تعليل من قال: لا تصح:
التعليل الأول:
علل الحنفية المنع بأن عمل الدلالة لا يمكن استحقاقه بعقد الإجارة، حتى لو استأجر له دلالًا يبيع له ويشتري، فالإجارة فاسدة.
ويناقش:
هذا التعليل يرجع إلى توصيف العقد بأنه إجارة، وإذا كان كذلك فإن العمل مجهول، فقد يجد الدلال مشتريًا، وقد لا يجد، ولكن إذا اعتبر العقد من عقود الجعالة، فإن جهالة العمل في عقد الجعالة لا يؤثر في صحة العقد، والله أعلم.
التعليل الثاني:
علل الحنابلة المنع، بأن الشركة الشرعية لا تخرج عن الضمان والوكالة، وهما غير موجودين في هذه الشركة.
فالوكالة لا تصح؛ لأن الدلال وكيل صاحب السلعة في بيعها، فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلًا له فيما وكل فيه، وليس للوكيل حق التوكيل.
ولا يوجد فيها ضمان؛ لأنه لا دين يصير في ذمة واحد منهما، ولا تقبل عمل.
ويجاب:
أما القول بأنها لا تصح؛ لأن الوكيل لا يملك حق التوكيل فيما وكل فيه،
стр. 6757
فيقال: بأن غرض المالك ومقصوده هو بيع سلعته، ولا يوجد له غرض صحيح في كون البيع يتولاه شخص بعينه، فإذا تم غرضه فقد حصل مقصوده، وقد لا يتولى نائب الوكيل إبرام العقد، وإنما يقتصر عمله على عرض السلعة، والمناداة عليها.
وأما القول بأن شركة الدلالين لا تصح لكونها لا يوجد فيها ضمان، ولا تقبل عمل، فإن هذا لا يكفي في رد الشركة، لأن شركة التقاط المباحات لا ضمان فيها، ولا تقبل، وقد ذهب كل من المالكية والحنابلة إلى صحتها.
القول الثاني:
تصح شركة الدلالين، وهو الوجه الثاني في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الحنفية (١).
دليل من قال بالصحة:
إن قامت شركة الدلالين على مجرد عرض السلعة، والمناداة عليها، والقيام
стр. 6758
على تحصيل الأموال من المشترين، وتسجيل عقود البيع والشراء، فلا خلاف في جواز ذلك؛ لأن مأخذ المنع عند القائلين بالمنع أن الدلال لا يحق له التوكيل فيما وكل فيه، وهو إنما وكل في البيع، وشركاؤه لم يتولوا إبرام العقد.
قال ابن تيمية: «فأما مجرد النداء، والعرض، وإحضار الديون فلا خلاف في جوازه» (١).
ويلحق بذلك إذا سلم المالك ماله إلى الدلالين مع علمه باشتراكهم، فإن ذلك بمثابة الإذن لهم في تولي البيع.
قال ابن تيمية: «تسليم الأموال إلى الدلالين مع العلم باشتراكهم إذن لهم» (٢).
وعلى فرض أن يقوم بالبيع غير من وكل به، فإن كان بحضور صاحبه كان ذلك بمنزلة الإذن منه بذلك، وإن كان ذلك بغيبته فما المانع من صحة ذلك، فإذا كان للأجير المشترك أن يوكل غيره بالقيام بالعمل، كالخياط، والنجار، والحداد، جاز للدلال أن يستنيب غيره في البيع؛ لأن الوكالة بأجر لا تخرج عن كونها إجارة، كما أن ثمن البيع لا يحدده الدلال، وإنما يحدده المالك، إلا أن يمنع من ذلك المالك بأن يقول له: لا يبع مالي إلا أنت، فهنا يجب على الدلال أن يتولى البيع بنفسه، وهذا بحد ذاته لا يمنع شركة الأعمال؛ لأنها شركة قائمة على الاشتراك في الكسب كما قلنا سابقًا، والله أعلم.
قال ابن تيمية: «ووجه صحتها أن بيع الدلال وشراءه بمنزلة خياطة الخياط، وتجارة التجار، وسائر الأجراء المشتركين، ولكل منهم أن يستنيب وإن لم
стр. 6759
يكن للوكيل أن يوكل، ومأخذ من منع أن الدلالة من باب الوكالة وسائر الصناعات من باب الإجارة وليس الأمر كذلك» (١).
الراجح:
أرى أن القول بالجواز هو القول الراجح؛ لأن الأصل في العقود الصحة والجواز، والعمل على ذلك في سائر الأقطار، والله أعلم.
* * *
стр. 6760
الشرط الثالث
في اتحاد العمل والمكان في شركة الأعمال
الشركة عقد يقصد به الربح، وهو لا يتوقف على اتحاد العمل والمكان.
استحقاق الربح إنما هو بالنظر إلى الشرط المذكور في عقد الشركة، وليس هو بالنظر إلى العمل في الواقع.
[م-١٣٢٦] هل يشترط اتحاد العمل (الصنعة) والمكان، أو تصح الشركة مع اختلاف الصنعة والمكان، كطبيب، ومهندس، ونجار، وحداد؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا يشترط اتحاد المكان ولا اتحاد الصنعة، فتجوز الشركة بين خياط وصباغ، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، ووجه ضعيف في مذهب الشافعية (١).
دليل من قال: لا يشترط اتحاد المكان ولا اتحاد الصنعة:
الدليل الأول:
عدم الدليل الموجب لاتحاد الصنعة، واتحاد المكان، فلا يوجد دليل من
стр. 6761
كتاب أو سنة يوجب اتحاد الصنعة أو اتحاد المكان، والأصل عدم الوجوب.
الدليل الثاني:
أن الشركة معقودة على الاشتراك في الكسب المباح، فصحت الشركة، سواء اتفقت الصنعة، أو اختلفت هذا تعبير الحنابلة، وعبر عنه الحنفية بقوله: إن المعنى المجوز للشركة هو تحصيل الربح، عن طريق تقبل العمل والتوكيل فيه، وهذا صحيح سواء اتحد العمل والمكان أم اختلفا.
القول الثاني:
يشترط اتحاد المكان واتحاد الصنعة أو تلازمها، وهذا مذهب المالكية (١).
ويكفي في اتحاد المكان: أن تجول يد كل منهما في العمل ولو كانا في مكانين مختلفين، وأن يكون نفاقهما واحدًا، فإذا عمل كل منهما في المكانين فكأنما تم العمل في مكان واحد حكمًا.
جاء في شرح الخرشي: «ولا يشترط كونهما بمكان واحد، بل وإن كان كل واحد بموضع على حدة، لكن لا بد من أن يكون نفاقهما واحدًا، وتكون أيديهما تجول بالعمل في الحانوتين، وإلا فلا بد من اتحاد المكان» (٢).
والمراد بالتلازم: أن يقف أحد العملين على الآخر: كأن يقوم أحدهما
стр. 6762
بالغوص لطلب اللؤلؤ والثاني يمسك عليه، ويجدف، أو أحدهما يصوغ، والثاني يسبك له، وهكذا (١).
قال ابن جزي: «وإنما تجوز بشرطين: أحدهما اتفاق الصنعة كخياطين وحدادين، ولا تجوز مع اختلاف الصنعة كخياط، ونجار. والشرط الثاني: اتفاق المكان الذي يعملان فيه، فإن كانا في موضعين لم يجز» (٢).
وذهب أبو الخطاب من الحنابلة إلى موافقة المالكية على اشتراط اتفاق الصنعة (٣).
دليل من قال: يشترط اتحاد العمل والمكان:
الدليل الأول:
أن مقتضى الشركة أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم صاحبه ويطالب به كل واحد منهما فإذا تقبل أحدهما شيئًا مع اختلاف صنائعهما كان صاحبه عاجزًا عن القيام به فكيف يلزمه عمله وهو غير قادر عليه.
وأجيب بعدة أجوبة، منها:
الجواب الأول:
اختار بعض الحنابلة بأن ما يتقبله الشريك لا يلزم شريكه، فليست الشركة قائمة على الكفالة، وإنما تقوم على الوكالة فقط.
стр. 6763
«قال القاضي: يحتمل أن لا يلزمه ذلك; لأنهما كالوكيلين; بدليل صحتهما في المباح ولا ضمان فيها».
الجواب الثاني:
على التسليم بأن ما يتقبله الشريك يكون لازمًا لشريكه، فإن معنى ذلك أن ذمته تكون مطالبة بتحصيله، ولو كان ذلك عن طريق الأجرة، ولا يلزم أن يقوم بالعمل بنفسه.
الجواب الثالث:
أن عجز الشريك عن القيام بما يتقبله صاحبه قد يوجد مع اتحاد الصنائع فقد يكون أحد الرجلين أحذق فيها من الآخر فربما يتقبل أحدهما ما لا يمكن الآخر عمله ولم يمنع ذلك صحتها فكذلك إذا اختلفت الصنعة.
الدليل الثاني:
أن الصنعة إذا كانت واحدة، أو كانت متلازمة بحيث لا تقوم صناعة أحدهما إلا بالأخرى، وكانا يعملان في موضع واحد فالشركة بينهما متحققة تمامًا، فيشتركان في نفاق السلعة كما يشتركان في كسادها، بخلاف ما إذا اختلفت الصنعة أو المكان فإنه قد تنفق سلعة أحدهما دون الآخر، وبالتالي يكون أحدهما قد تعرض لأكل مال أخيه بالباطل.
جاء في التاج والإكليل: «لا يجوز إذا افترقا في الموضعين وإن كانت صنعتهما واحدة؛ لاختلاف نفاق الأعمال في المواضع، فربما عمل أحدهما لكثرة العمل في موضعه ويبطل الآخر، فصار ذلك تفاضلا في الشركة، ومن سننها المساواة وذلك في شركتهما في عمل الأيدي» (١).
стр. 6764
ويناقش:
أما قولكم: إن اختلاف الصنعة ومكانها قد يؤدي إلى نفاق أحدهما دون الأخرى، وهذا يعني أن أحد الشريكين قد يأكل مال الآخر بالباطل، فيجاب عنه بأن استحقاق الربح في الشركة بحكم الشرط في العقد لا العمل، وبسبب الضمان، وذلك أن ما يتقبله أحدهما يلزمه ويلزم شريكه، والضمان أحد أسباب استحقاق الربح وإن لم يعمل، فلو كان استحقاق الشريك للربح بذات العمل الذي يؤديه منفردًا لم يكن لعقد الشركة معنى.
جاء في تبيين الحقائق: «إذا عمل أحدهما دون الآخر كانت الأجرة بينهما على ما شرطا، أما استحقاق العامل فظاهر، وأما الآخر فلأنه لزمه العمل بالتقبل، فيكون ضامنًا له، فيستحقه بالضمان، وهو لزوم العمل» (١).
وأما الجواب عن قولكم: إن من سنن الشركة المساواة، فيقال: قد أجاز المالكية شركة الأعمال وإن اختلفت الصنائع إذا كان عملهما متلازمًا، وهذا يؤدي إلى فوات المساواة كاختلاف الصنعتين، فإن قيل: إنه في حالة التلازم يصار إلى قيمة العمل، يقال: كذلك في حال اختلاف الصنعة أو المكان يصار إلى قيمة العمل والمكان (٢).
الراجح:
أرى أن القول بجواز شركة الأبدان وإن اختلفت الصنائع والأمكنة هو القول الراجح؛ لأنه يتمشى مع أصل عظيم، وهو أن الأصل في المعاملات الصحة والجواز، وأنه لا يحرم منها شيء إلا بدليل، ولا دليل على اشتراط اتحاد الصنائع والأمكنة، والله أعلم.
* * *
стр. 6765
الشرط الرابع
أن يكون نصيب كل واحد من الشركاء معلوما شائعا
كل شرط يوجب قطع الشركة في الربح، أو يوجب جهالة فيه فإنه يفسد الشركة (١).
[م-١٣٢٧] يشترط في شركة الأبدان أن يكون نصيب كل واحد ومقداره معلومًا لهما؛ وهذا الشرط لا بد منه في جميع الشركات، فليس مختصًا في شركة الأبدان؛ فلا يجوز أن يشترط لأحدهما جزء مجهول من الكسب؛ لأن الجهالة في نصيب الشريك يؤدي إلى الشقاق والتنازع.
ويشترط أن يكون نصيب كل واحد منهما شائعًا كالنصف أو الثلث أو الربع ونحو ذلك مما يتحصل عليه الجميع.
فلا يصح أن يشترط مبلغًا معينًا من الربح كألف مثلًا، ولا أن يشترط من الربح شهرًا معينًا، ولا أن يختص بربح صنعة معينة ونحو ذلك؛ لأن اشتراط ذلك قد يؤدي إلى انقطاع الاشتراك في الربح، فالشركة قد تربح في هذا دون ذاك، وقد لا تربح إلا هذا المبلغ أو أقل منه فيستأثر بالربح كله من اشترط له ذلك دون غيره، وقد تربح الشركة أكثر من ذلك، فيتضرر من شرط له ذلك.
جاء في العناية شرح الهداية: «ولا تجوز الشركة إذا شرط لأحدهما دراهم مسماة من الربح؛ لأنه شرط يوجب انقطاع الشركة، فعساه لا يخرج إلا قدر المسمى لأحدهما» (٢).
* * *
стр. 6766
مبحث
إذا عمل أحد الشريكين دون الآخر
الربح يستحق بالمال، أو بالعمل، أو بالضمان (١).
[م-١٣٢٨] إذا عمل أحد الشريكين دون الآخر، فهل يستحق الآخر المشاركة في الكسب؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الكسب بينهما مطلقًا، سواء ترك العمل بعذر أو بغير عذر، وهو المشهور في مذهب الحنابلة إلا أن الحنابلة قالوا: يجب على من ترك العمل أن يقيم مكانه من يقوم بعمله إن طلب شريكه ذلك.
جاء في غمز عيون البصائر: «إذا عمل أحد الشريكين دون الآخر بعذر أو بغيره فالربح بينهما» (٢).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن مرض أحدهما: أي الشريكان، فالكسب بينهما، أو ترك أحدهما العمل مع شريكه لعذر أو لا ... بأن كان حاضرًا صحيحًا، فالكسب بينهما على ما شرطا» (٣).
وجاء في كشاف القناع: «وإن مرض أحدهما: أي الشريكان، أو ترك
стр. 6767
العمل، ولو بلا عذر فالكسب بينهما على ما شرطاه; لأن العمل مضمون عليهما، وبضمانهما له وجبت الأجرة، فتكون لهما ويكون العامل منهما عونًا لصاحبه في حصته، ولا يمنع ذلك استحقاقه كمن استأجر رجلا ليقصر له ثوبًا فاستعان بآخر، فإن طالبه ... الصحيح بأن يعمل معه، أو أن يقيم مقامه من يعمل معه لزمه ذلك; لأنهما دخلا على أن يعملا، فإذا تعذر عمل أحدهما بنفسه لزمه أن يقيم مقامه توفية لما يقتضيه العقد، فإن امتنع المريض ونحوه من أن يقيم مقامه فللآخر الفسخ أي فسخ الشركة بل له فسخها وإن لم يمتنع; لأنها غير لازمة كما سبق» (١).
دليل الحنفية والحنابلة على أن الكسب بينهما مطلقًا:
الدليل الأول:
ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة،
عن عبد الله قال: اشتركنا يوم بدر أنا وعمار وسعد فيما أصبنا يوم بدر، فأما أنا وعمار فلم نجئ بشيء، وجاء سعد بأسيرين (٢).
[أعله بعضهم بالانقطاع، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل] (٣).
ويناقش:
بأن عبد الله وعمار قد عملا، ولم يتحصل من عملهما شيء، فلا يصدق عليهما أنهما ترك العمل مطلقًا.
стр. 6768
الدليل الثاني:
ما رواه الترمذي، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت.
عن أنس بن مالك، قال: كان أخوان على عهد النبي ﷺ ، فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ ، والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه إلى النبي ﷺ فقال: لعلك ترزق به. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
[صحيح] (١).
ويناقش:
بأن الحديث ليس فيه نص بأن الأخوين كان بينهما عقد شراكة، وإنما كان أحدهما مكتسبًا، والآخر يطلب العلم، وربما كان أخوه ينفق عليه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال له ﷺ : لعلك ترزق به، فليس في الحديث أن العامل وأخاه يتقاسمون الكسب، وعلى التنزل فإن الحديث ليس فيه أن الآخر لا يعمل قط، فربما عمل بعض الوقت في الوقت الذي لا يكون فيه منشغلًا بطلب العلم، والله أعلم.
стр. 6769
الدليل الثالث:
ذكر الحنفية والحنابلة ومن وافقهم أن استحقاق الربح في الشركة يكون بأحد أمور ثلاثة: المال، أو العمل، أو الضمان (١).
ولما كان ما يتقبله أحد الشريكين يلزمه أصالة عن نفسه، ووكالة عن شريكه، فيكون العمل المتقبل مضمونًا عليهما، فيستحق كل منهما جزءًا من الكسب مقابل هذا الضمان، بل إن الشارع علق استحقاق الربح بالضمان، فنهى عن ربح ما لم يضمن (٢)،ولو كان مملوكًا.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الكسب بينهما إن كان الغياب أو المرض مدة يسيرة كاليوم واليومين.
فإن كان ترك العمل مدة طويلة، فإن كان ذلك مشروطًا في عقد الشركة فسدت الشركة، وهذا مذهب المالكية.
قال خليل في مختصره: «وألغي مرض كيومين وغيبتهما، لا إن كثرت، وفسدت باشتراطه» (٣).
стр. 6770
وإنما تسامح المالكية في اليومين جريًا على القاعدة عندهم، أن ما قرب من الشيء يعطى حكمه، فكأنه لم يمرض ولم يغب، وقد طردوا ذلك في مسائل كثيرة، ولأن هذا أمر يقع كثيرًا بين الشركاء، وجرت به عادتهم إلا أن يتفاحش المرض والغياب أو يشترط، وقد ذكرنا أدلتهم على هذه القاعدة في مباحث السلم، في تأخير تسليم الثمن عن مجلس العقد اليوم واليومين.
واستدل المالكية على إبطال الشركة إذا كان الغياب مشروطًا في مجلس العقد باعتبار أن هذا الشرط يخالف مقتضى عقد شركة الأبدان؛ لأنها قائمة على الاشتراك في العمل، وقد دخلا في الشركة على ذلك، فإذا تضمن العقد ترك العمل كان هذا مخالفًا لمقتضى العقد.
وإن كان ترك العمل في المدة الطويلة غير مشروط في عقد الشركة، فقد اختلف المالكية إلى أقوال:
فقيل: إن كان الغياب قبل تقبل العمل فيختص به العامل دون الغائب والمريض، وإن كان بعد تقبل العمل كان الكسب بينهما، ويرجع العامل بنصف أجرة مثله على شريكه. وهذا أحد الأقوال في مذهب المالكية (١).
واستدلوا على ذلك:
بأن الغياب أو المرض إذا كان بعد تقبل العمل كان كل منهما ضامنًا لما يتقبله
стр. 6771
الآخر، فيكون الكسب بينهما لوجود الضمان منهما، وأما إذا تم الغياب قبل تقبل العمل فيختص به العامل وحده؛ لأنه مختص بضمانه، ولأن الغياب والمرض الطويلين يقطعان الشركة.
ويناقش هذا:
بأن الغياب والمرض لا يقطع الشركة إلا إذا فسخها أحدهما، والله أعلم.
وقيل: إن كان ذلك غير مشروط في العقد فإن الكسب بينهما، ويكون العامل منهما متطوعًا بعمله، وهذا قول أشهب من المالكية (١).
دليل أشهب هو دليل الحنفية والحنابلة في القول الأول، فلا فرق بين القولين والله أعلم؛ لأنهم يقولون: إن الكسب بينهما مطلقًا، سواء كان الغياب لعذر أو لغير عذر، وسواء كان الغياب طويلًا أو قصيرًا، والله أعلم.
وقيل: يكون الكسب بينهما، وللعامل أجرة مثله، وهذا قول ابن القاسم من المالكية (٢).
أما كون الكسب بينهما فلأن الشركة ما زالت قائمة بينهما، لم يقطعاها، وأما كون العامل منهما له أجر مثله؛ فلأنه انفرد بالعمل وحده، فلا يسوى بينهما مع الغياب والمرض الطويلين، والله أعلم.
القول الثالث:
ذهب الحنابلة في أحد الوجهين إلى أن ترك العمل إن كان بعذر كان الكسب بينهما، وإن كان بدون عذر كان الكسب للعامل منهما فقط (٣).
стр. 6772
وجه هذا القول:
بأن من ترك العمل لوجود عذر من مرض ونحوه فإنه يستحق الربح؛ لأن الأمر لم يكن من عمله، وأما إذا كان بغير عذر فإنه لا يستحق نصيبًا من الربح؛ لأنه قد ترك العمل بلا مسوغ، والله أعلم.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال أجد أن مذهب الحنابلة، أقوى الأقوال، وهو أن الشريكين يتقاسمان الربح على ما اشترطا، سواء كان ترك العمل بعذر أو بغير عذر إلا أن الشريك العامل له أن يطالب الغائب والمريض بأن يقيم أحدًا مقامه، فإذا لم يطالب فقد أسقط حقه، والله أعلم.
* * *
стр. 6773
الفصل الخامس
في ضمان الشريك في شركة الأعمال
ما يقبل أحد الشريكين يلزم الآخر عمله وضمانه (١).
[م-١٣٢٩] لا خلاف في أن أحد الشريكين وكيل عن صاحبه فيما يتقبله من الأعمال، وهل يكون الشريك ضامنًا لصاحب العمل ما تقبله أحدهما؟
اختلف العلماء في هذا على قولين:
القول الأول:
يلزم أحدهما الضمان فيما أخذه صاحبه، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٢).
جاء في الهداية: «هذه الشركة ـ يعني شركة الصنائع ـ مقتضية للضمان ألا ترى أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل مضمون على الآخر، ولهذا يستحق الأجر بسبب نفاذ تقبله عليه» (٣).
وجاء في مختصر خليل «ولزمه ما يقبله صاحبه وضمانه وإن تفاصلا» (٤).
стр. 6774
قال الحطاب شارحًا لهذه العبارة: يعني أن أحد شريكي العمل إذا قبلا شيئا ليعملا فيه لزم شريكه الآخر أن يعمله معه ولا يشترط أن يعقدا معًا ويلزم أحدهما الضمان فيما أخذه صاحبه ولو افترقا كما لو أخذ أحدهما شيئا ليعملا فيه، فتلف، ثم تفرقا، فجاء صاحبه يطلب به الذي دفعه له فالضمان عليهما معًا قال في المدونة: وما يقبل أحد الشريكين للصنعة لزم الآخر عمله وضمانه يؤخذ بذلك وإن افترقا» (١).
وجاء في الإنصاف: «وما يتقبله من العمل يصير في ضمانهما، يطالبان به، ويلزمهما عمله» (٢).
دليل الجمهور على وجوب الضمان على الشريك:
وجه الحنفية والحنابلة وجوب الضمان على شركة الأبدان، بأن مبنى الشركة قائم على أساس التضامن بين الشركاء، فالشريك يستحق الربح إما بسبب عمله إن باشر العمل بنفسه، أو بسبب ضمانه لعمل صاحبه إن لم يباشر العمل بنفسه، ولولا وجود الضمان لم يستحق الشريك الذي لم يباشر العمل شيئًا من الأجر.
القول الثاني:
لا يلزم كل واحد منهما ما يتقبله صاحبه، ساقه ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى احتمالًا (٣).
وجه هذا القول:
أن عقد الشركة قائم على الوكالة فقط، وليس على الضمان بدليل صحة
стр. 6775
الشركة في تملك المباح، وهذه الشركة عند من يقول بصحتها كالحنابلة والمالكية لا ضمان فيها.
الراجح:
الذي أميل إليه هو أن الشركة قائمة على الضمان والوكالة، لأن الشريك بمنزلة الأجير المشترك، وصاحب العمل مستأجر، والأجير المشترك يضمن جميع العيوب الناتجة عن أداء العمل، سواء ضمنه أصالة عن نفسه، أو ضمنه باعتباره وكيلًا عن صاحبه؛ لأن العقد وارد على العمل السليم، وليس على المعيب. ولا يعترض على هذا القول بشركة التقاط المباح، فإن عدم الضمان فيها ليس راجعًا إلى الشركة، وإنما لأن العمل فيها لا يوجد فيها تقبل من الناس، فالإجارة فيها منتفية بخلاف تقبل الأعمال فإنها قائمة على عقد الإجارة، والله أعلم.
* * *
стр. 6776
الفصل السادس
في كيفية اقتسام الربح في شركة الأعمال
قال ابن مفلح: ربح كل شركة على ما شرطا (١).
[م-١٣٣٠] اختلف العلماء في كيفية اقتسام الربح في شركة الأعمال على قولين:
القول الأول:
الربح في شركة الأعمال على ما اتفقوا عليه من مساواة أو تفاضل، وهذا مذهب الحنابلة (٢)، ومذهب الحنفية إلا أن الحنفية يشترطون أن تكون شركة الأعمال عنانًا، فإن كانت مفاوضة كان الربح مناصفة (٣).
قال ابن قدامة: «والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه من مساواة وتفاضل؛ لأن العمل يستحق به الربح، ويجوز تفاضلهما في العمل، فجاز تفاضلهما في الربح الحاصل به» (٤).
стр. 6777
القول الثاني:
الربح على قدر العمل، وهو المشهور من مذهب المالكية (١).
جاء في الشرح الكبير: «إذا كان عمل أحدهما الثلثين، والآخر الثلث لم يجز إلا فض الربح على قدر العمل» (٢).
وأدلة هذه المسألة هي أدلة تقسيم الربح في شركة الأموال، وقد سبق بحثها، فأغنى ولله الحمد عن إعادته هنا.
* * *
стр. 6778
مبحث
في تحمل الخسارة في شركة الأعمال
الوضيعة في شركة لا مال فيها على قدر الضمان.
نص الحنفية والمالكية بأن الخسارة في شركة الأعمال على قدر ضمان العمل، فلو شرط العمل على أحدهما الثلث، وعلى الآخر الثلثان، كان ثلث الخسارة على الأول، وثلثاها على الثاني (١).
جاء في بدائع الصنائع: «وأما الوضيعة فلا تكون بينهما إلا على قدر الضمان، حتى لو شرطا أن ما يتقبلانه فثلثاه على أحدهما بعينه، وثلثه على الآخر، والوضيعة بينهما نصفان كانت الوضيعة باطلة؛ لأن الربح إذا انقسم على قدر الضمان كانت الوضيعة باطلة ..... لأن الربح إذا انقسم على قدر الضمان كانت الوضيعة على قدر الضمان أيضًا .... » (٢).
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن اشتركا على عمل أيديهما، وهما قصاران، ولا يحتاجان إلى رأس مال، فاشتركا على أن على هذا من العمل الثلث، وعلى هذا الثلثين، على أن لصاحب الثلث من كل ما يصيبان الثلث، ولصاحب الثلثين من كل ما يصيبان الثلثين، وعلى أن على صاحب الثلث ثلث الضياع، وعلى صاحب الثلثين ثلثي الضياع؟ قال: قال مالك: لا بأس بذلك،
стр. 6779
مثل الشركة في الدراهم؛ لأنهما إذا اشتركا بعمل أيديهما جعل عمل أيديهما مكان الدراهم فما جاز في الدراهم جاز في عمل أيديهما» (١).
وهو مقتضى مذهب الحنابلة؛ قال ابن مفلح: «وربح كل شركة على ما شرطا .... والوضيعة على المال» (٢).
فإذا جعلوا الوضيعة على قدر المال، فإن العمل في شركة الأبدان قائم مقام المال؛ لأنه لا مال فيها، فيكون الربح على ما اتفقا عليه كما أسلفنا، والخسارة بحسب الضمان، فمن كان عليه ضمان الثلث تحمل من الخسارة بقدرها، ومن كان عليه ضمان الثلثين تحمل من الخسارة بقدرها كذلك.
* * *
стр. 6780
الفصل السابع
في موت أحد الشريكين
جاء في كشاف القناع: كل عقد جائز من الطرفين ..... يبطل بموت أحدهما، وعزله (١).
[م-١٣٣١] ذهب عامة أهل العلم إلى أن الشركة تبطل بموت أحد الشريكين (٢).
وجه القول بالبطلان:
أن الشريك إذا مات بطلت الشركة؛ لزوال أهلية التصرف بالموت، ولانتقال الملك إلى الورثة.
ولأن الشركة لا يتحقق ابتداؤها إلا بولاية التصرف لكل منهما في مال الآخر، ولا تبقى الولاية إلا ببقاء الوكالة، والوكالة تنتهي بالموت بالاتفاق، حكى الاتفاق على ذلك ابن قدامة في المغني (٣).
ولأن الشريك إن كان موكلًا فقد بطل أمره بموته، وإن كان وكيلًا فقد تعذر تصرفه بموته.
هذا إذا كان الشركاء اثنين، فإن كان الشركاء ثلاثة فأكثر انفسخت الشركة في حق الميت فقط، وتبقى قائمة في حق الحي.
стр. 6781
جاء في الإقناع: «والشركة عقد جائز تبطل بموت أحد الشريكين ... » (١).
وقال ابن نجيم: «ولو كان الشركاء ثلاثة، فمات أحدهم حتى انفسخت الشركة في حقه، لا تنفسخ في حق الباقين» (٢).
[م-١٣٣٢] وهل يتوقف الفسخ على علم الآخر بالموت؟ في ذلك خلاف بين العلماء:
فقيل: تنفسخ سواء علم الطرف الآخر بموت شريكه أو لم يعلم، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة في رواية (٣).
جاء في الهداية: «وإذا مات أحد الشريكين، أو ارتد، ولحق بدار الحرب بطلت الشركة؛ لأنها تتضمن الوكالة ... والوكالة تبطل بالموت .... ولا فرق بينما إذا علم الشريك بموت صاحبه، أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي، وإذا بطلت الوكالة بطلت الشركة» (٤).
جاء في القواعد لابن رجب: «المشهور أن كل من ينعزل بالموت، أو عزل، هل ينعزل بمجرد ذلك؟ أم يقف عزله على علمه؟ على روايتين» (٥).
وقيل: إن الفسخ يتوقف على علم الطرف الآخر، وهو مذهب المالكية، والرواية الثانية عند الحنابلة (٦).
стр. 6782
وأجاز بعض الفقهاء أن يحل الوارث غير الرشيد محل مورثه إذا كان في استدامة الشركة مصلحة له.
جاء في أسنى المطالب: «لو مات أحد الشريكين، وله طفل، ورأى الولي المصلحة في الشركة استدامها» (١).
الراجح:
لا أرى مانعًا من قيام الوارث مقام المورث إذا تراضى الشركاء على ذلك؛ لأن الحق لهم، فإذا قبلوا أن يحل الوارث محل مورثه فلا محذور فيه، والله أعلم.
* * *
стр. 6783
الباب الرابع
في شركة الوجوه
الفصل الأول
في تعريف شركة الوجوه
تعريف شركة الوجوه اصطلاحًا (١):
تعريف الحنفية:
عرفها الكاساني من الحنفية بقوله: «أن يشتركا، وليس لهما مال لكن لهما وجاهة عند الناس، فيقولا: اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة ونبيع بالنقد على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على شرط كذا» (٢).
وسمي هذا النوع شركة الوجوه; لأن الشركاء يبتذلون وجوههم من أجل
стр. 6784
طلب المال، أو لأنهم يحصلون على المال بجاههم حيث لا يباع بالنسيئة إلا للوجيه من الناس عادة، وهم أشراف القوم وسادتهم.
وقوله: (نبيع بالنقد) هذا التقييد قال به بعض الفقهاء، وبعضهم لم يقيد ذلك، فيجوز أن يبيع بالنقد أو بالنسيئة إلى أجل هو أدنى من أجل الشراء، لكي يتمكن الشريكان من سداد ديونهما.
تعريف المالكية:
عرفها ابن جزي المالكي بقوله: «أن يشتركا على غير مال، ولا عمل، وهي الشركة على الذمم بحيث إذا اشتريا شيئًا كان في ذمتهما، وإذا باعاه اقتسما ربحه» (١).
وقوله: (على غير مال ولا عمل) أما المال فظاهر فإن الشركة ليس فيها رأس مال ابتداء، وأما قوله: ولا عمل ففيه نظر، فإن البيع والشراء يعتبر من العمل، والربح إنما يستفاد بسببهما.
تعريف الشافعية:
عرفها الشيرازي بقوله: «أن يعقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه» (٢).
تعريف الحنابلة:
جاء في مجلة الأحكام الشرعية بأنها «اشتراك شخصين فأكثر في ربح ما يشتريانه في ذممهما بجاههما» (٣).
* * *
стр. 6785
الفصل الثاني
في صور شركة الوجوه
اتفق الجمهور على اعتبار صورة واحدة من شركة الوجوه، واختلفوا في اعتبار باقي الصور، وهي كالتالي:
الصورة الأولى:
[م-١٣٣٣] أن يشترك وجيهان عند الناس ليبتاعا في الذمة إلى أجل، على أن ما يبتاعه كل واحد يكون بينهما، فيبيعانه، ويؤديان الأثمان، فما فضل فهو بينهما (١).
وهذه الصورة هي المشهورة في شركة الوجوه، والمتفق على اعتبارها في شركة الوجوه، بل إن مدار تعريف شركة الوجوه عند الأئمة الأربعة على هذه الصورة، وهي المتبادرة إلى الذهن عند الإطلاق، وسبق ذكر كلام الفقهاء عند تعريف شركة الوجوه. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على حكم هذه الصورة في مبحث مستقل.
الصورة الثانية:
[م-١٣٣٤] اختلف الفقهاء في تقسيم شركة الوجوه إلى عنان ومفاوضة على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى تقسيم شركة الوجوه إلى عنان ومفاوضة.
стр. 6786
فشركة الوجوه تكون مفاوضة إذا عقدت بلفظ المفاوضة، وتحققت فيها الوكالة، والكفالة، وكانت على التساوي في كل شيء.
و تكون عنانًا إذا عقدت بلفظ العنان، أو عقدت على الإطلاق، أوكانت على التفاوت في الضمان، وفي الربح، أو على نوع محدد من السلع، وتقوم على الوكالة فقط دون الكفالة (١).
قال السرخسي: «وهذه الشركة ـ يعني شركة الوجوه ـ تجوز عندنا عنانًا ومفاوضة إلا أن المفاوضة لا تكون إلا باعتبار المساواة في المشترى والربح جميعًا» (٢).
وجاء في الفتاوى الهندية: «أما شركة الوجوه: فهو أن يشتركا، وليس لهما مال، لكن لهما وجاهة عند الناس .... وتكون مفاوضة: بأن يكونا من أهل الكفالة، والمشترى بينهما نصفين، وعلى كل واحد منهما نصف ثمنه، ويتساويا في الربح، ويتلفظا بلفظ المفاوضة، أو يذكرا مقتضياتها، فتتحقق الوكالة والكفالة في الأثمان والمبيعات، وإن فات شيء منها كانت عنانًا كذا في فتح القدير، وإن أطلقت كانت عنانًا كذا في الظهيرية، والعنان منهما تجوز مع اشتراط التفاضل في ملك المشترى» (٣).
القول الثاني:
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اختصاص تقسيم الشركة إلى عنان
стр. 6787
ومفاوضة بشركة الأموال خاصة، دون غيرها من الشركات، وعليه فلا تتحمل شركة الوجوه تقسيمها إلى عنان ومفاوضة (١).
وسبق لنا كلام الجمهور في شركة الأعمال، وبينت أن هذه التقسيمات اصطلاحية فقهية، لا تعتمد على دليل من الشرع كما أسلفنا، ولا أرى مانعًا من تقسيم شركات الوجوه إلى عنان ومفاوضة، كما جرى تقسيم شركة الأموال إلى عنان ومفاوضة، ولا مشاحة في الاصطلاح، والله أعلم.
الصورة الثالثة:
[م-١٣٣٥] أن يشترك وجيه وخامل، ولها صورتان.
الأولى: أن يشتري الوجيه نسيئة، ويفوض بيعه إلى خامل، ويشترطا أن يكون ربحه بينهما. وهذه الصورة انفرد الشافعية بذكرها (٢).
الثانية: أن يبيع الوجيه مال الخامل؛ ليكون العمل من الوجيه، والمال من الخامل، والربح بينهما، وسواء كان المال في يد الخامل، لا يسلمه إلى الوجيه، أو كان في يد الوجيه، فالوجيه هنا يستخدم جاهه وخبرته في بيع مال الخامل.
وهذه الصورة منعها المالكية والشافعية (٣).
стр. 6788
وجه المنع عند المالكية:
منع المالكية هذه الصورة لعلتين:
أحدها: أنه من باب الغش والتدليس على الناس، وهذا لا يجوز؛ لأن الناس يرغبون في الشراء من الوجيه التاجر؛ لاعتقادهم أنه لا يتجر إلا في الجيد من السلع بخلاف سلع الخامل.
والثانية: أنها إجارة مجهولة الأجرة (١).
ويناقش هذا:
بأن بيع الوجيه مال الخامل لا ينطوي على أي غش أو تدليس؛ ذلك أن الوجيه باع سلعة معلومة بالطرق الشرعية، فلا يجوز للتاجر الوجيه أن يظهر السلعة بما ليس فيها، والعهدة عليه فيما لو ظهر فيها عيب.
وأما القول بأن العقد مشتمل على إجارة مجهولة، فهذا بعيد جدًا، فإن العقد ليس من قبيل المعاوضات، وإنما من قبيل المشاركة، فليس هناك أي معاوضة بين الوجيه البائع وبين المالك الخامل، وعلى التنزل فإن الإجارة تؤول إلى العلم بعد البيع، فلا يؤدي ذلك إلى التنازع، والله أعلم.
وأما وجه المنع عند الشافعية:
فقد نصوا على أنها من عقود المضاربة الفاسدة؛ إما لكون المال من غير النقود، وهم يشترطون في عقد المضاربة أن يكون رأس المال فيه من النقود، أو لاستبداد المالك باليد لعدم تسليم رأس المال إلى المضارب، وإما لكليهما معًا (٢).
стр. 6789
وبعضهم أفسدها لأنها من الجعالة الفاسدة؛ لجهالة العوض، فيستحق العامل أجرة مثل عمله (١).
والراجح القول بالجواز:
والوصف الفقهي لهذه الشركة هو التوكيل بالبيع بحصة من الربح، كعمل السمسار تمامًا، وعقود السمسرة إذا كان العوض فيه بجزء مشاع من الثمن يعتبر العقد فيه مشاركة أو جعالة، ولكنه ليس من قبيل المعاوضة، فالسلعة ملك لصاحبها، لا يملك منها السمسار شيئًا، وإن تحقق ما طلب من السمسار استحق العوض، وإلا بقيت العين على ملك صاحبها، وجهالة العوض في هذه الصورة مغتفرة؛ لأنه لا تؤدي إلى المنازعة؛ وتؤول إلى العلم. وقد صحح الحنابلة في رواية إذا قال الجاعل: من رد عبدي أو ضالتي فله ثلثها (٢)، والله أعلم.
الصورة الرابعة:
[م-١٣٣٦] ذكرها القاضي من الحنابلة: وهو أن يدفع واحد ماله إلى اثنين مضاربة، فيكون المضاربان شريكين في الربح بمال غيرهما؛ لأنهما إذا أخذا المال بجاههما فلا يكونان مشتركين بمال غيرهما (٣).
فاعتبر القاضي أن العاملين وجيهان حيث استطاعا الحصول على مال رب المال ليعملا فيه.
والحقيقة أن هذه الشركة ليست بين اثنين، وإنما أطرافها ثلاثة، وأحد الثلاثة منه المال، والآخران عاملان فيه، فالعقد عقد مضاربة لا غير، والله أعلم.
стр. 6790
الصورة الخامسة:
[م-١٣٣٧] وهي صورة جائزة لدى جميع الفقهاء، وهي التعاقد على شراء شيء معين بالدين، فإذا قصد المشتري الشراء لهما، فإنهما يصيران شريكين في العين شركة ملك، فإذا بيعت السلعة فالربح بينهما.
فهذه الصورة لا يمنع منها من منع شركة الوجوه كالمالكية والشافعية، وذلك أن التعاقد في هذه الصورة لم يكن على شيء غير معين، ويحمل كل عن الآخر بمثله، أو أكثر، وإنما كان التعاقد على شيء معين جنسًا، ونوعًا، وقدرًا، فكانت الوكالة في شيء معلوم.
جاء في الشرح الصغير: «فإن أذن له في سلعة معينة جاز؛ لأنه صار بالإذن وكيلًا عنه فيما يخصه، فكانا بمنزلة رجلين اشتريا سلعة بينهما بدين، فإنه جائز قطعًا» (١).
وجاء في مغني المحتاج: «إن وكل أحدهما الآخر أن يشتري عينًا، وقصد المشتري الشراء لهما فإنهما يصيران شريكين في العين المأذون فيها» (٢).
وجاء في المهذب: «وأما شركة الوجوه: وهو أن يعقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه، فهي شركة باطلة؛ لأن ما يشتريه كل واحد منهما ملك له ينفرد به، فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه، وإن وكل كل واحد منهما صاحبه في شراء شيء بينهما، واشترى كل واحد
стр. 6791
منهما ما أذن فيه شريكه، ونوى أن يشتريه بينه وبين شريكه، دخل في ملكهما، وصارا شريكين فيه، فإذا بيع قسم الثمن بينهما لأنه بدل مالهما» (١).
هذه صور شركة الوجوه فيما وقفت عليه من كلام الفقهاء، والله أعلم.
* * *
стр. 6792
الفصل الثالث
في حكم شركة الوجوه
الأصل جواز جميع أنواع الشركات.
شركة الوجوه قائمة على أهلية التوكل والتوكيل، وعلى أهلية الكفالة، وكلاهما جائزان في الشريعة.
[م-١٣٣٨] عند الكلام على حكم شركة الوجوه فإن المقصود بالحكم هي الصورة المتفق عليها لدى الفقهاء، وهي اشتراك شخصين فأكثر في ربح ما يشتريانه في ذممهما بجاههما.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه الصورة على قولين، مع الإقرار أنه لا يوجد في الأدلة ما يدل على إباحتها ولا على منعها:
القول الأول:
تصح شركة الوجوه، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
استدل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
الأصل جواز جميع أنواع الشركات، سواء ما كان منها موجودًا في كلام الفقهاء المتقدمين باعتبار أن هذه الشركات توجه إليه الفقهاء المتقدمون بالكلام؛ لأنها كانت تلبي حاجات عصرهم، أو ما كان منها مستحدثًا بسبب
стр. 6793
الحاجة الماسة إليها في هذا العصر، ما دام أن المبادئ الأساسية للشركة متوفرة فيها، ولا تقبل دعوى اختصاص الجواز في بعض الشركات دون بعض إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة، ولم يقم هذا الدليل للمانعين.
الدليل الثاني:
احتج الحنفية بجريان العمل بهذه الشركة بين الناس، فقد تعامل الناس بشركة الوجوه من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير.
فإن قيل: كيف يحتج بالإجماع مع خلاف المالكية والشافعية؟
أجيب:
بأن هذا حكاية للإجماع العملي، وكثيرًا ما يحتج به الحنفية في المسائل الخلافية، فقد احتجوا به في عقد الاستصناع، وهو مختلف فيه.
قال الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀: «وقد أشرنا سابقًا إلى أن الحنفية يدعون الإجماع على جوازه للحاجة ـ يعني عقد الاستصناع ـ ودعوى الإجماع مستفيضة في كتب المذهب الأساسية: المبسوط للسرخسي، والبدائع للكاساني، والهداية للمرغياني، وسواها، وقد تبدو هذه الدعوى غريبة، فأي إجماع مع أن مذاهب عديدة منها: الشافعي، والحنبلي لا تجيزه إلا بشروط السلم كاملة؟
ولكن الإجماع الذي يستند إليه الحنفية صحيح، ولا تتنافى مع هذا الخلاف بين المذاهب في جواز الاستصناع، فإن الإجماع الذي يدعيه الحنفية هو الإجماع العملي، فهم يقولون: إن العمل بالاستصناع فيما يحتاج إليه متعارف ومستمر من عصر الرسول ﷺ دون نكير» (١).
стр. 6794
الدليل الثالث:
أن شركة الوجوه قائمة على أهلية التوكل والتوكيل، وعلى أهلية الكفالة، وكلاهما جائزان في الشريعة الإسلامية، لاشتمالها على مصلحة من غير مفسدة.
القول الثاني:
لا تصح شركة الوجوه، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، واختيار ابن حزم من الظاهرية (١).
قال ابن رشد: «وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة، وقال أبو حنيفة: جائزة ... » (٢).
دليل من قال ببطلان شركة الوجوه:
الدليل الأول:
أبطل المالكية شركة الوجوه؛ لأنها من باب تحمل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت، وهذا يعني:
أن هذه الشركة قائمة على الضمان بجعل (بأجرة) وهذا لا يجوز، فالضمان من عقود الإرفاق لا يجوز أخذ
стр. 6795
الأجرة عليه؛ لأن المدين قد يعجز، فيسدد عنه الكفيل، فيؤول إلى قرض جر نفعًا.
ونوقش هذا:
بأن أخذ الجعل في مقابل ضمان الديون لا يجوز، ولكن هذا يكون في رجلين أحدهما مدين، والآخر ضامن للدين، أما في شركة الوجوه فالضمان فيها ضمان ثمن المال المشترى، فهو من ضمان الملك، لا من ضمان الدين، وهذا يجعل جميع الشركاء مدينين بالضمان؛ لأن ملك السلعة شركة بينهم، ويطالب الشريك بسداد الدين ليس باعتباره ضامنًا فقط، وإنما باعتباره مدينًا بمقتضى عقد الشركة، فلا ينفرد أحد الشركاء بالملك، والآخر بالضمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ربح الشريك لا يستحق بالضمان وحده، وإنما يستحق بالعمل أيضًا، فالشراء والبيع عمل، ولا يستفاد الربح إلا عن طريقهما، وإذا كان محل شركة الوجوه هو العمل مع الضمان، وليس الضمان وحده، لم يصح أن يقال: إن الربح يستحق بالضمان وحده، فيؤول إلى أخذ الأجرة على الضمان.
الدليل الثاني:
أبطل المالكية هذه الشركة؛ لأن هذه الشركة من باب أسلفني وأسلفك، فتكون من باب السلف بزيادة (١).
ونوقش هذا:
بأن هذا القول مبني على توصيف المالكية للشركة، وأنها من عقود المعاوضات اللازمة، وأن الإنسان يبيع نصف ماله بنصف مال شريكه، وأما