مسكوك .... (مسلم) من المالك لا بدين عليه ... (معلوم) قدرًا وصفة لا مجهول» (١).
وقال في مواهب الجليل: «كون المال معلومًا، قال: احترازًا من دفع صرة عينًا قراضًا؛ لأن جهل المال يؤدي إلى جهل الربح» (٢).
وقال الماوردي الشافعي: «فإذا ثبت أن القراض لا يجوز إلا بمضروب الدراهم والدنانير .... فمن شرطهما أن تكون معلومة القدر والصفة عند القراض بها، فإن تقارضا على مال لا يعلمان قدره كان القراض باطلًا؛ للجهل بما تعاقدا عليه. وإن علما قدره وجهلا صفته بطل القراض؛ لأن الجهل بالصفة كالجهل بالقدر في بطلان العقد» (٣).
وجاء في إعانة الطالبين: «فلا يصح ـ يعني القراض ـ على مجهول جنسًا، وقدرًا، وصفة» (٤).
وقال ابن قدامة: «ومن شرط المضاربة أن يكون رأس المال معلوم المقدار، ولا يجوز أن يكون مجهولًا، ولا جزافًا، ولو شاهداه، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: يصح إذا شاهداه، والقول قول العامل مع يمينه في قدره؛ لأنه أمين رب المال، والقول قوله فيما في يده، فقام ذلك مقام المعرفة به
ولنا أنه مجهول، فلم تصح المضاربة به كما لو لم يشاهداه، وذلك لأنه لا
стр. 6862
يدري بكم يرجع عند المفاصلة، ولأنه يفضي إلى المنازعة والاختلاف في مقداره، فلم يصح» (١).
الراجح:
لا شك أن قول الجمهور أسلم، والشارع يمنع المنازعة وما يفضي إليها، وكوننا نقطع النزاع قبل وقوعه أفضل بكثير من كوننا نعالجه بعد وقوعه؛ لأن أي نزاع يمكن قطعه بين المتعاقدين فالشارع يتطلع إليه، ولو لم يأت من النزاع إلا تنافر القلوب وفقدان الثقة لكفى بها مفسدة، والله أعلم.
* * *
стр. 6863
الشرط الثالث
أن يكون رأس المال معينا
لا يكفي العلم برأس مال المضاربة بل لا بد من تعيينه، وعدم التعيين له أكثر من صورة.
الصورة الأولى:
أن يقارضه على دراهم غير معينة.
الصورة الثانية:
أن يدفع له كيسين، في كل كيس دراهم معلومة، فيقول: قارضتك على أحدهما.
الصورة الثالثة:
أن يكون له دين على رجل فيقول للعامل: قارضتك على ديني على فلان، فاقبضه واتجر فيه. فإن الدين غير معين؛ لأنه يتعلق بالذمة.
وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى عن كل صورة من هذه الصور في مبحث مستقل، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 6864
المبحث الأول
أن يقارضه على دراهم غير معينة
[م-١٣٥٤] إذا قارضه على دراهم غير معينة، فإما أن يعينها في المجلس أو لا.
فإن عينها في المجلس فوجهان في مذهب الشافعية:
أحدهما: الصحة، قياسًا على الصرف والسلم.
والوجه الثاني: لا يصح.
قال النووي: «فلو قارض على دراهم غير معينة، ثم أحضر في المجلس، وعينها، قطع القاضي والإمام بجوازه، كالصرف والسلم. وقطع البغوي بالمنع» (١).
وجاء في أسنى المطالب: «ولو قارضه على ألف، وعينه في المجلس جاز كالصرف والسلم، وقيل: لا يجوز» (٢).
وإن لم يعينها في المجلس أصبح مال القراض دينًا، فهل تصح المضاربة بالدين؟
وللجواب على ذلك نقول: الدين إما أن يكون على العامل وإما أن يكون على أجنبي، وسوف نتكلم على كل صورة بمفردها إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 6865
الفرع الأول
أن يكون مال المضاربة دينًا على العامل
إذا صحت المصارفة على ما في الذمة صحت المضاربة على ما في الذمة.
جاء في المغني: «الثابت في الذمة بمنزلة المقبوض» (١).
ما في الذمة يخرج إلى الأمانة فيرتفع الضمان (٢).
[م-١٣٥٥] إذا كان للرجل دين على آخر، فقال له: ضارب بالدين الذي لي عليك، فهل تصح المضاربة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور العلماء إلى المنع (٣)،
وعللوا ذلك بعلل منها:
стр. 6866
التعليل الأول:
يرى الإمام مالك أن العلة مخافة الوقوع في الربا، وذلك أن الرجل ربما أراد أن يزيد في أجل القرض مقابل أن يزيده في ماله، فيلجأ إلى القراض حيلة.
стр. 6867
ويناقش:
بأن التحايل على الحرام لا يبيحه، والتحايل على إسقاط الواجبات لا يسقطها، ولكن لابد من حصول العلم، أو غلبة الظن أن المضارب أراد في ذلك التحايل.
التعليل الثاني:
يرى بعض الفقهاء أن العلة هي أن القرض مضمون، ومال المضاربة أمانة غير مضمون، فلا يتحول المضمون إلى أمانة.
جاء في إعلام الموقعين: «وفي صورة المضاربة بالدين قولان في مذهب الإمام أحمد:
أحدهما: أنه لا يجوز ذلك، وهو المشهور؛ لأنه يتضمن قبض الإنسان من نفسه، وإبراءه لنفسه من دين الغريم بفعل نفسه؛ لأنه متى أخرج الدين، وضارب به فقد صار المال أمانة، وبرئ منه .... » (١).
وأجاب على ذلك ابن القيم:
«قولهم: إنه يتضمن إبراء الإنسان لنفسه بفعل نفسه كلام فيه إجمال يوهم أنه هو المستقل بإبراء نفسه، وبالفعل الذي به يبرأ، وهذا إبهام، فإنه إنما برئ بما أذن له رب الدين من مباشرة الفعل الذي تضمن براءته من الدين، فأي محذور في أن يفعل فعلًا أذن له فيه رب الدين، ومستحقه يتضمن براءته، فكيف ينكر أن يقع في الأحكام الضمنية التبعية ما لا يقع مثله في المتبوعات، ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر حتى لو وكله، أو أذن له أن يبرئ نفسه من الدين جاز، وملك ذلك،
стр. 6868
كما لو وكل المرأة أن تطلق نفسها، فأي فرق بين أن يقول: طلقي نفسك إن شئت، أو يقول لغريمه: أبرئ نفسك إن شئت» (١).
كما أن مذهب الحنفية يجوز أن ينوب قبض الضمان عن قبض الأمانة؛ لأن الأقوى ينوب عن الأضعف، فالدين مضمون، فقبضه يغني عن قبض المضاربة؛ لكون المقبوض بعقد المضاربة غير مضمون (٢).
التعليل الثالث:
علل بعض الشافعية المنع بأن المال غائب، وهذه علة ضعيفة؛ لأن ما في
стр. 6869
الذمة بمنزلة الحاضر، وسوف أسوق من كلام الفقهاء ما يدل على ذلك في أدلة القول التالي.
القول الثاني:
ذهب بعض الحنابلة إلى صحة المضاربة بما في الذمة، وأن ما في الذمة بمنزلة المقبوض.
قال في الإنصاف: «وإن قال: ضارب بالدين الذي عليك لم يصح، هذا المذهب ..... وعنه يصح، وهو تخريج في المحرر، واحتمال لبعض الأصحاب» (١).
واستدلوا على ذلك بالآتي:
الدليل الأول:
الأصل الحل، ولا يوجد دليل من الكتاب أو السنة يمنع من ذلك.
قال ابن القيم عن القول بالجواز: «وهو الراجح في الدليل، وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع من جواز ذلك، ولا يقتضي تجويزه مخالفة قاعدة من قواعد الشرع، ولا وقوعًا في محظور من ربا ولا قمار، ولا بيع غرر، ولا مفسدة في ذلك بوجه ما، فلا يليق بمحاسن الشريعة المنع منه، وتجويزه من محاسنها، ومقتضاها» (٢).
الدليل الثاني:
إذا صحت المصارفة في الذمة، كما دللنا على ذلك في كتاب الصرف، مع
стр. 6870
أن عقد الصرف من شروط صحته القبض، صحت المضاربة بما في الذمة من باب أولى؛ لأن القبض ليس من شروط صحة المضاربة.
الدليل الثالث:
أن القول بالجواز غاية ما فيه أن المالك قد وكل العامل على قبض دينه من نفسه، وهذا لا محذور فيه، وقد صحح الحنابلة صحة قبض الوكيل من نفسه بإذنه.
الدليل الرابع:
أن الحنفية والحنابلة قد صححوا المضاربة فيما لو قال المالك للعامل: اقبض مالي على فلان وضارب به (١)، مع أن المال غير مقبوض مطلقًا، فكونه يصح بما في الذمة على العامل من باب أولى؛ لأن ما في الذمة بمنزلة الحاضر المقبوض.
جاء في المغني: «الثابت في الذمة بمنزلة المقبوض» (٢).
وقال ابن رشد: «ما في الذمة كالعين الحاضرة» (٣).
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن القول بجواز المضاربة بدين في ذمة العامل هو الأقوى من حيث الدليل، والله أعلم.
* * *
стр. 6871
الفرع الثاني
أن يكون مال المضاربة دينًا على أجنبي
تعليق المضاربة على القبض لا يمنع صحة العقد.
التعليق للعقود كلها بالشروط المعلومة غير المجهولة جائز، لا محذور فيه (١).
[م-١٣٥٦] إذا كان مال المضاربة دينًا على أجنبي، كما لو قال: اقبض ديني الذي على فلان، وضارب به، فقد اختلف العلماء في حكم المضاربة على قولين:
القول الأول:
تصح المضاربة، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (٢).
جاء في الهداية شرح البداية: «إذا قال له: اقبض مالي على فلان، واعمل به مضاربة جاز» (٣).
وجاء في كشاف القناع: إذا «قال رب دين اقبض ديني من فلان، وضارب به صح؛ لأنه وكله في قبض الدين ... وعلق المضاربة على القبض، وتعليقها صحيح» (٤).
стр. 6872
القول الثاني:
لا تصح المضاربة بالدين إذا كان على أجنبي، وهذا مذهب المالكية والشافعية.
جاء في المدونة: «فإن قلت: اقتض ديني الذي لي على فلان، واعمل به قراضًا. قال: لا يجوز هذا عند مالك» (١).
وقال الماوردي من الشافعية: «ولو قال له: قد قارضتك على ألف من ديني الذي على فلان، فاقبضها منه قراضًا لم يجز» (٢).
تعليل من قال بالصحة:
أن المالك قد وكل العامل في قبض ماله، والوكالة في القبض جائزة، فإذا قبضه بإذن مالكه جاز أن يجعله مضاربة، كما لو قال: اقبض المال من غلامي وضارب به.
تعليل من قال بالمنع:
التعليل الأول:
علل الشافعية المنع بأن العقد وقع معلقًا، وتعليق العقود لا يصح.
ونوقش هذا:
سبق أن بحثنا تعليق العقود في عقد البيع، وبينا أن الراجح جواز تعليق العقود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
стр. 6873
التعليل الثاني:
ذكر ابن رشد المنع بأنه إذا وكله في قبضه، ثم ضارب به أنه قراض فاسد؛ لأنه اشتراط منفعة زائدة في القراض (١).
ونوقش:
بأن اشتراط المنفعة في القراض لا محذور فيه؛ لأن قبض القراض قائم على طلب المنفعة، ورب المال لم يسلم المال للعامل على سبيل القرض، فيحرم اشتراط المنفعة الزائدة، والله أعلم.
الراجح:
أرى أن القول بالجواز أقوى دليلًا، والله أعلم.
* * *
стр. 6874
الفرع الثالث
المقارضة على إحدى الصرتين
كل معقود عليه كان المقصود منه مجهولًا غير معلوم، ومعجوزًا عنه غير مقدور فهو غرر (١).
من المضاربة غير المعينة أن يكون للمالك كيسان، في كل كيس دراهم معلومة، فيقول: قارضتك على أحدهما.
[م-١٣٥٧] فإن كان الكيسان مختلفين في مقدار الدراهم الموجودة فيهما فلا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز المضاربة.
فالمنع عند الحنفية معلل بأنه لم يتم التعيين لا بالاسم، ولا بالإشارة.
قال في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «كون رأس المال معلومًا ... تسمية ... أو إشارة كما إذا دفع مضاربة إلى رجل دراهم لا يعرف قدرها، فإنه يجوز ويكون القول في قدرها وصفتها للمضارب مع يمينه» (٢).
فالحنفية يتسامحون في الجهل بالمقدار إذا عين مال المضاربة، وهنا لم يعين رأس مال المضاربة لا بالتسمية ولا بالإشارة.
وأما المنع عند الجمهور فللجهالة بمقدار رأس مال المضاربة؛ لأنهم يشترطون العلم بمقدار رأس مال المضاربة، وهنا لم يعلم.
قال في مواهب الجليل: «كون المال معلومًا، قال: احترازًا من دفع صرة عينًا قراضًا؛ لأن جهل المال يؤدي إلى جهل الربح» (٣).
стр. 6875
فإذا كان المالكية يمنعون دفع صرة لا يعلم قدرها، فهم يمنعون المضاربة على إحدى الصرتين مع اختلاف مقدراهما من باب أولى.
قال الماوردي الشافعي: «فإن تقارضا على مال لا يعلمان قدره كان القراض باطلًا للجهل بما تعاقدا عليه» (١).
[م-١٣٥٨] وإن قال: قارضتك على إحدى الصرتين، وكانتا متساويتين، فقد اختلف العلماء في صحة القراض على قولين:
القول الأول:
إن عين أحدهما في المجلس جاز ذلك في أصح قولي العلماء، قياسًا على ما إذا باعه السلعة نقدًا بكذا، أو نسيئة بكذا، واختار أحدهما في المجلس.
قال ابن حجر الهيتمي: «وسئل عمن قال: قارضتك على إحدى هاتين الصرتين مثلًا، ثم عين أحدهما في المجلس صح» (٢).
وقال البجيرمي: «إن عينت المرادة منهما في المجلس صح على المعتمد» (٣).
القول الثاني:
لا يصح القراض، ولو عين أحدهما في المجلس؛ لفساد الصيغة، رجحه بعض الشافعية.
جاء في مغني المحتاج: «مقتضى كلامه عدم صحة القراض في إحدى
стр. 6876
الصرتين على الأول، وإن عينت في المجلس، وهو ظاهر؛ لفساد الصيغة، وإن اقتضى كلام بعض المتأخرين الصحة» (١).
[م-١٣٥٩] وإن لم يتم التعيين في المجلس، فقد اختلف الفقهاء في حكم المضاربة بها على قولين:
القول الأول:
لا يصح، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٢).
جاء في حاشية قليوبي وعميرة: «الأصح عدم الجواز» (٣).
وقال ابن قدامة في المغني: «ولو أحضر كيسين في كل واحد منهما مال معلوم المقدار، وقال: قارضتك على أحدهما لم يصح، سواء تساوى ما فيهما، أو اختلف؛ لأنه عقد يمنع صحته الجهالة، فلم يجز على غير معين كالبيع» (٤).
وعلل الشافعية المنع: بكون المضاربة على مال غير معين.
القول الثاني:
يصح، وهو القول الثاني في مذهب الشافعية، واختاره بعض الحنابلة (٥).
لأن مال المضاربة مال معلوم حيث تساوى الكيسان جنسًا، وصفقة، وقدرًا، فإذا تصرف العامل في أيهما شاء تعين للقراض.
стр. 6877
وصحح ابن رجب الإبهام في جملة من العقود، من ذلك عقود المشاركات، ومنها المضاربة كأن يقول له: ضارب بإحدى هاتين المائتين، وهما في كيسين، ودع الأخرى عندك وديعة (١).
الراجح:
القول بالجواز، والدراهم على الصحيح مما لا تتعين بالتعيين، فتعيينها لا يفيد شيئًا، وله أن يدفع غيرها، المهم أن يكون رأس مال المضاربة معلومًا، والله أعلم.
* * *
стр. 6878
الفرع الرابع
المضاربة بالوديعة
المضاربة بالوديعة إن كانت الوديعة في يد العامل فهو مال مقبوض، وإن كانت في يد ثالث فهي وكالة في القبض، فتصح.
[م-١٣٦٠] تكلمنا عن حكم المضاربة بالدين في المباحث السابقة، ويقابل الدين العين: فالدين حق متعلق بالذمة غير معين بخلاف المعين فإنه لا يكون دينًا، والمضاربة بالوديعة من المضاربة بالمعين ذلك أن الوديعة أمانة من الأمانات يقصد بها حفظ العين، وإذا كانت كذلك فهي مال معين، وليس دينًا؛ فالوديعة لا تتعلق بالذمة حتى يمكن أن تكون دينًا، وهي تتعين مطلقًا حتى على قول من يقول: إن الدراهم لا تتعين بالتعيين فإنه يقول بتعيين الوديعة بالتعيين؛ لأنه لا يحق للمودع التصرف في عينها، فتعينت.
وقد اختلف الفقهاء في المضاربة بالوديعة على قولين:
القول الأول:
المضاربة بالوديعة صحيحة، سواء كانت الوديعة في يد المضارب أو في يد غيره كأن يقول له: ضارب بالوديعة التي عندك، أو التي عند فلان مع العلم بقدرها، وهذا مذهب الجمهور (١).
стр. 6879
قال النووي: «ولو كانت دراهمه في يد غيره وديعة، فقارضه عليها صح» (١).
وقال الماوردي: «وإذا كانت لرجل في يد رجل ألف درهم وديعة، فقارضه عليها، وهما يعلمان قدرها، وصفتها جاز، ولو كانا يجهلان القدر أو الصفة لم يجز» (٢).
وقال البهوتي: «ويصح إن قال: ضارب بوديعة لي عند زيد، أو عندك مع علمهما قدرها؛ لأنها ملك رب المال» (٣).
واستدلوا بالجواز أن الوديعة إن كانت في يد المودع فقد قبض المال، وقبض المودع وقبض المضارب سواء في أن اليد يد أمانة فجاز له أن يضاربه عليها؛ والوديعة تفارق الدين من جهتين:
الأولى: أن الدين متعلق بالذمة، وحق المودِع متعلق بعين الوديعة.
الثاني: أن الدين مضمون، والوديعة ليست مضمونة فهي مثل مال المضاربة من جهة الضمان.
وإن كانت الوديعة في يد ثالث فهي وكالة في قبض مال معين، والعمل به مضاربة، فتصح.
القول الثاني:
لا يصح أن يجعل الوديعة رأس مال المضاربة حتى يحضرها لربها، وهذا مذهب المالكية، وبه قال الحسن البصري (٤).
стр. 6880
قال ابن القاسم في المدونة: «قال مالك في المال إذا كان دينًا على رجل، فقال له رب المال: اعمل بالدين الذي لي عليك قراضًا. قال: لا يجوز هذا إلا أن يقبض دينه، ثم يعطيه بعدما يقبضه، فأرى الوديعة مثل هذا؛ لأني أخاف أن يكون قد أنفق الوديعة، فصارت عليه دينًا» (١).
وقال الدسوقي في حاشيته: «والمغصوب يكفي في صحة عمل الغاصب فيه قراضًا إحضاره لربه كالوديعة» (٢).
ويناقش:
أن الأصل في المودع أنه لم يتصرف في الوديعةحيث لم يأذن له صاحبها، فيستصحب هذا الأصل حتى يثبت خلافه؛ ولأن الأصل في تصرف المسلم عدم التعدي.
الراجح: جواز المضاربة بالوديعة، لقوة أدلته، وسلامة مأخذه، والله أعلم.
* * *
стр. 6881
الفرع الخامس
المضاربة بالمغصوب
توكيل الإنسان غيره في قبض ماله، ثم المضاربة فيه لا محذور في جوازه.
[م-١٣٦١] إذا قال رجل لآخر: المال الذي غصبته مني، أو الذي غصبه فلان مني، وكان قادرًا على أخذه من غاصبه: اعمل به مضاربة، فإن كان قد استهلكه الغاصب رجعت المسألة إلى المقارضة بالدين، وقد سبق بحثها، وإن كان لم يستهلك المال، بأن كان المال بعينه في يده فهل تصح المضاربة بالمغصوب؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
تصح المضاربة بالمغصوب، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، والحسن ابن زياد، وعليه جمهور الشافعية (١).
تعليل من قال بالصحة:
أن المال المغصوب مال معين، فلا يدخل في المضاربة بالدين، فإن كان المضارب هو الغاصب فقد قبض المال، ويتحول المال من الضمان إلى الأمانة من حين أن يقبل الغاصب المضاربة، ويتصرف في المال لصالح ربه، وإن كان الغاصب غير المضارب فقد وكل المالك العامل في قبض المال من غاصبه، فإذا سلمه الغاصب إلى العامل فقد برئ الغاصب من الضمان؛ لأنه سلمه بإذن
стр. 6882
مالكه، وتوكيل الإنسان غيره في قبض ماله، ثم المضاربة فيه لا محذور في جوازه، والأصل الحل.
القول الثاني:
لا تصح المضاربة بالمغصوب، وبه قال زفر من الحنفية، والمذهب عند المالكية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية.
وقال المالكية: يكفي لصحة المضاربة بالمغصوب إحضاره لربه (١).
تعليل من قال بالمنع:
تعليل الحنفية:
أن المال المغصوب مضمون على غاصبه، ومال المضاربة غير مضمون على العامل فإذا ضارب بمال مغصوب فقد ضارب بمال مضمون، وهذا لا يصح، ولا يبرأ الغاصب من ضمان ما غصبه حتى يسلمه إلى صاحبه.
ونوقش هذا:
بأن الغاصب يبرأ من الغصب إذا أذن له المالك بالتصرف كما يبرأ لو أبرأه من الغصب ووهب له المغصوب، وكلاهما بدون تسليم رأس المال.
تعليل المنع عند المالكية:
علل المالكية المنع من أجل الخوف أن يكون الغاصب قد تصرف في
стр. 6883
المغصوب، فصار عليه دينًا، ولا يصح أن يكون مال القراض دينًا، لذلك اشترطوا إحضاره لربه، وهي نفس العلة التي من أجلها منعوا المضاربة بالوديعة، وقد أجبنا على ذلك في المسألة السابقة، والله أعلم.
الراجح:
القول بجواز المضاربة بالمغصوب.
* * *
стр. 6884
الشرط الرابع
في اشتراط تسليم رأس مال المضاربة
العقد في المضاربة وارد على إطلاق التصرف، لا على تسليم المال.
[م-١٣٦٢] اختلف أهل العلم في اعتبار تسليم المال للعامل شرطًا في صحة المضاربة على قولين:
القول الأول:
لا يصح القراض إلا إذا تسلم العامل مال المضاربة، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، والشافعية، واختاره بعض الحنابلة (١).
قال الكاساني من الحنفية: «ومنها ـ أي الشروط التي ترجع إلى رأس المال ـ تسليم رأس المال إلى المضارب; لأنه أمانة، فلا يصح إلا بالتسليم وهو التخلية كالوديعة ولا يصح مع بقاء يد الدافع على المال ; لعدم التسليم مع بقاء يده حتى لو شرط بقاء يد المالك على المال فسدت المضاربة» (٢).
وجاء في المدونة: «هل يجوز لرب المال أن يحبس المال عنده ويقول للعامل: اذهب واشتر وأنا أنقد عنك، واقبض أنت السلع فإذا بعت قبضت الثمن وإذا اشتريت نقدت الثمن؟ قال: لا يجوز هذا القراض عند مالك وإنما القراض عند مالك أن يسلم المال إليه قال: وقال لي مالك: ولو ضم إليه رجلًا جعله يقتضي المال وينقد والعامل يشتري ويبيع، ولا يأمن العامل وجعل هذا أمينًا. قال: لا خير في هذا» (٣).
стр. 6885
وقال الغزالي في الوسيط وهو يذكر شروط رأس المال: «الرابع: أن يكون رأس المال مسلمًا إلى العامل يدًا، لا يداخله المالك بالتصرف واليد، فلو شرط لنفسه يدًا أو تصرفًا معه فهو فاسد» (١).
تعليل من قال: يشترط تسليم رأس المال:
التعليل الأول:
أن المضاربة فيها معنى الإجارة؛ لأن ما يأخذه مقابل بعمله، والمال محل العمل، فيجب تسليمه كالإجارة الحقيقية (٢).
التعليل الثاني:
إذا لم يكن المال بيد العامل فإن ذلك يخرج القراض عن أن يكون قراضًا، ويجعله إجارة مجهولة العوض (٣).
التعليل الثالث:
أن المال أمانة في يده، فلا يتم إلا بالتسليم كالوديعة.
القول الثاني:
تسليم مال المضاربة ليس بشرط، وهو مذهب الحنابلة (٤).
стр. 6886
جاء في مطالب أولي النهى: «ولا يعتبر لمضاربة قبض عامل رأس مال، فتصح وإن كان بيد ربه» (١).
تعليل من قال: لا يشترط تسليم المال إلى العامل:
قالوا: إن مورد العقد في عقد المضاربة هو العمل في مال المالك، وهذا يقتضي إطلاق التصرف في مال غيره بجزء مشاع من ربحه، وهذا حاصل مع التسليم وبدونه.
الراجح:
إن كان المقصود من اشتراط التسليم أن يكون ذلك في مجلس العقد، وأن يكون القبض شرطًا للصحة بحيث إذا لم يتم التسليم لم ينعقد العقد، كالتسليم في الأموال الربوية فهذا قول ضعيف جدًا؛ لأن العقد وارد في المضاربة على إطلاق التصرف، وهذا ليس فيه استلام وتسليم.
وإن كان المقصود من التسليم ليس التسليم في مجلس العقد، وإنما يراد من التسليم التخلية بين العامل وبين المال متى باشر العامل العمل واحتاج إلى المال بحيث لا يكون عدم التسليم مقيدًا لتصرف العامل، ومفوتًا عليه بعض المكاسب بسبب عدم التمكن من مال المضاربة؛ لأن العقد وارد على التصرف في مال المضاربة، وتمام التصرف يتوقف على استلام المال، وعدم التسليم يحد من التصرف، ويفوت عليه مكاسب كثيرة، إن كان المقصود من اشتراط التسليم هو ملاحظة هذا، فهذا لا شك أنه أمر مطلوب، ولكنه لا يفسد العقد، والله أعلم.
* * *
стр. 6887
المبحث الثاني
الشروط الخاصة بالربح
الشرط الأول
العلم بنصيب ما يأخذه كل واحد منهما من الربح
العقد إذا تضمن العوض وجب تنزيهه عن الجهالة والغرر (١).
العوض المجهول لا تصح عليه المعاوضة.
[م-١٣٦٣] الربح في عقد المضاربة لا علاقة له بالعقد من حيث الذات؛ لأنه غير متحقق الوجود، فقد يوجد وقد لا يوجد، وإنما المطلوب في الربح معرفة نصيب كل واحد منهما من الربح إن وجد.
جاء في تحفة الفقهاء: «ومنها ـ أي من الشروط ـ إعلام قدر الربح؛ لأن الربح هو المقصود، فجهالته توجب فساد العقد» (٢).
وقال ابن جزي: «أن يكون الجزاء مسمى كالنصف، ولا يجوز أن يكون مجهولًا» (٣).
وقال ابن قدامة في الشرح الكبير: «الشروط الفاسدة في الشركة والمضاربة
стр. 6888
تنقسم ثلاثة أقسام ..... القسم الثاني: ما يعود بجهالة الربح، مثل إن شرط للمضارب جزءًا من الربح مجهولًا .... ومن شرط المضاربة والشركة كون الربح معلومًا» (١).
وسوف نعرض لبعض المسائل التي تنازع فيها الفقهاء، هل الربح فيها يعتبر مجهولًا؟ أو يمكن معرفته، وذلك من خلال المباحث التالية.
* * *
стр. 6889
المبحث الأول
أن يدفع المالك مال المضاربة ويسكت عن الربح
قال ابن قدامة: الإطلاق يقتضي التسوية (١).
وقال أيضًا: الإطلاق يحمل على المعتاد (٢).
[م-١٣٦٤] إذا دفع المالك المال للعامل مقارضة، ولم يذكر الربح فقد اختلف العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
القراض فاسد، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على خلاف بينهم فيما لو باشر العمل:
فقيل: له أجرة المثل ربح أم خسر، وهذا مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة.
وقيل: له قراض المثل، وهذا مذهب المالكية.
جاء في المبسوط: «ولو قال: خذ هذه الألف مضاربة، أو مقارضة، ولم يذكر ربحًا فهي مضاربة فاسدة ; لأن المضارب شريك في الربح والتنصيص على لفظ المضاربة يكون استردادًا لجزء من ربح المضارب، وذلك الجزء غير معلوم، وجهالته تفضي إلى المنازعة بينهما .... فيكون الربح كله لرب المال وللمضارب أجر مثله ربح أو لم يربح» (٣).
стр. 6890
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن دفعت إلى رجل مالًا قراضًا ولم أسم له ثلثًا ولا ربعًا ولا نصفًا ولا أكثر من أن قلت له: خذ هذا المال قراضًا، فعمل، فربح، وتصادق رب المال والعامل على ذلك؟ قال: يرد إلى قراض مثله» (١).
وجاء في الشرح الصغير: «وكقراض مبهم بأن قال: اعمل فيه قراضًا، وأطلق فإنه فاسد، وفيه بعد العمل قراض المثل في الربح» (٢).
وجاء في مغني المحتاج: «ولو قال: قارضتك، ولم يتعرض للربح فسد القراض؛ لأنه خلاف وضعه» (٣).
وقال ابن قدامة: «ولو قال: خذ هذا المال مضاربة، ولم يسم للعامل شيئًا من الربح فالربح كله لرب المال والوضيعة عليه وللعامل أجر مثله. نص عليه أحمد. وهو قول الثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي» (٤).
القول الثاني:
يصح القراض، ويكون الربح بينهما مناصفة، وهو قول الحسن وابن سيرين والأوزاعي (٥).
стр. 6891
واستدلوا على ذلك بأنه لو قال: خذ هذا المال مقارضة، والربح بيننا كان مناصفة، فكذلك إذا لم يذكر شيئًا، فالأصل تساويهما في الربح.
وأجاب عنه ابن قدامة بقوله:
«ولنا أن المضارب إنما يستحق الربح بالشرط، ولم يوجد، وقوله (مضاربة) اقتضى أن له جزءًا من الربح مجهولًا، فلم تصح المضاربة، كما لو قال: ولك جزء من الربح، فأما إذا قال: والربح بيننا، فإن المضاربة تصح، ويكون بينهما نصفين؛ لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة، ولم يترجح فيها أحدهما على الآخر، فاقتضى التسوية، كما لو قال: هذه الدار بيني وبينك» (١).
وهذا القول هو الراجح.
* * *
стр. 6892
المبحث الثاني
أن يذكر الربح ولا ينص على مقداره
العقد إذا تضمن العوض وجب تنزيهه عن الجهالة والغرر (١)
[م-١٣٦٥] إذا قال المالك: قارضتك على أن لك أو لي شركًا من الربح ولم يذكر مقداره.
فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
المضاربة فاسدة، وهو اختيار محمد بن الحسن من الحنفية، ومذهب المالكية والشافعية، والحنابلة (٢).
إلا أن المالكية قالوا: إن عمل فله قراض المثل إلا أن يكون لهم عادة أن يكون له الثلث أو النصف فيعمل على ما اعتادوا.
ورأى غيرهم أن له أجرة المثل.
جاء في المدونة: «إن قال له: اعمل على أن لك شركًا في المال، أيرد إلى قراض مثله؟ قال: نعم؛ لأن هذا بمنزلة من أخذ مالًا قراضًا، ولم يسم له من الربح» (٣).
стр. 6893
وجاء في التاج والإكليل: «قال ابن القاسم: من دفع إلى رجل مالًا قراضًا، ولم يسم ماله من الربح، وتصادقا على ذلك، فله قراض المثل إن عمل وكذلك إن قال: له شرك في المال، ولم يسم كان على قراض مثله إن عمل (ولا عادة).
قال ابن شاس: إن كان لهم عادة أن يكون على النصف أو على الثلث فهو على ما اعتادوه» (١).
وجاء في مغني المحتاج: «فلو قال: قارضتك على أن لك، أو لي فيه شركة أو نصيبًا، أو جزءًا من الربح ...... فسد القراض في جميع ذلك للجهل بقدر الربح» (٢).
وقال ابن قدامة: «وإن قال: خذه مضاربة، ولك جزء من الربح، أو شركة في الربح، أو شيء من الربح، أو نصيب، أو حظ، لم يصح؛ لأنه مجهول» (٣).
وقال ابن حزم: «ولا يجوز القراض إلا بأن يسميا السهم الذي يتقارضان عليه من الربح كسدس أو ربع أو ثلث أو نصف أو نحو ذلك ويبينا ما لكل واحد منهما من الربح; لأنه إن لم يكن هكذا لم يكن قراضًا ولا عرفا ما يعمل العامل عليه فهو باطل» (٤).
القول الثاني:
المضاربة صحيحة، وهو قول أبي يوسف (٥).
стр. 6894
وجه قول الجمهور:
أن الشرك يعني النصيب، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢] أي نصيب، وإذا جعل له نصيبًا في الشركة فإن النصيب مجهول، فيصير الربح مجهولًا.
وجه قول أبي يوسف:
أن الشرك يأتي في اللغة بمعنى النصيب ويأتي في اللغة بمعنى الشركة، فإذا حمل على معنى الشركة كان الربح شركة بينهما أي مناصفة، وحمل الشرك على الشركة تصحيح للعقد فيحمل عليها (١).
* * *
стр. 6895
المبحث الثالث
إذا قال ضارب على أننا شريكان في الربح أو الربح بيننا
قال الباجي: إطلاق لفظ الشركة يقتضي تساوي الشريكين (١).
[م-١٣٦٦] اختلف العلماء فيما إذا قال المالك: ضارب بهذا المال على أننا شريكان في الربح، أو على أن الربح بيننا على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية، والحنابلة، وأصح الوجهين عند الشافعية أن المضاربة صحيحة، ويكون الربح بينهما نصفين (٢).
جاء في الفتاوى الهندية: «ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة على أنهما شريكان في الربح، ولم يبين مقدار ذلك، فالمضاربة جائزة، والربح بينهما نصفان» (٣).
وقال في المبسوط: «لأن مطلق الشركة يقتضي التسوية، قال الله : ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] (٤).
стр. 6896
وجاء في الشرح الصغير: «لو قال: والربح مشترك بيننا، أو شركة فهو ظاهر في أن له النصف؛ لأنه يفيد التساوي عرفًا بخلاف لك شرك، فإن المتبادر منه: لك جزء» (١).
وقال النووي: «ولو قال: الربح بيننا ولم يبين، فوجهان .... أصحهما الصحة، وينزل على النصف» (٢).
وقال ابن قدامة: «فإن قال: خذه مضاربة، والربح بيننا صح، وهو بينهما نصفين؛ لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة من غير ترجيح لأحدهما فاقتضى التسوية» (٣).
القول الثاني:
لا تصح المضاربة، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٤).
وجه عدم الصحة:
أن اللفظ يحتمل المناصفة ويحتمل عدمها، فلا يكون الجزء معلومًا.
والراجح:
القول الأول لقوة تعليله.
* * *
стр. 6897
المبحث الرابع
إذا قال المالك لك مثل ما شرط لفلان
[م-١٣٦٧] إذا قال المالك: ضارب، ولك من الربح مثل ما شرط لفلان، فإما أن يكون ما شرط لفلان معلومًا لهما فالمضاربة صحيحة.
وجه القول بالصحة: أنهما أشارا في مقدار الربح إلى معلوم عندهما.
قال السرخسي: «ولو دفعها إليه مضاربة على مثل ما شرط فلان لفلان من الربح، فإن كانا قد علما جميعًا ما شرطه فلان لفلان فهو مضاربة؛ لأنهما جعلا المشروط لفلان عيارًا، فإذا كان معلومًا عندهما ضاربا به .... » (١).
وجاء في مختصر المزني: «فإن قال: خذها قراضًا أو مضاربة على ما شرط فلان من الربح لفلان فإن علما ذلك فجائز ... » (٢).
وقال ابن قدامة المقدسي: «وإن قال: لك مثل ما شرط لفلان، وهما يعلمانه صح، وإن جهلاه أو أحدهما لم يصح كالثمن في البيع» (٣).
وإن كانا يجهلانه أو أحدهما فالمضاربة غير صحيحة؛ لأن حصة المضارب من الربح لابد أن تكون معلومة لهما، وقد جهلاه أو أحدهما فتفسد المضاربة،
стр. 6898
وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١).
ويمكن تخريج القول بالصحة على القول بصحة البيع بما باع به زيد، وهما يجهلانه أو أحدهما (٢)
قال النووي: «ولو قال: بعتك هذه السلعة برقمها، أي بالثمن الذي هو مرقوم به عليها أو بما باع به فلان فرسه أو ثوبه فإن كانا عالمين بقدره صح البيع بلا خلاف وإن جهلاه، أو أحدهما، فطريقان: أصحهما .... لا يصح البيع لما ذكره المصنف، مع أنه غرر.
والثاني: حكاه الفوراني وصاحب البيان وغيرهما فيه وجهان، أصحهما: هذا.
والثاني: إن علما ذلك القدر قبل تفرقهما من المجلس صح البيع وحكى الرافعي وجهًا ثالثًا: أنه يصح مطلقا للتمكن من معرفته كما لو قال: بعت هذه الصبرة، كل صاع بدرهم، يصح البيع وإن كانت جملة الثمن في الحال مجهولة ..... » اهـ (٣).
الراجح:
القول بالتفصيل: إن كان فلان معروفًا في السوق بكونه مضاربًا مشهورًا، يطمئن إلى أن ما شرط له فيه عدل وإنصاف فالمضاربة صحيحة؛ لأن النفس
стр. 6899
تطمئن إلى عدالة ما يأخذه في عقد المضاربة في مقابل ما يبذله العامل من جهد، بل قد يكون أكثر عدلًا من كونه يقطع بالثمن مع المالك مع قلة خبرته، والجهالة في مقدار الربح لا تؤدي إلى نزاع، ويمكن الوقوف عليها، فهو كما لو قال: بعت عليك الصبرة كل صاع بدرهم، فإنه حال البيع لا يدرى مقدار الثمن لكن بالإمكان معرفتها بعد كيلها، وهذا بالإمكان معرفة مقدار الربح بعد الرجوع إلى فلان.
وإن كان فلان غير معروف بالمضاربة فربما يكون ما شرط له فيه غبن عليه فلا ينبغي صحته، والله أعلم.
* * *
стр. 6900
الشرط الثاني
أن يكون الربح لكل منهما جزءًا شائعا
كل شرط يوجب قطع الشركة في الربح، أو يوجب جهالة فيه فإنه يفسد الشركة (١).
قال ابن تيمية: مبنى المشاركات على العدل، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلًا (٢).
[م-١٣٦٨] تكلمنا في المبحث السابق عن اشتراط أن يكون الربح معلومًا، ولا يكفي ذلك بل يشترط أيضًا مع العلم به أن يكون جزءًا شائعًا، فالعلم بالربح شرط، وكونه شائعًا شرط آخر، فلا بد أن يكون المشروط لكل من المضارب ورب المال جزءًا شائعًا، نصفًا، أو ثلثًا، أو ربعًا.
ولا أعلم خلافًا في اعتبار هذا الشرط بين الفقهاء المتقدمين (٣).
قال الزيلعي: «لا تصح المضاربة إلا إذا كان الربح بينهما مشاعًا» (٤).
لأن الربح لا يمكن معرفته بالقدر؛ لأنه غير محتم الوجود، فإذا جهلت الأجزاء فسدت المضاربة كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلومًا به.
ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة احتمل ألا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، وربما توانى في طلب الربح إذا حصل عليها لعدم فائدته فيه.