الفصل الرابع
في أركان عقد المضاربة
الخلاف في أركان المضاربة يرجع إلى الخلاف في أركان العقد:
[م-١٣٤٦] وقد اتفق العلماء على أن الإيجاب والقبول ركن من أركان عقد المضاربة، ويعبر عنهما بالصيغة على خلاف بينهم في جواز الصيغة الفعلية.
واختلفوا في غيرها:
فاقتصر الحنفية على أن الركن: هو الإيجاب والقبول وحده، وطردوا ذلك في سائر العقود (١).
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «ركن المضاربة: الإيجاب من طرف، والقبول من طرف آخر كركن العقود الأخر» (٢).
وزاد الجمهور: العاقدان، ورأس مال المضاربة، وعمل المضارب، والربح (٣).
جاء في الفواكه الدواني: «وأركانه العاقدان .... والمال، والصيغة، والجزء المجعول للعامل» (٤).
стр. 6827
وسبب الاختلاف:
أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص بالإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته.
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (١).
واعترض بعض الفقهاء على اعتبار العمل والربح من الأركان لعدم وجودهما حال العقد، وإنما يترتب على شركة المضاربة بعد وجودها، وما وجد بعد قيام الشركة فجعله من الأركان فيه نظر، فيمكن أن يلحق ذلك بالشروط بدلًا من الأركان (٢).
стр. 6828
وأجيب:
بأنهما جعلا ركنين باعتبار المآل، أو على تقدير مضاف: أي (ذكر عمل وربح) وذكرهما يتوقف عليه صحة العقد.
ويمكن للخروج من الخلاف بين الجمهور والحنفية أن نسمي ذلك مقومات عقد المضاربة فنجمع بين القولين، والله أعلم.
* * *
стр. 6829
المبحث الأول
في أحكام الصيغة
الأصل في العقود من المعاملات المالية أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها، من قول، أو فعل (١).
يشترط في صيغة عقد المضاربة ما يشترط في صيغ عامة العقود الأخرى.
وقد ذكرت في الباب الثالث من عقد البيع أحكام الصيغة (الإيجاب والقبول)، من ذلك:
الخلاف في تحديد الإيجاب والقبول.
وانقسامه إلى صريح وكناية، وقولية وفعلية، وأحكامهما.
وتكلمت عن الصيغة القولية للإيجاب والقبول في صيغة الماضي، والمضارع، والأمر، وفي صيغة الإيجاب والقبول بالجملة الاسمية، وفي القبول بكلمة (نعم).
وتكلمت عن الصيغة الفعلية كالإيجاب والقبول بالمعاطاة، والخلاف الفقهي في اعتبارها، وفي الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة، والكتابة، وعن صيغ الإيجاب والقبول بوسائل الاتصال الحديثة، وفي صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد، وفي الإيجاب والقبول الصوري كبيع التلجئة، وفي الهزل في البيع.
وتعرضت لشروط الإيجاب والقبول، ولرجوع الموجب، وهل يشترط تقدم الإيجاب على القبول، وفي مبطلات الإيجاب.
стр. 6830
وبينت مواضع الاتفاق ومواضع الخلاف في كل هذه المسائل، مع بيان الراجح فيها، وما بينته في عقد البيع يجري على عقد المضاربة، ويغني عن تكراره هنا، والحمد لله وحده.
* * *
стр. 6831
المبحث الثاني
انعقاد المضاربة بالمعاطاة
الأصل في العقود من المعاملات المالية أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها، من قول، أو فعل (١).
وجاء في الموسوعة الكويتية: تقوم دلالة الفعل مقام دلالة اللفظ (٢).
[م-١٣٤٧] هل يشترط اللفظ في صيغة عقد المضاربة، أو تنعقد بكل ما يدل عليها من قول أو فعل؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
يشترط أن يكون الإيجاب والقبول باللفظ الدال عليه، وهو مذهب الحنفية، وبعض المالكية، والأصح في مذهب الشافعية (٣).
قال في العناية: «وركنها استعمال ألفاظ تدل على ذلك، مثل دفعت إليك هذا المال مضاربة، أو مقارضة، أو معاملة، أو خذ هذا المال أو اعمل به على أن ما رزق الله فكذا» (٤).
قال الكاساني: «وأما ركن العقد فالإيجاب والقبول وذلك بألفاظ تدل عليه،
стр. 6832
فالإيجاب: هو لفظ المضاربة، والمقارضة، والمعاملة، وما يؤدي معاني هذه الألفاظ، بأن يقول رب المال: خذ هذا المال مضاربة على أن ما رزق الله ، أو أطعم الله تعالى منه من ربح فهو بيننا ..... ويقول المضارب: أخذت، أو رضيت، أو قبلت، ونحو ذلك، فيتم الركن بينهما» (١).
وجاء في حاشية الدسوقي: «قوله: (توكيل) هذا يقتضي أنه لا بد في القراض من لفظ، ولا تكفي في انعقاده المعطاة؛ لأن التوكيل لابد فيه من لفظ، ويفيد ذلك أيضًا قوله: بجزء؛ لأن جعل الجزء للعامل إنما يكون باللفظ» (٢).
وجاء في شرح الوجيز: «ولو قال: خذ هذه الدراهم واتجر عليها، على أن الربح بيننا كذا ...... قطع شيخي والطبقة العظمى من نقلة المذهب أنه لابد من القبول بخلاف الجعالة، والوكالة، فإن القراض عقد معاوضة يختص بمعين فلا يشبه الوكالة التي هي إذن مجرد» (٣).
القول الثاني:
تنعقد بقول أحدهما، ورضا الآخر بها، ولو لم يكن هناك لفظ، إذا توفرت القرينة على ذلك. وهذا اختيار بعض الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وهذه صورة من صور المعاطاة؛ لأن المعاطاة إما أن تكون من الجانبين،
стр. 6833
وهذه معاطاة بالاتفاق، وأما أن يكون اللفظ من أحدهما، والمعاطاة من الآخر، فهذه معاطاة على الصحيح، وقد تكلمنا على صور المعاطاة في عقد البيع.
جاء في شرح منتهى الإرادات: «(ولا يعتبر) لمضاربة (قبض) عامل (رأس المال) ..... (ولا القول): أي قوله: قبلت ونحوه (فتكفي مباشرته) أي العامل (للعمل) ويكون قبولًا لها كالوكالة» (١).
وفي منار السبيل: «ولا يعتبر قبضه بالمجلس فتصح، وإن كان بيد ربه ... ولا القبول، فتكفي مباشرته للعمل، ويكون قبولًا لها كالوكالة» (٢).
وقال السيوطي: «ولا بد في القراض من الإيجاب والقبول. وقيل: لو قال: خذ هذه الدراهم، واتجر فيها على أن الربح بيننا، فأخذ، استغنى عن القبول» (٣).
وفي روضة الطالبين: «ولو قال: خذ هذا الألف، واتجر فيه على أن الربح بيننا نصفين، فقطع القاضي حسين والبغوي بأنه قراض، ولا يفتقر إلى القبول» (٤).
القول الثالث:
تنعقد بالمعاطاة قياسًا على البيع، وهذا مذهب المالكية.
стр. 6834
جاء في حاشية العدوي على الخرشي: «ظاهره أنه لا يشترط لفظ، بل تكفي المعاطاة» (١).
وقال في حاشية الدسوقي: «مقتضى قول ابن الحاجب: القراض إجارة على التجر في مال بجزء من ربحه، أنه يكفي فيه المعاطاة؛ لأن الإجارة يكفي فيها المعاطاة كالبيع إذا وجدت القرينة» (٢).
الراجح من الخلاف:
إذا كان البيع يتصور فيه المعاطاة من الجانبين باعتبار أن السلعة قد تكون قيمتها معلومة عند العاقدين، أو تكون القيمة مكتوبة على السلعة فإني لا أتصور كيف تكون المضاربة بالمعاطاة من الجانبين خاصة أنه يشترط في المضاربة أن يذكر فيها نصيب العامل من الربح، وهذا يتوقف على اللفظ، أما القبول فيتصور أن يكون بالرضا وذلك بأن يباشر العمل إذا أعجبه العرض من رب المال ولو بدون لفظ منه، اللهم إلا أن يكون عقد المضاربة قد حرر مكتوبًا، وتضمن نصيب العامل، ويكون معروضًا على العامل، فإذا قرأه، وباشر العمل، فهنا يتصور أن يكون عقد المضاربة بالمعاطاة من الجانبين، دون حاجة إلى لفظ، والله أعلم.
* * *
стр. 6835
المبحث الثالث
في توقيت الإيجاب والقبول في عقد المضاربة
توقيت المضاربة توقيت في التوكيل، والوكالة تقبل التخصيص في الوقت، والعمل جميعًا (١).
كل تصرف يتوقت بنوع من المتاع يجوز توقيته بالزمان كالوكالة (٢).
التوقيت في المضاربة إنما هو للشراء دون البيع.
[م-١٣٤٨] إذا كان الإيجاب والقبول موقوتًا بمدة محددة، كأن يقول رب المال: ضاربتك على هذه الدراهم لمدة عام، أو قال: خذ هذا المال وضارب به في فصل الصيف أو الشتاء من هذا العام، فهل تنعقد المضاربة؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح التوقيت مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (٣).
قال الكاساني: «ولو قال: خذ هذا المال مضاربة إلى سنة جازت المضاربة عندنا ... » (٤).
стр. 6836
دليل من قال بالصحة:
أن المضاربة تَصَرُّف يتقيد بنوع من المال فجاز تقييده بالزمان كالوكالة.
ولأن عقد المضاربة عقد جائز له أن يطلب إنهاءه في أي وقت، فإذا شرط إنهاءه في وقت معين فقد شرط ما يملكه بمقتضى العقد، فيكون صحيحًا.
وقد صحح الشافعية أن يقول رب المال: إذا انتهت السنة فلا تشتر شيئًا، والبيع مثل الشراء.
القول الثاني:
لا يصح توقيت عقد المضاربة مطلقًا، وهذا مذهب المالكية، ورواية في مذهب الحنابلة (١).
تعليل من قال: لا يصح التوقيت:
التعليل الأول:
عقد القراض لا يحتاج إلى توقيته بمدة؛ لأن العاقدين قادران على فسخ القراض متى أرادا، ولذلك لو قال: قارضتك ما شئت جاز؛ لأن ذلك شأن العقود الجائزة (٢).
ويناقش:
هذا التعليل تعليل صحيح، وهو يجعل مسألة الخلاف في التوقيت لا ثمرة لها من الناحية العملية إلا أن يقال: إن العقد الجائز إذا حدد له مدة معينة يكون
стр. 6837
لازمًا في تلك المدة، فلو قيل بهذا أصبح الخلاف في حكم التوقيت له ثمرة عملية، والله أعلم.
التعليل الثاني:
أن توقيت المضاربة بمدة محددة فيه حجر وتضييق على حرية العامل في العمل، فالمضاربة إنما عقدت من أجل الربح، والربح غيب ليس له وقت معلوم فقد لا يربح في تلك المدة المحددة ويربح في غيرها، فتقييدها بمدة يخل بمقصود العقد (١).
ويناقش:
هذا الكلام صحيح، إلا أنه لا يفسد القول بالتوقيت، فلو أن أحد العاقدين فسخ العقد في تلك المدة بدون توقيت، وقبل وجود الربح كان له ذلك، فاشتراط ما يباح لأحد العاقدين بدون شرط لا يفسد العقد.
التعليل الثالث:
أن المضاربة عقد معاوضة يصح مطلقًا، فبطل مؤجلًا كالبيع والنكاح.
التعليل الرابع:
علل المالكية عدم صحة التوقيت بأن عقد المضاربة عقد جائز، ومعنى ذلك أن لكل واحد من المتعاقدين فسخه متى شاء، فإذا توقت بزمن أصبح لازمًا في هذه المدة؛ لأن التوقيت يمنع الفسخ في هذه المدة (٢).
ويناقش:
لا يوجد مانع من تحويل العقد الجائز إلى عقد لازم بالاتفاق، كما أن العقد
стр. 6838
اللازم قد يتحول إلى جائز بالشرط كاشتراط الخيار في البيع مدة معلومة، ولتكن هذه ثمرة من ثمرات تحديد العقد بمدة معينة بحيث يطمئن فيها العامل إلى أن رب المال لن يفسخ العقد، وهذا يعطيه حرية أكثر في الدخول في بعض الصفقات إلا أن ظاهر كلام الفقهاء لا يرون أن العقد الجائز يتحول إلى عقد لازم إذا وقت بمدة معينة، فالذين قالوا بجواز التوقيت، قالوا: بأن المضاربة جائزة وغير لازمة، وعليه فإن لكل من المضارب ورب المال عندهم أن يطلب إنهاءها في أي وقت شاء، سواء أقتت أم لا، غاية ما في التوقيت أن العقد ينتهي حكمًا بانتهاء الوقت المتفق عليه، ولا يجوز للعامل الشراء بعد ذلك، ولكن له البيع حتى تنض.
القول الثالث:
يصح توقيت عقد المضاربة في المنع من الشراء دون البيع، وهذا مذهب الشافعية (١).
واستدل الشافعية على جواز التوقيت في المنع من الشراء دون البيع بأن رب المال يملك المنع من الشراء إذا شاء، فإذا شرط المنع منه فقد شرط ما يملكه بمقتضى العقد، فلم يمنع صحته بخلاف البيع فلا يملك منعه؛ لأن حصول الربح يتوقف على البيع، ولأن المال إذا لم يكن ناضًا فلا بد من البيع، فلا يصح التوقيت، والله أعلم.
الراجح:
لا أرى مانعًا من القول بجواز التوقيت إلا أنه لا ثمرة لهذا الخلاف إن لم يكن القول بالتوقيت يعني لزوم العقد في هذه المدة المتفق عليها، ومع ترجيح
стр. 6839
القول بالتوقيت فإن المضارب له الحق في البيع ولو بعد هذه المدة إذا كان المال غير ناض، فيعطى العامل مهلة مناسبة لتنضيضه؛ لأنه لا يتميز رأس المال من الربح إلا بذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 6840
المبحث الرابع
في تعليق صيغة عقد المضاربة
قال ابن القيم: تعليق العقود، والفسوخ، والتبرعات، والالتزامات، وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف (١).
وقال السعدي: التعليق للعقود كلها بالشروط المعلومة غير المجهولة جائز لا محذور فيه (٢).
[م-١٣٤٩] سبق لنا تعريف التعليق لغة واصطلاحًا في عقد البيع، وقد اختلف الفقهاء في تعليق الإيجاب في عقد المضاربة، أو إضافته إلى زمن مستقبل فالأول: كأن يقول: ضاربتك إن رضي زيد، أو قدم عمرو، أو يقول: ضاربتك إذا قدم مالي.
والثاني كأن يقول: ضاربتك إذا دخل وقت الصيف أو الخريف ونحو ذلك.
فقيل: لا يصح التعليق، وهو مذهب الجمهور (٣).
قال ابن عابدين: «لم أر من صرح بصحة التعليق في المضاربة» (٤).
стр. 6841
وقال الدردير في الشرح الكبير: «أو قَرَاضُ أجلٍ ... أو إذا جاء الوقت الفلاني فاعمل به ففاسد» (١).
وقال الشيرازي: «ولا يجوز أن يعلق العقد ـ يعني عقد القراض ـ على شرط مستقبل؛ لأنه عقد يبطل بالجهالة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل كالبيع والإجارة» (٢).
وقيل: يصح التعليق، وهو مذهب الحنابلة (٣).
جاء في كشاف القناع: «ويصح تعليقها: أي المضاربة، ولو على شرط مستقبل» (٤).
وقد بحثت تعليق العقود في عقد البيع، ثم أعدته في عقد الإجارة، وأدلة هذه المسألة هي الأدلة عينها في العقدين السابقين، فارجع إليهما إن شئت، ورجحت جواز تعليق العقود كلها، والله أعلم.
* * *
стр. 6842
الفصل الخامس
في شروط عقد المضاربة
المبحث الأول
الشروط الخاصة برأس المال
الشرط الأول
في اشتراط أن يكون رأس المال من النقود
[م-١٣٥٠] أجمع الفقهاء على صحة المضاربة بالدراهم والدنانير.
قال ابن المنذر: «وجدنا أهل العلم قد أجمعوا على إجازة القراض بالدنانير والدراهم .... » (١).
وقال ابن حزم: «والقراض إنما هو بالدنانير والدراهم، ولا يجوز بغير ذلك ..... لأن هذا مجمع عليه، وما عداه مختلف فيه» (٢).
وقال أيضًا: «واتفقوا أن القراض بالدنانير والدراهم من الذهب والفضة المسكوكة الجارية في ذلك البلد جائز» (٣).
وقال ابن رشد: «أجمعوا على أنه جائز بالدنانير والدراهم، واختلفوا في العروض» (٤).
стр. 6843
وقد حلت العملة الورقية اليوم محل الدنانير والدراهم باعتبارها معيارًا لما يتعامل به الناس في كونها قيم الأموال والمتلفات، وأثمان المبيعات، وتلقى قبولًا عامًا كوسيط للتبادل، فأخذت حكم النقدين من كل وجه من حيث وجوب الزكاة فيها، وجعلها رأس مال في عقد السلم، وجريان الربا فيها إلى غير ذلك من الأحكام؛ لأن حقيقة النقد: هو كل شيء يجري اعتباره في العرف والعادة، ويلقى قبولًا عامًا كوسيط للتبادل، كما قال ابن تيمية ﵀: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي، ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود بها الانتفاع بها بنفسها، فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها، ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت» (١).
وجاء في المدونة «لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة» (٢).
فما جاز بالدنانير والدراهم جاز بالورق النقدي بجامع الثمنية في كل منهما، والله أعلم (٣).
* * *
стр. 6844
الفرع الأول
في المضاربة بالعروض
كل ما تعورف تداوله من أعيان ومنافع، وحقوق، يعتبر محلًا صالحًا للتعاقد عليه ككل مال متقوم (١).
كل شيء يصلح محلًا للالتزام، يصلح أن يكون حصة في الشركة، سواء أكان عقارًا أم منقولًا، ماديًا أم معنويًا (٢).
[م-١٣٥١] هل يجوز أن يكون رأس مال المضاربة من العروض؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا يصح أن يكون رأس مال المضاربة من العروض مطلقًا، سواء كان رأس المال هو عين العرض، أو كان رأس المال قيمة العرض، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
стр. 6845
جاء في المدونة: «أرأيت القراض بالحنطة والشعير، أيجوز في قول مالك؟ قال: لا .... » (١).
وقال الماوردي: «لا يصح القراض إلا بالدراهم والدنانير دون العروض والسلع، وبه قال جمهور الفقهاء» (٢).
وجاء في الروض المربع: «ويشترط لشركة العنان والمضاربة أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين؛ لأنهما قيم الأموال، وأثمان المبيعات فلا تصح بعروض .... » (٣).
دليل القائلين بعدم الصحة:
الدليل الأول:
أن القراض مشروط فيه رد رأس المال لربه، واقتسام الربح بين الطرفين، وعقده على العروض يمنع من ذلك، سواء أكانت العروض مثلية أم متقومة، لما فيه من الغرر.
стр. 6846
قال الباجي في المنتقى: «قد يأخذ العامل العرض قرضًا وقيمته مائة دينار، فيتجر في المال فيربح مائة، فيرده، وقيمته مائتان، فيصير الربح كله لرب المال، ولا يحصل للعامل شيء وقد لا يربح فيرده وقيمته خمسون، فيبقى بيده من رأس المال خمسون فيأخذ نصفها وهو لم يربح شيئًا» (١).
وقال ابن رشد: «حجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضًا كان غررًا؛ لأنه يقبض العرض، وهو يساوي قيمة ما، ويرده وهو يساوي قيمة غيرها، فيكون رأس المال والربح مجهولًا» (٢).
ويناقش:
بأن هذا يسلم لو كان الرد لعين العرض، أو كان المعتبر قيمة العرض وقت الرد، وهو غير معلوم، أما إذا جعل رأس المال هو قيمة العرض وقت العقد لم يكن منطويًا على مثل هذا الغرر، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٩٠٠) روى أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٣).
[إسناده حسن] (٤).
стр. 6847
وجه الاستدلال:
أنه لو قوِّم العرض، ثم زادت قيمته بعد العقد، فإذا اشترى بها شركة في الربح فقد حصل ربح ما لم يضمن؛ لأن العروض تتعين عند الشراء بها؛ والمتعين غير مضمون، فالربح عليها يكون ربح ما لم يضمن بخلاف الدراهم والدنانير فعند الشراء بها يجب الثمن في ذمته؛ لأنها لا تتعين بالتعيين، فما يحصل له بذلك من ربح فهو من ربح ما ضمن.
وسوف أجيب على هذا الدليل من خلال أدلة القول الثاني.
الدليل الثالث:
الأصل في عقد المضاربة أنه من عقود الغرر؛ لأنه إجارة بأجر مجهول، إذ العامل لا يدري هل يربح أو لا؟ وعلى تقدير الربح، كم مقداره؟ وكذلك رب المال لا يدري، هل يربح أم لا وهل يرجع إليه رأس ماله أم لا؟ فكان ذلك غررًا من هذه الوجوه إلا أن الشارع جوزه للضرورة إليه ولحاجة الناس إلى التعامل به، فيجب أن يجوز منه مقدار ما جوزه الشارع، وهو النقد المضروب وما في حكمه من نقار الذهب والفضة (١).
ويناقش هذا:
بأن هناك فرقًا بين الإجارة والمضاربة من وجوه كثيرة سبق بيانها، فالإجارة من العقود اللازمة، والمضاربة من العقود الجائزة، ويستحق الأجير أجرته مطلقًا، سواء خسر رب المال أو ربح بخلاف المضاربة، فالعامل لا يستحق الربح إلا إذا وجد، فالصحيح أن عقد المضاربة من عقود المشاركات بخلاف
стр. 6848
الإجارة، وإذا علم هذا فلا يصح أن يقال: إن عقد المضاربة جوز للضرورة والحاجة.
الدليل الرابع:
أن القيمة غير متحققة المقدار؛ لأنها قائمة على الحزر والتخمين، ولهذا تختلف بين مقوم وآخر، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته، وكل هذا يؤدي إلى الجهالة والتي قد تفضي إلى المنازعة (١).
ويناقش:
بأن التقويم طريق شرعي لمعرفة قيمة العروض، والدليل على ذلك:
(ح-٩٠١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع.
عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق. ورواه مسلم (٢).
وفي رواية لمسلم «قوم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط» (٣).
فإذا قوم أهل الخبرة قيمة العرض فإن التفاوت الحاصل بين المقيمين تفاوت يسير لا يضر إن شاء الله تعالى.
الدليل الخامس:
ولأنه إما أن يريد بالعروض ثمنها، أو قيمتها بعد بيعها، فإن أراد المضاربة
стр. 6849
بثمنها فقد انتقل الثمن إلى البائع، فهو غير مملوك وقت العقد، وإن أراد المضاربة بقيمتها بعد بيعها فهذا فيه ثلاثة محاذير: كونه مجهولًا ومعدومًا وقت العقد، والمضاربة فيه معلقة على شرط، وهو بيع الأعيان، فيكون العقد معلقًا، وتعليق العقد لا يجوز.
القول الثاني:
تجوز المضاربة بالعروض إذا جعلت قيمته وقت العقد رأس المال، وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد، وهو قول طاووس والحسن، وحماد بن أبي سليمان، ومذهب الأوزاعي (١).
جاء في المغني: «قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة
стр. 6850
بالمتاع، قال: جائز ... » (١).
وقال في الإنصاف: «وعنه تصح بالعروض، وهي أظهر، واختاره أبو بكر وأبو الخطاب، وابن عبدوس في تذكرته، وصاحب الفائق وجزم به في المنور، وقدمه في المحرر والنظم، قلت: وهو الصواب ..... فعلى الرواية الثانية يجعل رأس المال قيمتها وقت العقد» (٢).
دليل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل يمنع أن يكون رأس مال المضاربة من العروض، والقاعدة في المعاملات أنه لا يحرم منها إلا ما حرم الله ورسوله، وعقد المضاربة يدور على أن يكون المال من أحدهما والعمل من الآخر، والعروض مال كالدراهم والدنانير.
الدليل الثاني:
القائلون بجواز المضاربة بالعروض يشترطون أن تقوم تلك العروض بالنقود وقت العقد، ويتم الاتفاق على تلك القيمة، ثم تصبح القيمة هي رأس مال المضاربة وبالتالي تكون قيمة هذه العروض بمثابة النقود، وإذا لم يتم الاتفاق على القيمة لم تنعقد المضاربة، وعلى ضوء ذلك يتحقق الضمان بعد هذا التقويم؛ لأن الضمان يكون للقيمة وليس للعين، والقيمة لا تتعين بالتعيين، وما يحدث للعروض من زيادة أو نقص بعد هذا التقويم يكون من نصيب الجميع،
стр. 6851
لأن قيمتها مضمونة فهو من ربح ما دخل في ضمانه، وليس من ربح ما لم يضمن، وبهذا تزول جميع الإشكالات السابقة.
الدليل الثالث:
أن المقصود من المضاربة متحقق في العروض، وهو جواز تصرف العامل في مال المضاربة، وكون ربح المال بينهما، وهذا يحصل بالعروض كما يحصل بالأثمان.
الدليل الرابع:
أن الدراهم والدنانير غير مقصودة لذاتها، ولذلك المضارب سوف يشتري ويبيع بها عروضًا، فإذا جاز بقاء المضاربة بالعروض جاز ابتداؤها به.
الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بجواز الشركة في العروض أقوى من القول بالمنع، وإذا كان المالكية ﵏ يجوزون أن يكون رأس مال الشركة من العروض كان عليهم أن يقولوا بجواز ذلك في المضاربة من باب أولى؛ لأن الشركة في العروض سوف تجعل العروض شركة بين الشركاء، بينما في عقد المضاربة تنحصر الشركة في الربح خاصة، ورأس المال يبقى ملكًا لرب المال، فكان نصيب العامل في مقابل عمله، وليس شريكًا في رأس المال، والله أعلم.
* * *
стр. 6852
الفرع الثاني
في المضاربة بالتبر والنقار والحلي
كل ما تعورف تداوله من أعيان ومنافع، وحقوق، يعتبر محلًا صالحًا للتعاقد عليه ككل مال متقوم (١).
كل شيء يصلح محلًا للالتزام، يصلح أن يكون حصة في الشركة، سواء أكان عقارًا أم منقولًا، ماديًا أم معنويًا (٢).
[م-١٣٥٢] إذا رجحنا جواز الشركة في العروض فإن ذلك يعني جواز الشركة في التبر والنقار والحلي؛ لأن هذه الأشياء ملحقة بالعروض، ومع ذلك فقد اختلف القول فيها عند من يمنع المضاربة بالعروض على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تصح المضاربة مطلقًا في التبر والنقار والحلي، خرجها بعض الحنفية على رواية كتاب الصرف: أن التبر لا يتعين بالتعين، ولا يبطل العقد بهلاكه، وهذا دليل على جواز المضاربة به (٣).
القول الثاني:
لا تصح المضاربة بها مطلقًا، وهذا القول رواية ابن القاسم عن مالك، والراجح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وهذان القولان متقابلان.
стр. 6853
جاء في المدونة: «قلت ـ القائل سحنون ـ أرأيت النقر من الذهب والفضة، أيجوز القراض بها؟ قال ـ القائل ابن القاسم ـ سألت مالكًا عنها، وذلك أن بعض أصحابنا أخبرنا أن مالكًا سهل فيها .... فسألت مالكًا عن ذلك، فقال لي مالك: لا يجوز القراض بنقر الذهب والفضة» (١).
القول الثالث:
تصح بشرط أن يتعامل الناس بها في بلد القراض، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية زاد المالكية شرطًا آخر: ولم يوجد مسكوك من الذهب والفضة (٢).
جاء في فتح القدير: «فكان الثابت أنهم إذا تعاملوا بقطع الذهب والفضة صلحت رأس مال في الشركة والمضاربة» (٣).
جاء في المبسوط: «وظاهر ما ذكر هنا أن المضاربة بالتبر لا تجوز .... وذكر في غير هذا الموضع أن التبر لا يتعين بالتعيين، ولا يبطل العقد بهلاكه، فذلك دليل على جواز المضاربة به، والحاصل: أن ذلك يختلف باختلاف البلدان في الرواج، ففي كل موضع يروج التبر رواج الأثمان تجوز المضاربة به، وفي كل موضع هو بمنزلة السلع لا تجوز المضاربة به كالمكيل والموزون» (٤).
стр. 6854
وجاء في منح الجليل: «ولا يصح القراض بتبر ... أي ذهب غير مضروب لم يتعامل ... أي لم يبع ويشتر به .... ببلده أي القراض، هذا هو الذي رجع إليه مالك، وهو المشهور، فإن تعومل به فيه جاز القراض به اتفاقًا، ولا يشترط التعامل في جميع البلاد بل في بلد العقد فقط» (١).
وأدلة هذه المسألة ترجع إلى الخلاف في العروض، فإن التبر والنقر والحلي ليست نقودًا مضروبة فهي من جملة العروض، فمن رأى جواز المضاربة بالعروض سوف يجيز المضاربة بها، ومن رأى منع المضاربة في العروض فسوف يمنع المضاربة بها، وقد ذكرنا أدلة الأقوال في العروض فأغنى ذلك عن إعادته هنا، إلا أن القول الثالث جعلها بمنزلة الأثمان إن جرى التعامل بها، وبمنزلة العروض إن لم يجر التعامل، فينزل التعامل بمنزلة الضرب للنقد باعتبار أن النقود حقيقة عرفية، فإذا تعارف الناس على قبولها كوسيط للتبادل ألحقت بالنقود.
الراجح من الخلاف:
كما رجحنا جواز المضاربة بالعروض فإننا نرجح جواز المضاربة بالتبر والنقر والحلي وغيرها من الأموال، إذا قومت عند العقد، وجعلت قيمتها رأس مال المضاربة، فإن جعلوها بمنزلة الأثمان لم يكن هناك حاجة إلى تقييمها؛ والله أعلم.
* * *
стр. 6855
الفرع الثالث
في المضاربة بالفلوس
سبق لنا في كتاب الصرف أن الفلوس: كل ما يتخذه الناس ثمنًا من سائر المعادن عدا الذهب والفضة.
وسبق لنا في الكتاب نفسه ذكر الآثار الدالة على أن التعامل بالفلوس كان قديمًا، وقد وجدت في عهد الصحابة ﵃، ولها أصل لغوي مما يدل على وجودها ومعرفة العرب بها.
والخلاف في المضاربة بالفلوس راجع إلى مسألة أخرى:
هل النحاس إذا ضرب على شكل فلوس خرج من كونه عروضًا إلى كونه أثمانًا، أو أنه يبقى على حاله عروضًا وإن ضرب على شكل فلوس؟
فإن كانت الفلوس كاسدة فهي عرض من سائر العروض، وإن كانت رائجة فقد اختلف العلماء فيها:
فمن قال: إن الفلوس عروض (سلع) مطلقًا، وكان يمنع المضاربة بالعروض كما هو رأي جماهير أهل العلم منع المضاربة بها.
[م-١٣٥٣] ومن قال: إنها إذا راجت تحولت إلى أثمان فقد جوز المضاربة بها، وإليك أقوال الفقهاء فيها:
القول الأول:
تصح المضاربة بالفلوس الرائجة، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، واختاره ابن حبيب وأشهب من المالكية، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
стр. 6856
قال في الفتاوى الهندية: «إن كان رأس مال المضاربة فلوسًا رائجة لا تجوز على قولهما (يعني أبا حنيفة وأبا يوسف) وعلى قول محمد ﵀ تجوز ... والفتوى على أنه تجوز» (١).
وقال في بداية المجتهد: «واختلف أصحاب مالك في القراض بالفلوس، فمنعه ابن القاسم، وأجازه أشهب» (٢).
دليل من قال بالصحة:
أن الفلوس إذا كانت رائجة كانت بمنزلة الأثمان، لأنها لا تتعين بالتعيين.
القول الثاني:
لا تصح المضاربة بها، وهو الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف من الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة. قال بعض المالكية: ما لم تنفرد بالتعامل بها (٣).
стр. 6857
قال الكاساني: «وأما الفلوس فإن كانت كاسدة فلا تجوز الشركة بها؛ لأنها عروض، وإن كانت نافقة فكذلك في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف ... » (١).
وقال الباجي المالكي: «فأما القراض بالفلوس فقد قال ابن القاسم: لا يجوز ذلك، وروي عن أشهب في الأمهات أنه أجاز القراض بها» (٢).
وقال الدردير: «لا يجوز قراض بها ـ يعني الفلوس ـ ولو تعومل بها» (٣).
دليل من قال: بالمنع:
من منع المضاربة بالفلوس يرى أنها عرض مطلقًا، ولو كانت رائجة؛ لأن ثمنيتها عارضة، وهي إنما صارت ثمنًا باصطلاح الناس، وليست ثمنًا في الأصل، وقد تتعرض للكساد، كما أنها تتعين بالتعيين، ويجوز بيع فلس بفلسين بأعيانهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد.
قال أبو يوسف: لو أجزت المضاربة بها أجزتها بمكة بالطعام؛ لأنهم يتبايعون بالحنطة كما يتبايع غيرهم بالفلوس» (٤).
القول الثالث:
تكره المضاربة بالفلوس، وهو القول الثالث في مذهب المالكية (٥).
стр. 6858
واستدل من قال بالكراهة:
من كره المضاربة بالفلوس رأى أنه يتنازعها أمران: الشبه بالأثمان، والشبه بالعروض، لهذا رأى الكراهة، ولم يجزم بالتحريم.
جاء في المدونة عن ابن القاسم: «أخبرني عبد الرحيم بن خالد أن مالكًا كان يجيز شراءها بالدنانير والدراهم نظرة، ثم رجع عنه منذ أدركناه، فقال: أكرهه، ولا أراه حرامًا كتحريم الدراهم، فمن هنا كرهت القراض بالفلوس» (١).
وقال القرافي: «وفي الفلوس أقوال، ثالثها الكراهة؛ لشبهها بالعروض والنقود اعتبارًا للشبهين» (٢).
الراجح:
جواز المضاربة بالفلوس مطلقًا، سواء كانت رائجة أو كاسدة؛ فإن كانت رائجة كانت المضاربة بعينها كسائر الأثمان، وإن كانت كاسدة كانت المضاربة بقيمتها وقت العقد كسائر العروض، والله أعلم.
стр. 6859
الشرط الثاني
أن يكون رأس المال معلومًا للعاقدين
الجهل برأس المال يؤدي إلى الجهل بالربح (١).
اشترط الفقهاء العلم برأس مال المضاربة، ولم يختلفوا في ذلك:
قال الكاساني: «أن يكون معلومًا، فإن كان مجهولًا لا تصح المضاربة؛ لأن جهالة رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح، وكون الربح معلومًا شرط صحة المضاربة» (٢).
وقال الحطاب المالكي: «كون المال معلومًا .... لأن جهل المال يؤدي إلى جهل الربح» (٣).
وقال الماوردي الشافعي: «فإن تقارضا على مال لا يعلمان قدره كان القراض باطلًا للجهل بما تعاقدا عليه» (٤).
وقال في مغني المحتاج: «ولابد أن يكون المال المذكور معلومًا، فلا يجوز على مجهول القدر دفعًا لجهالة الربح» (٥).
وقال ابن قدامة: «ومن شرط المضاربة أن يكون رأس المال معلوم المقدار، ولا يجوز أن يكون مجهولًا، ولا جزافًا» (٦).
стр. 6860
فتبين بهذا أن الفقهاء متفقون على اشتراط العلم برأس مال المضاربة إلا أنهم قد اختلفوا بما يتحقق هذا العلم؟ على قولين:
القول الأول:
يتحقق العلم برأس المال عن طريق المشاهدة، أو الإشارة إليه وتعيينه، وإن لم يعلم قدره. وهذا مذهب الحنفية.
جاء في المبسوط: «وإذا دفع الرجل إلى رجل دراهم مضاربة، ولا يدري واحد ما وزنها، فهي مضاربة جائزة؛ لأن الإعلام بالإشارة إليه أبلغ من الإعلام بالتسمية، ورأس المال أمانة في يد المضارب كالوديعة .... ويقبل قول المضارب فيه لكونه أمينًا، فجهالة المقدار عند العقد لا تفضي إلى المنازعة، فإن اختلفا في مقدار رأس المال عند قسمة الربح فالقول قول المضارب مع يمينه؛ لأنه هو القابض، والقول في مقدار المقبوض قول القابض» (١).
وقال في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «كون رأس المال معلومًا ... تسمية ... أو إشارة كما إذا دفع مضاربة إلى رجل دراهم لا يعرف قدرها، فإنه يجوز، ويكون القول في قدرها وصفتها للمضارب مع يمينه» (٢).
القول الثاني:
لا بد من العلم بقدره جنسًا وصفة، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
جاء في الشرح الصغير في تعريف القراض: «(دَفْعُ مالك) من إضافة المصدر لفاعله (مالًا) مفعوله (من نقد) ذهب أو فضة خرج به العرض (مضروب) أي
стр. 6861
مسكوك .... (مسلم) من المالك لا بدين عليه ... (معلوم) قدرًا وصفة لا مجهول» (١).
وقال في مواهب الجليل: «كون المال معلومًا، قال: احترازًا من دفع صرة عينًا قراضًا؛ لأن جهل المال يؤدي إلى جهل الربح» (٢).
وقال الماوردي الشافعي: «فإذا ثبت أن القراض لا يجوز إلا بمضروب الدراهم والدنانير .... فمن شرطهما أن تكون معلومة القدر والصفة عند القراض بها، فإن تقارضا على مال لا يعلمان قدره كان القراض باطلًا؛ للجهل بما تعاقدا عليه. وإن علما قدره وجهلا صفته بطل القراض؛ لأن الجهل بالصفة كالجهل بالقدر في بطلان العقد» (٣).
وجاء في إعانة الطالبين: «فلا يصح ـ يعني القراض ـ على مجهول جنسًا، وقدرًا، وصفة» (٤).
وقال ابن قدامة: «ومن شرط المضاربة أن يكون رأس المال معلوم المقدار، ولا يجوز أن يكون مجهولًا، ولا جزافًا، ولو شاهداه، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: يصح إذا شاهداه، والقول قول العامل مع يمينه في قدره؛ لأنه أمين رب المال، والقول قوله فيما في يده، فقام ذلك مقام المعرفة به
ولنا أنه مجهول، فلم تصح المضاربة به كما لو لم يشاهداه، وذلك لأنه لا
стр. 6862
يدري بكم يرجع عند المفاصلة، ولأنه يفضي إلى المنازعة والاختلاف في مقداره، فلم يصح» (١).
الراجح:
لا شك أن قول الجمهور أسلم، والشارع يمنع المنازعة وما يفضي إليها، وكوننا نقطع النزاع قبل وقوعه أفضل بكثير من كوننا نعالجه بعد وقوعه؛ لأن أي نزاع يمكن قطعه بين المتعاقدين فالشارع يتطلع إليه، ولو لم يأت من النزاع إلا تنافر القلوب وفقدان الثقة لكفى بها مفسدة، والله أعلم.
* * *
стр. 6863
الشرط الثالث
أن يكون رأس المال معينا
لا يكفي العلم برأس مال المضاربة بل لا بد من تعيينه، وعدم التعيين له أكثر من صورة.
الصورة الأولى:
أن يقارضه على دراهم غير معينة.
الصورة الثانية:
أن يدفع له كيسين، في كل كيس دراهم معلومة، فيقول: قارضتك على أحدهما.
الصورة الثالثة:
أن يكون له دين على رجل فيقول للعامل: قارضتك على ديني على فلان، فاقبضه واتجر فيه. فإن الدين غير معين؛ لأنه يتعلق بالذمة.
وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى عن كل صورة من هذه الصور في مبحث مستقل، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 6864
المبحث الأول
أن يقارضه على دراهم غير معينة
[م-١٣٥٤] إذا قارضه على دراهم غير معينة، فإما أن يعينها في المجلس أو لا.
فإن عينها في المجلس فوجهان في مذهب الشافعية:
أحدهما: الصحة، قياسًا على الصرف والسلم.
والوجه الثاني: لا يصح.
قال النووي: «فلو قارض على دراهم غير معينة، ثم أحضر في المجلس، وعينها، قطع القاضي والإمام بجوازه، كالصرف والسلم. وقطع البغوي بالمنع» (١).
وجاء في أسنى المطالب: «ولو قارضه على ألف، وعينه في المجلس جاز كالصرف والسلم، وقيل: لا يجوز» (٢).
وإن لم يعينها في المجلس أصبح مال القراض دينًا، فهل تصح المضاربة بالدين؟
وللجواب على ذلك نقول: الدين إما أن يكون على العامل وإما أن يكون على أجنبي، وسوف نتكلم على كل صورة بمفردها إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 6865
الفرع الأول
أن يكون مال المضاربة دينًا على العامل
إذا صحت المصارفة على ما في الذمة صحت المضاربة على ما في الذمة.
جاء في المغني: «الثابت في الذمة بمنزلة المقبوض» (١).
ما في الذمة يخرج إلى الأمانة فيرتفع الضمان (٢).
[م-١٣٥٥] إذا كان للرجل دين على آخر، فقال له: ضارب بالدين الذي لي عليك، فهل تصح المضاربة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور العلماء إلى المنع (٣)،
وعللوا ذلك بعلل منها: