منهما ما أذن فيه شريكه، ونوى أن يشتريه بينه وبين شريكه، دخل في ملكهما، وصارا شريكين فيه، فإذا بيع قسم الثمن بينهما لأنه بدل مالهما» (١).
هذه صور شركة الوجوه فيما وقفت عليه من كلام الفقهاء، والله أعلم.
* * *
стр. 6792
الفصل الثالث
في حكم شركة الوجوه
الأصل جواز جميع أنواع الشركات.
شركة الوجوه قائمة على أهلية التوكل والتوكيل، وعلى أهلية الكفالة، وكلاهما جائزان في الشريعة.
[م-١٣٣٨] عند الكلام على حكم شركة الوجوه فإن المقصود بالحكم هي الصورة المتفق عليها لدى الفقهاء، وهي اشتراك شخصين فأكثر في ربح ما يشتريانه في ذممهما بجاههما.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه الصورة على قولين، مع الإقرار أنه لا يوجد في الأدلة ما يدل على إباحتها ولا على منعها:
القول الأول:
تصح شركة الوجوه، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
استدل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
الأصل جواز جميع أنواع الشركات، سواء ما كان منها موجودًا في كلام الفقهاء المتقدمين باعتبار أن هذه الشركات توجه إليه الفقهاء المتقدمون بالكلام؛ لأنها كانت تلبي حاجات عصرهم، أو ما كان منها مستحدثًا بسبب
стр. 6793
الحاجة الماسة إليها في هذا العصر، ما دام أن المبادئ الأساسية للشركة متوفرة فيها، ولا تقبل دعوى اختصاص الجواز في بعض الشركات دون بعض إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة، ولم يقم هذا الدليل للمانعين.
الدليل الثاني:
احتج الحنفية بجريان العمل بهذه الشركة بين الناس، فقد تعامل الناس بشركة الوجوه من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير.
فإن قيل: كيف يحتج بالإجماع مع خلاف المالكية والشافعية؟
أجيب:
بأن هذا حكاية للإجماع العملي، وكثيرًا ما يحتج به الحنفية في المسائل الخلافية، فقد احتجوا به في عقد الاستصناع، وهو مختلف فيه.
قال الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀: «وقد أشرنا سابقًا إلى أن الحنفية يدعون الإجماع على جوازه للحاجة ـ يعني عقد الاستصناع ـ ودعوى الإجماع مستفيضة في كتب المذهب الأساسية: المبسوط للسرخسي، والبدائع للكاساني، والهداية للمرغياني، وسواها، وقد تبدو هذه الدعوى غريبة، فأي إجماع مع أن مذاهب عديدة منها: الشافعي، والحنبلي لا تجيزه إلا بشروط السلم كاملة؟
ولكن الإجماع الذي يستند إليه الحنفية صحيح، ولا تتنافى مع هذا الخلاف بين المذاهب في جواز الاستصناع، فإن الإجماع الذي يدعيه الحنفية هو الإجماع العملي، فهم يقولون: إن العمل بالاستصناع فيما يحتاج إليه متعارف ومستمر من عصر الرسول ﷺ دون نكير» (١).
стр. 6794
الدليل الثالث:
أن شركة الوجوه قائمة على أهلية التوكل والتوكيل، وعلى أهلية الكفالة، وكلاهما جائزان في الشريعة الإسلامية، لاشتمالها على مصلحة من غير مفسدة.
القول الثاني:
لا تصح شركة الوجوه، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، واختيار ابن حزم من الظاهرية (١).
قال ابن رشد: «وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة، وقال أبو حنيفة: جائزة ... » (٢).
دليل من قال ببطلان شركة الوجوه:
الدليل الأول:
أبطل المالكية شركة الوجوه؛ لأنها من باب تحمل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت، وهذا يعني:
أن هذه الشركة قائمة على الضمان بجعل (بأجرة) وهذا لا يجوز، فالضمان من عقود الإرفاق لا يجوز أخذ
стр. 6795
الأجرة عليه؛ لأن المدين قد يعجز، فيسدد عنه الكفيل، فيؤول إلى قرض جر نفعًا.
ونوقش هذا:
بأن أخذ الجعل في مقابل ضمان الديون لا يجوز، ولكن هذا يكون في رجلين أحدهما مدين، والآخر ضامن للدين، أما في شركة الوجوه فالضمان فيها ضمان ثمن المال المشترى، فهو من ضمان الملك، لا من ضمان الدين، وهذا يجعل جميع الشركاء مدينين بالضمان؛ لأن ملك السلعة شركة بينهم، ويطالب الشريك بسداد الدين ليس باعتباره ضامنًا فقط، وإنما باعتباره مدينًا بمقتضى عقد الشركة، فلا ينفرد أحد الشركاء بالملك، والآخر بالضمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ربح الشريك لا يستحق بالضمان وحده، وإنما يستحق بالعمل أيضًا، فالشراء والبيع عمل، ولا يستفاد الربح إلا عن طريقهما، وإذا كان محل شركة الوجوه هو العمل مع الضمان، وليس الضمان وحده، لم يصح أن يقال: إن الربح يستحق بالضمان وحده، فيؤول إلى أخذ الأجرة على الضمان.
الدليل الثاني:
أبطل المالكية هذه الشركة؛ لأن هذه الشركة من باب أسلفني وأسلفك، فتكون من باب السلف بزيادة (١).
ونوقش هذا:
بأن هذا القول مبني على توصيف المالكية للشركة، وأنها من عقود المعاوضات اللازمة، وأن الإنسان يبيع نصف ماله بنصف مال شريكه، وأما
стр. 6796
على قول من يعتبر عقود المشاركة ليست من عقود المعاوضات بين الشركاء، وهو مذهب الجمهور فلا يقوم هذا الدليل، وهو الصواب؛ لأن يد الشريك في مال الشركة يد أمانة، والأمانة ليست من عقود المعاوضات، كما أنهم يرون أن عقد الشركة من العقود الجائزة، وعقود المعاوضات الأصل فيها أنها من العقود اللازمة. وقد سبق بحث هذه المسألة في مبحث مستقل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
الدليل الثالث:
أبطل الشافعية شركة الوجوه؛ لأن الشركة عندهم لا تقوم إلا على المال المشترك، وشركة الوجوه لا مال فيها.
ولأن ما يشتريه كل منهما ملك له ينفرد به، فلا يجوز أن يشركه غيره في ربحه، بل له ربحه، وعليه خسارته.
ولكثرة الغرر في هذا النوع من الشركات.
مناقشة دليل الشافعية:
أما قولهم (الشركة لا تقوم إلا على المال المشترك، وشركة الوجوه لا مال فيها) فهذا استدلال في محل النزاع لا يسلم لهم، وهو دليل خاص بالشافعية، ومذهبهم من أضيق المذاهب في الشركات؛ لأنهم لا يقولون إلا بشركة العنان فقط، وتقوم عندهم على الاشتراك في الملك أولًا، ثم الإذن بالتصرف ثانيًا، فهم يشترطون خلط المالين بحيث لا يتميزا قبل عقد الشركة ليكون الملك مشاعًا بينهما، ومن ثم التوجه بعد ذلك بالإذن بالتصرف في مال مملوك لهما.
ولهذا أجاز الشافعية أن يوكل أحدهما الآخر أن يشتري شيئًا معينًا نسيئة، فإذا
стр. 6797
قصد المشتري الشراء لهما فإنهما يصيران شريكين في العين شركة ملك، فإذا بيعت هذه العين اشتركا في الربح.
يقول ابن تيمية: «ولم يجوزها الشافعي ـ يعني شركة الوجوه ـ بناء على أصله وهو أن مذهبه أن الشركة لا تثبت بالعقد وإنما تكون الشركة شركة الأملاك خاصة فإذا كانا شريكين في مال، كان لهما نماؤه، وعليهما غرمه ولهذا لا يجوز شركة العنان مع اختلاف جنس المالين ولا يجوزها إلا مع خلط المالين. ولا يجعل الربح إلا على قدر المالين، والجمهور يخالفونه في هذا، ويقولون: الشركة نوعان: شركة أملاك وشركة عقود وشركة العقود أصلًا لا تفتقر إلى شركة الأملاك كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود. وإن كانا قد يجتمعان» (١).
ولو كانت الشركة لا تقوم إلا على مال مشترك ما صح عقد المضاربة، إذ إن عقد المضاربة ليس فيها مال مشترك، والمضاربة جائزة بالإجماع، وعلى التنزل أن الشركة لا تقوم إلا على مال مشترك، فإن الدين يعتبر مالًا عند الشافعية، كما هو مذهب الجمهور خلافًا للحنفية، وإذا كان الدين مالًا، والشركة منعقدة على الاشتراك في الديون، كانت قائمة على المال، والله أعلم.
وأما قولهم: (إن ما يشتريه كل منهما ملك له، ينفرد به) فهذا غير مسلم، بل إن ما يشتريه كل منهما ملك لهما، لأنه اشترى لنفسه بالأصالة، ولشريكه بالوكالة، فصار الملك مشتركًا.
وأما دعوى وجود الغرر في الشركة، فلم يتبين لي وجهه إلا أن يكون الغرر من جهة التفويض، فالوكالة مطلقة حيث عقدت الشركة على أن ما يشتريه
стр. 6798
أحدهما فالربح بينهما، فلم يعينا جنسًا للسلع، ولا وقتًا للتفويض ينتهي بانتهائه، وهذا لا مانع منه في عقود الشركات، ولو اعتبر لرد عقد المساقاة، وعقد المضاربة بهذه الحجة، مع أن المانعين يقولون بجوازهما، والله أعلم.
الدليل الخامس:
استدل بعضهم على منع شركة الوجوه، بأن شركة الوجوه قائمة على الوكالة، وشرائط عقد الوكالة لم تتوفر في هذا النوع من الشركة، فلا بد من تعيين قدر الثمن، والنوع.
وأجيب:
القول بأن الوكالة لا تصح حتى يذكر قدر الثمن، والنوع غير مسلم، ولو سلم ذلك فإن هذا معتبر في الوكالة المفردة، أما الوكالة الداخلة في ضمن الشركة فلا يعتبر فيها ذلك، بدليل المضاربة، وشركة العنان، فإن في ضمنهما توكيلًا، ولا يعتبر فيها شيء من هذا (١).
القول الراجح:
الذي أميل إليه أن شركة الوجوه من العقود الجائزة، وأن مذهب الحنفية والحنابلة أقوى من مذهب المالكية والشافعية، والله أعلم.
стр. 6799
الفصل الرابع
في أركان شركة الوجوه
[م-١٣٣٩] الخلاف في أركان شركة الوجوه هو الخلاف نفسه في أركان الشركة على سبيل العموم، فالعلماء يتفقون على أن الصيغة ركن من أركان الشركة، ويختلفون فيما عدا ذلك.
فالحنفية يرون الاقتصار على الصيغة.
وزاد الجمهور على ذلك: العاقدين، والعمل، وأما رأس المال فإنه ليس ركنًا باعتبار أن رأس مالها ما تشتريه الشركاء في الذمة، والله أعلم.
وقد سبق تحرير دليل الحنفية والجمهور في شركة الأموال فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 6800
الفصل الخامس
في شروط شركة الوجوه
عندما نقول: شروط شركة الوجوه لا يدخل في ذلك الشروط العامة التي يجب توفرها في جميع الشركات، لأن مثل ذلك قد سبق بحثه في أول الكتاب، وقبل الدخول في أنواع الشركات، وإنما نقصد الشروط الخاصة في شركة الوجوه.
والباحث في شروط شركة الوجوه سوف يقصر بحثه في مذهب الحنفية والحنابلة فقط؛ وذلك لأن المالكية والشافعية لا يرون مشروعية شركة الوجوه.
[م-١٣٤٠] وقد اختلف الحنفية والحنابلة القائلون بجواز مثل هذه الشركة في شروط شركة الوجوه.
فالحنابلة جعلوا شروط شركة الوجوه هي شروط شركة العنان.
جاء في شرح منتهى الإرادات: «وتصرفهما أي شريكي الوجوه فيما يجوز، ويمتنع، ويجب، وشروط، وإقرار، وخصومة، وغيرها كتصرف شريكي عنان على ما سبق» (١).
وقال ابن قدامة: «وحكمها في جواز ما يجوز لكل واحد منهما، أو يمنع منه حكم شركة العنان» (٢).
وقد سبق تحرير أحكام شركة العنان فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
стр. 6801
وأما شروط شركة الوجوه عند الحنفية فتختلف عندهم بناء على تقسيمهم لشركة الوجوه إلى مفاوضة، وعنان، وهم قد انفردوا بهذا التقسيم كما أشرنا إليه سابقا.
فالجمهور يرون شركة الأموال فقط هي التي تنقسم إلى مفاوضة وعنان، وأما الحنفية فهم يرون أن شركة الأموال والوجوه والأبدان تنقسم إلى مفاوضة وعنان، وشروط شركة الوجوه مفاوضة هي نفس شروط شركة المفاوضة في الأموال، وشروط شركة الوجوه عنانًا هي نفس شروط شركة العنان في الأموال.
جاء في بدائع الصنائع: «وأما الشركة بالوجوه فالعنان منها والمفاوضة في جميع ما يجب لهما، وما يجب عليهما، وما يجوز فيه فعل أحدهما على شريكه، وما لا يجوز بمنزلة شريك العنان والمفاوضة في الأموال» (١).
فإذا كانت شركة الوجوه مفاوضة اشترط الحنفية فيها ما يلي:
الأول: أن يكون كل واحد من الشريكين من أهل الكفالة.
الثاني: أن يكون المشترى بينهما نصفين.
الثالث: أن يكون الربح بينهما بالتساوي.
الرابع: أن يتلفظا بلفظ المفاوضة أو يذكرا مقتضياتها (٢).
الخامس: التساوي في التصرف، فلا يجوز أن يكون أحدهما صبيًا، والآخر
стр. 6802
بالغًا؛ لأن الصبي ليس من أهل الكفالة، ولا يجوز أن يكون أحدهما مسلمًا، والآخر ذميًا؛ لأن الذمي يحق له التصرف في بعض الأعيان المباحة له، وهي محرمة في حق الشريك المسلم، كشراء الخمر، وبيعه.
وإن كانت شركة الوجوه عنانًا فلا يشترط فيها الحنفية ما يشترط في المفاوضة بل يشترط فيها:
(١) ـ أن يكون كل من الشريكين من أهل الوكالة، ولا يشترط فيها أهلية الكفالة.
(٢) ـ الثانية: أن يتخلف فيها شرط من شروط المفاوضة، كأن يعدم فيها المساواة في الربح، أو المساواة في رأس المال، أو المساواة في التصرف، أو المساواة في الضمان، أو تعقد بلفظ العنان، أو تعقد على الإطلاق، أو تعقد على نوع محدد من السلع (١).
هذه تقريبًا شروط شركة الوجوه عنانًا، والله أعلم.
* * *
стр. 6803
الفصل السادس
في تقاسم الأرباح والخسائر في شركة الوجوه
المبحث الأول
في تقاسم الأرباح
يثبت لشركة الوجوه ما يثبت لشركة العنان (١).
شركة الوجه: الملك على ما شرطاه، والوضيعة على قدر الملك، والربح على ما شرطاه (٢).
[م-١٣٤١] اختلف الحنفية والحنابلة في توزيع الأرباح في شركة الوجوه على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والقاضي و ابن عقيل من الحنابلة إلى القول بأن الربح بين الشريكين بقدر الضمان.
والضمان بقدر الملك في المشترى، فإن شرطا أن المشترى بينهما نصفان فالربح كذلك، وإن شرطا الملك لأحدهما الثلث، وللآخر الثلثان فالربح كذلك.
فإن شرط لأحد الشريكين في الربح أكثر مما يملك فهو شرط باطل لا أثر له
стр. 6804
ويظل الربح بينهما بنسبة ضمانهما؛ لأن الربح يستحق بالضمان، إذ الشركة وقعت عليه خاصة، إذ لا مال لهما فيشتركان على العمل، وإذا كان استحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان، فإن الضمان على قدر الملك في المشترى، فكان الربح الزائد عليه ربح ما لم يضمن فلا يصح اشتراطه (١).
قال عثمان الزيلعي: «واستحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان، والضمان بقدر الملك في المشترى، فكان الربح الزائد عليه ربح ما لم يضمن، وهو غير جائز» (٢).
وقال السرخسي: «فإن أراد التفاوت في الربح فينبغي أن يشترط التفاوت في ملك المشترى، بأن يكون لأحدهما الثلث، وللآخر الثلثان، حتى يكون لكل واحد منهما الربح بقدر ملكه» (٣).
ونوقش هذا:
أن شركة الوجوه منعقدة على عمل، ووكالة، وكفالة، فالعمل قائم على الشراء والبيع، وكل واحد من الشريكين وكيل عن الآخر فيهما، وكفيله بالثمن فلا يصح أن يقال: إن استحقاق الربح المشترك بينهما بالضمان وحده.
القول الثاني:
ذهب الحنابلة إلى أن الربح في شركة الوجوه يكون على حسب ما اتفقا عليه (٤).
стр. 6805
وجه ذلك:
أن الشركاء في شركة الوجوه شركاء في المال (السلع) والعمل فجاز تفاضلهما في الربح مع تساويهما في المال قياسًا على شركة العنان.
ولأن سائر الشركات الربح فيها على ما يتفقان عليه، فكذلك هذه.
ولأن الشريكين يتجران بيعًا وشراء، والتجارة عمل يتفاوت بين الناس بحسب الذكاء والخبرة فلا مانع من أن يكون الربح بحسب ما اتفقا عليه.
وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 6806
المبحث الثاني
في طريقة تحمل الخسائر في شركة الوجوه
[م-١٣٤٢] لم يختلف الحنفية والحنابلة بأن الخسارة في شركة الوجوه على قدر الملك في المشترى كسائر الشركات، فعلى من يملك الثلثين ثلثا الخسارة، وعلى من يملك الثلث ثلثها؛ لأن الخسارة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملاكه، فوزع بينهما على قدر حصصهما.
قال في بدائع الصنائع: «والوضيعة على قدر المالين متساويًا ومتفاضلًا؛ لأن الوضيعة اسم لجزء هالك من المال، فيتقدر بقدر المال» (١).
وقال ابن قدامة: «الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله فإن كان مالهما متساويا في القدر فالخسران بينهما نصفين وإن كان أثلاثًا فالوضيعة أثلاثًا. لا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم. وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وغيرهما. وفي شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر ملكيهما في المشترى سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن وسواء كانت الوضيعة لتلف أو نقصان في الثمن عما اشتريا به أو غير ذلك» (٢).
стр. 6807
الباب الخامس
في عقد المضاربة (القراض)
توطئة
في تعريف المضاربة
تعريف المضاربة اصطلاحًا (١):
تلتقي تعاريف الفقهاء للمضاربة في المعنى، وإن اختلفت في اللفظ، فهي
стр. 6808
تدور على أن: المضاربة عقد بين اثنين أحدهما يقدم مالًا، والآخر يتجر فيه على أن يكون للعامل جزء شائع من الربح (١).
على خلاف بينهم في المال المدفوع هل يشترط أن يكون نقدًا، أو يجوز أن يكون رأس المال من العروض، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف عند الكلام على شروط المضاربة.
* * *
стр. 6809
الفصل الأول
في توصيف عقد المضاربة
[م-١٣٤٣] اختلف الفقهاء في توصيف عقد المضاربة وإن لم يختلفوا في جوزاه، وإليك أقوالهم في توصيف هذا العقد.
القول الأول:
أن عقد المضاربة ليس من عقود الشركة، وهذا مذهب الحنفية وطائفة من أهل العلم (١).
قال في المبسوط: «إن المضاربة قد فارقت الشركة في الاسم فينبغي أن تفارقها في الحكم» (٢).
وقد وضع الحنفية بابًا مستقلًا للشركة، وبابًا مستقلًا للمضاربة فلم يلحق الحنفية عقد المضاربة في عقود الشركات.
وجه قول الحنفية:
أن عقد المضاربة لم يقع فيه اشتراك في الأصل الذي هو رأس المال، حيث يختص به المالك، ولم يقع فيه اشتراك في العمل حيث يختص به العامل بخلاف الاشتراك الحاصل في شركة الأموال والأبدان والوجوه فإنه ناتج عن الاشتراك بالأصل.
стр. 6810
كما أن عقد المضاربة لا يصح إلا بتسليم المال إلى العامل، ولو شرط بقاء يد المالك على المال فسدت المضاربة ففرق بين هذا وبين الشركة فإنها تصح مع بقاء يد رب المال على ماله والفرق أن المضاربة انعقدت على رأس مال من أحد الجانبين وعلى العمل من الجانب الآخر ولا يتحقق العمل إلا بعد خروجه من يد رب المال فكان هذا شرطًا موافقا مقتضى العقد بخلاف الشركة ; لأنها انعقدت على العمل من الجانبين فشرط زوال يد رب المال عن العمل يناقض مقتضى العقد (١).
والقائلون بأنه ليس من عقود الشركة قد اختلفوا في توصيف العقد:
فقيل: عقد المضاربة مستثنى من الإجارة بعوض مجهول.
وقيل: مستثنى من السلف الذي يجر منفعة.
وجاء في شرح ميارة: «وهو ـ يعني القراض ـ مستثنى من الإجارة المجهولة، ومن سلف جر منفعة» (٢).
وفي الفواكه الدواني: «واستثني القراض والمساقاة من الإجارة المجهولة» (٣).
ويرى آخرون أن عقد المضاربة من باب بيع المنافع بجزء من الربح، ذكر ذلك القرافي من المالكية (٤).
وهذا بعيد جدًا خاصة إذا كان رأس المال من النقود فإنه لا يتصور بيع منافعها
стр. 6811
فقط؛ لأن النقود يأخذها المضارب ويشتري بها، ثم يرد مثلها إن ربح، أو أنقص منها إن خسر.
وقال آخرون: إن عقد المضاربة في ابتدائه وكالة، وفي انتهائه إما شركة، وإما جعالة (١).
وسيأتي إن شاء الله تعالى مناقشة هذه الأقوال في المبحث التالي، عند الكلام على عقد المضاربة هل هو جار على وفق القياس، أو مخالف له، والله أعلم.
القول الثاني:
ذهب بعض المالكية والحنابلة إلى أن عقد المضاربة من عقود الشركات (٢).
جاء في البهجة في شرح التحفة: «شركة في مال: وتحتها ثلاثة أقسام، شركة مضاربة ..... وشركة مفاوضة، وهي أن يطلق كل منهما التصرف لصاحبه في المال الذي أخرجاه ..... أما إن لم يطلق كل منهما التصرف للآخر، بل شرط أن لا يتصرف واحد منهما إلا بحضرة صاحبه وموافقته، فهي شركة عنان .... وهذا هو القسم الثالث من أقسام شركة المال» (٣).
فاعتبر عقد المضاربة قسمًا من شركة الأموال.
وجاء في الشرح الكبير للدردير: «الشركة ستة أقسام: مفاوضة، وعنان، وجبر، وعمل، وذمم، ومضاربة، وهو القراض» (٤).
стр. 6812
وهذا هو الصحيح، والشركة متحققة بين رب المال والعامل باعتبار أن الاشتراك حاصل في الربح، وهو كاف في اعتبار عقد المضاربة من عقود المشاركات.
جاء في الجوهرة النيرة: «المضاربة عقد على الشركة بمال من أحد الشريكين، وعمل من الآخر. مراده الشركة في الربح» (١).
ويقول ابن تيمية: «والتحقيق أن هذه المعاملات من باب المشاركات ... هذا يشارك بنفع بدنه، وهذا بنفع ماله، وما قسم الله من ربح كان بينهما كشريكي العنان ........ والمساقاة والمزارعة والمضاربة هما يشتركان في جنس المقصود، وهو الربح، مستويان في المغنم والمغرم، إن أخذ هذا أخذ هذا، وإن حرم هذا حرم هذا، ولهذا وجب أن يكون المشروط لأحدهما جزءًا مشاعًا من الربح من جنس المشروط للآخر، وأنه لا يجوز أن يكون مقدرًا معلومًا، فعلم أنها من باب المشاركة، كما في شركة العنان، فإنهما يشتركان في الربح، ولو شرط مال مقدر من الربح أو غيره لم يجز» (٢).
ومع اختلافهم في توصيف العقد فلم يختلفوا في جوازه كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند الكلام على حكم المضاربة.
стр. 6813
الفصل الثاني
المضاربة علي وفق القياس
[م-١٣٤٤] اختلف العلماء هل جواز عقد المضاربة على وفق القياس؟ على قولين.
القول الأول:
ذهب أكثر العلماء إلى أن عقد المضاربة على خلاف القياس، خارج عن الأصل، ومستثنى من المنع فلا يقاس عليه غيره
قال الكاساني عن عقد المضاربة: «فالقياس أنه لا يجوز؛ لأنه استئجار بأجر مجهول، بل بأجر معدوم، ولعمل مجهول، لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز، والسنة، والإجماع .... » (١)، ثم ساق الأدلة بحسب ما يراه.
وجاء في شرح ميارة: «وهو ـ يعني القراض ـ مستثنى من الإجارة المجهولة، ومن سلف جر منفعة» (٢).
وفي الفواكه الدواني: «واستثني القراض والمساقاة من الإجارة المجهولة» (٣).
وفي بداية المجتهد: «ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض .... وأن هذا مستنثى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك إنما هو لموضع الرفق بالناس» (٤).
стр. 6814
ويقول ابن عبد البر: «القراض عند أهل المدينة، هو المضاربة عند أهل العراق، وهو باب منفرد بحكمه عند الجميع، خارج عن الإجارات كما خرجت العرايا عن المزابنة، والحوالة عن الدين بالدين، والمساقاة عن بيع ما لم يخلق، وصار كل باب منها نوعًا منفردا بحكمه أصلا في نفسه» (١).
ويقول محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان: «المضاربة المعروفة في اصطلاح بعض الفقهاء بالقراض فإن ظاهر النصوص العامة منعها؛ لأن الربح المجعول للعامل جزء منه لا يدرى، هل يحصل منه قليل أو كثير، أو لا يحصل شيء؟ وهذا داخل في عموم الغرر، ولم يثبت نص صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب، ولا سنة بجواز المضاربة، والحديث الوارد فيها ضعيف لا يحتج به، إلا أن الصحابة أجمعوا على جواز المضاربة، وكذلك من بعدهم فقدم هذا الإجماع على ظاهر تلك النصوص الدالة على منع الغرر لعلمنا بأنهم استندوا في إجماعهم إلى شيء علموه منه ﷺ يدل على إباحة ذلك، والله أعلم» (٢).
ونوقش هذا القول:
أما القول بأن عقد المضاربة مستثنى من الإجارة بعوض مجهول فهذا القول ضعيف؛ لأن هناك فرقًا بين عقد الإجارة وعقد المضاربة:
فعقد الإجارة عقد لازم، وعقد المضاربة عقد جائز.
وعقد الإجارة عقد مؤقت، وعقد المضاربة يجوز الدخول فيه بلا توقيت.
وعقد الإجارة يستحق العامل فيه الأجرة مطلقًا.
وعقد المضاربة قد يربح العامل، وقد لا يربح، ويخسر جهده ووقته.
стр. 6815
وأما القول بأن عقد المضاربة مستنثنى من السلف الذي يجر منفعة، فقد رده بعض المالكية وذلك أن كل سلف مضمون بخلاف المال في عقد المضاربة فإنه ليس بمضمون (١).
وقيل: إن الإجارة بعوض مجهول جائز في باب الإجارة، ولا يجوز في البيع كما هو مذهب أهل الظاهر، وطائفة من السلف، وبناء عليه يجوز أن يعطي الرجل دابته لمن يسقي عليها، أو يحتطب عليها بنصف ما يعود عليه، ومنه جواز المساقاة فإنه إجارة بعوض مجهول، ومنه إجارة الظئر وما يأخذه الصبي من لبنها مع اختلاف أحوال الصبيان في الرضاع، واختلاف ألبان النساء (٢).
وهذه المسائل قد سبق بحثها، وبعضها قد يسلم لهم إنها من باب الإجارة كالظئر، وبعضها لا يسلم أنه من عقود الإجارة، كالمساقاة، وإعطاء الدابة ببعض كسبها، فإن هذين أشبه بعقود المشاركة.
ويرى آخرون أن عقد المضاربة من باب بيع المنافع بجزء من الربح، ذكر ذلك القرافي من المالكية (٣).
وهذا بعيد جدًا خاصة إذا كان رأس المال من النقود فإنه لا يتصور بيع منافعها فقط؛ لأن النقود يأخذها المضارب ويشتري بها، ثم يرد مثلها إن ربح، أو أنقص منها إن خسر.
وقال آخرون: إن عقد المضاربة في ابتدائه وكالة، وفي انتهائه إما شركة، وإما جعالة (٤).
стр. 6816
القول الثاني:
ذهب ابن تيمية إلى أن عقد المضاربة والمساقاة جاريان على وفق القياس، والربح المستحق ليس أجرة للعامل، وإنما كسب استحقه بعقد الشركة بينه وبين رب المال؛ إذ لو كان أجرة لاستحق أجرة المثل مطلقًا في حال الربح وفي حال الخسارة، فلما كان نصيبه متوقفًا على وجود أرباح دل على أن هذا من عقود الشركات، وليس من عقود الإجارة.
يقول ابن تيمية: «الذين قالوا: المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة؛ لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا العمل في هذه العقود غير معلوم، والربح فيها غير معلوم، قالوا: تخالف القياس، وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين والمشاركات جنس غير جنس المعاوضة وإن قيل: إن فيها شوب المعاوضة» (١).
وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.
* * *
стр. 6817
الفصل الثالث
في حكم عقد المضاربة
[م-١٣٤٥] استدل الفقهاء على جواز عقد المضاربة بأدلة كثيرة، منها:
الدليل الأول:
من أقوى الأدلة على جواز المضاربة ما نقل من إجماع للعلماء على جوازه، فالعلماء الذين لهم عناية في نقل الإجماع قد حكوا الإجماع على جواز عقد المضاربة في الجملة، ولم يختلفوا في ذلك:
وقد حكاه من الحنفية، السرخسي، والكاساني، والزيلعي.
يقول السرخسي: «جواز هذا العقد عرف بالسنة والإجماع» (١).
ويقول الكاساني: «القياس أنه لا يجوز؛ لأنه استئجار بأجر مجهول، ولعمل مجهول، لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز، والسنة، والإجماع» (٢).
وحكى الإجماع على جواز المضاربة الزيلعي في تبيين الحقائق (٣).
ومن المالكية: ابن عبد البر وابن رشد، والباجي، والحطاب.
يقول ابن عبد البر: «أصل هذا الباب إجماع العلماء على أن المضاربة سنة معمول بها، مسنونة قائمة» (٤).
стр. 6818
ويقول ابن رشد: «ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض».
وقال الباجي في المنتقى: «وأما القراض فهو جائز لا خلاف فيه في الجملة» (١).
كما حكى الإجماع من المالكية الحطاب في مواهب الجليل (٢).
وحكى الإجماع جمع من الشافعية، منهم ابن المنذر، والشربيني، وغيرهم (٣).
ويقول ابن قدامة: «وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة» (٤).
ويقول ابن القيم: «وقد أقر النبي ﷺ المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام، فضارب أصحابه في حياته، وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة» (٥).
وقال ابن حزم: «القراض كان في الجاهلية .... فأقر رسول الله ﷺ ذلك في الإسلام، وعمل به المسلمون عملًا متيقنًا لا خلاف فيه، ولو وجد فيه خلاف ما التفت؛ لأنه نقل كافة بعد كافة إلى زمن رسول الله ﷺ وعمله بذلك» (٦).
وقد قدمت الاحتجاج بالإجماع في الاستدلال على جواز المضاربة على غيره من الأدلة؛ لأنهم لم يختلفوا في الاحتجاج به على هذا العقد، وإن كان
стр. 6819
العلماء قد اختلفوا في وجود دليل من الكتاب أو من السنة المرفوعة على جواز عقد المضاربة.
قال ابن المنذر: «لم نجد للقراض في كتاب الله ذكرًا، ولا في سنة النبي ﷺ ، ووجدنا أهل العلم قد أجمعوا على إجازة القراض بالدنانير والدراهم .... » (١).
وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: «كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في القرآن والسنة نعلمه ـ ولله الحمد ـ حاشا القراض، فما وجدنا له أصلًا فيهما البتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد ..... ».
ولا يتوقف حل هذه المعاملة على وجود دليل إيجابي في عصر النبوة، بل الأصل جواز هذه المعاملة وغيرها من المعاملات المالية ما لم يترتب على القول بالجواز الوقوع في محذور شرعي، ولا محذور في حل هذه المعاملة، ومع ذلك فإن هناك من فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة من استدل ببعض الآيات القرآنية، والسنة المرفوعة على جواز عقود المضاربة.
الدليل الثاني: من الكتاب.
احتج بعض الفقهاء على جواز المضاربة ببعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] (٢).
والمضارب يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله.
стр. 6820
ويناقش:
بأن هذه الآية ليست نصًا في المضاربة، فالتاجر الذي يضرب في الأرض مبتغيًا فضل الله ورزقه لا يلزم أن يكون مضاربًا عاملًا في مال غيره، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-٨٩٨) ما رواه ابن ماجه من طريق نصر بن القاسم، عن عبد الرحمن ابن داود، عن صالح بن صهيب،
عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث فيهن البركة البيع إلى أجل، والمقارضة، وأخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع (١).
[قال البخاري: موضوع] (٢).
стр. 6821
الدليل الرابع:
احتج بعض الفقهاء بما اشتهر في السيرة النبوية من كون الرسول ﷺ قد سافر إلى الشام في تجارة السيدة خديجة بنت خويلد ﵂ مضاربة في الجاهلية، وحكى ذلك وأقره بعدها فدل على جوازها جاهلية وإسلامًا (١).
ونوقش هذا:
بأن النصوص ليست صريحة بأن الرسول ﷺ كان مضاربًا في مال خديجة ﵂، فربما كان وكيلًا عنها، والله أعلم.
الدليل الخامس:
(ح-٨٩٩) ما رواه أبو يعلى في مسنده كما في المطالب العالية: قال: حدثنا أبو الحكم منتجع بن مصعب (٢)، ثنا يونس بن أرقم، ثنا أبو الجارود، عن حبيب
стр. 6822
ابن يسار،
عن ابن عباس ﵄ قال: كان العباس بن عبد المطلب ﵁ إذا دفع مالًا مضاربة اشترط على صاحبه ألا يسير برًا، ولا بحرًا، ولا ينزل به واديًا، ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإذا فعل ذلك فهو ضامن فرفع شرطه إلى النبي ﷺ فأجازه (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
الدليل السادس:
(ث-١٦٣) ما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم، عن أبيه، خرج عبد الله و عبيد الله ابنا عمر بن الخطاب فى جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على أبى موسى الأشعرى و هو أمير على البصرة فرحب بهما وسهل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت ثم قال: بلى ههنا مال من
стр. 6823
مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكما فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين و يكون الربح لكما فقالا: وددنا ذلك ففعل و كتب إلى عمر بن الخطاب: أن يأخذ منهما المال فلما قدما باعا فأربحا فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين! فأسلفكما! أديا المال و ربحه فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا! لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا. فقال: قد جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال و نصف ربحه و أخذ عبد الله و عبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال من الأثر:
قوله في الأثر: (لو جعلته قراضًا) دليل على أن القراض كان معلومًا عند الصحابة، يتعاملون به، فدل على مشروعيته عندهم.
الدليل السابع:
(ث-١٦٤) ما رواه الدارقطني من طريق حيوة وابن لهيعة قالا: أخبرنا
стр. 6824
أبو الأسود، عن عروة بن الزبير وغيره،
أن حكيم بن حزام صاحب رسول الله ﷺ كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالًا مقارضة يضرب له به، أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل، فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد ضمنت مالي.
[صحيح] (١).
الدليل الثامن:
(ث-١٦٥) ما رواه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أن عثمان بن عفان أعطاه مالًا قراضًا يعمل فيه على أن الربح بينهما (٢).
[إسناده فيه لين إن كان محفوظًا في إسناده زيادة جد العلاء بن عبد الرحمن واسمه يعقوب المدني وإلا فهو صحيح] (٣).
стр. 6825
الدليل التاسع
(ث-١٦٦) ما رواه عبد الرزاق، قال: قال القيس بن الربيع، عن أبي الحصين، عن الشعبي،
عن علي في المضاربة: الوضيعة على المال والربح على ما اصطلحوا عليه (١).
[ضعيف] (٢).
وهناك آثار أخرى تركتها اقتصارًا واختصارًا، والله أعلم.
* * *
стр. 6826
الفصل الرابع
في أركان عقد المضاربة
الخلاف في أركان المضاربة يرجع إلى الخلاف في أركان العقد:
[م-١٣٤٦] وقد اتفق العلماء على أن الإيجاب والقبول ركن من أركان عقد المضاربة، ويعبر عنهما بالصيغة على خلاف بينهم في جواز الصيغة الفعلية.
واختلفوا في غيرها:
فاقتصر الحنفية على أن الركن: هو الإيجاب والقبول وحده، وطردوا ذلك في سائر العقود (١).
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «ركن المضاربة: الإيجاب من طرف، والقبول من طرف آخر كركن العقود الأخر» (٢).
وزاد الجمهور: العاقدان، ورأس مال المضاربة، وعمل المضارب، والربح (٣).
جاء في الفواكه الدواني: «وأركانه العاقدان .... والمال، والصيغة، والجزء المجعول للعامل» (٤).
стр. 6827
وسبب الاختلاف:
أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص بالإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته.
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (١).
واعترض بعض الفقهاء على اعتبار العمل والربح من الأركان لعدم وجودهما حال العقد، وإنما يترتب على شركة المضاربة بعد وجودها، وما وجد بعد قيام الشركة فجعله من الأركان فيه نظر، فيمكن أن يلحق ذلك بالشروط بدلًا من الأركان (٢).
стр. 6828
وأجيب:
بأنهما جعلا ركنين باعتبار المآل، أو على تقدير مضاف: أي (ذكر عمل وربح) وذكرهما يتوقف عليه صحة العقد.
ويمكن للخروج من الخلاف بين الجمهور والحنفية أن نسمي ذلك مقومات عقد المضاربة فنجمع بين القولين، والله أعلم.
* * *
стр. 6829
المبحث الأول
في أحكام الصيغة
الأصل في العقود من المعاملات المالية أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها، من قول، أو فعل (١).
يشترط في صيغة عقد المضاربة ما يشترط في صيغ عامة العقود الأخرى.
وقد ذكرت في الباب الثالث من عقد البيع أحكام الصيغة (الإيجاب والقبول)، من ذلك:
الخلاف في تحديد الإيجاب والقبول.
وانقسامه إلى صريح وكناية، وقولية وفعلية، وأحكامهما.
وتكلمت عن الصيغة القولية للإيجاب والقبول في صيغة الماضي، والمضارع، والأمر، وفي صيغة الإيجاب والقبول بالجملة الاسمية، وفي القبول بكلمة (نعم).
وتكلمت عن الصيغة الفعلية كالإيجاب والقبول بالمعاطاة، والخلاف الفقهي في اعتبارها، وفي الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة، والكتابة، وعن صيغ الإيجاب والقبول بوسائل الاتصال الحديثة، وفي صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد، وفي الإيجاب والقبول الصوري كبيع التلجئة، وفي الهزل في البيع.
وتعرضت لشروط الإيجاب والقبول، ولرجوع الموجب، وهل يشترط تقدم الإيجاب على القبول، وفي مبطلات الإيجاب.
стр. 6830
وبينت مواضع الاتفاق ومواضع الخلاف في كل هذه المسائل، مع بيان الراجح فيها، وما بينته في عقد البيع يجري على عقد المضاربة، ويغني عن تكراره هنا، والحمد لله وحده.
* * *