وإن كانت مختلطة غير متميزة كما لو اشترى سلعة بصفقة واحدة بأكثر من رأس المال فإن العامل يكون شريكًا، فإن كان اشترى السلعة بثمن مؤجل قومت حالة وكان شريكًا لصاحب المال بقدر قيمتها حالة، وهذا مذهب المالكية (١).
القول الثالث:
إن اشترى العامل بعين مال المضاربة، كأن يكون رأس مال المضاربة ألفًا، فاشترى سلعة بألف، وقبل أن ينقد المال اشترى سلعة أخرى بنفس الألف فالبيع باطل، لأن الثمن كان مستحقًا، وإن اشترى السلعة الثانية في ذمته كان له ربحه، وعليه خسارته، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
ويناقش:
بأن الثمن إذا كان من النقود فإنها لا تتعين بالتعيين، وبالتالي يصح الشراء الثاني حتى لو اشترى المضارب بالنقود نفسها التي اشترى بها السلعة الأولى؛ لأن حق الأول لم يتعين في تلك النقود خاصة، ولو دفع المضارب بدلها لزم البائع قبولها على الصحيح، فيبقى الشراء الثاني شراء صحيحًا للمضارب، وليس لرب المال، والله أعلم.
[م-١٣٨٦] فإن أذن صاحب المال للعامل في الاستدانة:
فقيل: يجوز، وهو مذهب الجمهور (٣).
стр. 6967
جاء في بدائع الصنائع: «وإن أذن للمضارب أن يستدين على مال المضاربة جاز له الاستدانة ... » (١).
وقيل: لا يجوز، وهو مذهب المالكية، ورواية في مذهب الحنابلة (٢).
هذا فيما يتعلق بالخلاف في حكم تصرف العامل.
[م-١٣٨٧] وكما اختلفوا في حكم تصرفه، فقد اختلفوا في حكم ما يشتريه على أربعة أقوال:
القول الأول:
إن ما يستدينه العامل يكون شركة بينهما شركة وجوه، وكان المشترى بينهما نصفين، وسواء كان الربح بينهما في المضاربة نصفين، أو أثلاثًا، وهذا مذهب الحنفية (٣).
القول الثاني:
إن كان الشراء بالدين شرطًا في العقد فسدت المضاربة، وإن لم يكن شرطًا، فإن اشترى العامل ذلك لنفسه كان شريكًا كما تقدم ولا خيار لصاحب المال.
وإن اشترى العامل ذلك للمضاربة فقيل: حكمه حكم ما لو اشترى ذلك لنفسه أي يكون شريكًا بقدر ما اشتراه، وهذا أحد القولين في مذهب المالكية.
القول الثالث:
يخير رب المال بين أن يدفع قيمة ما زاد، فيكون الجميع مضاربة، وبين
стр. 6968
عدم قبوله للدفع فيشارك العامل كما تقدم، وهذا القول اختاره بعض المالكية (١).
القول الرابع:
إذا أذن له يعتبر زيادة في مال المضاربة، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢).
الراجح:
الذي أراه أنه لا يجوز له الشراء بأكثر من رأس مال المضاربة إلا بإذن صريح، فإن أذن له جاز، وكان هذا كما لو اتفقا على زيادة رأس مال المضاربة.
وإن لم يأذن له، فإن اشترى العامل ذلك لنفسه فهو له، وإن اشترى ذلك على أنه للمضاربة كان موقوفًا على الإجازة، فإن أجازه كان ذلك زيادة في رأس مال المضاربة، وإلا لزم العامل ما اشتراه، والله أعلم.
* * *
стр. 6969
المبحث الثامن
في دفع العامل مال المضاربة إلي مضارب جديد
قال ابن قدامة: الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه (١).
إذا رغب العامل في أن يدفع المال، أو جزءًا منه إلى مضارب آخر، فما حكم ذلك؟
نذكر محل الوفاق، ثم ننتقل إلى محل الخلاف:
[م-١٣٨٨] اتفقوا على أن العامل لا يملك ذلك بمطلق العقد. ومن باب أولى لا يملكه إذا تضمن العقد منعًا صريحًا من فعل ذلك.
لأن المضاربة من العقود التي تراعى فيها شخصية المتعاقدين، فإذا وثق رب المال بالعامل فلا يعني هذا أنه يثق بغيره.
ولأن الوكيل بالبيع مطلقًا لا يملك أن يوكل غيره، فكذلك عامل المضاربة.
ولأن تصرف المضارب مبني على إذن صاحب المال، فإذا لم يأذن رب المال للعامل أن يدفع ماله إلى غيره لم يملك ذلك بمطلق العقد (٢).
[م-١٣٨٩] واختلفوا في جواز ذلك إذا تضمن العقد الإذن الصريح، على قولين.
стр. 6970
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى أن له فعل ذلك، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (١).
لأن الحق لرب المال، وقد أذن له في ذلك، وكما يجوز للمالك أن يقارض شخصين في الابتداء، فكذلك هنا.
القول الثاني:
لا يصح، ولو أذن له رب المال، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٢).
جاء في مغني المحتاج: «ولو قارض العامل شخصًا آخر بإذن المالك ليشاركه ذلك الآخر في العمل، والربح لم يجز في الأصح؛ لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكًا، لا عمل له، والآخر عاملًا، ولو متعددًا لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح.
والثاني: يجوز، كما يجوز للمالك أن يقارض شخصين في الابتداء، وقواه السبكي .... » (٣).
وهذا الخلاف في حالة الإذن الصريح، أما إذا قال رب المال للعامل: اعمل فيه برأيك، ولم ينص صراحة على الإذن بدفع المال إلى مضارب آخر، فهل يملك العامل أن يدفع المال إلى مضارب آخر بهذا التفويض العام، اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
стр. 6971
القول الأول:
له أن يدفع المال إلى مضار آخر بالتفويض العام، وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
جاء في المغني: «وإن قال: اعمل برأيك، أو بما أراك الله جاز له دفعه مضاربة، نص عليه؛ لأنه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه» (٢).
وجه القول بالجواز:
أنه حين قال له: اعمل برأيك قد فوض إليه التصرف في كل ما هو من أعمل التجارة، ومن ذلك دفعه مضاربة إلى رجل آخر.
القول الثاني:
لا يكفي التفويض بل لابد من الإذن الصريح، وهذا مذهب المالكية، والشافعية (٣).
قال في الحاوي: «لا يجوز أن يقارض غيره إلا بإذن صريح من رب المال ... » (٤).
стр. 6972
وجه القول بالمنع:
أن قوله: اعمل فيه برأيك يقتضي أن يكون عمله فيه موكولًا إلى رأيه، فإذا دفع العامل المال إلى غيره ليضارب به كان العمل لرأي غيره، وليس لرأيه.
وإذا عرفنا خلاف العلماء في حكم دفع العامل مال المضاربة إلى عامل آخر ليضارب به، فإن الخلاف فيها كالخلاف فيما لو دفع العامل مال المضاربة أو جزءًا منه ليشارك به أجنبيًا، كأن يعقد العامل شركة عنان مع الغير، فإن منعه رب المال، أو كان العقد مطلقًا لم يملك العامل أن يشارك بمال المضاربة، وإن أذن له صراحة ملك ذلك بالنص عليه، وإن قال له: اعمل فيه برأيك اختلف فيه الفقهاء بين الحنفية والحنابلة القائلين بالجواز، وبين المالكية والشافعية القائلين بالمنع، تمامًا كما جرى الخلاف بينهم في دفع مال المضاربة إلى مضارب آخر، والله أعلم.
* * *
стр. 6973
المبحث التاسع
في خلط مال المضاربة بمال آخر
الفرع الأول
خلط مال المضاربة بمال مضاربة أخرى والمالك واحد
[م-١٣٩٠] إذا دفع الرجل مالًا قراضًا إلى آخر ليعمل به، ثم دفع إليه مالًا آخر، فهل يجوز ضم المال الثاني إلى الأول؟ اختلف العلماء في ذلك على أ قوال، منها:
القول الأول:
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الخلط إن كان بعد التصرف في المال الأول لم يجز (١).
قال ابن قدامة: «وإذا دفع إليه ألفا مضاربة ثم دفع إليه ألفا آخر مضاربة وأذن له في ضم أحدهما إلى الآخر قبل التصرف في الأول جاز وصارا مضاربة واحدة كما لو دفعهما إليه مرة واحدة. وإن كان بعد التصرف في الأول في شراء المتاع لم يجز; لأن حكم الأول استقر فكان ربحه وخسرانه مختصًا به فضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر فإذا شرط ذلك
стр. 6974
في الثاني فسد. فإن نض الأول جاز ضم الثاني إليه لزوال هذا المعنى. وإن لم يأذن له في ضم الثاني إلى الأول لم يجز له ذلك. نص عليه أحمد» (١).
القول الثاني:
فصل الحنفية في المسألة على النحو التالي:
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «لو أعطى رب المال للمضارب عشرة دنانير بطريق المضاربة، ثم أعطاه ثانيا بعقد آخر عشرة دنانير مضاربة، وخلط المضارب رأسي المال هذين ففي ذلك أوجه ثلاثة:
الوجه الأول:
أن يكون رب المال قد قال للمضارب في العقدين: اعمل برأيك ففي هذه الصورة لا يتوجب على المضارب ضمان مطلقًا، سواء حصل هذا الخلط بعد حصول الربح في رأسي المال أو قبل ذلك.
الوجه الثاني:
ألا يقال شيء من ذلك في العقدين. وفي هذه الحال إذا وقع الخلط قبل حصول الربح في المالين، فلا يلزم المضارب ضمان في أيهما وإذا وقع الخلط بعد حصول الربح في رأسي المال فيضمن المضارب رأسي المال كما يضمن مقدار حصة رب المال من الربح الذي حصل قبل الخلط وإذا حصل الخلط بعد ظهور الربح في أحد رأسي المال فيضمن المضارب رأس المال الذي لم يظهر ربحه فقط.
الوجه الثالث:
أن يقال في أحد العقدين: اعمل برأيك ولا يقال ذلك في العقد الثاني ....
стр. 6975
وفي هذه الحال أربع صور:
(١) ـ أن يكون الخلط قبل ظهور الربح في المضاربتين.
(٢) ـ أن يكون الخلط بعد ظهور الربح في المضاربتين.
(٣) ـ أن يكون الخلط بعد ظهور الربح في المضاربة الأولى.
(٤) ـ أن يكون الخلط بعد ظهور الربح في المضاربة الثانية.
فإذا قيل في المضاربة الأولى اعمل برأيك ولم يقل في المضاربة الثانية ففي الصورتين الثانية والثالثة يضمن المضارب مال المضاربة الثاني.
وفي الصورتين الأولى والرابعة لا يضمن أي رأس مال.
وإذا قيل له في المضاربة الثانية اعمل برأيك ولم يقل له في المضاربة الأولى ذلك ففي الصورتين الثانية والرابعة يضمن رأس مال المضاربة الثانية وفي الصورتين الأولى والثالثة لا يضمن مال المضاربة الأولى، ولا مال المضاربة الثانية» (١).
فتبين من هذا أن الحنفية يتفقون مع الجمهور بأن الخلط إذا كان بعد التصرف الأول، ولم يفوض له التصرف أنه لا يجوز الخلط.
ويختلفون مع الجمهور بأن الخلط إذا كان مبنيًا على تفويض من رب المال، بأن قال له: اعمل برأيك فإن الخلط لا يضر ولو كان ذلك بعد التصرف في المال الأول.
وهل يشترط للخلط أن يكون نصيب العامل من الربح متفقًا في المالين، كالنصف مثلًا؟
стр. 6976
في ذلك خلاف بين الفقهاء أيضًا على قولين:
القول الأول:
ليس ذلك بشرط، وهو مذهب الحنفية، واختيار سحنون من المالكية.
جاء في المبسوط: «ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة بالنصف، ودفع إليه ألفا أخرى مضاربة بالثلث أيضًا، ولم يقل في واحد منهما: اعمل فيه برأيك، فخلطهما المضارب قبل أن يعمل بشيء منهما ثم عمل، فربح، أو وضع، فلا ضمان عليه والوضيعة على رب المال; لأن المالين على ملك رب المال والمضارب أمين فيهما والأمين بخلط الأمانة بعضها ببعض لا يصير ضامنًا; لأن الخلط إنما يكون موجبا للضمان باعتبار أن فيه معنى الاستهلاك لمال رب المال أو معنى الشركة فيه وذلك لا يوجد إذا خلط بماله ماله فإن ربح في المالين ربحا قسما نصف الربح نصفين والنصف الآخر أثلاثا; لأن نصف الربح حصة الألف المدفوعة إليه مضاربة بالنصف والنصف الآخر حصة الألف المدفوعة إليه مضاربة بالثلث فما يكون من ربح كل واحد منهما بعد الخلط معتبر به قبل الخلط. وإن ربح في أحدهما ووضع في الآخر قبل أن يخلطهما فالربح بينهما على الشرط والوضيعة على المال الآخر ولا يدخل أحد المالين في المال الآخر ... » (١).
القول الثاني:
إن كان نصيب العامل مختلفًا لم يصح الخلط. وهذا مذهب المالكية والشافعية (٢).
стр. 6977
جاء في التاج والإكليل: «وقال مالك: فيمن دفع إلى رجل مالين، أحدهما على النصف، والآخر على الثلث على أن يخلطهما لم يجز. قال سحنون: ويجوز على أن يخلطهما؛ لأنه يرجع إلى جزء واحد معلوم» (١).
وجاء في مغني المحتاج: «إن شرط الربح فيهما مختلفًا امتنع الخلط» (٢).
* * *
стр. 6978
الفرع الثاني
خلط مال المضاربة بمال العامل أو بمال أجنبي
الإذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة (١).
[م-١٣٩١] إذا كان من عادة التجار أن المضاربين يخلطون أموال المضاربة بأموالهم، وأن أرباب الأموال لا ينهونهم عن ذلك، فقام المضارب بخلط مال المضاربة بماله بناء على معاملات الناس، وما تعارفوه بينهم فلا يضمن العامل بالخلط (٢).
وإذا اشترط رب المال على المضارب ألا يخلط ماله بمال غيره كان الشرط صحيحًا لازمًا (٣).
أما إذا كان العقد مطلقًا، ولم يكن هناك عرف جار، فهل يملك العامل أن يخلط ماله أو مال غيره بمال المضاربة، أو لابد من الرجوع إلى رب المال واستئذانه، اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ليس له ذلك إلا أن يأذن رب المال، أو يفوض له التصرف بأن يقول له: اعمل فيه برأيك، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (٤).
стр. 6979
وجه المنع:
لا يملك المضارب خلط المال بمطلق العقد؛ لأن رب المال لم يرض بشركة غيره، وهو أمر زائد على ما تقوم به التجارة، فلا يتناوله مطلق عقد المضاربة (١)، فإن فعل ولم يتميز ضمنه؛ لأنه أمانة فهو كالوديعة، إلا أنه إذا قال له: اعمل فيه برأيك جاز له ذلك ..... لأنه قد يرى الخلط أصلح له، فيدخل في قوله: اعمل برأيك (٢).
القول الثاني:
لا يكفي التفويض العام بل لابد من الإذن الصريح، وإلا كان ضامنًا، ولم ينعزل بذلك. وهذا مذهب الشافعية (٣).
ودليلهم: ما تقدم من دليل الحنفية والشافعية من كون العقد المطلق لا يعطي المضارب حق الخلط؛ فيعتبر متعديًا، ويضمن بذلك إلا أن يأذن له رب المال.
القول الثالث:
له خلط المال بشروط:
أحدها: أن يكون خلط المال بدون اشتراط، فإن اشترط الخلط في العقد فسد العقد، وللعامل أجرة مثله (٤).
стр. 6980
الثاني: أن يكون المالان مثليين، وقيل: يجوز خلط المقوم بمثله.
الثالث: أن يكون الخلط قبل شغل أحدهما. قال محمد البناني كما في حاشية الدسوقي: لم أر من ذكر هذا الشرط، وظاهر التوضيح خلافه.
الرابع: أن يكون في الخلط مصلحة غير متيقنة، فإن تيقنت المصلحة تعين الخلط. فإذا تحققت هذه الشروط لم يعتبر العامل متعديًا بخلطه المال، وهذا مذهب المالكية (١).
الراجح:
أن العامل لا يجوز له أن يخلط مال القراض بماله ولا مال غيره إلا أن يكون هناك إذن صريح، أو تفويض بالتصرف كأن يقول له: اعمل برأيك، أو عادة جارية بين التجار، ولا بد أن يكون الخلط مبنيًا على مصلحة لرب المال أو لهما، فإن لم يكن هناك تفويض ولا عادة، وكانت المصلحة للعامل وحده، ولم يكن لرب المال مصلحة من خلط المال فلا يجوز له الخلط، والله أعلم.
* * *
стр. 6981
الفرع الثالث
خلط المال في المضاربة المشتركة في المصارف الإسلامية
المسألة الأولي
تعريف المضاربة المشتركة
اتجهت المصارف الإسلامية إلى عقد المضاربة باعتباره طريقًا من طرق التمويل الإسلامية إلا أنها نقلت المضاربة من عقد بسيط يقوم بين فردين، يقدم أحدهما المال، والآخر العمل إلى مضاربة جماعية تضخ فيها أموال جمع كبير من الناس في وعاء واحد، ويقوم البنك بخلطها بغرض استثمارها أو دفعها لمن يستثمرها في مشاريع مختلفة.
وقد يقدم المصرف جزءًا من ماله، ويخلطه في مال المضاربة، فيكون مضاربًا، وشريكًا في نفس الوقت.
ولما كانت المضاربة في هذه الصورة لم تكن موجودة في الفقه الإسلامي القديم، كان البحث محتاجًا إلى دراسة وتأصيل هذا العقد، وتخريج هذا العقد على قواعد الفقهاء التي وضعوها للمضاربة الفردية، ومحاولة الوقوف على حكم التصرفات المحدثة فيه، ومنها توصيف العلاقة بين أرباب الأموال أنفسهم بعضهم ببعض، وتوصيف علاقة أرباب الأموال مع المصرف (البنك)، وهذا ما سوف أتوجه له بالدراسة إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
ولما كان الدخول في معرفة الأحكام المتعلقة بالمضاربة المشتركة يستلزم تقديم تعريف للمضاربة المشتركة وبيان أطراف العقد فيها، والفرق بينها وبين
стр. 6982
المضاربة البسيطة؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ناسب أن أبدا في تقديم التعريف قبل الولوج في الأحكام الفقهية.
تعريف المضاربة المشتركة:
المضاربة المشتركة: هي شركة في الربح بين البنك وعملائه يكون فيها البنك مضاربًا مع حقه في خلط أموال العملاء والسماح لهم بالدخول والانسحاب على أسس يتفق عليها في العقد (١).
والخطوات المتبعة لتنفيذ عقد المضاربة المشتركة كالآتي:
(١) ـ يتقدم أصحاب رؤوس الأموال بدفع مدخراتهم بصورة فردية إلى المصرف الإسلامي، وذلك بغرض أن يقوم المصرف باستثمارها لهم فيما يراه مناسبًا، وبذلك ينشأ عقد مضاربة بين أصحاب الأموال وبين المصرف بصورة فردية، وهذا لا يشكل فرقًا بين المضاربة القديمة (البسيطة) وبين المضاربة المشتركة.
(٢) ـ يخلط المصرف أموال أصحاب رؤوس الأموال، وذلك إما بإذن لفظي أو عرفي من أصحاب الأموال، وربما شاركهم في دفع حصة من رأس المال، ليكون البنك مضاربًا وشريكًا في نفس الوقت.
وهذا أيضًا لا يمكن اعتباره فرقًا بين المضاربة القديمة والمضاربة المشتركة إلا أن البنك يقوم بخلط المال بعد التصرف فيه، وجمهور الفقهاء يشترطون لصحة الخلط أن يكون ذلك قبل التصرف في المال خلافًا للحنفية كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
стр. 6983
(٣) يقوم البنك بدفع هذه الأموال إلى مجموعة من المستثمرين كل على حدة.
وهذا أيضًا لا يشكل فرقًا بين المضاربة القديمة والمضاربة المشتركة، حيث تكلم الفقهاء بأن للعامل أن يدفع المال إلى مضارب آخر إذا أذن له صاحب المال.
(٤) ـ يحق لكل واحد من أصحاب الأموال الدخول في عقد المضاربة متى شاء، والخروج منها متى شاء، وتبقى المضاربة مستمرة، ولا شك أن هذا فارق جوهري بين المضاربة القديمة، والمضاربة المشتركة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى من خلال دراسة الأحكام.
(٥) تحتسب الأرباح في المضاربة البسيطة عن طريق التنضيض الحقيقي، وهو تحويل العروض إلى نقد، بينما في المضاربة المشتركة تحتسب الأرباح بحسب الاتفاق يوميًا، أو أسبوعيًا، أو شهريًا بناء على ما يسمى بالتنضيض الحكمي.
ولا شك أن هذا فارق آخر بين المضاربة القديمة والمضاربة المشتركة.
أطراف العقد:
(١) ـ المضارب (العامل) ويمثله البنك الذي يكون مسؤولًا عن العمل في رأس مال المضاربة المشتركة، وقد يدفع البنك مال المضاربة إلى مستثمر آخر، فيكون عاملًا من جهة، ومالكًا من جهة أخرى.
(٢) ـ رب المال: ويمثله العملاء الذين يقدمون رأس مال المضاربة.
(٣) ـ رأس مال المضاربة، وهو المبلغ النقدي الذي يسلمه العملاء إلى البنك عند التعاقد، وهو قابل للتغير حسب الإضافة أو السحب خلال مدة المضاربة.
стр. 6984
(٤) ـ الربح: وهو المبلغ الزائد على رأس المال عند تاريخ التنضيض الحكمي، أو الفعلي لأعمال المضاربة وحسم نفقاتها.
(٥) ـ الخسارة: وهي النقصان الذي يصيب رأس مال المضاربة بعد التنضيص الحكمي أو الفعلي.
* * *
стр. 6985
المسألة الثانية
التوصيف الفقهي لعقد المضاربة المشتركة
عقد المضاربة يشتمل على أطراف ثلاثة:
(١) أصحاب الأموال (الودائع).
(٢) المصرف الإسلامي.
(٣) المستثمرون، وسوف ندرس علاقة كل واحد من هؤلاء بعضهم ببعض.
الأول: علاقة أرباب الأموال بعضهم ببعض:
الثاني: علاقة أرباب الأموال بالبنك:
[ن-٢٢٨] أما علاقة البنك (المصرف الإسلامي) بأصحاب الودائع، فاختلف فيها العلماء المعاصرون إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
اتجه أكثر الباحثين، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي على أن علاقة أصحاب الأموال بالمصرف الإسلامي هي علاقة مضاربة مطلقة.
فالعامل: هو المصرف الإسلامي أو المؤسسة المالية باعتباره شخصية اعتبارية معنوية (١).
стр. 6986
صاحب المال: هم أصحاب الودائع، ويتم التعاقد معهم بشكل فردي، ثم تخلط أموالهم بعضها ببعض، وهذا لا يشكل فرقًا بين المضاربة الفردية، والمضاربة المشتركة، ذلك أن جمهور الفقهاء أجازوا للعامل في المضاربة الفردية أن يضارب لأكثر من رب مال واحد.
وأن العامل له أن يخلط مالهم بعضه ببعض، سواء كان يملك ذلك بمطلق
стр. 6987
العقد كما يراه المالكية، أو يملكه عن طريق الإذن من أصحاب الأموال كما يراه الجمهور، إلا أن جمهورهم اشترطوا لصحة الخلط أن يكون ذلك قبل أن يعمل المضارب في المال الأول خلافًا للحنفية، وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في بحث مستقل لأهميتها.
وإذا قام المصرف بتقديم حصة من المال أصبح مضاربًا وشريكًا في نفس الوقت إذا كان ذلك بإذن من المستثمرين، ويكفي لثبوت إذنهم أن يعلن ذلك في النشرة، ويدخل أصحاب الأموال بعد الاطلاع عليها.
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: «المستثمرون بمجموعهم هم أرباب المال، والعلاقة بينهم بما فيهم المضارب إذا خلط ماله بمالهم هي المشاركة، والمتعهد باستثمار أموالهم هو المضارب، سواء أكان شخصيًا طبيعيًا أم معنويًا، مثل المصارف والمؤسسات المالية، والعلاقة بينه وبينهم هي المضاربة (القراض)؛ لأنه هو المنوط به اتخاذ القرارات الاستثمارية، والإدارة، والتنظيم، وإذا عهد المضارب إلى طرف ثالث بالاستثمار فإنها مضاربة ثانية بين المضارب الأول وبين من عهد إليه بالاستثمار، وليست وساطة بينه وبين أرباب الأموال (أصحاب الحسابات الاستثمارية) ..... » (١).
القول الثاني:
ذهب بعض الباحثين إلى أن العقد بين أصحاب الأموال والبنك هي علاقة شركة، وليست علاقة مضاربة، حيث يقوم البنك أو المؤسسة المالية بالاشتراك بحصة من المال، وخلطها بأموال المودعين، فينشأ عن ذلك طرفان:
стр. 6988
أحدهما: يقدم المال وحده، والثاني: يقدم المال والعمل، وإذا كان المال مقدمًا من الطرفين لم يكن العقد عقد مضاربة.
وقد جرى خلاف بين الفقهاء المتقدمين في حكم هذه الشركة، وفي التسمية الاصطلاحية لها، وذلك أن المعروف في الشركة: أن يشترك بدنان بمالهما المعلوم، ولو متفاوتًا ليعملا فيه جميعًا.
كما أن المعروف في شركة المضاربة أن يدفع شخص ماله لآخر ليتجر فيه، وله جزء من الربح.
فتختص الشركة: بأن المال والعمل من كلا الشريكين.
وتختص المضاربة بأن المال من أحد الشريكين، والعمل من الآخر.
وفي مسألتنا هذه: المال من كلا الشريكين، فلم تشبه المضاربة من كل وجه. والعمل أيضًا من أحد الشريكين فلم تشبه الشركة من كل وجه.
وأما حكم هذه المشاركة على هذا الوجه، وما هي التسمية الاصطلاحية لهذه الشركة؟
فقد اختلف العلماء في ذلك:
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وأشهب من المالكية إلى جواز اشتراط أن يكون العمل على أحدهما دون الآخر (١).
стр. 6989
على خلاف بينهم في التسمية الاصطلاحية لهذه الشركة. فمنهم من ألحقها بعقود المضاربة، ومنهم من ألحقها بالشركات، ومنهم من قال: إن هذا النوع من العقود يجمع بين الشركة والمضاربة.
قال ابن قدامة: «أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما، فهذا يجمع شركة ومضاربة، وهو صحيح» (١).
وقال في الإنصاف: «فإن اشتركا على أن العمل من أحدهما في المالين صح، ويكون عنانًا ومضاربة .... قال الزركشي: هذه الشركة تجمع شركة ومضاربة، فمن حيث إن كل واحد منهما يجمع المال تشبه شركة العنان، ومن حيث إن أحدهما يعمل في مال صاحبه في جزء من الربح هي مضاربة .... وهي شركة عنان على الصحيح من المذهب، وقيل: مضاربة» (٢).
فعلى هذا يكون في مذهب الحنابلة ثلاثة أقوال:
الصحيح من المذهب أنها شركة عنان.
واختار ابن قدامة والزركشي أنها مركبة من العنان والمضاربة.
وقيل: عقد مضاربة فقط.
ومنع المالكية أن يكون العمل من أحدهما.
جاء في المدونة: «قلت: هل يجوز أن أخرج أنا ألف درهم، ورجل آخر
стр. 6990
ألف درهم، على أن الربح بيننا نصفين، والوضيعة علينا نصفين، على أن يعمل أحدنا دون صاحبه؟ قال: قال مالك: لا تجوز هذه الشركة بينهما إلا أن يستويا في رأس المال وفي العمل.
قلت: فإن أخرج أحدهما ألف درهم، والآخر ألفي درهم، فاشتركا على أن الربح بينهما نصفين، والوضيعة عليهما نصفين، أو اشترطا أن الوضيعة على قدر رؤوس أموالهما على أن يعمل صاحب الألف بجميع المال وحده، ويكون عليه العمل وحده؟ قال مالك: لا خير في هذه الشركة ....... ولا يجتمع عند مالك شركة وقراض» (١).
وقال في مواهب الجليل: «ولا يصلح مع الشركة صرف ولا قراض ... » (٢).
هذا إذا كان عقد القراض مستقلًا عن الشركة، فإن كان داخلًا في عقد الشركة فلا يمنع من اجتماعهما (٣).
وأرى أن قول الجمهور أقوى من مذهب المالكية، وأن المصرف يكون شريكًا ومضاربًا، ولا مانع من اجتماع الشركة والمضاربة في عقد واحد، والله أعلم.
القول الثالث:
ذهب بعض الباحثين إلى اعتبار البنك وكيلًا عن أصحاب الأموال، وليس مضاربًا.
стр. 6991
فأرباب المال: هم أصحاب الودائع.
وعامل المضاربة: هم المستثمرون.
والبنك وكيل عن أصحاب الأموال، فهو وسيط بين أرباب الأموال، وبين عمال المضاربة. وبهذا التكييف خرج البنك من أن يكون مضاربًا.
وممن قال بهذا التوصيف الأستاذ باقر الصدر، فهو يرى أن البنك ليس عضوًا أساسيًا في عقد المضاربة؛ فليس هو صاحب المال، ولا صاحب العمل: أي المستثمر، وإنما يتركز دوره في الوساطة بين الطرفين، فبدلًا عن أن يذهب رجال الأعمال إلى المودعين يفتشون عنهم واحدًا بعد آخر، ويحاولون الاتفاق معهم، يقوم البنك بتجميع هؤلاء المودعين، ويتيح لرجال الأعمال أن يراجعوا ويتفقوا معه مباشرة على استثمار أي مبلغ تتوفر القرائن على إمكان استثماره بشكل ناجح .... (١).
ويمكن أن يصح هذا التوصيف في الحال التي لا يقدم فيها البنك مالًا، ولا يلتزم فيها بعمل مع أصحاب الأموال، أما إذا قدم المال، أو كان ملتزمًا بتقديم العمل إما بنفسه، أو بالبحث عن مضارب ثان يدفع إليه المال ليعمل به، فإنه لا يمكن أن يصح هذا التوصيف باعتباره مجرد وكيل، والله أعلم.
* * *
стр. 6992
المسألة الثالثة
خلط أموال المضاربين بعد بدئ النشاط فيها
سبق أن تكلمنا عن حق المضارب في المضاربة البسيطة في خلط أموال المضاربين بعضها ببعض، وهل يملك ذلك بمجرد العقد، أو لا بد من الرجوع إلى أصحاب الأموال واستئذانهم.
[م-١٣٩٢] فإن كان الخلط قبل البدء بالنشاط، فالأقوال فيها على النحو التالي:
فقيل: لا يملك الخلط بمجرد العقد، وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، إلا أن الحنفية والحنابلة قالوا: يملك المضارب الخلط إذا أعطاه صاحب المال تفويضًا عامًا في التصرف بأن قال له: اعمل فيه برأيك.
وقال الشافعية: لابد من الإذن الصريح.
وذهب المالكية إلى جواز الخلط وإن لم يرجع إلى رب المال بشروط سبق ذكرها في مسألة سابقة.
ولا يختلف الفقهاء في جواز الخلط قبل البدء بالنشاط إذا كان هناك إذن صريح من أصحاب الأموال. وقد ذكرنا أدلتهم فيما سبق.
[ن-٢٢٩] و لما كان المضارب في المضاربة المشتركة قد أعطي إذنًا صريحًا أو ضمنيًا من أرباب الأموال بحقه في خلط أموال المضاربين، فإنه لا يوجد نزاع في جواز هذه المسألة.
стр. 6993
[م-١٣٩٣] وإن كان الخلط بعد البدء بالنشاط، فالأقوال فيها على النحو التالي:
فالأئمة الأربعة يتفقون بأن المضارب لا يملك خلط المال بدون إذن. وأما إذا فوض إليه التصرف بأن قال: اعمل فيه برأيك:
فالحنفية يجيزون له الخلط ولو كان ذلك بعد البدء بالنشاط، ولو حصل هذا الخلط بعد حصول الربح إذا كان ذلك مبنيًا على تفويض عام في التصرف (١).
بينما الجمهور يمنعون الخلط بعد التصرف بحجة أن المال الأول قد استقر حكمه بالتصرف فيه ربحًا وخسرانًا، وربح كل مال وخسرانه يختص به، فلا يجبر خسارة هذا بربح ذاك، ولا العكس. وقد سبق ذكر أدلتهم مستوفاة في المسألة التي قبل هذه.
وبناء عليه يكون الخلاف في خلط أموال المضاربة المشتركة يمكن تنزيله على خلاف بين الحنفية والجمهور.
[ن-٢٣٠] وهذا الخلاف القديم انعكس على اختيارات العلماء المعاصرين، فاختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الباحثين المعاصرين إلى تبني قول الحنفية، وأن خلط مال المضاربة لا يضر، ولو كان ذلك بعد البدء بالنشاط، وممن قال بهذا فضيلة الشيخ القاضي محمد تقي العثماني (٢)، والدكتور عبد الستار
стр. 6994
أبو غدة (١)، والدكتور أحمد الحجي الكردي (٢)، والشيخ وهبة زحيلي (٣)، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (٤)، وفتوى ندوة البركة (٥).
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي:
«ومما تختص به المضاربة المشتركة من قضايا غالبًا ما يأتي:
أ ـ خلط الأموال في المضاربة المشتركة:
لا مانع من خلط أموال أرباب المال بعضها ببعض، أو بمال المضارب؛ لأن ذلك يتم برضاهم صراحة، أو ضمنًا، كما أنه في حالة قيام الشخص المعنوي بالمضاربة وتنظيم الاستثمار لا يخشى الإضرار ببعضهم لتعين نسبة كل واحد في رأس المال، وهذا الخلط يزيد الطاقة المالية للتوسع في النشاط وزيادة الأرباح ..... » (٦).
القول الثاني:
هناك من الباحثين من يمنع المضاربة المشتركة، ويتبنى حجة الجمهور
стр. 6995
القائلين بتحريم خلط أموال المضاربة بعد البدء بالنشاط، من ذلك الدكتور حسين كامل فهمي (١).
وحجته في المنع:
(١) ـ أن السماح بالتدفق المستمر للودائع، وخلط بعضها ببعض بعد بدء المضاربة يؤدي إلى اشتراك الأموال الجديدة في نتائج تشغيل أموال سابقة، سواء كانت ربحًا أو خسارة، وهذا الاشتراك فيه غبن لبعض أرباب الأموال، سواء كانوا من المودعين القدامى، أو من المودعين الجدد.
فالبنك في غير مأمن من تغير مركزه المالي خلال الفترة الواقعة بين إعلان مركزين متتاليين سواء بالزيادة أو النقصان، ومع ذلك يظل العمل على ما هو عليه من تقبل ودائع جديدة لا دخل لها بالمتغيرات التي طرأت على البنك قبل إيداعها مع السماح بخروج بعض المودعين، وسحبهم رؤوس أموالهم كاملة مضافًا إليها عائد معين، رغم أنه يفترض تحمل هذه الأموال لجزء من الخسائر السابقة إن كانت، أو استحقاقها مزيدًا من الأرباح إن كان التغير بالزيادة.
(٢) ـ لما كانت طبيعة الأعمال المصرفية تقتضي أن تظل عمليات السحب والإيداع مفتوحة لكل أحد في كل يوم نشأ عن ذلك أن يدخل كل يوم عدد كبير من أصحاب الأموال، ويخرج أيضًا عدد كبير منهم، بل إن ودائع كل رجل قد تزيد وتنقص كل يوم، فإن من يفتح حسابًا في البنك قد يحتاج إلى سحب بعض المبالغ منه في يوم، ثم إلى إيداع بعضها مرة أخرى في يوم آخر، فلما كانت فترات الإيداع ليست واحدة لجميع الأشخاص، بل كان بينها تباين كبير جدًا لا
стр. 6996
يحتمل التوفيق كان من الصعب جدًا أن تحدد الأرباح والخسائر المتأتية على كل وديعة على الأساس المعروف لتحديدها في عقود المضاربة البسيطة.
(٣) ـ غالبًا ما يكون جزء من التقييم لديون مستحقة، وهذه الديون قد تتعثر أو تنعدم، فإذا أخذ المضارب عند خروجه من هذه المضاربة نصيبه من هذه الديون، فإذا تعثرت أو انعدمت لحق الغبن لمن لم يأخذ نصيبه منها.
ونوقش هذا بما يلي:
بأن التصفية الحقيقية في عقود المضاربة في المصارف الإسلامية يعني تحويل جميع الأصول الثابتة من مباني وتجهيزات، وأوراق مالية، وديون إلى نقود وهذا أمر يتعذر تحقيقه في جميع الاستثمارات المصرفية القائمة على السرعة، وأن تظل عمليات الإيداع والسحب مفتوحة تحفيزًا للمستثمرين على الإيداع، وقطعًا للطريق على المصارف الربوية، لذلك لجأت المصارف الإسلامية إلى الأخذ بالتصفية الحكمية القائمة على تقويم أحوال المضاربة في نهاية الفترة المتفق عليها، واعتماد ذلك التقويم أساسًا لتوزيع الأرباح، ورد رأس مال من يرغب من أرباب المال بدون تصفية فعلية للمضاربة.
وقد استأنس بعضهم بصحة التنضيض الحكمي بما جاء عن ابن سيرين رحمه الله تعالى، فقد روى مصنف ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن عوف، عن ابن سيرين في المضارب إذا ربح، ثم وضع، ثم ربح، قال: الحساب على رأس المال الأول إلا أن يكون ذلك قبضًا للمال، أو حسابًا كالقبض (١).
واعتمدت المصارف في طريقة توزيع الأرباح على طريقة التقويم الدوري (٢)،
стр. 6997
أو على حساب الإنتاج اليومي، وهو ما يعبر عنه بحساب النمر (١)،
أو على
стр. 6998
حساب أدنى رصيد (١)، والغرر الناتج عن ذلك يعتبر من الغرر المباح إما لكونه يسيرًا، أو لكونه محتاجًا إليه، ويصعب التحرز منه.
وأما الجواب عن أن احتمال أن تتحول الديون إلى ديون معدومة فقد عالجتها البنوك الإسلامية حيث قامت بإيجاد صندوق للمخاطر يتحمل هذه الديون التي لم تسدد، فإذا وقع التنضيض الحكمي، وكان جزء من هذا التقويم ديونًا معدومة أو متعثرة فإن دينه يستخلص من صندوق المخاطر.
* * *
стр. 6999
المسألة الرابعة
خلاف العلماء في اعتماد حساب النمر
[ن-٢٣١] اختلف العلماء المعاصرون في حكم الأخذ بطريقة النمر على قولين:
القول الأول:
لا يجوز اعتماد طريقة النمر في تقسيم الأرباح، اختاره بعض الباحثين، منهم الدكتور حسين كامل فهمي (١).
ولقد استدل القائلون بعدم الجواز بأدلة منها:
الدليل الأول:
حساب النمر لا يعرف في كتب الفقه، وقد اعتمدته المصارف الربوية كمعيار دقيق في تحديد الفوائد القائم على مقدار المال ومدة بقائه لدى المصرف، أما عقد المضاربة القائم على الربح فإن الزمن لا يؤثر فيه بشكل مباشر، فقد يمضي زمن طويل قبل ا لحصول على أي ربح حقيقي، وقد يربح عامل المضاربة في مدة قصيرة أضعاف ما يربحه في مدة طويلة، فإذا سحب بعضهم ماله قبل نهاية الفترة فإن هذا يعني فسخ المضاربة في ذلك الجزء المسحوب، فإذا وزع عليه الربح بالنظر إلى الزمن فقط فقد يكون المشروع لم يحقق في هذه الفترة أي ربح فعلي يذكر، أو يكون الربح قد حصل قبل أن يودع رأس ماله فيه، فيأخذ حصة من أرباح غيره، وقد يكون الربح أكثر مما توقع له بحساب النمر فتنتقل جزء من أرباحه إلى غيره، مما يعني دخول الغبن لبعض أرباب الأموال.
стр. 7000
ونوقش هذا:
بأن توزيع الأرباح بطريقة النمر أملته الضرورة، فلا يوجد طريقة عادلة سواه يمكن اعتمادها في توزيع الأرباح، ولا مانع من اعتماده مع تقدم أساليب المحاسبة، واتفاق أرباب الأموال على التراضي والتسامح فيما بينهم، ولكون هذه الطريقة لا تصادم نصًا شرعيًا، ولأن أموال المستثمرين ساهمت كلها في تحقيق العائد حسب مقدارها، ومدة بقائها، فاستحقاقها حصة متناسبة مع المبلغ والزمن (بحسب طريقة النمر) هو أعدل الطرق المحاسبية المتاحة، ولا يوجد في هذه الطريقة ما يقطع المشاركة في الربح، ومن المقرر أن المشاركات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعاوضات، ولأن القسمة في صورتها المشتملة على تعديل الحصص تقوم على المسامحة (١).
الدليل الثاني:
حساب النمر قائم على أساس خلط أموال المودعين بعضها ببعض، وقد منع جمهور الفقهاء من خلط أموال المضاربة المختلفة بعد التصرف فيها؛ لأن ذلك سيؤدي حتمًا إلى اشتراك الأموال الجديدة في نتائج تشغيل أموال سابقة، سواء كانت ربحًا أو خسارة، وهذا الاشتراك فيه غبن لبعض أرباب الأموال، سواء كانوا من المودعين القدامى، أو من المودعين الجدد.
وأجيب على هذا:
أما خلط الأموال بعد التصرف فيها فقد سبق بحث هذه المسألة في مبحث
стр. 7001
سابق مستقل، وقد ترجح جواز خلط المال الثاني بالمال الأول، ولو كان ذلك بعد التصرف في المال الأول إذا كان ذلك مبنيًا على الإذن من صاحب المال.
وأما الجواب عن أثر هذا الاختلاط، وأنه سينتج عنه اشتراك الأموال الجديدة في أرباح الأموال القديمة، فقد سبق الجواب عنه في الدليل الأول.
القول الثاني:
ذهب أكثر الباحثين المعاصرين، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي، وفتوى ندوة البركة، ومشى عليه عدد من الهيئات الشرعية للمصارف الإسلامية بأنه يجوز اعتماد طريقة النمر في تقسيم الأرباح (١).
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي:
«لا مانع شرعًا حين توزيع الأرباح من استخدام طريقة النمر القائمة على مراعاة مبلغ كل مستثمر، ومدة بقائه في الاستثمار؛ لأن أموال المستثمرين ساهمت كلها في تحقيق العائد حسب مقدارها، ومدة بقائها، فاستحقاقها حصة متناسبة مع المبلغ والزمن هو أعدل الطرق لإيصال مستحقاتهم إليهم؛ لأن دخول حصة المستثمرين في المضاربة المشتركة حسب طبيعتها موافقة ضمنًا على المبارأة عما يتعذر الوصول إليه، كما أن من طبيعة المشاركة استفادة الشريك من ربح مال شريكه، وليس في هذه الطريقة ما يقطع المشاركة في الربح، وهي مشمولة بالرضا بالنسب الشائعة الناتجة عنها ...... » (٢).
стр. 7002
دليل من قال: بجواز الأخذ بطريقة النمر:
الدليل الأول:
تداخل الأرباح في حساب النمر ليس قطعيًا، وإنما هو ظني، ولو فرض أن وجوده متحقق فإن هذا ليس كافيًا في تحريمه، وذلك أن علاقة أرباب الأموال بعضهم ببعض تم توصيفه الفقهي على الصحيح بأنها من قبيل شركة العنان، وأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الربح في شركة العنان بحسب الشرط، فلا مانع من التفاضل في الربح، وإن تساويا في رأس المال، ولا يعني هذا وجود غبن لأحدهما ما دام أن الأمر قائم على التراضي، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١)، فكذلك التراضي على القسمة بحساب النمر صحيحة وإن أدى ذلك إلى التفاضل في الربح.
الدليل الثاني:
القياس على ما ذكره الفقهاء من صور متعددة يتفاوت فيها الشركاء في نسبة استحقاقهم للربح مع القول بصحة الشركة فيما بينهم، من ذلك:
(١) ـ أجاز الحنفية أن يكون الكسب في شركة الأعمال بين الشريكين مطلقًا، سواء ترك العمل أحدهما بعذر أو بغير عذر، وهو المشهور في مذهب الحنابلة إلا أن الحنابلة قالوا: يجب على من ترك العمل أن يقيم مكانه من يقوم بعمله إن طلب شريكه ذلك.
стр. 7003
جاء في غمز عيون البصائر: «إذا عمل أحد الشريكين دون الآخر بعذر أو بغيره فالربح بينهما» (١).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن مرض أحدهما: أي الشريكان، فالكسب بينهما، أو ترك أحدهما العمل مع شريكه لعذر أو لا ... بأن كان حاضرًا صحيحًا فالكسب بينهما على ما شرطا» (٢).
وسبق تحرير الخلاف في هذه المسألة، وذكر أقوال أهل العلم فيها، فأغنى ذلك عن إعادته.
(٢) ـ لو دفع عامل المضاربة المال إلى مضارب آخر بإذن من صاحب المال، فإن ذلك جائز، ويستحق الربح ا لمسمى وإن لم يكن منه مال، ولا عمل.
الراجح:
أرى جواز الأخذ بطريقة النمر إذا تعذر العمل بالتقويم الدوري، وهذا ما رجحه الشيخ يوسف الشبيلي حيث يرى «صحة العمل بنظام النمر لقوة الأدلة التي استند إليها القول الثاني، لكن ينبغي ألا يلجأ إلى العمل به إلا عند تعذر العمل بطريقة التقويم الدوري؛ لأن نظام النمر لا يخلو من قسمة غير عادلة لبعض الحصص بخلاف التقويم الدوري فإنه يعطي نتيجة مقاربة جدًا.
أي أن نظام النمر ينبغي أن يكون حلًا اضطراريًا لتوزيع الأرباح في الخدمات الاستثمارية المفتوحة التي لا يمكن العمل فيها بطريقة التقويم الدوري نظرًا لتداخل مراكزها المالية بالمركز المالي للبنك.
стр. 7004
وأسباب هذا الترجيح ما يلي:
١ ـ أنه لا يوجد حلول أفضل منه تعالج هذه الحالات، مع ما تقتضيه حاجة العصر من ضرورة خلط الأموال وحرية السحب والإيداع.
٢ ـ أننا نفترض أن الوعاء الاستثماري له شخصية حكمية، فالربح لهذه الشخصية الحكمية لا لكل وديعة على حدة.
٣ ـ ما تقدم نقله عن الأئمة بما يفيد أن قاعدة توزيع الأرباح هي الرضا.
ومع ذلك فإني أرى أن حساب النمر لا يخلو من الغبن لكثير من المودعين لكونه يفترض التساوي في تحقق الربح طيلة الفترة المحاسبية، وهو أمر نادر.
ولهذا فمتى أمكن العمل بطريقة التقويم الدوري فهو أولى بكثير من نظام النمر، وتعتبر تجربة المصارف في الصناديق الاستثمارية رائدة في هذا المجال، فينبغي أن تستتبعها المصارف الإسلامية بخطوات أوسع، وذلك بتكوين أوعية استثمارية مستقلة لودائعها الاستثمارية، ويكون لها مراكزها المالية المنفصلة عن البنك، وبذا تحقق الهدفين المميزين للتقويم الدوري، وهما:
ـ الوصول إلى توزيع عادل في قسمة الأرباح بين المستثمرين.
ـ القضاء على مشكلة اختلاط أموال المساهمين بالمستثمرين.
وإذا لم يكن بد من العمل بطريقة النمر فينبغي أن تكون وحدة الزمن فيها على أساس الأسابيع، لا بالأيام كما في الفوائد، ولا بالشهور.
أما الأيام فلأن الاستثمار اللاربوي استثمار إنتاجي يعتمد على الربح الفعلي الذي لا يتحقق بالسرعة التي تتراكم فيها الفوائد.
стр. 7005
أما الشهور فلأنها فترة طويلة لا تتناسب مع ما تقتضيه رغبات المستثمرين من مرونة في حركة السحب والإيداع» (١).
* * *