وجاء في الشرح الصغير: «لو قال: والربح مشترك بيننا، أو شركة فهو ظاهر في أن له النصف؛ لأنه يفيد التساوي عرفًا بخلاف لك شرك، فإن المتبادر منه: لك جزء» (١).
وقال النووي: «ولو قال: الربح بيننا ولم يبين، فوجهان .... أصحهما الصحة، وينزل على النصف» (٢).
وقال ابن قدامة: «فإن قال: خذه مضاربة، والربح بيننا صح، وهو بينهما نصفين؛ لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة من غير ترجيح لأحدهما فاقتضى التسوية» (٣).
القول الثاني:
لا تصح المضاربة، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٤).
وجه عدم الصحة:
أن اللفظ يحتمل المناصفة ويحتمل عدمها، فلا يكون الجزء معلومًا.
والراجح:
القول الأول لقوة تعليله.
* * *
стр. 6897
المبحث الرابع
إذا قال المالك لك مثل ما شرط لفلان
[م-١٣٦٧] إذا قال المالك: ضارب، ولك من الربح مثل ما شرط لفلان، فإما أن يكون ما شرط لفلان معلومًا لهما فالمضاربة صحيحة.
وجه القول بالصحة: أنهما أشارا في مقدار الربح إلى معلوم عندهما.
قال السرخسي: «ولو دفعها إليه مضاربة على مثل ما شرط فلان لفلان من الربح، فإن كانا قد علما جميعًا ما شرطه فلان لفلان فهو مضاربة؛ لأنهما جعلا المشروط لفلان عيارًا، فإذا كان معلومًا عندهما ضاربا به .... » (١).
وجاء في مختصر المزني: «فإن قال: خذها قراضًا أو مضاربة على ما شرط فلان من الربح لفلان فإن علما ذلك فجائز ... » (٢).
وقال ابن قدامة المقدسي: «وإن قال: لك مثل ما شرط لفلان، وهما يعلمانه صح، وإن جهلاه أو أحدهما لم يصح كالثمن في البيع» (٣).
وإن كانا يجهلانه أو أحدهما فالمضاربة غير صحيحة؛ لأن حصة المضارب من الربح لابد أن تكون معلومة لهما، وقد جهلاه أو أحدهما فتفسد المضاربة،
стр. 6898
وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١).
ويمكن تخريج القول بالصحة على القول بصحة البيع بما باع به زيد، وهما يجهلانه أو أحدهما (٢)
قال النووي: «ولو قال: بعتك هذه السلعة برقمها، أي بالثمن الذي هو مرقوم به عليها أو بما باع به فلان فرسه أو ثوبه فإن كانا عالمين بقدره صح البيع بلا خلاف وإن جهلاه، أو أحدهما، فطريقان: أصحهما .... لا يصح البيع لما ذكره المصنف، مع أنه غرر.
والثاني: حكاه الفوراني وصاحب البيان وغيرهما فيه وجهان، أصحهما: هذا.
والثاني: إن علما ذلك القدر قبل تفرقهما من المجلس صح البيع وحكى الرافعي وجهًا ثالثًا: أنه يصح مطلقا للتمكن من معرفته كما لو قال: بعت هذه الصبرة، كل صاع بدرهم، يصح البيع وإن كانت جملة الثمن في الحال مجهولة ..... » اهـ (٣).
الراجح:
القول بالتفصيل: إن كان فلان معروفًا في السوق بكونه مضاربًا مشهورًا، يطمئن إلى أن ما شرط له فيه عدل وإنصاف فالمضاربة صحيحة؛ لأن النفس
стр. 6899
تطمئن إلى عدالة ما يأخذه في عقد المضاربة في مقابل ما يبذله العامل من جهد، بل قد يكون أكثر عدلًا من كونه يقطع بالثمن مع المالك مع قلة خبرته، والجهالة في مقدار الربح لا تؤدي إلى نزاع، ويمكن الوقوف عليها، فهو كما لو قال: بعت عليك الصبرة كل صاع بدرهم، فإنه حال البيع لا يدرى مقدار الثمن لكن بالإمكان معرفتها بعد كيلها، وهذا بالإمكان معرفة مقدار الربح بعد الرجوع إلى فلان.
وإن كان فلان غير معروف بالمضاربة فربما يكون ما شرط له فيه غبن عليه فلا ينبغي صحته، والله أعلم.
* * *
стр. 6900
الشرط الثاني
أن يكون الربح لكل منهما جزءًا شائعا
كل شرط يوجب قطع الشركة في الربح، أو يوجب جهالة فيه فإنه يفسد الشركة (١).
قال ابن تيمية: مبنى المشاركات على العدل، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلًا (٢).
[م-١٣٦٨] تكلمنا في المبحث السابق عن اشتراط أن يكون الربح معلومًا، ولا يكفي ذلك بل يشترط أيضًا مع العلم به أن يكون جزءًا شائعًا، فالعلم بالربح شرط، وكونه شائعًا شرط آخر، فلا بد أن يكون المشروط لكل من المضارب ورب المال جزءًا شائعًا، نصفًا، أو ثلثًا، أو ربعًا.
ولا أعلم خلافًا في اعتبار هذا الشرط بين الفقهاء المتقدمين (٣).
قال الزيلعي: «لا تصح المضاربة إلا إذا كان الربح بينهما مشاعًا» (٤).
لأن الربح لا يمكن معرفته بالقدر؛ لأنه غير محتم الوجود، فإذا جهلت الأجزاء فسدت المضاربة كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلومًا به.
ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة احتمل ألا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، وربما توانى في طلب الربح إذا حصل عليها لعدم فائدته فيه.
стр. 6901
وقد ظهر في هذا العصر من يقول: إن ذلك ليس بشرط، وأنه يجوز أن يكون الربح مقدارًا معلومًا مضمونًا، وكان الحامل على ذلك محاولة إباحة بعض المعاملات المعاصرة كأخذ الفوائد على الودائع الاستثمارية في البنوك الربوية، أو إباحة عوائد السندات الربوية وتخريج كل ذلك على المضاربة الفقهية، وقد اعتمدوا في إباحة ذلك على ثلاثة أمور.
الأمر الأول:
أن اشتراط أن يكون نصيب العامل مشاعًا كالنصف، أو الثلث، ليس عليه دليل من النصوص الشرعية، حيث لم يرد بشأن المضاربة نص من القرآن الكريم، ولا من السنة النبوية، وكل ما ورد بشأنها، إنما هو أقوال نقلت عن بعض الصحابة تدل بمجموعها على أن التعامل بالقراض كان معروفًا عند العرب حتى جاء الإسلام، وإذا كان الأمر كذلك، كانت هذه الشروط الاجتهادية، تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، وإذا كان الفقهاء قد اشترطوا أن يكون الربح مشاعًا كالنصف والثلث من أجل ألا يحرم أحد الطرفين من الربح في حال تحدد الجزء الذي يأخذه أحدهما، فإن هذه المشروعات (يعني أخذ الفوائد على الودائع الاستثمارية أو على السندات) مبنية على قواعد اقتصادية مضمونة النتائج، وما يأخذه صاحب المال من الربح بنسبة معينة من رأس المال قدر ضئيل بالنسبة لمجموع الربح الذي تدره المشروعات التي استثمرت فيها هذه الأموال، فكلا الطرفين استفاد، وانتفى الاستغلال والحرمان (١).
وإذا كانت علة المنع من تحديد مقدار الربح، من أجل ألا يؤدي ذلك إلى حرمان الشريك من الربح في حال لم يزد الربح على ذلك القدر، لم يكن هذا
стр. 6902
الشرط لازمًا؛ لأن الفقهاء قد جوزوا صورًا من التعاقد يكون ما يأتي من العامل من ربح ليس محلًا للمشاركة؛ «لأنه إذا جاز في رأي بعض الأئمة، أن يعطي المال لآخر يعمل به، على أن يكون الربح جميعه لرب المال، ولا شيء للعامل كما في المواضعة، وإذا جاز أيضًا أن يجعل الربح جميعه للعامل، دون أن يكون ضامنًا لرأس المال، ولا شيء منه لرب المال، وإذا جاز أن يكون الربح لأجنبي عن العقد، فأولى بالجواز: ما إذا جعل من الربح مبلغًا معينا لرب المال، والباقي منه للعامل إن وجد ربح، وإلا فلا شيء للعامل، ويكون العامل متبرعًا؛ لأن هذا ليس أسوأ حالًا، ولا وضعًا من اشتراط كل الربح لرب المال، أو لأجنبي، وذلك ما قام الاتفاق عليه، وما قصداه العاقدان من العقد» (١).
الأمر الثاني:
أن تحديد الربح مقدمًا فيه منفعة للطرفين: فصاحب المال يعرف حقه معرفة خالية من الجهالة، وفيه منفعة للعامل لحمله على الجد والاجتهاد في عمله، حتى يحقق ما يزيد على النسبة المقررة لصاحب المال، والتحديد قد تم برضى الطرفين.
الأمر الثالث:
أن عدم التحديد في زماننا هذا الذي خربت فيه الذمم، قد يؤدي إلى ضياع نصيب رب المال؛ لأن العامل يستطيع أن يأكل ماله، وهو لا يدري (٢).
стр. 6903
ويجاب عن هذا القول:
أما الجواب عن الفرق بين الودائع الاستثمارية في البنوك التقليدية وبين المضاربة فقد أوضحت ذلك في المجلد الثالث عشر مما يغني عن إعادته هنا.
وأما الجواب عن قولهم: بأن اشتراط أن يكون الربح معلومًا بالنسبة، وأن ذلك كان اجتهادًا من كلام الفقهاء لا دليل عليه، فيقال:
قد دلت السنة الصحيحة، والإجماع، والمعقول على اعتبار هذا الشرط.
(ح-٩٠٢) أما السنة، فقد روى البخاري من حديث رافع بن خديج قال:
كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك (١).
وفي رواية لمسلم: «إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات، وأقبال الجداول (٢)، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به» (٣).
وجه الاستدلال:
إذا كان اشتراط ثمرة جزء معين من الأرض في عقد المزارعة منهيًا عنه؛ لأنه قد يؤدي إلى قطع الربح، وهو المعنى الذي ورد من أجله النهي، لقوله (فربما أخرجت هذه ولم تخرج تلك) فهل يقال: الظلم والجور ممنوع في شركة
стр. 6904
المزارعة، ومباح في شركة المضاربة، أو يجب أن يقال: بتحريم ذلك في المساقاة والمضاربة وسائر شركات العقود كما ورد تحريم ذلك في المزارعة حيث لا فرق (١).
قال ابن تيمية: «كان الإمام أحمد يرى أن يقيس المضاربة على المساقة والمزارعة، لثبوتها بالنص، فتجعل أصلًا يقاس عليه - وإن خالف فيها من خالف - وقياس كل منهما على الأخرى صحيح، فإن من ثبت عنده جواز أحدهما أمكنه أن يستعمل فيه حكم الآخر لتساويهما» (٢).
وقال ابن تيمية أيضًا في معرض كلامه عن المضاربة: «لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه ﷺ من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لرب المال زرع بقعة بعينها .... فإن مثل هذا لو شرط في المضاربة لم يجز؛ لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلًا، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل ربح اشتركا في الحرمان» (٣).
وأما من الإجماع، فقد قال ابن المنذر: «وأجمعوا على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة» (٤).
قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا، أنه إذا اشترط العامل، أو رب المال على
стр. 6905
صاحبه شيئًا يختص به من الربح معلومًا دينارًا، أو درهما، أو نحو ذلك، ثم يكون الباقي في الربح بينهما نصفين، أو على ثلث، أو ربع، فإن ذلك لا يجوز ... » (١).
وأما من المعقول:
فإن في اشتراط دراهم معلومة، يحتمل ألا يربح غيرها، فيحصل على جميع الربح، ويحتمل ألا يربحها، فيأخذ من رأس المال جزءًا، وقد يربح كثيرًا فيستضر من شرط له نصيب معلوم، ولهذا قال الليث بن سعد: «إن الذي نهى عنه النبي ﷺ أمر، لو نظر فيه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز» قال ابن القيم تعليقًا: فتبين أن النهي عن ذلك موجب القياس (٢).
وأما قولهم: إن في تحديد الربح منفعة للعامل ولرب المال.
يقال جوابا على ذلك: إن الربا لا يخلو من منافع، ولكن إثم الربا وضرره أكبر من نفعه، وليس كل شيء يكون فيه نفع يكون مباحًا، حتى يغلب نفعه على ضرره.
وأما قولهم: يجوز تحديد الربح مقدمًا، قياسًا على جواز الإيضاع، حيث يكون الربح كله لرب المال، أو قياسًا على جواز اشتراطه لأجنبي.
فهذا من الخطأ، وبيان ذلك من وجوه:
أ - أن هذا قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار.
ب - لو صح ذلك لجاز أن يقال: في عقد القرض: إذا جاز أن يتبرع بربح جميع المال لغيره، جاز أن يتبرع بقدر محدد منه للمقرض، وهذا لا يقول به أحد.
стр. 6906
ج - اشتراط الربح لأجنبي مختلف فيه، والجمهور على منعه، فلا يجوز الاعتراض بأمر مختلف فيه على أمر مجمع عليه.
د - لا يصح أن تقاس عقود المعاوضات على عقود التبرعات، وذلك أن عقود التبرعات يتسامح فيها ما لا يتسامح في عقود المعاوضات، حثًا للناس على التبرع، وترغيبًا لهم في ذلك، ألا ترى أن صورة القرض هي تمامًا صورة بيع النقد بالنقد نسيئة، لكن أبيح الأول؛ لأنه تبرع، ومنع الثاني؛ لأنه معاوضة، والغرر الكثير مؤثر في عقود المعاوضات بالاتفاق، أما في عقود التبرعات فالصحيح الذي عليه الجمهور أنه غير مؤثر (١).
* * *
стр. 6907
المبحث الأول
إذا اشترط أحدهما أو كلاهما دراهم معلومة
اشتراط رب المال دراهم معلومة ربح أو خسر صريح الربا.
[م-١٣٦٩] علمنا أن اشتراط أن يكون الربح لكل من المضارب ورب المال جزءًا شائعًا، نصفًا، أو ثلثًا، أو ربعًا محل اتفاق بين الفقهاء المتقدمين، لم يختلفوا على اعتبار هذا الشرط، وإذا تخلف هذا الشرط فسد ت المضاربة، من ذلك: أن يشترط أحدهما أو كلاهما دراهم معلومة، سواء اكتفى بها، أو أضافها إلى جزئه كأن يقول: لي نصف الربح وعشرة دراهم.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة» (١).
فإن كان المالك اشترط دراهم معلومة ربح أو خسر كان ذلك صريح الربا؛ لأن ذلك قرض بفائدة، وليست من المضاربة في شيء، ذلك أن المضاربة: هي دفع مال لآخر ليتجر به، على أن يكون الربح مشاعًا بينهما، كالنصف، أو الثلث، والخسارة على صاحب المال وحده، فالمضاربة شركة بين صاحب المال، وصاحب العمل.
وإن كان ذلك الاشتراط للعامل، فلا يصح أيضًا:
قال ابن قدامة: «وإنما لم يصح ذلك لمعنيين:
أحدهما: أنه إذا شرط دراهم معلومة احتمل أن لا يربح غيرها فيحصل
стр. 6908
على جميع الربح واحتمل أن لا يربحها فيأخذ من رأس المال جزءًا، وقد يربح كثيرًا فيستضر من شرطت له الدراهم.
والثاني: أن حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء لما تعذر كونها معلومة بالقدر فإذا جهلت الأجزاء فسدت كما لو جهل القدر فيما يشترط أن يكون معلومًا به.
ولأن العامل متى شرط لنفسه دراهم معلومة ربما توانى في طلب الربح; لعدم فائدته فيه وحصول نفعه لغيره بخلاف ما إذا كان له جزء من الربح» (١).
ومثل هذا لو اشترط دراهم مسماة تضاف إلى نصيب أحدهما، أو تنقص منه، كما لو قال: لك نصف الربح، وزيادة مائة، أو قال: لك نصف الربح إلا مائة.
وجاء في مغني المحتاج: «أو شرط له النصف ودينارًا مثلًا، أو إلا دينارًا فسد القراض؛ لانتفاء العلم بالجزئية؛ ولأن الربح قد ينحصر فيما قدره، أو في ذلك النصف، فيؤدي إلى اختصاص أحدهما بالربح، وهو خلاف وضع القراض» (٢).
стр. 6909
المبحث الثاني
أن يشترط ربح صنف معين من مال القراض
كل شرط يوجب قطع الشركة في الربح، أو يوجب جهالة فيه فإنه يفسد الشركة (١).
[م-١٣٧٠] لا يجوز أن يشترط أحدهما أو كلاهما ربح صنف معين من مال القراض، كأن يشترط ربح أحد السلعتين، أو إحدى السفرتين، أو ربح تجارة في شهر أو عام بعينه، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا (٢).
وقال في الإنصاف: بلا نزاع في ذلك (٣).
وقال ابن مفلح الصغير: بغير خلاف نعلمه (٤).
وجاء في الفتاوى الهندية: «ولو شرط لأحدهما ربح هذه المائة بعينها، أو ربح هذا النصف بعينه من المال فسدت» (٥).
وقال الشيرازي: «ولا يجوز أن يخص أحدهما بربح ما في الكيسين؛ لأنه قد لا يربح في ذلك فيبطل حقه، أو لا يربح إلا فيه فيبطل حق الآخر» (٦).
ومستند الإجماع: ما رواه البخاري من حديث رافع بن خديج قال:
كنا أكثر
стр. 6910
أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك (١).
وفي رواية لمسلم: «إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به» (٢).
* * *
стр. 6911
المبحث الثالث
أن يشترط ربح نصف المال من غير تعيين
إذا قال المالك: خذا هذا المال مضاربة ولي ربح نصفه من غير تعيين، أو قال: لك ربح مائة درهم غير معينة من رأس المال.
فاختلف العلماء في صحة المضاربة على قولين:
القول الأول:
تصح المضاربة، وهذا مذهب الحنفية.
جاء في الفتاوى الهندية: «ولو شرط للمضارب ربح نصف المال، أو ربح ثلث المال كانت المضاربة جائزة، ولو شرط لأحدهما ربح مائة درهم لا بعينها من رأس المال جاز، ولو شرط لأحدهما ربح هذه المائة بعينها أو ربح هذا النصف بعينه من المال فسدت» (١).
وجه القول بالصحة:
أن الربح في هذه الحال في معنى اشتراط جزء شائع من الربح؛ فإذا قال له: ربح نصف المال بمنزلة قوله: لك نصف الربح.
وقوله: لك ربح مائة درهم لا بعينها، وكان رأس المال مائتين كأنه قال: لك ربح نصف رأس المال؛ لأنه لما لم يعين المال أصبح شائعًا، فلا يؤدي إلى انقطاع الشركة.
стр. 6912
القول الثاني:
لا تصح المضاربة، إذا قال المالك: خذ هذه الدراهم، ولك ربح نصفها، وهذا مذهب الجمهور (١).
قال الماوردي من الشافعية: «ولو قال: خذ هذه الألف قراضًا، ولك ربح نصفها لم يجز، ولو قال: لك نصف ربحها جاز، والفرق بينهما: أنه إذا جعل له ربح نصفها صار منفردًا بربح أحد النصفين من غير أن يكون لرب المال فيه حق، وعاملًا في النصف الآخر من غير أن يكون له فيه حق، وهذا خارج عن حكم القراض، وليس كذلك إذا كان له نصف الكل» (٢).
قال في المغني: «وإن دفع إليه ألفًا، وقال: لك ربح نصفه لم يجز، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وأبو ثور: يجوز .... ولنا أنه شرط لأحدهما ربح بعض المال دون بعض، وكذلك جعل الآخر فلم يجز كما لو قال: لك ربح هذه الخمسمائة، ولأنه يمكن أن يفرد نصف المال فيربح فيه دون النصف الآخر بخلاف نصف الربح فإنه لا يؤدي إلى انفراده بربح شيء من المال» (٣)، والله أعلم.
* * *
стр. 6913
الشرط الثالث
في اشترط أن يكون الربح مخصوصًا بالمتعاقدين
التبرع إذا صدر من أهله فهو معتبر.
قال الشلبي: مبنى التبرع على المساهلة (١).
[م-١٣٧١] استحقاق الربح في مال المضاربة راجع إما إلى تقديم المال، أو تقديم العمل، فالمالك يستحق الربح لتقديمه المال، والعامل يستحق الربح؛ لقيامه بالعمل في مال المضاربة، فإذا شرط أحد العاقدين في عقد المضاربة جزءًا من الربح لأجنبي، سواء كان هذا الأجنبي شخصًا، أو كان جهة كأن يشترط تقديم جزء من المال لجهة خيرية مثلًا، فإن كان هذا الأجنبي يساهم بنصيب من العمل فإنه يستحق الربح، ويصير الحال بمثابة ما لو دفع المالك المال إلى عاملين.
أما إذا كان لا يساهم بأي عمل من أعمال المضاربة، فهل يصح هذا الشرط؟ وإذا كان لا يصح، فهل يكون اشتراط مثل هذا مفسدًا لعقد المضاربة، أو يبقى العقد صحيحًا، ويبطل الشرط وحده؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
المضاربة صحيحة، والشرط باطل، وهذا مذهب الحنفية (٢).
стр. 6914
واستدلوا على صحة العقد وبطلان الشرط:
أما بطلان الشرط؛ فلأن الربح إنما يستحق بمال، أو عمل، أو ضمان، ولم يوجد شيء من ذلك، لذا كان الشرط باطلًا.
وأما صحة العقد فلأن البطلان لم يتطرق إلى ركن العقد.
ويناقش:
الملك بعقد التبرع لا يشترط له مال، ولا عمل، ولا ضمان، فهو تبرع محض.
القول الثاني:
المضاربة صحيحة، والشرط صحيح، وهذا مذهب المالكية (١).
واستدلوا على صحة العقد والشرط:
أن العاقدين إذا تراضيا على إعطاء الربح لشخص ثالث كان ذلك تبرعا منهما، والعاقدان من أهل التبرع.
القول الثالث:
الشرط فاسد، والمضاربة فاسدة، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢).
стр. 6915
واستدلوا على فساد العقد والشرط:
أن الشرط الفاسد يعود إلى العقد بالفساد كما لو شرط دراهم معلومة لأحدهما.
ويناقش:
بأن قياس التبرع على اشتراط دراهم معلومة قياس مع الفارق، فلا يصح القياس.
الراجح:
أرى أن مذهب المالكية هو القول الصحيح لصحة تعليله، وضعف تعليل غيره من الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 6916
مبحث
إذا قال المالك تصرف والربح كله لك أو كله لي
العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني دون الألفاظ والمباني (١).
[م-١٣٧٢] اختلف العلماء فيما إذا دفع رب المال ماله، وقال للعامل: ضارب والربح كله لك، أو كله لي، هل يكون قراضًا، أو يكون قرضًا؟ وإذا كان قراضًا هل يكون صحيحًا، أو فاسدًا؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
العقد صحيح، وينقلب العقد إلى قرض إن كان الربح كله للعامل، وإبضاع إن كان الربح كله للمالك، أي توكيل بلا أجر. وهذا مذهب الحنفية.
جاء في بدائع الصنائع: «لو شرط جميع الربح للمضارب فهو قرض عند أصحابنا ..... وعلى هذا إذا شرط جميع الربح لرب المال فهو إبضاع عندنا؛ لوجود معنى الإبضاع» (٢).
وجه هذا القول:
بأن هذا العقد بهذا الشرط لا يمكن تصحيحه مضاربة، فأمكن تصحيحه قرضًا في الصورة الأولى، وإبضاعًا في الصورة الثانية وذلك أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
стр. 6917
القوال الثاني:
إذا قال: خذه هذا المال قراضًا والربح كله لك صح العقد مضاربة، والربح من قبيل الهبة، ولا يضمن مال القراض.
وإن قال: خذه واعمل به، والربح لك صح أيضًا، وصار المال قرضًا مضمونًا. وهذا مذهب المالكية.
جاء في التاج والإكليل: «قال ابن المواز: إن قال رب المال للعامل حين دفع له المال: خذه قراضًا، والربح لك جاز وكان الربح للعامل ولا يضمن المال إن خسره أو تلف، والقول فيه قول العامل. وإن لم يكن قراضًا، وإنما قال: خذه واعمل به، والربح لك جاز أيضا وهو ضامن لما خسر يريد إلا أن يشترط أن لا ضمان عليه فلا يضمن» (١).
وهذا ما فهمه ابن قدامة، قال في المغني: «وإن قال: خذه مضاربة والربح كله لك أو كله لي، فهو عقد فاسد، وبه قال الشافعي .... وقال مالك: يكون مضاربة صحيحة في الصورتين؛ لأنهما دخلا في القراض، فإذا شرط لأحدهما فكأنه وهب الآخر نصيبه، فلم يمنع صحة العقد» (٢).
القول الثالث:
إن قال: تصرف والربح كله لك أو كله لي، فالعقد صحيح، وكان قرضًا في
стр. 6918
الأولى، وإبضاعًا في الثانية؛ لأن لفظ تصرف يحتمل المضاربة وغيره، وقد اقترن به ما يخلصه لأحدهما فغلب حكمه.
وإن قال: ضارب به والربح كله لك، أو كله لي لم يصح قرضًا، وكان قراضًا فاسدًا؛ لأن عقد المضاربة يقتضي المشاركة بالربح، فإذا شرط اختصاص أحدهما بالربح فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١).
قال الشيرازي: «وإن قال: قارضتك على أن الربح كله لي، أو كله لك، بطل القراض؛ لأن موضوعه على الاشتراك في الربح، فإذا شرط الربح لأحدهما فقد شرط ما ينافي مقتضاه، فبطل. وإن دفع إليه ألفًا، وقال: تصرف فيه، والربح كله لك، فهو قرض، لا حق لرب المال في ربحه؛ لأن اللفظ مشترك بين القراض والقرض، وقد قرن به حكم القرض، فانعقد القرض به، كلفظ التمليك لما كان مشتركًا بين البيع والهبة إذا قرن به الثمن كان بيعًا» (٢).
الراجح من الخلاف:
أر ى أن قول المالكية قول وسط، بين الحنفية الذين ألغوا اللفظ وصححوا العقد وحملوه على عقد آخر، وبين الشافعية والحنابلة الذين أفسدوا العقد، فهم اعتبروا اللفظ فلم يخرجوه عن القراض، وصححوا العقد، وجعلوه من قبيل التبرع بنصيبه، والله أعلم.
* * *
стр. 6919
الشرط الرابع
أن يكون المشروط للمضارب مشروطًا من الربح
المضاربة هي عقد شركة، والشركة في عقد المضاربة ليست شركة برأس المال، ولا بالعمل، فرأس المال مختص بالمالك، والعامل لا يشاركه في ذلك، والعمل مختص بالعامل، لا يشاركه في ذلك صاحب المال، وإنما المال المشترك بين المالك والعامل هو الربح فقط، وهذا يعني أمرين:
الأول: أن يكون المشروط للمضارب مشروطًا من الربح.
جاء في الفتاوى الهندية في معرض كلامه عن شروط المضاربة: «ومنها: أن يكون المشروط للمضارب مشروطًا من الربح، لا من رأس المال، حتى لو شرط شيئًا من رأس المال، أو منه ومن الربح فسدت المضاربة» (١).
الثاني: لا يجوز أن يجعل للعامل جزء من ربح غير المال المتجر فيه، لأن العامل يستحق نصيبه من الربح في مقابل عمله، لا في مقابل عمل غيره.
جاء في حاشية الخرشي: «واحترز بقوله: (من ربحه) مما إذا جعل للعامل جزءًا من ربح غير المال المتجر فيه، فإنه لا يجوز ... » (٢).
وقال في الشرح الكبير: «بجزء شائع كائن من ربحه، أي ربح ذلك المال لا بقدر معين من ربحه، كعشرة دنانير، ولا بشائع من ربح غيره» (٣).
стр. 6920
الراجح:
إذا كان نصيب العامل جزءًا شائعًا من ربح غير مال المضاربة، لم يكن العقد مضاربة، وإنما كان أجرة، والأجرة يجب أن تكون معلومة، ومضمونة، فإذا جعلها جزءًا شائعًا من ربح مال آخر غير مال المضاربة، فإنها لا تعلم الأجرة، وقد لا يحصل ربح، فلا يستحق الأجرة، وهذا لا يصح، والله أعلم.
* * *
стр. 6921
مبحث
في الوقت الذي يملك المضارب حصته من الربح
لا ربح في القراض إلا بعد سلامة رأس المال.
الربح في القراض وقاية لرأس المال (١).
إذا كان في المال ربح فإن العامل يستحق الربح المسمى بالشروط السابقة، وهذا لا خلاف فيه، كما أنهم متفقون على أنه ليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال.
قال المرداوي في الإنصاف: «بلا نزاع» (٢).
قال ابن قدامة: لأن الربح هو الفضل عن رأس المال، فلو ربح في سلعة، خسر في أخرى، أو في سفرة، وخسر في أخرى جبرت الوضيعة من الربح» (٣).
واختلف العلماء في الوقت الذي يملك المضارب فيه حصته من الربح على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والمالكية، وهو أظهر القولين في مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد إلى أن العامل يملك حصته من الربح بالقسمة، لا بالظهور، وشرط جواز القسمة قبض رأس المال، فلا تصح قسمة الربح قبل قبض رأس المال (٤).
стр. 6922
جاء في بدائع الصنائع: «ما يستحقه المضارب بعمله في المضاربة الصحيحة هو الربح المسمى إن كان في المضاربة ربح وإنما يظهر الربح بالقسمة، وشرط جواز القسمة قبض رأس المال فلا تصح قسمة الربح قبل قبض رأس المال حتى لو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فربح ألفًا، فاقتسما الربح ورأس المال في يد المضارب لم يقبضه رب المال، فهلكت الألف التي في يد المضارب بعد قسمتهما الربح فإن القسمة الأولى لم تصح وما قبض رب المال فهو محسوب عليه من رأس ماله وما قبضه المضارب دين عليه يرده إلى رب المال حتى يستوفي رب المال رأس ماله ولا تصح قسمة الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال .. » (١).
وجاء في الهداية شرح البداية: «وإن كانا يقتسمان الربح، والمضاربة بحالها، ثم هلك المال بعضه أو كله ترادا الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال؛ لأن قسمة الربح لا تصح قبل استيفاء رأس المال؛ لأنه هو الأصل، وهذا بناء عليه، وتبع له» (٢).
стр. 6923
وقال النووي: «لو اقتسما الربح بالظهور، قبل فسخ العقد، لم يحصل الاستقرار، بل لو حصل خسران بعده كان على العامل جبره بما أخذ» (١).
وجه من قال: لا يملك العامل الربح إلا بالقسمة:
الربح في القراض وقاية لرأس المال، وهو لا يكون إلا فيما زاد على رأس المال، فلا ربح إلا بعد سلامة الأصل.
ولأننا لو قلنا: إنه يملك الربح بالظهور لكان العامل شريكًا في المال، حتى لو هلك منه شيء هلك من المالين مقسطًا على الأصل والربح؛ لأن تلف بعض المال المشترك لا يجوز أن يختص به بعض الشركاء فيه، وليس كذلك، فلما كان التالف محسوبًا من الربح فقط؛ لأنه وقاية لرأس المال علم أن العامل لم يكن شريكًا فيه، ولا مالكًا لشيء منه حتى يقسم.
ولأن من كان شريكًا في الربح إذا ظهر كان شريكًا في الخسارة إذا وجدت، فلما لم يكن العامل شريكًا في الخسارة، ولا ملتزمًا لشيء منها لم يكن شريكًا في الربح لمجرد ظهوره.
القول الثاني:
يملك العامل حصته من الربح بمجرد الظهور، وقبل القسمة، ويستقر الملك بالمقاسمة، وبالمحاسبة التامة، وهذا قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
стр. 6924
قال ابن رجب في القواعد: «المضارب هل يملك الربح بالظهور أم لا؟ ذكر أبو الخطاب أنه يملك بالظهور رواية واحدة. وقال الأكثرون: في المسألة روايتان:
إحداهما: يملكه بالظهور، وهي المذهب المشهور.
والرواية الثانية: لا يملك بدون القسمة ونصرها القاضي في خلافه في المضاربة، ويستقر الملك فيها بالمقاسمة عند القاضي وأصحابه ولا يستقر بدونها. ومن الأصحاب من قال يستقر بالمحاسبة التامة كابن أبي موسى وغيره، وبذلك جزم أبو بكر عبد العزيز وهو المنصوص صريحا عن أحمد» (١).
وقال ابن قدامة في الكافي: «ويملك العامل الربح بالظهور .... لأنه يملك المطالبة بقسمه، فملك كالمشترك، وإنما لم يختص بربحه؛ لأنه وقاية لرأس المال» (٢).
وجه من قال: يملك بالظهور:
الوجه الأول:
أن العامل يملك مطالبة رب المال بالقسمة إذا ظهر في المال ربح، ولو لم يكن شريكًا لم يملك المطالبة بمجرد الظهور.
الوجه الثاني:
أن المالك لو أتلف المال بعد أن ربح لغرم للعامل نصيبه من الربح، وهذا دليل على أنه ملكه بمجرد الظهور.
стр. 6925
الوجه الثالث:
لو لم يكن العامل مالكًا للربح بمجرد الظهور لم يقدم على الغرماء، وعلى مؤونة تجهيز المالك لتعلق حقه بالعين، بينما الغرماء يتعلق حقهم في الذمة، وما تعلق في العين مقدم على ما تعلق بالذمة.
الوجه الرابع:
ولأن هذا الربح مال لابد له من مالك، ورب المال لا يملكه كله اتفاقًا، ولا تثبت أحكام الملك في حقه، فلزم أن يكون للمضارب.
ثمرة الخلاف:
لو أن عامل المضاربة اقتسم الربح بعد تنضيض رأس المال، ولم يستلم رب المال رأس المال.
فعلى قول الجمهور الذي يقول لا يملك الربح بالظهور لو خسر المال يكون ما قبضه رب المال من رأس المال، وليس من الربح.
فقد سبق أن نقلنا أن الكاساني قال: «لو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فربح ألفًا، فاقتسما الربح ورأس المال في يد المضارب لم يقبضه رب المال، فهلكت الألف التي في يد المضارب بعد قسمتهما الربح فإن القسمة الأولى لم تصح وما قبض رب المال فهو محسوب عليه من رأس ماله وما قبضه المضارب دين عليه يرده إلى رب المال حتى يستوفي رب المال رأس ماله ولا تصح قسمة الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال» (١).
وعلى القول بأن المحاسبة بعد تنضيص المال يملك بها الربح، فإن العاقدين إذا أبقيا المضاربة فهي مضاربة ثانية، لا يجبر بها وضيعة الأول.
стр. 6926
روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن عوف،
عن ابن سيرين في المضارب إذا ربح، ثم وضع، ثم ربح، قال: الحساب على رأس المال الأول إلا أن يكون ذلك قبضًا للمال، أو حسابًا كالقبض (١).
فجعل المحاسبة كالقبض، ولو لم تحصل قسمة.
* * *
стр. 6927
الفصل السادس
في حكم تصرفات المضارب
المبحث الأول
تصرف المضارب بالبيع والشراء ولوازمهما
الإذن بالتجارة إذن في توابعها (١).
كل من ملك التجارة يملك ما هو من توابعها (٢).
[م-١٣٧٣] فإذا دفع المالك المال إلى العامل، وكان العقد مطلقًا من غير قيد أو شرط بحيث لم يعين رب المال العمل، أو المكان، أو الزمان، أو من يعامله، فإن العقد يخوله البيع والشراء في جميع أنواع السلع، ومع سائر الناس. وهذا إجماع لدى الفقهاء.
قال ابن المنذر: «واتفقوا أن للعامل أن يبيع ويشتري بغير مشورة صاحب المال» (٣).
ولأن المقصود من عقد المضاربة الربح، والربح لا يحصل إلا بهما.
قال الكاساني: «القسم الذي للمضارب أن يعمله من غير التنصيص عليه ولا قول: اعمل برأيك كالمضاربة المطلقة عن الشرط والقيد وهي ما إذا قال له: خذ هذا المال واعمل به على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على كذا،
стр. 6928
أو قال: خذ هذا المال مضاربة على كذا، فله أن يشتري به ويبيع; لأنه أمره بعمل هو سبب حصول الربح وهو الشراء والبيع وكذا المقصود من عقد المضاربة هو الربح والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع» (١).
وقال البهوتي الحنبلي: «وحكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله من البيع والشراء، أو القبض والإقباض وغيرها» (٢).
* * *
стр. 6929
الفرع الأول
إذا باع العاقل بأقل من ثمن المثل
حكم المضارب حكم الوكيل في بيعه وشرائه (١).
من تصرف لغيره بولاية، أو وكالة، ففاتت المصلحة مع اجتهاده، وعدم تفريطه فلا ضمان عليه (٢).
[م-١٣٧٤] اختلف العلماء فيما إذا باع العامل بأقل من ثمن المثل على أربعة أقوال:
القول الأول:
له أن يبيع بغبن فاحش، وهو قول أبي حنيفة (٣).
جاء في بدائع الصنائع: «وأما بيعه فعلى الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم في التوكيل بمطلق البيع، أنه يملك البيع نقدًا ونسيئة، وبغبن فاحش في قول أبي حنفية ﵀ فالمضارب أولى؛ لأن المضاربة أعم من الوكالة، وعندهما لا يملك البيع بالنسيئة، ولا بما لا يتغابن الناس في مثله» (٤).
القول الثاني:
ليس له أن يبيع بغبن فاحش؛ لأنه بيع لم يؤذن فيه، وهو قول صاحبي أبي حنيفة، ومذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٥).
стр. 6930
القول الثالث:
البيع صحيح، ويضمن المضارب النقص؛ لأن الضرر ينجبر بضمان النقص، وهو القول المشهور في مذهب الحنابلة (١).
جاء في المغني: «وحكم المضارب حكم الوكيل في أنه ليس له أن يبيع بأقل من ثمن المثل .... فإن فعل: فقد روي عن أحمد أن البيع يصح، ويضمن النقص؛ لأن الضرر ينجبر بضمان النقص. والقياس أن البيع باطل، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه بيع لم يؤذن فيه، فأشبه بيع الأجنبي. فعلى هذا إن تعذر رد المبيع ضمن النقص أيضًا، وإن أمكن رده وجب رده إن كان باقيًا، أو قيمته إن كان تالفًا» (٢).
القول الرابع:
يضمن المضارب النقص إذا فرط، أما إذا احتاط في البيع، ثم ظهر غبن أو عيب لم يقصر فيه، فهو معذور، وهو اختيار ابن تيمية (٣).
جاء في الفتاوى الكبرى لابن تيمية: «قال في المحرر: وإذا اشترى الوكيل، أو المضارب بأكثر من ثمن المثل، أو بدونه صح، ولزمه النقص والزيادة ونص عليه. قال أبو العباس: وكذلك الشريك، والوصي، والناظر على الوقف وبيت المال ونحو ذلك وقال: هذا ظاهر فيما إذا فرط، وأما إذا احتاط في البيع
стр. 6931
والشراء ثم ظهر غبن، أو عيب لم يقصر فيه فهذا معذور يشبه خطأ الإمام، أو الحاكم ويشبه تصرفه قبل علمه بالعزل، وأبين من هذا الناظر، والوصي، والإمام، والقاضي إذا باع أو أجر أو زارع أو ضارب ثم تبين الخطأ فيه مثل أن يأمر بعمارة أو غرس ونحو ذلك ثم تبين أن المصلحة كانت في خلافه وهذا باب واسع، وكذلك المضارب والشريك فإن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة، أو حصول المفسدة ولا لزوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر ... » (١).
وأنا أميل إلى رأي ابن تيمية، فإن البائع إذا اجتهد، ولم يكن الباعث على ذلك محاباة، وقد بذل العامل جهده واستفرغ وسعه، ثم ظهر في ذلك أنه باع بأقل من ثمن المثل أن ذلك لا يدخل في ضمانه، والله أعلم.
* * *
стр. 6932
الفرع الثاني
إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل
حكم المضارب حكم الوكيل في بيعه وشرائه (١).
[م-١٣٧٥] سبق لنا خلاف العلماء فيما إذا باع المضارب بغبن فاحش، فهل يختلف الحكم فيما لو اشترى بغبن فاحش؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال، منها:
القول الأول:
هناك من العلماء من فرق بين البيع والشراء، فقال: يجوز له ا لبيع بغبن فاحش، ولا يجوز له الشراء بأكثر من ثمن المثل، فإن اشترى بأكثر من ثمن المثل، أو بما لا يتغابن الناس في مثله كان مشتريًا لنفسه لا على المضاربة.
وهذا قول أبي حنفية. وعللوا المنع بأن الإذن لا يقتضيه (٢)، ولأنه بمنزلة الوكيل بالشراء، والوكيل لا يملك أن يشتري بأكثر من ثمن المثل، أو بما لا يتغابن الناس فيه (٣).
قال الكاساني: «المقصود من عقد المضاربة هو الربح والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع، إلا أن شراءه يقع على المعروف وهو أن يكون بمثل قيمة المشترى أو بأقل من ذلك مما يتغابن الناس في مثله; لأنه وكيل، وشراء الوكيل يقع على المعروف» (٤).
стр. 6933
القول الثاني:
لا فرق بين البيع والشراء، فليس له أن يبيع أو يشتري بغبن فاحش، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
جاء في إعانة الطالبين: «لا يتصرف بغبن فاحش في بيع أو شراء» (٢).
ودليلهم: بأنه شراء لم يؤذن فيه، فلم يصح.
القول الثالث:
إن اشترى بأكثر من ثمن المثل، فإما أن يشتري بعين مال المضاربة، أو يشتري في ذمته: فإن اشترى في الذمة صح الشراء ولزم العامل دون رب المال.
وإن اشترى بعين مال المضاربة كان حكمه حكم البيع بأكثر من ثمن المثل، أي يصح الشراء، ويضمن العامل ما زاد عن ثمن المثل وهذا مذهب الحنابلة.
قال ابن قدامة: «إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل بعين المال فهو كالبيع. وإن اشترى في الذمة لزم العامل دون رب المال إلا أن يجيزه فيكون له. هذا ظاهر كلام الخرقي (٣).
وجه التفريق بين الشراء في الذمة، والشراء بعين المال:
أن العامل إذا اشترى بعين مال المضاربة فقد كان وكيلا عن المالك، فضمن للمالك ما زاده في الثمن؛ لأنه لم يؤذن له فيه.
стр. 6934
وإن اشترى في ذمته، ولم يسم المالك، صح أن يكون تصرفه لنفسه، وليس للمضاربة، والله أعلم.
القول الرابع:
أن العامل إذا اشترى أو باع بأكثر من ثمن المثل كان تصرفه كتصرف الفضولي، موقوفًا على الإجازة، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
القول الخامس:
إن أطلق الشراء ولم يذكر رب المال كان الشراء للعامل وإن صرح العامل للبائع بأنه يشتريه لفلان فالبيع باطل، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى من الحنابلة (٢).
القول السادس:
يضمن المضارب الزيادة إذا فرط، أما إذا احتاط في الشراء، ثم ظهر غبن أو عيب لم يقصر فيه، فهو معذور، وهو اختيار ابن تيمية (٣).
وقد ذكرت دليله في المبحث السابق، فأغنى ذلك عن إعادته.
الراجح:
ما رجحته في موضوع البيع أرجحه في موضع الشراء حيث لا فرق، فإذا احتاط العامل في موضوع الشراء ثم ظهر غبن، أو عيب لم يقصر فيه فهو معذور؛ لأن عامة من يتصرف لغيره بوكالة، أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات
стр. 6935
المصلحة، أو حصول المفسدة ولا لزوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر، والله أعلم.
* * *