← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

سابق مستقل، وقد ترجح جواز خلط المال الثاني بالمال الأول، ولو كان ذلك بعد التصرف في المال الأول إذا كان ذلك مبنيًا على الإذن من صاحب المال. وأما الجواب عن أثر هذا الاختلاط، وأنه سينتج عنه اشتراك الأموال الجديدة في أرباح الأموال القديمة، فقد سبق الجواب عنه في الدليل الأول. القول الثاني: ذهب أكثر الباحثين المعاصرين، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي، وفتوى ندوة البركة، ومشى عليه عدد من الهيئات الشرعية للمصارف الإسلامية بأنه يجوز اعتماد طريقة النمر في تقسيم الأرباح (١). جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: «لا مانع شرعًا حين توزيع الأرباح من استخدام طريقة النمر القائمة على مراعاة مبلغ كل مستثمر، ومدة بقائه في الاستثمار؛ لأن أموال المستثمرين ساهمت كلها في تحقيق العائد حسب مقدارها، ومدة بقائها، فاستحقاقها حصة متناسبة مع المبلغ والزمن هو أعدل الطرق لإيصال مستحقاتهم إليهم؛ لأن دخول حصة المستثمرين في المضاربة المشتركة حسب طبيعتها موافقة ضمنًا على المبارأة عما يتعذر الوصول إليه، كما أن من طبيعة المشاركة استفادة الشريك من ربح مال شريكه، وليس في هذه الطريقة ما يقطع المشاركة في الربح، وهي مشمولة بالرضا بالنسب الشائعة الناتجة عنها ...... » (٢).

стр. 7002

دليل من قال: بجواز الأخذ بطريقة النمر: الدليل الأول: تداخل الأرباح في حساب النمر ليس قطعيًا، وإنما هو ظني، ولو فرض أن وجوده متحقق فإن هذا ليس كافيًا في تحريمه، وذلك أن علاقة أرباب الأموال بعضهم ببعض تم توصيفه الفقهي على الصحيح بأنها من قبيل شركة العنان، وأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الربح في شركة العنان بحسب الشرط، فلا مانع من التفاضل في الربح، وإن تساويا في رأس المال، ولا يعني هذا وجود غبن لأحدهما ما دام أن الأمر قائم على التراضي، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١)، فكذلك التراضي على القسمة بحساب النمر صحيحة وإن أدى ذلك إلى التفاضل في الربح. الدليل الثاني: القياس على ما ذكره الفقهاء من صور متعددة يتفاوت فيها الشركاء في نسبة استحقاقهم للربح مع القول بصحة الشركة فيما بينهم، من ذلك: (١) ـ أجاز الحنفية أن يكون الكسب في شركة الأعمال بين الشريكين مطلقًا، سواء ترك العمل أحدهما بعذر أو بغير عذر، وهو المشهور في مذهب الحنابلة إلا أن الحنابلة قالوا: يجب على من ترك العمل أن يقيم مكانه من يقوم بعمله إن طلب شريكه ذلك.

стр. 7003

جاء في غمز عيون البصائر: «إذا عمل أحد الشريكين دون الآخر بعذر أو بغيره فالربح بينهما» (١). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن مرض أحدهما: أي الشريكان، فالكسب بينهما، أو ترك أحدهما العمل مع شريكه لعذر أو لا ... بأن كان حاضرًا صحيحًا فالكسب بينهما على ما شرطا» (٢). وسبق تحرير الخلاف في هذه المسألة، وذكر أقوال أهل العلم فيها، فأغنى ذلك عن إعادته. (٢) ـ لو دفع عامل المضاربة المال إلى مضارب آخر بإذن من صاحب المال، فإن ذلك جائز، ويستحق الربح ا لمسمى وإن لم يكن منه مال، ولا عمل. الراجح: أرى جواز الأخذ بطريقة النمر إذا تعذر العمل بالتقويم الدوري، وهذا ما رجحه الشيخ يوسف الشبيلي حيث يرى «صحة العمل بنظام النمر لقوة الأدلة التي استند إليها القول الثاني، لكن ينبغي ألا يلجأ إلى العمل به إلا عند تعذر العمل بطريقة التقويم الدوري؛ لأن نظام النمر لا يخلو من قسمة غير عادلة لبعض الحصص بخلاف التقويم الدوري فإنه يعطي نتيجة مقاربة جدًا. أي أن نظام النمر ينبغي أن يكون حلًا اضطراريًا لتوزيع الأرباح في الخدمات الاستثمارية المفتوحة التي لا يمكن العمل فيها بطريقة التقويم الدوري نظرًا لتداخل مراكزها المالية بالمركز المالي للبنك.

стр. 7004

وأسباب هذا الترجيح ما يلي: ١ ـ أنه لا يوجد حلول أفضل منه تعالج هذه الحالات، مع ما تقتضيه حاجة العصر من ضرورة خلط الأموال وحرية السحب والإيداع. ٢ ـ أننا نفترض أن الوعاء الاستثماري له شخصية حكمية، فالربح لهذه الشخصية الحكمية لا لكل وديعة على حدة. ٣ ـ ما تقدم نقله عن الأئمة بما يفيد أن قاعدة توزيع الأرباح هي الرضا. ومع ذلك فإني أرى أن حساب النمر لا يخلو من الغبن لكثير من المودعين لكونه يفترض التساوي في تحقق الربح طيلة الفترة المحاسبية، وهو أمر نادر. ولهذا فمتى أمكن العمل بطريقة التقويم الدوري فهو أولى بكثير من نظام النمر، وتعتبر تجربة المصارف في الصناديق الاستثمارية رائدة في هذا المجال، فينبغي أن تستتبعها المصارف الإسلامية بخطوات أوسع، وذلك بتكوين أوعية استثمارية مستقلة لودائعها الاستثمارية، ويكون لها مراكزها المالية المنفصلة عن البنك، وبذا تحقق الهدفين المميزين للتقويم الدوري، وهما: ـ الوصول إلى توزيع عادل في قسمة الأرباح بين المستثمرين. ـ القضاء على مشكلة اختلاط أموال المساهمين بالمستثمرين. وإذا لم يكن بد من العمل بطريقة النمر فينبغي أن تكون وحدة الزمن فيها على أساس الأسابيع، لا بالأيام كما في الفوائد، ولا بالشهور. أما الأيام فلأن الاستثمار اللاربوي استثمار إنتاجي يعتمد على الربح الفعلي الذي لا يتحقق بالسرعة التي تتراكم فيها الفوائد.

стр. 7005

أما الشهور فلأنها فترة طويلة لا تتناسب مع ما تقتضيه رغبات المستثمرين من مرونة في حركة السحب والإيداع» (١). * * *

стр. 7006

المبحث العاشر في تقييد تصرفات العامل الفرع الأول التقييد بمكان أو بسلعة معينة قال الكاساني: الأصل في كل مقيد اعتبار القيد فيه إلا قيدًا لا يفيد اعتباره (١). [م-١٣٩٤] تقييد المضارب يختلف من مسألة إلى أخرى، لهذا سنأخذ مسائل التقييد مسألة مسألة، ولكن في الجملة نستطيع أن نقول إن هناك قولين لمسألة تقييد تصرف العامل: أحدهما: يقبل تقييد المضارب إما مطلقًا كالحنابلة (٢)، أو بما يكون مفيدًا لرب المال كالحنفية (٣). والثاني: يمنع التقييد لما فيه من الحجر على العامل كمذهب المالكية والشافعية (٤). إلا أن هذا التقسيم من حيث الجملة، فحتى نقف على رأي كل مذهب من مسائل التقييد ينبغي أن نعرض لها مسألة مسألة:

стр. 7007

[م-١٣٩٥] فمن هذه المسائل التقييد بمكان معين، فقد اختلف العلماء فيها على قولين. القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز أن يقيد رب المال عامله بأن يعمل في مكان معين (١). جاء في الهداية: «وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه، أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوزها؛ لأنه توكيل، وفي التخصيص فائدة، فيتخصص» (٢). وقال ابن قدامة: «ويصح أن يشرط على العامل ألا يسافر بالمال، ولا يتجر به إلا في بلد بعينه» (٣). القول الثاني: اشترط المالكية لجواز تعيين البلد شرطين: أحدهما: أن يكون ذلك البلد هو البلد الذي عقدا فيه القراض، فإن كان غيره منع. الثاني: أن يكون البلد كبيرًا حيث لا تعدم فيه التجارة لصغره، فإن اشترط عليه التجارة في حانوت معين فسد (٤).

стр. 7008

وقريب من مذهب المالكية مذهب الشافعية حيث أجاز الشافعية تعيين السوق دون تعيين الحانوت (١). جاء في حاشية الجمل: «وشرط البيع في حانوت معين مفسد بخلاف شرط سوق معين» (٢). [م-١٣٩٦] كما اختلفوا في حق رب المال في تقييد المضارب بمكان معين، اختلفوا في حقه في تقييد المضارب بسلعة معينة. فأجاز الحنفية والحنابلة تقييد العامل بنوع من السلع مطلقًا، كالتمر، أو الثياب، أو الدقيق ونحو ذلك (٣). جاء في كشاف القناع: «والشروط في الشركة ضربان: ... أحدهما: صحيح، مثل أن يشترط ألا يتجر إلا في نوع من المتاع: أي المال، سواء كان مما يعم وجوده، أو لا» (٤). ووافقهم على ذلك المالكية والشافعية إلا أنهم اشترطوا أن يكون مما يعم وجوده، فإن كان مما يندر وجوده لم يصح (٥).

стр. 7009

كما منع الشافعية أن يشترط عليه أن يشتري شيئًا معينًا كهذه الحنطة (١). الراجح من الخلاف: الذي أراه أن مذهب الحنابلة والحنفية أقرب إلى الصواب، وكون التقييد على العامل نوعًا من الحجر والتضييق لا يكفي لإبطال الشرط، فإن العقد من عقود التراضي، فإذا لم يعجبه الشرط لم يكره على قبول العقد من الأصل، فإذا قبله، ودخل على الالتزام بالشرط فإنه يلزمه، ولا يحل له التنصل منه، وإن أخل به كان متعديًا، فيضمن، والله أعلم. * * *

стр. 7010

الفرع الثاني تقييد العامل بالشراء من شخص معين التقييد في العقود إنما يعتبر إذا كان مفيدًا (١). [م-١٣٩٧] اختلف العلماء فيما لو عين رب المال شخصًا للشراء منه والبيع عليه على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح تعيين شخص للشراء منه والبيع عليه مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية (٢). قال الزيلعي:: «ولو قال: على أن تشتري من فلان، وتبيع منه صح التقييد وليس له أن يشتري ويبيع من غيره؛ لأن هذا التقييد مفيد لتفاوت الناس في المعاملة قضاء واقتضاء» (٣). القول الثاني: لا يصح تعيين شخص معين مطلقًا، لا للشراء منه، ولا للبيع عليه، وهذا مذهب المالكية والشافعية (٤). جاء في التاج والإكليل: «لا يجوز أن يشترط عليه ألا يشتري إلا من فلان فإن نزل ذلك كان أجيرًا» (٥).

стр. 7011

وحجة القائلين بالمنع: أن هذا مخالف لمقتضى العقد؛ ويمنع مقصود المضاربة؛ فإن المقصود من المضاربة هو طلب الربح فإذا قيده بالشراء من شخص بعينه فقد لا يجد عند هذا الشخص الربح المقصود، وقد يمتنع من البيع عليه، أو يبيع عليه بأكثر من سعر المثل، ولأن في هذا القيد تحجيرًا على العامل، وكل هذا مضر بالعامل. وأجاب الحنابلة: بأن القول بأن تقييد المضاربة بالشراء من رجل بعينه يمنع مقصود المضاربة غير مسلم، وإنما ذلك يقلل الربح، وتقليله لا يمنع الصحة كتخصيص المضاربة بنوع من السلع. القول الثالث: وذهب الحنابلة إلى صحة اشتراط الشراء من شخص بعينه، وأما البيع فلا يصح أن يشترط عليه البيع على نفس الشخص الذي اشتريت منه السلعة (١). قال ابن قدامة: «والشروط في المضاربة تنقسم إلى قسمين: صحيح، وفاسد. فالصحيح مثل أن يشترط على العامل ألا يسافر بالمال ... أو لا يشتري إلا من رجل بعينه، فهذا كله صحيح، سواء كان هذا النوع مما يعم وجوده، أو لا يعم. والرجل ممن يكثر المتاع عنده، أو يقل» (٢). أما إذا «قال: لا تبع إلا من فلان، ولا تشتري إلا من فلان فإنه يمنع الربح

стр. 7012

يضًا؛ لأنه لا يشتري ما باعه إلا بدون ثمنه الذي باعه به، ولهذا لو قال: لا تبع إلا ممن اشتريت منه لم يصح ذلك» (١). كما أنه قد يدخل في العقد بيع العينة، كما لو كان يشتري مؤجلًا، ثم يبيع السلعة بأقل من ثمنها نقدًا على من اشتراها منه، فإن دخل في العقد الحيلة على الربا، صار تحريمه أشد، والله أعلم. الراجح: أرى أن مذهب الحنابلة يتمشى مع قاعدة الأصل في الشروط الصحة والجواز، وإذا رأى العامل أن مثل هذا القيد قد يقلل من أرباحه فإن له رفض الدخول في عقد المضاربة، فعقد المضاربة عقد قائم على التراضي، والله أعلم. * * *

стр. 7013

الفرع الثالث تقييد المضاربة بوقت معين كل تصرف يتوقت بنوع من المتاع يجوز توقيته بالزمان كالوكالة (١). التوقيت في المضاربة يجب أن يكون للشراء دون البيع. [م-١٣٩٨] اختلف العلماء في توقيت المضاربة بوقت معين على قولين: القول الأول: يصح التوقيت، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة (٢). قال الكاساني: «ولو قال: خذ هذا المال مضاربة إلى سنة جازت المضاربة عندنا ... » (٣). القول الثاني: لا يصح التوقيت، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة إلا أن الشافعية أجازوا صورة واحدة من صور توقيت المضاربة، وهي ما إذا عقدت المضاربة إلى مدة على ألا يشتري المضارب بعدها، وله البيع (٤). وقد سبق ذكر أدلة هذه المسألة تحت مسألة: توقيت الإيجاب والقبول في عقد المضاربة، فأغنى ذلك عن إعادتها. * * *

стр. 7014

الفرع الرابع تقييد المضارب بالبيع نقدًا المأمور مقصور التصرف على ما تضمنه الأمر (١). ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون والعكس بالعكس (٢). إذا اشترط رب المال على المضارب ألا يبيع إلا بالنقد فإن هذا الشرط صحيح ملزم، فإن خالفه ضمن، وهذا بالاتفاق. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن رب المال إذا نهى العامل أن يبيع نسيئة، فخالف، وباع بالنسيئة أنه ضامن» (٣). ولأن المضارب تصرفه في المال قائم على إذن ربه، فلا يتصرف في غير ما أذن له. وذهب المالكية والشافعية إلى إلزامه بالبيع نقدًا حتى ولو لم يأمره صاحب المال بذلك فإن أراد أن يبيع بالدين كان عليه الرجوع إلى صاحب المال واستئذانه (٤).

стр. 7015

وقد سبق بحث هذه المسألة، وذكرنا أدلتهم تحت مسألة: في بيع المضارب بالدين، فأغنى ذلك عن إعادته. * * *

стр. 7016

الفصل السابع في أحكام المضاربة الصحيحة المبحث الأول رأس المال أمانة في يد المضارب العامل أمين لا ضمان عليه فيما لو تلف بغير تعد (١). [م-١٣٩٩] أجمع الفقهاء على أن المال في يد المضارب أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط. قال ابن عبد البر: «ولا خلاف بين العلماء أن المقارض مؤتمن، لا ضمان عليه فيما يتلفه من المال من غير جناية منه فيه، ولا استهلاك له، ولا تضييع، هذه سبيل الأمانة وسبيل الأمناء» (٢). وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: «ولا خلاف أن المقارض مؤتمن، لا ضمان عليه فيما تلف من المال من غير جناية ولا تضييع» (٣). وممن حكى الإجماع على هذا الباجي في المنتقى (٤)، وابن رشد في بداية المجتهد (٥).

стр. 7017

وقال الكاساني: «رأس المال قبل أن يشتري المضارب به شيئًا أمانة في يده بمنزلة الوديعة؛ لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة» (١). وجاء في الفواكه الدواني: «العامل في القراض أمين، فالقول قوله في تلف المال، أو ضياعه، أو خسره ... » (٢). وقال العمراني في البيان: «والعامل أمين على مال القراض، لا يضمن شيئًا منه إلا بالتعدي؛ لأن رب المال ائتمنه عليه، فهو كالمودع» (٣). وقال ابن قدامة: «والعامل أمين في مال المضاربة؛ لأنه متصرف في مال غيره بإذنه، فكان أمينًا كالوكيل» (٤).

стр. 7018

المبحث الثاني في ضمان مال المضاربة بالتعدي أو بالتفريط الأمين لا يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان (١). [م-١٤٠٠] اتفق الفقهاء على أن عامل المضاربة إذا تعدى: بأن فعل ما ليس له فعله، أو فرط، بأن ترك ما يجب عليه فعله أنه يضمن، على اختلاف بينهم في بعض الأفعال هل تدخل في التعدي أو في الفعل المأذون فيه؟ على ما بيناه في المباحث السابقة، كالسفر في المال، وخلط مال المضاربة بمال العامل، ودفع مال المضاربة إلى مضارب آخر، والبيع بالدين، والبيع والشراء بغبن فاحش، والشراء بأكثر من رأس مال المضاربة، ونحو ذلك من الأفعال التي سبق بيان كلام أهل العلم فيها (٢). قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن رب المال إذا نهى العامل أن يبيع بنسيئة، فباع بنسيئة أنه ضامن» (٣). وقال ابن حزم: «واتفقوا أن صاحب المال إن أمر العامل ألا يسافر بماله فذلك جائز، ولازم للعامل، وأنه إن خالف فهو متعد» (٤). وقال أيضًا: «ولا ضمان على العامل فيما تلف من المال، ولو تلف كله، ولا

стр. 7019

فيما خسر فيه، ولا شيء له على رب المال إلا أن يتعدى أو يضيع فيضمن؛ لقول رسول الله ﷺ : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» (١). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن تعدى المضارب الشرط، أو فعل ما ليس له فعله، أو ترك ما يلزمه ضمن المال» (٢). * * *

стр. 7020

المبحث الثالث في اشتراط ضمان رأس مال المضاربة جاء في مجمع الضمانات: شرط الضمان على الأمين باطل (١). وذكر الحنابلة في قواعدهم الفقهية: «كل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، وما كان مضمونًا لا ينتفي ضمانه بشرطه» (٢). وفي مطالب أولي النهى: «ما لا يضمن بدون شرط لا يصير بالشرط مضمونًا» (٣). [م-١٤٠١] اشتراط الضمان على عامل المضاربة مسألة فقهية قديمة، وكان عامة الفقهاء المتقدمين يمنعون تضمين العامل بالشرط، وأعيد بحث هذه المسألة بشكل قوي في هذا العصر مع قيام المصارف الإسلامية، وكان الهدف الأساسي من إعادة بحثها هو محاولة تضمين المصرف الإسلامي للودائع الاستثمارية بالشرط باعتباره مضاربًا، وكانت الغاية النبيلة التي دفعت هؤلاء الباحثين إلى القول بالتضمين بالشرط هو منافسة البنوك الربوية، فهل يكفي ذلك لكي نقول بتضمين عامل المضاربة بالشرط، هذا ما سوف يتبين لنا إن شاء الله من خلال عرض هذه الأقوال، ومناقشة حججها. القول الأول: ذهب عامة الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم إلى أن اشتراط الضمان على الأمين باطل على خلاف بينهم هل يفسد العقد لبطلان الشرط:

стр. 7021

فقيل: العقد صحيح وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١). وقيل: العقد فاسد، وهذا مذهب المالكية والشافعية (٢). جاء في المنتقى للباجي: «فإن شرط الضمان على العامل فالعقد فاسد خلافًا لأبي حنيفة في قوله العقد صحيح» (٣). وقال ابن قدامة: «متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهمًا من الوضيعة، فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافًا، والعقد صحيح نص عليه أحمد» (٤). قال الماوردي: «وما كان أصله غير مضمون لم يلزم فيه الضمان بالشرط» (٥). القول الثاني: قيل: يصح تضمين العامل بالشرط ونسب هذا إلى ابن بشير وتلميذه ابن عتاب، وبه قال جمع من المتأخرين، منهم الشوكاني، والدكتور سامي حمود، والدكتور نزيه حماد (٦).

стр. 7022

القول الثالث: قيل: إن كان الضمان مشروطًا في العقد لم يصح وإن تبرع المضارب بالتزام الضمان صح بشرطين: أن يكون ذلك بعد العقد وليس في صلب العقد. وأن يكون ذلك بعد الشروع في العمل؛ لأن العقد لا يلزم إلا بعد الشروع فيه. وهذا مذهب المالكية، وبه أفتى المستشار الشرعي لمجموعة البركة (١). القول الرابع: يصح أن يتبرع بالضمان طرف ثالث أجنبي عن العقد بشرط ألا يرجع على العامل بما التزم به، وأن يكون هذا الالتزام مستقلًا عن عقد المضاربة، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطًا في نفاذ العقد. وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

стр. 7023

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، رقم: ١٢٢ (٥/ ١٣): وفيه: «المضارب أمين، ولا يضمن ما يقع من خسارة أو تلف إلا بالتعدي، أو التقصير، بما يشمل مخالفة الشروط الشرعية، أو قيود الاستثمار المحددة التي تم الدخول على أساسها، ويستوي في هذا الحكم المضاربة الفردية والمشتركة، ولا يتغير بدعوى قياسها على الإجارة المشتركة، أو بالاشتراط والالتزام، ولا مانع من ضمان الطرف الثالث طبقًا لما ورد في قرار المجمع، رقم: ٣٠/ (٥/ ٤) فقرة (٩) والله أعلم (١). وإذا انتهينا من تحرير الأقوال نأتي على ذكر الأدلة: دليل من قال: اشتراط الضمان في المضاربة فاسد مفسد: الدليل الأول: أن اشتراط الضمان على الأمين شرط ليس في كتاب الله: أي في حكمه. (ح-٩٠٣) وقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة

стр. 7024

مرفوعًا في قصة عتق بريرة من حديث طويل، وقوله ﷺ : ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق (١). وفي رواية: من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرط (٢). ونوقش هذا: بأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو السنة على تحريم اشتراط الضمان في الأمانات، وإذا لم يثبت فإن التزام مثل هذا الشرط لا يكون حرامًا؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز. الدليل الثاني: يد المضارب يد أمانة، واشتراط الضمان على الأمين باطل؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، واشتراط ما يخالف مقتضى العقد يفسده تمامًا كما لو اشترط عليه في البيع ألا يتصرف فيه، وفي النكاح ألا يدخل بها. قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي: «إذا شرط رب المال على العامل الضمان فالقراض فاسد ........ لأن موضوعه على الأمانة، فإذا شرط فيه الضمان فقد عقد على خلاف موضوعه، فوجب أن يفسد» (٣). وقال الماوردي: «لو شرطا في عقد القراض تحمل العامل للخسران كان القراض باطلًا؛ لاشتراطهما خلاف موجبه» (٤).

стр. 7025

بل ذهب جمع من الحنابلة إلى أن اشتراط الضمان ينافي مقتضى العقد. قال ابن قدامة: «ولا يصح أن يشترط ما ينافي مقتضى العقد نحو أن يشترط لزوم المضاربة، أو لا يبيع إلا برأس المال أو أقل ..... أو شرط على العامل الضمان أو الوضيعة ...... فالشرط فاسد؛ لأنه ليس في مصلحة العقد، ولا مقتضاه» (١). وقد صاغ الفقهاء على اختلاف مذاهبهم قواعد وضوابط فقهية لبيان أن التزام الضمان لا يصح. فجاء في مذهب الحنفية، جاء فيه: «اشتراط الضمان على الأمين باطل» (٢). وجاء في مذهب الشافعي، جاء فيه: «الشيء إذا كان حكمه في الأصل على الأمانة فإن الشرط لا يغيره عن حكم أصله» (٣). وجاء في المذهب الحنبلي، جاء فيه: «كل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، وما كان مضمونًا لا ينتفي ضمانه بشرطه» (٤). ويناقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن اشتراط الضمان على العامل ينافي مقتضى العقد، نعم يصح أن يقال: إن اشتراط الضمان يخالف مقتضى العقد، وبينهما فرق. وقد فرق بينهما المرداوي في الإنصاف حيث قال:

стр. 7026

وإن شرط توقيتها ـ يعني المضاربة ـ فسد العقد ... وشمل قسمين: أحدهما: ما ينافي مقتضى العقد نحو أن يشترط لزوم المضاربة، أو لا يعزله مدة بعينها، أو لا يبيع إلا برأس المال أو أقل .... والثاني: كاشتراط ما ليس من مصلحة العقد، ولا مقتضاه، نحو أن يشترط على المضارب المضاربة له في مال آخر، أو يأخذه بضاعة، أو قرضًا .... أو أن يشترط على المضارب ضمان المال، أو سهمًا من الوضيعة ... » (١). ففرق بين ما ينافي مقتضى العقد، وبين ما يخالف مقتضاه أي يخالف موجبه. فاشتراط ما ينافي مقتضى العقد لا يصح بحال بخلاف اشتراط ما يخالف مقتضى العقد فلا مانع منه إذا كان له غرض صحيح. فالبيع عليه بشرط ألا يتصرف فيه يعتبر شرطًا ينافي مقتضى العقد بخلاف اشتراط الضمان في الأمانات فإنه شرط يخالف مقتضى العقد ولا ينافيه، وبينهما فرق مثله تمامًا ما ذكرته في مسألة: ما إذا باع عليه واشترط ألا يبيعه، وقصد من الشرط نفع المشتري أو نفع السلعة، فالأول كما لو كان المشتري إذا ملك شيئًا باعه ولم يحسن التصرف في ثمنه، وأراد البائع أن ينتفع المشتري من المبيع، ومثال الثاني كما لو باعه حيوانًا، وعلم أن المشتري يرفق به، ولم يرغب في بيعه لغيره فلا مانع من اشتراط مثل ذلك على الصحيح، وإن كان شرطًا يخالف مقتضى العقد، والله أعلم. الوجه الثاني: نسلم لكم أن عقود الأمانات المطلقة الأصل فيها عدم الضمان، ولكن إذا

стр. 7027

التزم الشخص الضمان بالشرط فإنه يلزمه؛ لأنه قد أوجب على نفسه بالشرط ما لا يجب عليه بدونه، والأصل في الشروط الصحة والجواز. الدليل الثالث: الإجماع حكاه ابن قدامة وغيره، قال: «متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهمًا من الوضيعة، فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافًا» (١). وقال الباجي: «شرط الضمان على العامل .... يقتضي فساد العقد، ووجه ذلك: أن عقد القراض لا يقتضي ضمان العامل، وإنما يقتضي الأمانة، ولا خلاف في ذلك» (٢). جواب القائلين بالجواز عن حكاية الإجماع: حاول بعضهم أن يخرق الإجماع بأمور عند التحقيق لا يظهر أن الإجماع مخروق بها، من ذلك: رأى بعضهم أن الإجماع مخالف بقول ابن عتاب وشيخه أبي المطرف ابن بشير من المالكية في صحة تضمين العامل بالشرط. والذي أفهمه من قول ابن بشير وموافقة تلميذه ابن عتاب أنه لا يخالف ما ورد في مذهب المالكية: جاء في القاعدة الخامسة والسبعون: أن أبا المطرف بن بشير قد أملى عقدًا بدفع الوصي مال السفيه قراضًا إلى رجل على جزء معلوم، وأن العامل طاع بالتزام ضمان المال وغرمه (٣).

стр. 7028

فمعنى قوله: (وأن العامل طاع بالتزام الضمان) كلمة طاع بمعنى تطوع، والتطوع بالضمان من باب التبرع، وليس من باب الشروط. وهذا ما فهمه القاضي ابن زرب تصديقًا لكلام ابن بشير وتلميذه ابن عتاب، قال ابن زرب: «فلو تبرع بالضمان وطاع به بعد تمام الاكتراء لجاز ذلك، قيل له: فيجب على هذا القول الضمان في مال القراض إذا طاع به قابضه بالتزام الضمان، فقال: إذا التزم الضمان طائعًا بعد أن شرع في العمل فما يبعد أن يلزمه» (١). فتجد أن الكلام كله في باب التبرع بالضمان بعد لزوم العقد والشروع في العمل، وأن كلمة (طاع به) وردت في كلام ابن بشير وابن عتاب كما وردت في كلام القاضي ابن زرب، وكلها تعني التطوع بالضمان، ولا تعني الاشتراط، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن كلام ابن بشير وابن عتاب خارقًا للإجماع؛ لأن مسألة التبرع بعد لزوم العقد وبعد الشروع في العمل مسألة أخرى تختلف عن اشتراط الضمان في صلب العقد، وسيأتي مناقشة ذلك إن شاء الله تعالى عند ذكر أدلة الأقوال. ورأى بعضهم خرق الإجماع بقول قتادة وداود الظاهري وأبي حفص العكبري وابن تيمية والسعدي في صحة اشتراط ضمان العارية (٢).

стр. 7029

كما رأى بعضهم خرف الإجماع بقول عبيد الله بن الحسن العنبري والشيخ ابن عثيمين في صحة اشتراط ضمان الوديعة. كما رأوا خرق الإجماع بكلام عام في صحة التزام ضمان الأمانات على وجه العموم، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد. جاء في شرح ميارة، تحت عنوان: فصل في العارية والوديعة والأمناء نقلًا عن ابن الحاجب: «وإذا اشترط إسقاط الضمان فيما يضمن، أو إثباته فيما لا يضمن، ففي إفادته قولان» (١). وجاء في الإنصاف عند الكلام على ضمان العارية، قال: «وكل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، هذا المذهب، وعليه الأصحاب ... وعنه المسلمون على شروطهم كما تقدم» (٢). والذي تقدم قول الإمام أحمد في اشتراط نفي الضمان عن العارية، والمذهب أن العارية مضمونة مطلقًا، وعن الإمام أحمد في رواية أنه حين ذكر ذلك له، قال: المسلمون على شروطهم (٣). فما ورد عن الإمام أحمد ليس نصًا في ضمان مال المضاربة، والله أعلم. والنقاش: هل يصح أن يقال: إن الخلاف في ضمان الوديعة والعارية خارق لما حكي من إجماع في تحريم ضمان المضاربة بجامع أن كلًا منهما من باب اشتراط ضمان الأمانات. هل يقال: إذا صح التزام الضمان في الوديعة، وهي مقبوضة لحظ صاحبها،

стр. 7030

والمودَع محسن، فالتزام الضمان في المضاربة من باب أولى؛ لأنه قد قبضها لمصلحتهما (المالك والمضارب)؟ أو يقال: يختلف الضمان في الوديعة والعارية عن الضمان في عقد المضاربة، فالعقدان الأولان ليسا من عقود المعاوضة، فلا محذور شرعًا في التزام الضمان، وأما المضاربة فإنها من عقود المعاوضة، والتزامه يجعل الضمان جزءًا من المعاملة، ويحول رأس مال المضاربة إلى ما يشبه القرض، ويتحول الربح إن وجد إلى فائدة للقرض، فلا يصح التخريج. الذي أميل إليه هو الثاني، وأن الخلاف في ضمان الوديعة والعارية لا يصح أن يعارض به الإجماع الوارد في منع ضمان مال المضاربة بدليل أن الذي قال بجواز ضمان الوديعة والعارية لم يختلف قولهم بتحريم ضمان مال المضاربة، فلو كان الباب واحدًا لوجدت ا لخلاف محفوظًا في المسألتين، فلما اختلفوا في اشتراط ضمان الوديعة والعارية، ولم يختلفوا في المنع من ضمان مال المضاربة دل ذلك على أن مال المضاربة يختلف في الحكم عن مال الوديعة والعارية. وأما ما ورد عامًا عن بعض المالكية والحنابلة في صحة اشتراط الضمان في الأمانات، فيقال: إن الأمانات ليست معاملة واحدة، منها ما هو على سبيل المعاوضة، والتزام الضمان في العقد يكون مؤثرًا في صحته لوجود محاذير شرعية، ومن الأمانات ما ليس من عقود المعاوضات، والتزام الضمان لا يوقع في محاذير شرعية؛ لأن باب التبرعات أوسع من باب المعاوضات، فلا يؤثر في صحة العقد، فيحمل كلام الأئمة على الثاني دون الأول، والله أعلم، خاصة أن مذاهبهم صريحة في أن التزام الضمان في عقد المضاربة لا يصح، فيكون الحمل هذا متعينًا، والله أعلم.

стр. 7031

والقول الذي وقفت عليه في صحة التضمين بالشرط مما يدخل في المعاوضة ما ورد عن ابن نجيم في الأشباه والنظائر في ضمان العين المستأجرة ـ قاله تفقهًا من عنده وهو خلاف المذهب ـ وما جاء عن ابن تيمية في التزام الحارس بالضمان وكلاهما في غير تضمين عامل المضاربة بالشرط، ولا يخرق مثل ذلك الإجماع؛ لأن الإجماع وارد في المنع من تضمين عامل المضاربة. قال ابن نجيم: «حين تأليف هذا المحل ورد علي سؤال فيمن آجر مطبخًا لطبخ السكر وفيه فخار أذن للمستأجر في استعمالها، فتلف ذلك وقد جرى العرف في المطابخ بضمانها على المستأجر؟ فأجبت بأن المعروف كالمشروط فصار كأنه صرح بضمانها عليه» (١). وانتقد ذلك الحموي في غمز عيون البصائر، وقال: «لا يحل الإفتاء من القواعد والضوابط، وإنما على المفتي حكاية النقل الصريح كما صرحوا به» (٢). يعني أن صريح كلام الحنفية أن اشتراط الضمان غير صحيح، فلا يعدل عن ذلك إلى الاستدلال بالقواعد والضوابط الفقهية، والله أعلم. وقال ابن تيمية: «ويصح ضمان حارس ونحوه» (٣). ويبقى أن كل هذه النقول غير تضمين عامل المضاربة بالشرط؛ لأن عقد المضاربة يقوم على إطلاق التصرف في المال، وضمان رأس المال فيه يحول العقد إلى ما يشبه القرض، وإذا وجد الربح كان بمثابة الفائدة، والله أعلم.

стр. 7032

الدليل الرابع: اشتراط الضمان على العامل يعني اشتراط دراهم معلومة لرب المال، وهذا متفق على منعه في عقد المضاربة. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة» (١). وقال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا، أنه إذا اشترط العامل، أو رب المال على صاحبه شيئًا يختص به من الربح معلومًا دينارًا، أو درهما، أو نحو ذلك، ثم يكون الباقي في الربح بينهما نصفين، أو على ثلث، أو ربع، فإن ذلك لا يجوز ... » (٢). الدليل الخامس: العبرة في العقود بمعانيها وليس بأ لفاظها، وإذا اشتراط ضمان رأس المال على المضارب تحول المال المدفوع إلى قرض مضمون، فإن دفع المستقرض جزءًا من ربح المال كان قرضًا جر نفعًا، وإن لم يدفع إلى المقرض فوائد باعتبار أنه قد خسر، أو لم يربح كان المقرض قد رجع إليه رأس ماله، فما الفرق بين رجل قال لآخر: أقرضني مالًا، وإن ربحت أعطيتك نسبة من الربح ـ وهذا بالإجماع محرم، ولا يختلف العلماء كافة في تحريمه ـ وبين أن يقول: أعطني مالًا مقارضة، وأنا أضمن لك رأس المال، وإن ربحت أعطيتك نسبة منه، فلا يوجد في الحقيقة بين العقدين أي فرق جوهري، والشارع حريص على سد جميع الأبواب التي تؤدي إلى الوقوع في الربا أو تكون ذريعة إلى الوقوع فيه.

стр. 7033

دليل من قال: يبطل الشرط ويصح العقد: أما الدليل على بطلان الشرط فقد ذكرنا أدلته في القول السابق، وهي أدلة سالمة من المعارضة الصحيحة كما بينا. وأما الدليل على صحة العقد: (ح-٩٠٤) فقد استدلوا بما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه. عن عائشة ﵂، قالت: جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها .... فسمع بذلك رسول الله ﷺ ، فسألني، فأخبرته، فقال: خذيها، فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، قالت: عائشة، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أبطل الشرط وحده، وأبقى العقد صحيحًا، فدل الحديث على أن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد يبطل وحده، ولا يبطل معه العقد، ومنه مسألتنا هذه حيث تطرق الخلل إلى الشرط الذي وضعه المتعاقدان، فيبطل الشرط وحده، فوجوده كعدمه، ويصح العقد. ويجاب عن ذلك: قياس الشروط المالية على شرط غير مالي وهو اشتراط الولاء غير صحيح،

стр. 7034

فالولاء ليس مالًا، ولا يصح بيعه بخلاف اشتراط الضمان فإن اشتراطه سيكون له قيمة في العقد؛ لأن نصيب العامل الضامن من الربح سيكون أكبر من نصيبه مع عدم الضمان، فكان الضمان مقابلًا بجزء من الربح، فإذا أبطلنا الشرط فلا بد أن نبطل عوضه، وإذا كان عوض الضمان مجهولًا عاد ذلك بالجهالة على نصيب العامل ورب المال، كما أن لرب المال أن يقول: أنا لم أرض بالمضاربة إلا بالشرط الذي اتفقنا عليه، فإذا كان الشرط باطلًا فليبطل العقد، حيث فات الرضا الذي هو شرط في صحة جميع العقود. ونوقش هذا: بأن رب المال إن كان عالمًا بأن الشرط فاسد فلا حق له، لدخوله على بينة، وإن كان لا يعلم بفساد الشرط فإنه يملك بموجب العقد فسخ العقد متى شاء باعتبار أن عقد المضاربة من العقود الجائزة. ويجاب: بأن رب المال إذا لجأ إلى الفسخ لكون العقد في ا لمضاربة من العقود الجائزة لا يعني إبطال أثر العقد فيما مضى بخلاف ما إذا تبين أن العقد من الأصل باطل، والله أعلم. دليل من قال: يصح العقد والشرط: الدليل الأول: (ح-٩٠٥) ما رواه الترمذي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا.

стр. 7035

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: (ح-٩٠٦) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر أدرعًا، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة. قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب (٣). وجه الاستدلال: العارية ليست مضمونة على الصحيح، بل هي أمانة في يد صاحبها لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط، وقد ضمنها النبي ﷺ بالشرط، فدل على أن الأمانات تضمن بالشرط، ومنه ضمان رأس مال المضاربة. وأجيب بعدة أجوبة: الأول: أن الحديث مضطرب من مسند صفوان.

стр. 7036

وأجيب: بأن الحديث وإن كان مضطربًا من مسند صفوان فإنه حسن من مسند جابر رضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ (١).

стр. 7037

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7040

الجواب الثاني: من الشروط الأساسية لصحة القياس أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتًا بالنص أو بالإجماع، والعارية قد اختلف العلماء، هل هي مضمونة مطلقًا، أو أمانة في يد صاحبها لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط، فإذا كان الأصل مختلفًا فيه فكيف يحتج علينا بالقياس عليه. الجواب الثالث: لو صح الاستدلال بالحديث لكان هناك فرق بين العارية ومال المضاربة، ذلك أن العارية واجبة الرد بعينها بلا زيادة ولا نقصان، فالضمان متوجه إلى عين يجب ردها بخلاف مال القراض فإن العامل يأخذ المال ليتصرف فيه لمصلحة مالكه ومصلحة العامل، فإذا شرط عليه الضمان فقد اشتغلت ذمته بالرد فيتحول رأس مال المضاربة إلى دين في ذمة العامل، فإن أخذ رب المال ربحًا صار من الربا، والله أ علم. الجواب الرابع: على فرض أن تكون العارية غير مضمونة فإن هناك فرقًا بين ضمان العارية
следующие страницы →