها مباح عندهم كالباز والعقاب (٣)، وأما سباع البهائم، فإن كان الشراء من أجل الجلد جاز ذلك، وإن كان من أجل اللحم فلهم في ذلك ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا. والكراهة مطلقًا. والتفصيل بين ما يعدو على الآدمي كالأسد، والفهد، والنمر، والذئب، فيمنع، وبين ما لا يعدو، كالدب، والثعلب، والهر فيكره (٤). وهذه الأشياء لم يرد نص خاص في حكم بيعها منعًا أو إباحة، وما كان ربك

стр. 711

نسيًا، والأصل في البيوع الإباحة، وعدم التحريم إلا بنص أو إجماع، ومدار الحكم على تحقق وجود منفعة مباحة، سواء كانت هذه المنفعة، هي الصيد، أو الحراسة، أو القتال، أو الجلد، أو أي منفعة مقصودة، يطلبها الناس، ولها قيمة عندهم، إلا جلود السباع فقد ورد النهي عنها. (ح -٦٥) فقد روى أحمد من طريق سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح ابن أسامة الهذلي. عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع (١). [حديث صحيح] (٢). وأما ما لا يقبل التعليم، ولا منفعة في جلده فلا يجوز بيعه، لأن بذل المال فيما لا منفعة فيه يعتبر إضاعة له، وقد نهى الشارع عن إضاعة المال، والله أعلم. * * *

стр. 712

المبحث السادس في بيع الحشرات [م -١٣١] لا يجوز بيع الحشرات التي لا نفع فيها، كالصراصير، والعقارب، والحيات ومثل له بعض المالكية ببعض العصافير التي لو جمع منها مائة لم يتحصل منها أوقية لحم. وعللوا ذلك: بأن ما لا نفع فيه لا يعد مالًا، وأخذ المال في مقابلته ممتنع؛ لأنه من إضاعة المال، وهذا مذهب الأئمة (١)، وأما الحشرات التي فيها نفع، فاختلفوا فيها على قولين: القول الأول: لا يجوز بيع الحشرات مطلقًا، مثل النحل ودود القز، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، إلا أن يبيع النحل تبعًا للعسل، أو تبعًا لكوارته (٢)، أويبيع دود القز تبعًا للقز (٣).

стр. 713

القول الثاني: يجوز بيع الحشرات التي فيها نفع، وهو اختيار محمد من الحنفية (١)، وهو مذهب الجمهور (٢). حجة الحنيفة على المنع: ذكر الكاساني أن النحل ودود القز وما شابههما ليس بمنتفع به بنفسه، فلم يكن مالا بنفسه، بل بما يحدث منه وهو معدوم (٣). وعلل في كنز الدقائق المنع من بيع النحل «أنه من الهوام، فلا يصح بيعه كالزنبور، وهوام الأرض، والانتفاع بما يخرج منه، لا بعينه، فلا يكون منتفعا به، والشيء إنما يصير مالًا لكونه منتفعا به» (٤). حجة الجمهور على الجواز: أن الحشرات التي ينتفع بها يجوز بيعها؛ لاشتمالها على منفعة مقصودة، فتعتبر مالًا، وكونه لا يحل أكلها، لا يمنع من جواز بيعها، فهي بمنزلة الحمار والبغل، يجوز بيعهما لمنفعتهما، وإن كان لا يحل أكلهما.

стр. 714

المبحث السابع في بيع لين الآدميات [م -١٣٢] اختلف العلماء في بيع لبن الآدميات على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز بيعه، وهو مذهب الحنفية (١)، ووجه شاذ في مذهب الشافعية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: يجوز بيعه، وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦). القول الثالث: يجوز بيع لبن الأمة دون الحرة، وهذا اختيار أبي يوسف من الحنفية (٧).

стр. 715

دليل الحنفية على تحريم بيع لبن الآدميات . الدليل الأول: قال الحنفية: إنه لا يباح الانتفاع به شرعًا على الإطلاق، بل لضرورة تغذية الطفل، وما كان حرام الانتفاع به شرعًا إلا لضرورة، لا يكون مالًا، كالخمر والخنزير (١). ورده القرافي، قال: «ويندفع الفرق بما روي عن عائشة ﵂، أنها أرضعت كبيرًا، فحرم عليها، فلو كان حرامًا لما فعلت ذلك، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعًا على إلغاء هذا الفرق» (٢). الدليل الثاني: أنه جزء من الآدمي، والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم، وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع (٣). الدليل الثالث: عمل الناس دليل على أنه ليس بمال، بدليل أنك لا تجده يباع اليوم في الأسواق، بخلاف لبن بهيمة الأنعام (٤). الدليل الرابع: قياس لبن الآدمي على عرقه، وبزاقه، ومخاطه، وكل هذه الأشياء ليست مالًا، فكذلك اللبن (٥).

стр. 716

الدليل الخامس: أن الآدمي خلق مالكًا للمال، واعتبار اللبن مالًا يحوله من كونه مالكًا للمال إلى كونه مالًا في نفسه، وبينهما منافاة (١). الدليل السادس: أنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته، فيحرم أكله، فيمتنع بيعه (٢). وهذا الكلام كأنه يشير إلى ما يروى عن رسول الله ﷺ : ما أبين من حي فهو كميتته (٣)، وإذا كانت ميتة الآدمي لا تؤكل، فلا يجوز تناول ما انفصل عنه في حياته. ويجاب: بأن الانفصال هنا ليس كانفصال عضو من أعضاء الحيوان، ولو صح هذا الدليل لنهي عن تناول لبن بهيمة الأنعام؛ لأنه انفصل عنها في حياته، ولم يقل بذلك أحد من أهل العلم، بل هذا الانفصال كانفصال شعر الحيوان؛ فإذا كان الشعر من الحيوان يجوز بيعه، والانتفاع به، جاز بيع اللبن، والانتفاع به.

стр. 717

دليل الجمهور: الدليل الأول: الأصل جواز البيع في كل ما ينتفع به شرعا، ولم ينه المسلم عن بيعه لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ولا يوجد دليل صريح في النهي عن بيع لبن الآدمي. الدليل الثاني: لبن الآدمي عين طاهرة، منتفع به شرعًا وعرفًا، فجاز بيعه كسائر الطاهرات. الدليل الثالث: القياس على لبن بهيمة الأنعام، بكونه لبنًا من حيوان طاهر. الدليل الرابع: ولأنه غذاء للآدمي، فجاز بيعه كالخبز. الدليل الخامس: وإذا كان يجوز استئجار الظئر من أجل حليبها لترضع الطفل، والأجرة إنما كانت من أجل الحليب، لا من أجل الحضانة، فما جاز أخذ العوض عنه كان ذلك دليلًا على جواز بيعه. الراجح من الخلاف: أرى أن القول الراجح جواز بيع حليب الآم إذا جمع في وعاء منفصلًا عن صدر الأم، وقياس اللبن على الدمع والعرق قياس مع الفارق؛ لأن الدمع والعرق لا منفعة فيه بخلاف اللبن، والقول بأن البيع فيه امتهان لكرامة الإنسان ليس بصحيح، وإذا كانت منافع الآدمي الحر التي لا تنفصل عنه يجوز بيعها كما

стр. 718

في إجارة الآدمي، وقد اشتغل أجيرًا بعض أولو العزم من الرسل عليهم أفضل الصلاة والتسليم، ولم يكن في ذلك امتهان للإنسان، فكيف يقال هذا في بيع ما هو منفصل عنه، ولو كان في البيع امتهان وابتذال لكانت مهنة مزاولة البيع فيها الشيء نفسه، ولما اشتغل الأنبياء والرسل في البيع والشراء. * * *

стр. 719

المبحث الثامن في بيع السم [م -١٣٣] السم إذا كان لا ينتفع به لم يجز بيعه، حتى ولو لم يضر قليله، ما دام أن قليله لا ينفع فلا يجوز بذل المال فيه. لأن من شروط البيع اشتمال المبيع على منفعة مباحة، وسبق أن ذكرنا الأدلة الشرعية على تحريم بيع ما لا نفع فيه في مسألة مستقلة. وإن خالط السم نجاسة، وكان يمكن الانتفاع به في غير الأكل كان الخلاف فيه راجعًا إلى اشتراط الطهارة في المبيع، وهي مسألة خلافية بين الحنفية والجمهور. وسبق أن حررت الخلاف فيها، وذكرت أن الراجح جواز بيع النجس إذا كان مشتملًا على منفعة، ولم يرد نص في النهي عن بيعه بذاته، ولم يكن المقصود منه الأكل. وإن كان السم يقتل كثيره، وينفع قليله كدواء ونحوه، وكانت عينه طاهرة، فقد اختلف العلماء في حكم بيعه على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز بيعه، سواء كان السم من الحشائش أو من الحيات، وهو جار على قواعد مذهب الحنفية في جواز بيع كل عين جرى تمولها والانتفاع بها (١)،

стр. 720

وأجاز بيعه الشافعية (١). القول الثاني: لا يجوز بيعه مطلقًا، وهو مذهب المالكية (٢). القول الثالث: التفريق بين سموم الحشائش، وبين سموم الحيات، فيحرم بيع سموم الأفاعي، ويجوز بيع سموم الحشائش، وهذا مذهب الحنابلة (٣). ومذهب الشافعية أرجح؛ وعمل الناس اليوم على هذا، فإن السموم اليوم تعتبر مالًا، لها قيمة معتبرة، فعن طريق السموم يتخلص الإنسان من الحشرات الضارة، والتي تفسد البيوت والأطعمة، كما أن بعض السموم تخلص التربة والمحاصيل الزراعية من بعض الآفات التي تلحقها، ويستفيد منه بعض الصيادلة في قتل بعض الميكروبات، والفيروسات التي تصيب بدن الإنسان. ويؤخذ من تحريم بيع السموم الضارة التي لا نفع فيها، تحريم الدخان والذي انتشر في عصرنا حتى بلغ قتلاه بالملايين كل عام حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، وتنفق بعض الدول على الرعاية الصحية في علاج آثاره ملايين

стр. 721

الدولارات كل عام، وقد اتفق أطباء هذا العصر على أنه مضر بالصحة، ولا عبرة بما يقوله بعض الناس: إنه يشرب الدخان منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ولم يلحقه ضرر منه، لأن مقاومة الأجسام للضرر قد تتفاوت بين الناس، والعبرة بعموم الناس، فما كان يضر غالب الناس حرم على الفرد منهم تناوله، هذا على التسليم بأنه لم يتضرر منه، ولو كشف على نفسه لدى الأطباء لأخبروه بما لحقه من الأضرار. جاء في حاشية الجمل عند الكلام على السم: «هل العبرة بالمتعاطي له، حتى لو كان القدر الذي يتناوله لا يضره، لاعتياده عليه، ويضر غيره لم يحرم، أو العبرة بغالب الناس، فيحرم ذلك عليه، وإن لم يضره، فيه نظر، والأقرب الثاني» (١). وقد حرم الله الخمرة؛ لأن ضررها أكبر من نفعها، فكيف بالدخان الذي لا نفع فيه البتة، بل هو ضرر محض، أليس أولى بالتحريم؟ * * *

стр. 722

المبحث التاسع في بيع الطيور لصوتها أو للونها [م -١٣٤] قال النووي: «قسم ينتفع به فيجوز بيعه، كالإبل والبقر ... وما ينتفع بلونه كالطاووس، أو صوته كالزرزور، والببغاء والعندليب ... فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف» (١). وقال في معالم القربة: «ويجوز بيع الببغاء والطاووس والطيور المسموعة وإن كانت لا تؤكل؛ فإن التفرج بأصواتها والنظر إليها غرض مقصود مباح» (٢). وجاء في الإنصاف: «يصح بيع طير لأجل صوته، كالهزار، والبلبل، والببغاء ... وقال الشيخ تقي الدين: يجوز بيعه إن جاز حبسه، وفي جواز حبسه احتمالان ذكرهما ابن عقيل» (٣). وجاء في تصحيح الفروع: «أما حبس المترنمات من الأطيار كالقماري والبلابل لترنمها في الأقفاص فقد كرهه أصحابنا لأنه ليس من الحاجات إليه لكنه من البطر، والأشر، ورقيق العيش وحبسها تعذيب فيحتمل أن ترد الشهادة باستدامته ويحتمل أن لا ترد ذكره في الفصول انتهى.

стр. 723

وقال في الفصول في موضع آخر: وقد منع من هذا أصحابنا، وسموه سفهًا انتهى. فقطع في الموضع الثاني بالمنع، وأن عليه الأصحاب وهو قوي وقال في باب الصيد: نحن نكره حبسه للتربية، لما فيه من السفه؛ لأنه يطرب بصوت حيوان، صوته حنين إلى الطيران، وتأسف على التخلي في الفضاء» (١). قلت: ويؤيد جواز حبس الطير، ولا يعتبر ذلك تعذيبًا له. (ح-٦٦) ما رواه البخاري من طريق شعبة، حدثنا أبو التياح، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير (٢). وفي رواية: نغر كان يلعب به. قال الحافظ في الشرح: «طير صغير، واحد نغرة، وجمعه نغران، قال الخطابي: طوير له صوت، وفيه نظر، ورد في بعض طرقه أنه الصعو ... قال عياض: النغير طائر معروف، يشبه العصفور، وقيل: هي فرخ العصافير، وقيل: هي نوع من الحمر، بضم المهملة، وتشديم الميم، ثم راء، قال: والراجح: أن النغير طائر أحمر المنقار .. » (٣). وساق الحافظ بعض فوائد الحديث، منها: «جواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه .... » (٤). * * *

стр. 724

الشرط الثالث أن يكون المعقود عليه معلومًا للمتعاقدين [م -١٣٥] هل يشترط أن يكون الثمن والمثمن معلومين للمتعاقدين؟ اختلف العلماء في ذلك القول الأول: يشترط أن يكون كل واحد من المتعاقدين عالمًا بالمعقود عليه قدرًا، وصفة، فإن جهل أحدهما المبيع، أو الثمن، فسد البيع، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). القول الثاني: أجاز بعض الحنفية أن يكون المبيع مجهولًا للبائع، إذا كان المشتري عالمًا به، كما لو باع رجل حصته، وهو لا يعرف مقدارها، صح البيع، إلا أنه إن كان في البيع غبن ثبت له خيار الغبن (٢).

стр. 725

القول الثالث: اختار بعض المالكية أنه لا يفسد البيع إلا إذا جهلاه معًا، أو جهله أحدهما، وعلم الآخر بجهله، وأما إذا لم يعلم الآخر بجهله فلا يفسد البيع، ولكن يخير الجاهل بين إمضاء البيع، وبين الرد (١). القول الرابع: اختار أكثر الحنفية، والباجي من المالكية جواز بيع الشيء، ولو لم يعلم

стр. 726

المشتري جنس المبيع فضلًا عن معرفة صفته، كما لو قال: بعتك ما في كمي إذا كان الخيار للمشتري بعد رؤيته للمبيع (١). والدليل على اشتراط كون المعقود عليه معلومًا، أدلة كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فاشترطت الآية الرضا، والرضا لا يتعلق إلا بمعلوم. ومنها: النهي عن بيع الغرر، وهو أصل متفق عليه في الجملة (ح-٦٧) لما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج. عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (٢). ومنه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة في النهي عن بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة، وإنما نهي عنها لما فيها من عدم العلم بالمبيع، قال النووي: «واعلم أن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وبيع عسب الفحل، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، وهي داخلة في النهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، ونهي عنها لكونها من بيوعات الجاهلية المشهورة، والله أعلم» (٣). وكل هذه الأحاديث سوف نسوقها بأسانيدها إن شاء الله تعالى في مباحث مستقلة.

стр. 727

وأما حجة من قال: يشترط علم المشتري دون البائع (ث-١٢) ما رواه الطحاوي من طريق هلال بن يحيى بن مسلم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن رباح بن أبي معروف المكي، عن ابن أبي مليكة. عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: اشترى طلحة بن عبيد الله من عثمان بن عفان مالًا، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، وكان المال بالكوفة، فقال عثمان: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أر، فقال طلحة: لي الخيار؛ لأن اشتريت ما لم أر، فحكَّما بينهما جبير بن مطعم، فقضى أن الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 728

دليل من قال: إذا جهل أحدهما المبيع فللجاهل الخيار . (ح-٦٨) ما رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن المبارك. عن الأوزاعي أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل للرجل أن يبيع طعامًا جزافًا قد علم كيله حتى يعلم صاحبه (١). [معضل بين الأوزاعي والنبي ﷺ مفازة]. وهذا الدليل لا ينطبق على المدلول؛ لأن القول بأن للجاهل الخيار قول بصحة البيع وانعقاده؛ لأن ثبوت الخيار فرع عنه، والدليل المسوق فيه النهي عن

стр. 729

بيع الرجل الطعام، وهو يعلم كيله جزافًا حتى يعلم صاحبه، والأصل في النهي المنع. دليل من أجاز البيع مع الجهل بجنس المبيع . يقول الباجي: «المعاوضة في العين الغائبة إذا كانت على وجه المغابنة والمكايسة لا تصح إلا بصفتها، أو برؤية متقدمة .... أما إذا كانت على وجه المكارمة، والمواصلة ... فتصح، ولو لم تذكر الصفة والجنس ... ومقتضى البيع المغابنة، والمكايسة، ولذا لا ينعقد فيما جهلت صفته وجنسه، فإذا شرط المشتري الخيار لنفسه، فقد صرح بالمكارمة، فيصح العقد؛ لأنه لا غرر فيه، إذ البائع قد علم صفة ما باع، فلا غرر عليه، والمبتاع بالخيار، فلا غرر عليه أيضًا» (١). والراجح اشتراط العلم في المبيع والثمن، لأن جهالة أحدهما تفضي إلى الغرر والنزاع. وتطبيقات هذا الشرط كثيرة جدًا، ويدخل فيه مسائل منها: هل يشترط للعلم بالمبيع الرؤية، أم يكفي الوصف؟ وهل يشترط رؤية جميع المبيع، أم تكفي رؤية بعضه؟ ومتى تكون الرؤية؟ هل تكون عند العقد، أو يصح أن تكون قبله؟ كما يبحث في هذا الشرط فروع منها: حكم بيع ما يسمى اليوم بالبوفيه المفتوح، وحكم بيع اللبن في الضرع، والحمل في البطن، وبيع ثوب من الثياب، أو شاة من القطيع، وبيع مقدار من

стр. 730

الصبرة، والبيع بما ينقطع به السعر، والبيع بما باع به زيد، وجهلاه أو جهله أحدهما، وغيرهما من المسائل التي تدخل في اشتراط العلم بالمعقود عليه. وقد تعرضت لهذه المسائل ولله الحمد في باب موانع البيع، فانظرها هناك مشكورًا. * * *

стр. 731

الشرط الرابع أن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه [م - ١٣٦] الشرط الرابع في المعقود عليه أن يكون مقدورًا على تسليمه، وقد اختلف الفقهاء في اعتبار هذا الشرط على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنه يشترط في المعقود عليه من مبيع وثمن القدرة على تسليمه، فإن كان المبيع أو الثمن غير مقدور على تسليمه لم يصح البيع (١). القول الثاني: ذهب الحنفية في التفريق بين المبيع والثمن، فيشترط في المبيع القدرة على تسليمه، ولا يشترط ذلك في الثمن (٢). القول الثالث: ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى أنه لا يشترط في البيع القدرة على التسليم (٣).

стр. 732

تحرير محل الخلاف: الضابط في هذا الباب: أن كل ما عجز عن تسليمه حسًا، فهو داخل في هذا المبحث، وأما ما عجز عن تسليمه شرعًا لحق آدمي، كالمرهون، فإنه يصح بيعه، ويقف اللزوم فيه على إجازة المرتهن، إذ الحق له، فيكون اشتراطه في اللزوم لا في الصحة، إذ هي حاصلة بدونه (١). دليل الجمهور: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وبيع ما لا يقدر على تسليمه من أكل أموال الناس بالباطل، خاصة إذا لم يتمكن المشتري من قبض المبيع، والتصرف فيه، والذي هو المقصود من عملية البيع. الدليل الثاني: (ح-٦٩) حديث حكيم بن حزام، وقول النبي ﷺ له: (لا تبع ما ليس عندك) (٢). والمراد: لا تبع ما لست قادرًا على تسليمه، كما بينا ذلك في بحث سابق. الدليل الثالث: (ح-٧٠) حديث أبي هريرة في النهي عن بيع الغرر (٣).

стр. 733

وما لا يقدر على تسليمه فيه غرر ظاهر؛ لأن عاقبته مستورة، فلا يدري المتعاقد هل يحصل عليه، أم لا. الدليل الرابع: ولأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، والمعدوم لا يصح بيعه. وفي بيع المعدوم خلاف سوف أبحثه إن شاء الله تعالى بشكل مستقل لأهميته. الدليل الخامس: ولأن بيع ما لا يقدر على تسليمه من بيع الميسر المنهي عنه؛ لأن العادة أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سوف يباع بثمن أقل من ثمنه الحقيقي، فإن وجده المشتري صار غانمًا، وإن لم يتمكن من تسلمه صار غارمًا، وهذا هو حقيقية الميسر المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]. دليل الحنفية في التفريق بين المبيع وبين الثمن . الدليل الأول: (ح-٧١) رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك ابن حرب، عن سعيد بن جبير. عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، هو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).

стр. 734

[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (١). وجه الاستدلال: قال السرخسي: «إذا ثبت جواز الاستبدال بالثمن قبل القبض، ثبت أن فوات التسليم فيه لا يبطل العقد; لأن في الاستبدال تفويت التسليم فيما استحق بالعقد وبهذا ثبت أن ملكه عند العقد ليس بشرط; لأن اشتراط الملك عند العقد إما لتمليك العين والثمن دين في الذمة أو للقدرة على التسليم ولا أثر للعجز عن تسليم الثمن في العقد» (٢). الدليل الثاني: الأصل في البيع هو المبيع دون الثمن، فالمقصود في البيع هو المبيع، والثمن وسيلة إليه، ولذلك جاز البيع بدون ذكر الثمن ويكون له ثمن المثل، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، ولا يجوز البيع دون ذكر المبيع، والمبيع يتعلق بالعين، والثمن يتعلق بالذمة. دليل ابن حزم على صحة بيع ما لا يقدر على تسليمه . قال ابن حزم: «التسليم لا يلزم، ولا يوجبه قرآن ولا سنة ولا دليل أصلا وإنما اللازم ألا يحول البائع بين المشتري وبين ما اشترى منه فقط فيكون إن فعل ذلك عاصيا ظالمًا». ولا يرى ابن حزم في عدم القدرة على التسليم غررًا، لأنه يحصر الغرر فيما كان مجهول القدر أو الصفة.

стр. 735

قال ابن حزم: «ليس هذا غررًا؛ لأنه بيع شيء قد صح ملك بائعه عليه، وهو معلوم الصفة والقدر فعلى ذلك يباع، ويملكه المشتري ملكًا صحيحًا فإن وجده فذلك وإن لم يجده فقد استعاض الأجر الذي هو خير من الدنيا وما فيها، وربحت صفقته. ولو كان هذا غررًا لكان بيع الحيوان كله، حاضره وغائبه غررًا لا يحل، ولا يجوز ; لأنه لا يدري مشتريه أيعيش ساعة بعد ابتياعه أم يموت ولا يدري أيسلم أم يسقم ..... وإنما الغرر ما عقد على جهل بمقداره وصفاته حين العقد. فإن قالوا: فلعله ميت حين العقد أو قد تغيرت صفاته؟ قلنا: هو على الحياة التي قد صحت له حتى يوقن موته وعلى ما تيقن من صفاته حتى يصح تغييره فإن صح موته ردت الصفقة وإن صح تغيره فكذلك أيضًا. ولئن قلتم: إن هذا يمنع من بيعه فامنعوا من بيع كل غائب من الحيوان - ولو أنه خلف الجدار - إذ لعله قد مات للوقت حين عقد الصفقة، أو تغير بكسر أو وجع أو عور. نعم وامنعوا من بيع البيض والجوز واللوز وكل ذي قشر إذ لعله فاسد، ولا فرق بين شيء من ذلك؟ وإنما الغرر ما أجزتموه من بيع المغيبات التي لم يرها أحد قط: من الجزر والبقل والفجل ولعلها مستاسة، أو معفونة وما أجازه بعضكم من بيع ما لم يخلق بعد من بطون المقاثي التي لعلها لا تخلق أبدًا - ومن لبن الغنم شهرين، أو ثلاثة ولعلها تموت أو تحارد فلا يدر لها شخب، ومن بيع لحم شاة مذبوحة لم تسلخ بعد فلا يدري أحد من خلق الله تعالى ما صفته - فهذا وأشباهه هو بيع الغرر المحرم وقد أجزتموه لا ما صح ملكه وعرفت صفاته» (١).

стр. 736

ويناقش ابن حزم: بأنه ﵀ جعل الغرر هو في مجهول الصفة والمقدار فقط، وهذا فيه نظر، وقد بين القرافي في الفروق الفرق بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر، فقال: «اعلم أن العلماء قد يتوسعون في هاتين العبارتين فيستعملون إحداهما موضع الأخرى، وأصل الغرر هو الذي لا يدرى، هل يحصل أم لا، كالطير في الهواء والسمك في الماء؟ وأما ما علم حصوله، وجهلت صفته فهو المجهول، كبيعه ما في كمه، فهو يحصل قطعًا، لكن لا يدرى أي شيء هو، فالغرر والمجهول كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، أما وجود الغرر بدون الجهالة فكشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق، لا جهالة فيه، وهو غرر; لأنه لا يدري هل يحصل أم لا؟ والجهالة بدون الغرر كشراء حَجَرٍ يراه لا يدري، أزجاج هو أم ياقوت؟ مشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر وعدم معرفته تقتضي الجهالة به، وأما اجتماع الغرر والجهالة، فكالعبد الآبق المجهول الصفة قبل الإباق» (١). الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأقوال والحجج أرى أن القول بعدم صحة بيع ما لا يقدر على تسليمه أقوى دليلًا، وأحفظ لأموال الناس. وتطبيقات هذا الشرط كثيرة، منها: (١) بيع الآبق والشارد.

стр. 737

(٢) بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء. (٣) بيع المعدوم. (٤) بيع المغصوب. (٥) بيع الشيء قبل قبضه. (٦) بيع الدين (٧) بيع الرجل ما ليس عنده. وقد ذكرت هذه المسائل، ولله الحمد وحده في باب موانع البيع (في مبحث الغرر) فارجع إليها مشكورًا. * * *

стр. 738

الشرط الخامس أن يكون المعقود عليه مالًا [م - ١٣٧] المالية شرط عند الجميع، ويضيف الحنفية وصفًا آخر للمال، وهو أن يكون متقومًا بناء على تقسيمهم المال إلى متقوم وغير متقوم، فالخمر عندهم مال، ولكنه غير متقوم. يقول ابن عابدين في حاشيته: «المال أعم من المتقوم (١) ; لأن المال ما يمكن ادخاره، ولو غير مباح كالخمر والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة فالخمر مال لا متقوم ... » (٢). وقال أيضًا: «فما يباح بلا تمول لا يكون مالًا كحبة حنطة، وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدم .. » (٣). وأما بقية المذاهب فلم يذهبوا معهم إلى هذا التقسيم، فما ليس بمتقوم لا يعد عندهم مالًا وقد تكلمنا على أدلة الفريقين في باب تقسيم المال، فانظره هناك. * * *

стр. 739

الشرط السادس أن يكون المبيع مملوكًا في ذاته وليس مباحًا [م - ١٣٨] يشترط أن يكون المبيع مملوكًا في ذاته، ولو لغير البائع، فلا ينعقد بيع المباحات المعينة كالسمك، والكلأ، وحطب البوادي، والماء قبل حيازته. قال في تبيين الحقائق: «لا يجوز بيع الكلأ؛ لأنه ليس بمملوك، إذ لا يملكه بنباته في أرضه ما لم يحرزه، لقوله ﵇ (المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ والنار) .... (١)، وهو محمول على ما إذا لم يحرزه» (٢). فالمال غير المحرز من المباحات، كالسمك في الماء، والطير في الهواء، والأشجار في البراري، ومثله الذهب في مناجمه، والفضة في معادنها، لا يصح بيعها؛ لأنه غير مملوك قبل حيازته، ولو أتلفه متلف لم يضمنه؛ لأنه لا حماية له قبل حيازته. وقد استدل لعدم مشروعية بيع ما لا يملكه الإنسان بحديث حكيم بن حزام ﵁، وفيه: لا تبع ما ليس عندك. وقد تكلمت في بيع الكلأ وبيع الماء قبل حيازته في مباحث مستقلة، كما تكلمنا عند الكلام على أحكام العاقد في مسألة بيع الفضولي باعتباره غير مالك للمعقود عليه، ولا مأذون له في التصرف، فأغنى عن إعادته هنا. والحمد لله.

стр. 740

الشرط السابع هل يشترط وجود المبيع حال العقد [م - ١٣٩] هذه الشرط راجع إلى مسألة (حكم بيع المعدوم)، وقد اختلف الفقهاء في جواز بيعه على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن بيع المعدوم لا يجوز. مع اتفاقهم على جواز بيع السلم، وقد لا يكون موجودًا وقت العقد. قال ابن نجيم: «وأما شرائط المعقود عليه: فأن يكون موجودًا .... وأن يكون مقدور التسليم، فلم ينعقد بيع المعدوم» (١). ويقول الكاساني في الكلام على شروط انعقاد البيع: «وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع، منها أن يكون موجودًا فلا ينعقد بيع المعدوم .. » (٢). وفي الفتاوى الهندية: «وأما شرائط الانعقاد فأنواع، منها في العاقد ... ومنها في المبيع: وهو أن يكون موجودًا، فلا ينعقد بيع المعدوم .. » (٣). وقال القرافي الملكي في الفروق: «بيع المجهول الموجود باطل قطعًا، فيبطل بطريق الأولى بيع المعدوم» (٤). وقال الشيرازي في المهذب: «ولا يجوز بيع المعدوم، كالثمرة التي لم تخلق .. » (٥).
следующие страницы →