والشراء ثم ظهر غبن، أو عيب لم يقصر فيه فهذا معذور يشبه خطأ الإمام، أو الحاكم ويشبه تصرفه قبل علمه بالعزل، وأبين من هذا الناظر، والوصي، والإمام، والقاضي إذا باع أو أجر أو زارع أو ضارب ثم تبين الخطأ فيه مثل أن يأمر بعمارة أو غرس ونحو ذلك ثم تبين أن المصلحة كانت في خلافه وهذا باب واسع، وكذلك المضارب والشريك فإن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة، أو حصول المفسدة ولا لزوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر ... » (١).
وأنا أميل إلى رأي ابن تيمية، فإن البائع إذا اجتهد، ولم يكن الباعث على ذلك محاباة، وقد بذل العامل جهده واستفرغ وسعه، ثم ظهر في ذلك أنه باع بأقل من ثمن المثل أن ذلك لا يدخل في ضمانه، والله أعلم.
* * *
стр. 6932
الفرع الثاني
إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل
حكم المضارب حكم الوكيل في بيعه وشرائه (١).
[م-١٣٧٥] سبق لنا خلاف العلماء فيما إذا باع المضارب بغبن فاحش، فهل يختلف الحكم فيما لو اشترى بغبن فاحش؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال، منها:
القول الأول:
هناك من العلماء من فرق بين البيع والشراء، فقال: يجوز له ا لبيع بغبن فاحش، ولا يجوز له الشراء بأكثر من ثمن المثل، فإن اشترى بأكثر من ثمن المثل، أو بما لا يتغابن الناس في مثله كان مشتريًا لنفسه لا على المضاربة.
وهذا قول أبي حنفية. وعللوا المنع بأن الإذن لا يقتضيه (٢)، ولأنه بمنزلة الوكيل بالشراء، والوكيل لا يملك أن يشتري بأكثر من ثمن المثل، أو بما لا يتغابن الناس فيه (٣).
قال الكاساني: «المقصود من عقد المضاربة هو الربح والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع، إلا أن شراءه يقع على المعروف وهو أن يكون بمثل قيمة المشترى أو بأقل من ذلك مما يتغابن الناس في مثله; لأنه وكيل، وشراء الوكيل يقع على المعروف» (٤).
стр. 6933
القول الثاني:
لا فرق بين البيع والشراء، فليس له أن يبيع أو يشتري بغبن فاحش، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
جاء في إعانة الطالبين: «لا يتصرف بغبن فاحش في بيع أو شراء» (٢).
ودليلهم: بأنه شراء لم يؤذن فيه، فلم يصح.
القول الثالث:
إن اشترى بأكثر من ثمن المثل، فإما أن يشتري بعين مال المضاربة، أو يشتري في ذمته: فإن اشترى في الذمة صح الشراء ولزم العامل دون رب المال.
وإن اشترى بعين مال المضاربة كان حكمه حكم البيع بأكثر من ثمن المثل، أي يصح الشراء، ويضمن العامل ما زاد عن ثمن المثل وهذا مذهب الحنابلة.
قال ابن قدامة: «إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل بعين المال فهو كالبيع. وإن اشترى في الذمة لزم العامل دون رب المال إلا أن يجيزه فيكون له. هذا ظاهر كلام الخرقي (٣).
وجه التفريق بين الشراء في الذمة، والشراء بعين المال:
أن العامل إذا اشترى بعين مال المضاربة فقد كان وكيلا عن المالك، فضمن للمالك ما زاده في الثمن؛ لأنه لم يؤذن له فيه.
стр. 6934
وإن اشترى في ذمته، ولم يسم المالك، صح أن يكون تصرفه لنفسه، وليس للمضاربة، والله أعلم.
القول الرابع:
أن العامل إذا اشترى أو باع بأكثر من ثمن المثل كان تصرفه كتصرف الفضولي، موقوفًا على الإجازة، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
القول الخامس:
إن أطلق الشراء ولم يذكر رب المال كان الشراء للعامل وإن صرح العامل للبائع بأنه يشتريه لفلان فالبيع باطل، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى من الحنابلة (٢).
القول السادس:
يضمن المضارب الزيادة إذا فرط، أما إذا احتاط في الشراء، ثم ظهر غبن أو عيب لم يقصر فيه، فهو معذور، وهو اختيار ابن تيمية (٣).
وقد ذكرت دليله في المبحث السابق، فأغنى ذلك عن إعادته.
الراجح:
ما رجحته في موضوع البيع أرجحه في موضع الشراء حيث لا فرق، فإذا احتاط العامل في موضوع الشراء ثم ظهر غبن، أو عيب لم يقصر فيه فهو معذور؛ لأن عامة من يتصرف لغيره بوكالة، أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات
стр. 6935
المصلحة، أو حصول المفسدة ولا لزوم عليه فيهما، وتضمين مثل هذا فيه نظر، والله أعلم.
* * *
стр. 6936
الفرع الثالث
في شراء المضارب سلعة من مال المضاربة
[م-١٣٧٦] اختلف العلماء في حق المضارب في شراء سلعة من مال المضاربة على أربعة أقوال:
القول الأول:
شراء المضارب سلعة من مال المضاربة يجوز مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والشافعية (١).
جاء في بدائع الصنائع: «ويجوز شراء رب المال من المضارب، وشراء المضارب من رب المال، وإن لم يكن في المضاربة ربح في قول أصحابنا الثلاثة» (٢).
وجه قول الحنفية:
أن رب المال في مال المضاربة يملك الرقبة، ولا يملك التصرف، وملكه في حق التصرف كملك أجنبي. وللمضارب فيه ملك تصرف، لا ملك رقبة، فكان في حق ملك الرقبة كملك الأجنبي حتى لا يملك رب المال منعه عن التصرف، فكان مال المضاربة في حق كل واحد منهما كمال الأجنبي، لذلك جاز الشراء بينهما (٣).
стр. 6937
القول الثاني:
لا يجوز أن يشتري المضارب سلعة من مال المضاربة مطلقًا، ولو أذن له صاحب المال، وهذا قول زفر وأبي ثور، والقول الثاني في مذهب الشافعية (١).
وجه قول من منع الشراء:
أن المضارب وكيل، والوكيل لا يشتري ولا يبيع لنفسه، ولو أذن له؛ لأنه يجتمع له في عقده غرضان: الاسترخاص لنفسه، والاستقصاء للموكل، وهما متضادان فتمانعا.
ونوقش:
بأن المضارب ليس وكيلًا من كل وجه، فإن الوكيل ليس شريكًا في الربح بخلاف المضارب.
القول الثالث:
إن اشترى لنفسه من رب المال جاز مطلقًا بنقد كان، أو نسيئة، وإن اشترى سلعًا للقراض، فإن كان نقدًا كره، لئلا يكون ذلك حيلة إلى المضاربة بالعروض؛ لأن جزءًا من رأس المال سوف يرجع إلى ربه، ويكون جزء من رأس المال عروضًا، والأصل أن رأس المال يشترط فيه على المذهب أن يكون نقودًا.
وإن كان شراؤه بنسيئة فيمنع، لأن العامل إذا اشترى بالدين فسوف يكون ضامنًا، فإذا أخذ رب المال الربح فقد أخذ ربح ما لم يضمن، ولا يجوز أن يأخذ رب المال ربح ما يضمنه العامل. هذا مذهب المالكية (٢).
стр. 6938
ويناقش:
بأن العامل إذا اشترى بالدين للقراض من ربه أو من غيره لم يكن ضامنًا ما دام أن ذلك بإذن رب المال، فالضمان على رب المال، وليس على العامل، فإذا أخذ رب المال ربح هذه المعاملة فقد أخذ ربح ما كان ضامنًا، والله أعلم.
القول الرابع:
إن ظهر في المال ربح لم يصح الشراء، وإن لم يظهر صح أن يشتري من رب المال أو من نفسه بإذن صاحب المال، وهذا مذهب الحنابلة (١).
جاء في المغني: «وإن اشترى المضارب لنفسه من مال المضاربة، ولم يظهر في المال ربح صح، نص عليه أحمد، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق» (٢).
وجاء في كشاف القناع: «وليس له أي المضارب الشراء من مال المضاربة إن ظهر في المضاربة ربح؛ لأنه شريك لرب المال فيه، وإلا بأن لم يظهر ربح صح، كشراء الوكيل من موكله، فيشتري من رب المال، أو من نفسه بإذن رب المال» (٣).
الراجح:
أن عامل المضاربة إذا اشترى لنفسه من مال المضاربة جاز ذلك إن كان
стр. 6939
بموافقة رب المال؛ لأن الإنسان متهم في محاباة نفسه، والاستقصاء لها، والله أعلم.
* * *
стр. 6940
الفرع الرابع
في شراء رب المال من العامل
[م-١٣٧٧] اختلف الفقهاء في جواز شراء رب المال من المضارب من مال المضاربة على قولين:
القول الأول:
يصح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني:
لا يصح، وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وجه القول بالصحة:
أن رب المال في مال المضاربة يملك الرقبة، ولا يملك التصرف، وملكه في حق التصرف كملك أجنبي. وللمضارب فيه ملك تصرف، لا ملك رقبة، فكان في حق ملك الرقبة كملك الأجنبي حتى لا يملك رب المال منعه عن التصرف، فكان مال المضاربة في حق كل واحد منهما كمال الأجنبي، لذلك جاز الشراء بينهما (٣).
وجه القول بالمنع:
بأن شراء المالك من مال المضاربة يؤدي إلى بيع ماله بماله، كما لو اشترى الرجل من وكيله، وهذا لا يصح.
стр. 6941
ونوقش:
بأن مال المضاربة قد تعلق به حق المضارب، فجاز شراؤه منه، والله أعلم.
* * *
стр. 6942
الفرع الخامس
في بيع المضارب بالدين
الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة (١).
المطلق يجري على إطلاقه حتى يقوم دليل التقييد (٢).
المطلق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين (٣).
[م-١٣٧٨] إذا اشترط رب المال على المضارب ألا يبيع إلا بالنقد، فإن هذا الشرط صحيح ملزم، فإن خالفه ضمن، وهذا بالاتفاق.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن رب المال إذا نهى العامل أن يبيع نسيئة، فخالف، وباع بالنسيئة أنه ضامن» (٤).
ولأن المضارب تصرفه في المال قائم على إذن ربه، فلا يتصرف في غير ما أذن له.
أما إذا كان العقد مطلقًا لم يقيده بالبيع نقدًا، فهل يملك المضارب أن يبيع بالنسيئة، أو لابد من الرجوع إلى صاحب المال واستئذانه؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
له ذلك بمطلق العقد، وهذا مذهب الحنفية، وأصح الروايتين في
стр. 6943
مذهب الحنابلة (١).
دليل القائلين بالجواز:
يستدل القائلون بالجواز على أن البيع نساء من صنع التجار، وأنه طريق للحصول على الربح، وهو المقصود من عقد المضاربة.
جاء في الهداية: «ويجوز للمضارب أن يبيع ويشتري بالنقد والنسيئة؛ لأن كل ذلك من صنع التجار، فينتظمه إطلاق العقد، إلا إذا باع إلى أجل لا يبيع التجار إليه؛ لأن له الأمر العام المعروف بين الناس، ولهذا كان له أن يشتري دابة للركوب، وليس له أن يشتري سفينة للركوب ... » (٢).
وقال محمد بن الحسن: إذا دفع إليه المال مضاربة، فلم يؤمر بشيء، ولم ينه عنه، فله أن يصنع فيه ما يصنع التجار في أموالهم من البيع بالنقد، والنسيئة، وهل يربح الناس عامة أرباحهم إلا في النسيئة، ألا ترى أن المضارب إذا دفع إليه المال مضاربة، ولم يسم له ما يشتري كان له أن يشتري جميع التجارات، فكذلك له أن يشتري ويبيع بالنقد والنسيئة حتى ينهى عن ذلك» (٣).
стр. 6944
وقال السرخسي: «البيع بالنسيئة من صنع التجار، وهو أقرب إلى تحصيل مقصود رب المال، وهو الربح، فالربح في الغالب إنما يحصل بالبيع بالنسيئة دون البيع بالنقد، ولأن تسليط المضارب على المال ليس بمقصود رب المال، إنما مقصوده تحصيل الربح بطريق التجارة، وذلك حاصل، والدليل على أن البيع بالنسيئة تجارة مطلقة، قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] فهذا يبين أن التجارة قد تكون غائبة، وليس ذلك إلا بالبيع بالنسيئة» (١).
وجاء في الإنصاف: «وأما جواز البيع نساء، فأطلق المصنف فيه وجهين، وهما روايتان ..... أحدهما: له ذلك، وهو الصحيح من المذهب» (٢).
وقال ابن قدامة: «المضارب وغيره من الشركاء إذا نص له على التصرف، فقال: نقدًا، أو نسيئة .... جاز، ولم تجز مخالفته .... وإن أطلق فلا خلاف في جواز البيع حالًا، وفي البيع نسيئة روايتان».
القول الثاني:
لا يبيع بالدين حتى يأذن له صاحب المال، وهو قول ابن أبي ليلى، ومذهب المالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة إلا أن المالكية والشافعية قالوا: لا بد من الإذن الصريح وذلك بالتنصيص عليه، واكتفى الحنابلة في أحد القولين بالإذن العام كأن يقول له: اعمل فيه برأيك (٣).
стр. 6945
وجه القول بالمنع:
أن المضارب نائب عن رب المال، والنائب لا يجوز له التصرف إلا على وجه النظر والحيطة، وفي البيع بالدين تغرير ومخاطرة، وأن الدين قد يحبس المال، ويحول بين المضارب وبين العمل على تنمية المال.
الراجح:
بعد استعراض أقوال العلماء أجد أن الخلاف في المسألة قوي جدًا، ذلك أن العلماء متفقون على أن العامل إنما يجب عليه أن يتصرف في عقد القراض بما يتصرف فيه الناس غالبًا في أكثر الأحوال، فمن رأى أن التصرف بالدين خارج عما يتصرف فيه الناس في الأغلب لم يجزه، ومن رأى أنه مما يتصرف فيه الناس أجازه، ولا شك أن البيع بالدين سبب للربح، وهو مقصود في عقد المضاربة، وفيه مخاطرة فقد يلحق المدين إعسار، أو يكون مماطلًا مما يعرض المال للخطر، أو للحبس فترة طويلة تضيع على رب المال وعلى العامل فرصًا من الربح، ولو قيل: إن كان الدين فيه توثقة من رهن أو ضمان جاز له أن يتعامل بالدين وإلا فلا كان لذلك القول قوة؛ لأن التوثقة تحمي المال من الضياع، والله أعلم.
* * *
стр. 6946
المبحث الثاني
للمضارب أن يستأجر من يساعده على أعمال التجارة
قال ابن قدامة: ما جرت العادة أن يستنيب فيه فله أن يستأجر من يفعله (١).
[م-١٣٧٩] للمضارب أن يستأجر من يعاونه في أعمال التجارة ولا يحتاج ذلك إلى إذن من رب المال إذا كان لا يستطيع المضارب القيام بذلك وحده، أو كان العمل مما لا يلزم المضارب فعله، كتحميل البضائع، وعلاج الدواب، وتركيب الآلات ونحو ذلك (٢).
قال السرخسي: «وله أن يستأجر معه الأجراء يشترون ويبيعون، ويستأجر البيوت والدواب لأمتعته التي يشتريها؛ لأن ذلك من صنع التجار، فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح» (٣).
ولأن الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه، فيحتاج إلى الأجير.
وقال سحنون كما في المدونة: «أرأيت المقارض أله أن يستأجر الأجراء يعملون معه في المقارضة ويستأجر البيوت ليجعل فيها متاع المقارضة ويستأجر الدواب يحمل عليها متاع القراض؟ قال ـ يعني ابن القاسم ـ نعم عند مالك هذا جائز» (٤).
стр. 6947
وقال الشيرازي: «فأما ما لم تجر العادة أن يتولاه بنفسه، كحمل المتاع، ووزن ما يثقل وزنه، فلا يلزمه أن يتولاه بنفسه، وله أن يستأجر من مال القراض من يتولاه» (١).
وأما ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه فإنه يلزمه، فإن استأجر عليه فالأجر عليه في ماله خاصة؛ لأنه بذل الأجرة عوضًا عما يلزمه.
قال ابن قدامة: «وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، من نشر الثوب، وطيه، وعرضه على المشتري، ومساومته، وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده، وشد الكيس وختمه، وإحرازه في الصندوق، ونحو ذلك، ولا أجر له عليه؛ لأنه مستحق للربح في مقابلته، فإن استأجر من يفعل ذلك، فالأجر عليه خاصة؛ لأن العمل عليه، فأما ما لا يليه العامل عادة مثل النداء على المتاع، ونقله إلى الخان، فليس على العامل عمله» (٢).
* * *
стр. 6948
المبحث الثالث
في حق المضارب في التوكيل
جاء في الموسوعة الكويتية: من لا يعمل إلا بإذن لا يوكل إلا بإذن (١).
وجاء في الإنصاف: ما جرت العادة أن يستنيب فيه فله، أن يستأجر من يفعله (٢).
[م-١٣٨٠] اختلف الفقهاء في حق المضارب في التوكيل دون أن يستأذن رب المال على قولين:
القول الأول:
كل ما كان للمضارب أن يفعله بنفسه، فله أن يوكل فيه غيره، وأما ما لا يفعله بنفسه فلا يجوز فيه وكالته على رب المال؛ لأنه لما لم يملك أن يعمله بنفسه فبوكيله أولى.
وعلى هذا له أن يوكل في البيع والشراء؛ لأن التوكيل من عادة التجار، ولأنه طريق للوصول إلى المقصود، وهو الربح. وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
جاء في الهداية شرح البداية: «والأصل أن ما يفعله المضارب ثلاثة أنواع:
стр. 6949
نوع يملكه بمطلق المضاربة، وهو ما يكون من المضاربة وتوابعها، وهو ما ذكرنا، ومن جملته التوكيل بالبيع والشراء .... » (١).
وقال في الإنصاف: «اعلم أن في جواز التوكيل في شركة العنان والمضاربة طريقين: ...... الطريق الثاني: يجوز لهما التوكيل هنا، وإن منعنا في الوكيل، وقدمه في المحرر، ورجحه أبو الخطاب في رؤوس المسائل، وصححه في التصحيح، وذلك لعموم تصرفهما، وكثرته، وطول مدته غالبًا، وهذه قرائن تدل على الإذن في التوكيل في البيع والشراء» (٢).
القول الثاني:
ذهب المالكية، والشافعية والحنابلة في المشهور إلى أن المضارب ليس له التوكيل إلا أن يأذن له رب المال إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: إن ما لا يتولى مثله بنفسه، أو كان يكثر عليه بحيث يعجزه فله التوكيل (٣).
جاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وليس له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه» (٤).
стр. 6950
فالقاعدة عند الحنابلة أن حكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله، أو لا يفعله، وما يلزمه فعله (١). وقد سبق لنا حكم التوكيل في عقد الشركة، فارجع إليه إن شئت.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال أجد أن مذهب الشافعية والحنابلة وسط بين المجيزين مطلقًا، وبين المانعين مطلقًا، والله أعلم.
* * *
стр. 6951
المبحث الرابع
في حق المضارب في الإيداع
إطلاق التصرف للشريك محكوم بثلاثة أمور، بالعقد المتضمن الإذن، وبالعرف الجاري، وبما فيه مصلحة الشركة.
[م-١٣٨١] اختلف الفقهاء في حق المضارب في إيداع المال دون أن يأذن له ربه على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية، ورواية في مذهب الحنابلة، إلى أن لكل من الشريكين أن يودع مال الشركة (١).
واستدلوا على ذلك:
بأن المضارب إذا كان له أن يستأجر على حفظ المال، فكونه يودعه بلا أجر أولى بالجواز.
ولأن عقد القراض يعطي العامل كل تصرف يكون فيه مصلحة للمال، والإيداع كذلك؛ إذ به يحفظ المال من السرقة، ويدفع به أخطار الطريق، فالإيداع اليوم من ضرورات التجارة؛ لأن العامل لا يقوى على حفظ المال كله بنفسه خاصة مع توسع التجارة، وتعدد الأسفار، وكثرة المشاغل.
جاء في بدائع الصنائع: «وله أن يودع; لأن الإيداع من عادة التجار، ومن
стр. 6952
ضرورات التجارة أيضا; لأنه لا بد للتاجر منه; لأنه يحتاج إلى ذلك عند اعتراض أحوال تقع عادة; لأن له أن يستحفظ المودع بأجر فبغير أجر أولى» (١).
القول الثاني:
لا يودع إلا إن كان هناك حاجة إلى الإيداع، فإن أودع بلا حاجة كان ضامنًا، وهو مذهب الجمهور (٢).
قال في التاج والإكليل: «وأما إيداعه، فإن كان لوجه عذر لنزوله ببلد، فيرى أن يودع؛ إذ منزله الفنادق، وما لا أمن فيه، فذلك له وأما ما أودع لغير عذر فإنه يضمنه» (٣).
وجاء في تهذيب المدونة: «ولو أذن رب المال للعامل أن يبيع بالنقد والنسيئة فلا يودع أحدًا شيئًا إلا لعذر، فإن كان لغير عذر ضمن، ويعذر بالسفر، أو بمنزل خرب؛ إذ ليس بحرز، أو ليس عنده من يثق به، ولا يضمن في هذا» (٤).
الراجح:
ما رجحته في عقد الشركة أرجحه في عقد القراض؛ لأن الباب واحد، وكما
стр. 6953
قال الحنابلة: إن حكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله، أو لا يفعله، وما يلزمه فعله (١).
* * *
стр. 6954
المبحث الخامس
في حق المضارب في السفر بالمال
الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة (١).
[م-١٣٨٢] من حق المالك أن يمنع المضارب من السفر بالمال، وإن أذن له في السفر جاز. وهذا محل اتفاق.
قال ابن المنذر: «واتفقوا أن صاحب المال إن أمر العامل أن لا يسافر بماله، فذلك جائز، ولازم للعامل، وأنه إن خالف فهو متعد».
وقال الماوردي: «سفر العامل بمال القراض فلرب المال معه ثلاثة أحوال: أحدها: أن ينهاه عن السفر به .... فلا يجوز أن يسافر به إجماعًا، فإن سافر به ضمنه، والقراض في حاله صحيح. والحالة الثانية: أن يأذن له في السفر ... فيجوز له أن يسافر به إجماعًا. فإن أذن له في بلد، لم يجز له أن يسافر إلى غيره ... والحالة الثالثة: أن يطلق فلا يأذن له في السفر ولا ينهاه، وقد اختلف الناس في جواز سفره بالمال» (٢) على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يسافر بمال المضاربة بشرط أن تكون البلاد والطريق آمنة، وهذا مذهب
стр. 6955
الجمهور، وقول مرجوح في مذهب الشافعية (١).
جاء في الفتاوى ا لهندية: «وللمضارب في المضاربة المطلقة أن يسافر بمال المضاربة في الرواية الظاهرة برًا، وبحرًا، وليس له أن يسافر سفرًا مخوفًا يتحامى الناس عنه في قولهم، وهو الصحيح، كذا في فتاوى قاضي خان .... » (٢).
وجاء في المدونة «قلت ـ القائل سحنون ـ: أرأيت المقارض أله أن يسافر بالمال إلى البلدان؟ قال: نعم إلا أن يكون قد نهاه، وقال له رب المال حين دفع إليه المال بالفسطاط: لا تخرج من أرض مصر، ولا من الفسطاط» (٣).
واحتج القائلون بجواز السفر:
الدليل الأول:
أن اسم المضاربة مشتق من الضرب في الأرض، وهو السير فيها ابتغاء الرزق، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] فدخل في ذلك الضرب في الأرض طلبًا لتنمية المال.
стр. 6956
الدليل الثاني:
أن الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة، ومن عادة التجار السفر طلبًا للربح، وتنمية المال.
الدليل الثالث:
أن المقصود من الشركة الربح، وهو يتحقق في السفر أكثر من غيره.
الدليل الرابع:
إذا كان المودَع يملك أن يسافر بالمال، فالمضارب أولى، لأن المودَع والمضارب يجتمعان بأن كلًا منهما أمين، ويفترق المضارب بأن له التصرف في المال بخلاف المودع.
القول الثاني:
لا يسافر إلا بإذن صريح من المالك كأن يقول: أذنت لك بالسفر، أو بقرينة دالة عليه كما لو دفع إليه مال المضاربة بمكان لا يصلح للإقامة، ولا للتجارة كالمفازة، فله أن يسافر إلى محل إقامته، وهذا مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
واستدلوا على ذلك:
بأن السفر تغرير بالمال، ومخاطرة، ولا يجوز له تعريض مال الغير للخطر إلا بإذن صاحبه. وبأن السفر يحمل المال نفقات قد تضر بصاحب المال، فاحتاج الأمر إلى الرجوع إلى ربه واستئذانه لذلك، والله أعلم.
стр. 6957
القول الثالث:
إن كان المال قليلًا فلا يسافر به سفرًا بعيدًا إلا بإذن ربه، وهذا قول سحنون من المالكية؛ وعلل ذلك بأن المال القليل لا يحتمل الإنفاق منه (١).
وهذا القول لا أعده قولًا جديدًا؛ لأن المانع من السفر بالمال سفرًا بعيدًا ليس لكون العقد لا يقتضيه، وإنما من أجل الحيطة والنظر في الأصلح للمال، ولذلك القائلون بجواز السفر بالمال يشترطون سلامة الطريق وأمن البلاد، وهذا من نفس الباب، والله أعلم.
القول الرابع:
يسافر إلى موضع لا يبيت عن منزله، وهو قول مروي عن أبي يوسف (٢).
وجه ذلك:
أنه إذا كان قريبًا بحيث يبيت في منزله أصبح في حكم الحاضر، وليس في حكم المسافر.
القول الخامس:
يسافر بما لا حمل له، ولا مؤونة، وهو قول محكي عن أبي يوسف (٣).
وجه ذلك:
أن ما له حمل ومؤونة إذا احتاج شريكه إلى رده يلزمه مؤونة الرد، فيتضرر به، ولا مؤونة تلزمه فيما لا حمل له.
стр. 6958
الراجح:
ما رجحته في الشركة أرجحه في عقد المضاربة، وأن المرجع في تصرفات الشريك أن كل ما يتضمنه العقد، أو الإذن العرفي، أو مصلحة الشركة فإن المضارب له أن يتصرف فيه، ولو لم يرجع إلى صاحب المال، وإذا رجعنا إلى السفر رأينا أن فيه مصلحة للشريك وللعامل، وعرف التجار اليوم يقبله خاصة مع تداخل التجارة، وسهولة الاتصالات، وسرعة المبادلات، واعتماد التجارة اليوم على الاستيراد والتصدير، وفتح أسواق البلاد بعضها على بعض إلا أن ذلك مقيد بحالة الأمن دون حالة الخوف، ومناطق الحروب، والله أعلم.
* * *
стр. 6959
المبحث السادس
في حق المضارب في النفقة
[م-١٣٨٣] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن المضارب لا يستحق النفقة ما دام في الحضر (١)؛ لأنه دخل في المضاربة على أن له جزءًا مسمى من الربح فلم يستحق غيره.
وخالف في ذلك اللخمي، فقال: إذا شغله العمل بالمال عن الوجوه التي يقتات منها فإن له الإنفاق من مال المضاربة، ولو كان ذلك في الحضر (٢).
وإذا اشترط العامل النفقة حضرًا، أو سفرًا صح الشرط؛ فالمسلمون على شروطهم، كذا إن كان هناك عادة جارية؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا خلافًا للمشهور عند الشافعية، فقد قالوا: إذا شرط النفقة فسد العقد (٣).
стр. 6960
فإن سافر بالمال من أجل التجارة، ولم يشترط النفقة على رب المال، ولم يكن هناك عادة جارية، فهل يحق له النفقة من مال المضاربة بمطلق العقد؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
له أن ينفق من مال المضاربة بالمعروف إن كان المال يحتمل ذلك، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
دليل من قال: له النفقة في السفر:
أن إقامته في الحضر لم تكن من أجل المضاربة، فلم يستحق النفقة، وإنما يستحق مقابل ذلك الربح المسمى المتفق عليه، بخلاف السفر فإنه قد سافر من أجل المال، وحبس نفسه لأجله، وشغله ذلك عن الوجوه التي يقتات منها، فاستحق النفقة.
القول الثاني:
ليس له أن ينفق من مال المضاربة، وهو المعتمد عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
стр. 6961
دليل من قال: لا يستحق النفقة من مال المضاربة:
أن المضارب قد دخل على أنه يستحق من الربح الجزء المسمى، فلا يكون له غيره، ولأنه لو استحق النفقة أفضى إلى أن يختص بالربح؛ لأن المال قد لا يربح سوى ما أنفقه، وقد تكون النفقة أكثر من الربح، فيؤدي إلى أن يأخذ جزءًا من رأس المال، وهو ينافي مقتضى العقد.
القول الثالث:
ينفق ما يزيد بسبب السفر، وهذا قول مرجوح عند الشافعية (١).
الراجح من الخلاف:
إن كان هناك عرف أو عادة جارية عمل بها، وكذا إن اشترط العامل النفقة فله شرطه، أما إذا كان العقد مطلقًا فالقول إن له جميع نفقته فيه إضرار برب المال، والقول بعدم وجوب النفقة فيه إضرار بالعامل، والقول الوسط أن يقال: له أن ينفق على نفسه من الربح، وليس من رأس المال بمقدار ما زاد على نفقته في الحضر بسبب السفر، وكون النفقة من الربح فيه حماية لرأس المال؛ لأن السفر إنما كان لطلب الربح، فلتكن النفقة منه، وليس من رأس المال، والله أعلم.
* * *
стр. 6962
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد الخامس عشر
стр. 6963
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 6964
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (١٥)
стр. 6965
المبحث السابع
في شراء المضارب بأكثر من رأس مال المضاربة
جاء في كشاف القناع: الاستدانة على الغير بغير إذنه لا تجوز (١).
المأمور مقصور التصرف على ما تضمنه الأمر (٢).
[م-١٣٨٤] ذهب الأئمة الأربعة إلى أن العامل لا يشتري بأكثر من رأس مال المضاربة؛ لأن شراء العامل مبني على الإذن بالتصرف، والشراء بأكثر من رأس مال المضاربة لم يدخل في الإذن الممنوح للعامل (٣).
[م-١٣٨٥] فإن فعل واشترى بالدين فإن كان بغير إذن صريح من رب المال، فقد اختلف العلماء في حكم هذا التصرف على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
الشراء صحيح، ويكون دينًا على المضارب في ماله، له ربحه، وعليه خسارته، وهذا مذهب الحنفية (٤).
القول الثاني:
إن لم يرض رب المال بما فعله، فإن كانت السلعة متعينة متميزة فالعامل يستقل بربحها، وعليه خسارتها؛ لأنها مال العامل.
стр. 6966
وإن كانت مختلطة غير متميزة كما لو اشترى سلعة بصفقة واحدة بأكثر من رأس المال فإن العامل يكون شريكًا، فإن كان اشترى السلعة بثمن مؤجل قومت حالة وكان شريكًا لصاحب المال بقدر قيمتها حالة، وهذا مذهب المالكية (١).
القول الثالث:
إن اشترى العامل بعين مال المضاربة، كأن يكون رأس مال المضاربة ألفًا، فاشترى سلعة بألف، وقبل أن ينقد المال اشترى سلعة أخرى بنفس الألف فالبيع باطل، لأن الثمن كان مستحقًا، وإن اشترى السلعة الثانية في ذمته كان له ربحه، وعليه خسارته، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
ويناقش:
بأن الثمن إذا كان من النقود فإنها لا تتعين بالتعيين، وبالتالي يصح الشراء الثاني حتى لو اشترى المضارب بالنقود نفسها التي اشترى بها السلعة الأولى؛ لأن حق الأول لم يتعين في تلك النقود خاصة، ولو دفع المضارب بدلها لزم البائع قبولها على الصحيح، فيبقى الشراء الثاني شراء صحيحًا للمضارب، وليس لرب المال، والله أعلم.
[م-١٣٨٦] فإن أذن صاحب المال للعامل في الاستدانة:
فقيل: يجوز، وهو مذهب الجمهور (٣).
стр. 6967
جاء في بدائع الصنائع: «وإن أذن للمضارب أن يستدين على مال المضاربة جاز له الاستدانة ... » (١).
وقيل: لا يجوز، وهو مذهب المالكية، ورواية في مذهب الحنابلة (٢).
هذا فيما يتعلق بالخلاف في حكم تصرف العامل.
[م-١٣٨٧] وكما اختلفوا في حكم تصرفه، فقد اختلفوا في حكم ما يشتريه على أربعة أقوال:
القول الأول:
إن ما يستدينه العامل يكون شركة بينهما شركة وجوه، وكان المشترى بينهما نصفين، وسواء كان الربح بينهما في المضاربة نصفين، أو أثلاثًا، وهذا مذهب الحنفية (٣).
القول الثاني:
إن كان الشراء بالدين شرطًا في العقد فسدت المضاربة، وإن لم يكن شرطًا، فإن اشترى العامل ذلك لنفسه كان شريكًا كما تقدم ولا خيار لصاحب المال.
وإن اشترى العامل ذلك للمضاربة فقيل: حكمه حكم ما لو اشترى ذلك لنفسه أي يكون شريكًا بقدر ما اشتراه، وهذا أحد القولين في مذهب المالكية.
القول الثالث:
يخير رب المال بين أن يدفع قيمة ما زاد، فيكون الجميع مضاربة، وبين
стр. 6968
عدم قبوله للدفع فيشارك العامل كما تقدم، وهذا القول اختاره بعض المالكية (١).
القول الرابع:
إذا أذن له يعتبر زيادة في مال المضاربة، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢).
الراجح:
الذي أراه أنه لا يجوز له الشراء بأكثر من رأس مال المضاربة إلا بإذن صريح، فإن أذن له جاز، وكان هذا كما لو اتفقا على زيادة رأس مال المضاربة.
وإن لم يأذن له، فإن اشترى العامل ذلك لنفسه فهو له، وإن اشترى ذلك على أنه للمضاربة كان موقوفًا على الإجازة، فإن أجازه كان ذلك زيادة في رأس مال المضاربة، وإلا لزم العامل ما اشتراه، والله أعلم.
* * *
стр. 6969
المبحث الثامن
في دفع العامل مال المضاربة إلي مضارب جديد
قال ابن قدامة: الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه (١).
إذا رغب العامل في أن يدفع المال، أو جزءًا منه إلى مضارب آخر، فما حكم ذلك؟
نذكر محل الوفاق، ثم ننتقل إلى محل الخلاف:
[م-١٣٨٨] اتفقوا على أن العامل لا يملك ذلك بمطلق العقد. ومن باب أولى لا يملكه إذا تضمن العقد منعًا صريحًا من فعل ذلك.
لأن المضاربة من العقود التي تراعى فيها شخصية المتعاقدين، فإذا وثق رب المال بالعامل فلا يعني هذا أنه يثق بغيره.
ولأن الوكيل بالبيع مطلقًا لا يملك أن يوكل غيره، فكذلك عامل المضاربة.
ولأن تصرف المضارب مبني على إذن صاحب المال، فإذا لم يأذن رب المال للعامل أن يدفع ماله إلى غيره لم يملك ذلك بمطلق العقد (٢).
[م-١٣٨٩] واختلفوا في جواز ذلك إذا تضمن العقد الإذن الصريح، على قولين.
стр. 6970
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى أن له فعل ذلك، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (١).
لأن الحق لرب المال، وقد أذن له في ذلك، وكما يجوز للمالك أن يقارض شخصين في الابتداء، فكذلك هنا.
القول الثاني:
لا يصح، ولو أذن له رب المال، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٢).
جاء في مغني المحتاج: «ولو قارض العامل شخصًا آخر بإذن المالك ليشاركه ذلك الآخر في العمل، والربح لم يجز في الأصح؛ لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكًا، لا عمل له، والآخر عاملًا، ولو متعددًا لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح.
والثاني: يجوز، كما يجوز للمالك أن يقارض شخصين في الابتداء، وقواه السبكي .... » (٣).
وهذا الخلاف في حالة الإذن الصريح، أما إذا قال رب المال للعامل: اعمل فيه برأيك، ولم ينص صراحة على الإذن بدفع المال إلى مضارب آخر، فهل يملك العامل أن يدفع المال إلى مضارب آخر بهذا التفويض العام، اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: