← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

وأجيب: بأن الحديث وإن كان مضطربًا من مسند صفوان فإنه حسن من مسند جابر رضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ (١).

стр. 7037

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7040

الجواب الثاني: من الشروط الأساسية لصحة القياس أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتًا بالنص أو بالإجماع، والعارية قد اختلف العلماء، هل هي مضمونة مطلقًا، أو أمانة في يد صاحبها لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط، فإذا كان الأصل مختلفًا فيه فكيف يحتج علينا بالقياس عليه. الجواب الثالث: لو صح الاستدلال بالحديث لكان هناك فرق بين العارية ومال المضاربة، ذلك أن العارية واجبة الرد بعينها بلا زيادة ولا نقصان، فالضمان متوجه إلى عين يجب ردها بخلاف مال القراض فإن العامل يأخذ المال ليتصرف فيه لمصلحة مالكه ومصلحة العامل، فإذا شرط عليه الضمان فقد اشتغلت ذمته بالرد فيتحول رأس مال المضاربة إلى دين في ذمة العامل، فإن أخذ رب المال ربحًا صار من الربا، والله أ علم. الجواب الرابع: على فرض أن تكون العارية غير مضمونة فإن هناك فرقًا بين ضمان العارية

стр. 7041

وبين ضمان مال المضاربة، فالعارية ليست من عقود المعاوضات، والجهالة فيها مغتفرة، بينما التزام الضمان في مال المضاربة من عقود المعاوضات، وضمانه يحوله إلى قرض، فإن أخذ رب المال زيادة على رأس ماله كان قرضًا جر نفعًا، وذلك يوقع في صريح الربا. الدليل الثالث: لم يثبت دليل من الكتاب أو من السنة على تحريم اشتراط الضمان في الأمانات، وإذا لم يثبت فإن التزام مثل هذا الشرط لا يكون حرامًا. ونوقش هذا: بأنه قد نقل الإجماع على تحريم اشتراط الضمان في مال المضاربة، والإجماع دليل من أدلة الشرع، ولم نقف على قول فقهي يقول بجواز التزام الضمان في مال المضاربة كشرط في صلب العقد، بل صريح كلامهم أنه متى تضمن العقد شرطًا في ضمان رأس المال فإن العقد يفسد عند كل من المالكية والشافعية، أو يفسد الشرط وحده عند الحنفية والحنابلة، والخلاف الوارد فيه فيما لو تبرع العامل بالضمان بعد العقد والشروع في العمل، وهذا الخلاف لا يخرق الإجماع. الدليل الرابع: قياس عامل المضاربة ـ خاصة عامل المضاربة المشترك كالمصارف الإسلامية ـ على الأجير المشترك، وقياسه من ناحيتين: الأولى: أن المضارب المشترك (البنك) يأخذ الأموال من كافة الناس تمامًا كما يفعل الأجير المشترك. الثاني: أن المالكية ذهبوا إلى أن الأصل في يد الأجير المشترك أنها يد

стр. 7042

أمانة، ولكن لما فسد الناس وظهرت خيانة الأجراء ضمن الصناع، وكل من تقتضي المصلحة العامة تضمينه من الأجراء المشتركين حيث تقوم به التهمة. وهو من باب الاستحسان (١). «ووجه المصلحة فيه: أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط، وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا، ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين» (٢). يقول ابن رشد في المقدمات: «الأصل في الصناع أن لا ضمان عليهم، وأنهم مؤتمنون؛ لأنهم أجراء، وقد أسقط النبي ﷺ الضمان عن الأجراء في الائتمان، وضمنوهم نظرًا واجتهادًا لضرورة الناس إلى استعمالهم، فلو علموا أنهم يؤتمنون، ولا يضمنون، ويصدقون فيما يدعون من التلف لتسارعوا إلى أخذ أموال الناس واجترؤوا على أكلها، فكان ذلك ذريعة إلى إتلاف الأموال وإهلاكها، وللحق أرباب السلع في ذلك ضرر شديد؛ لأنهم بين أن يدفعوها إليهم فيعرضوها للهلاك، أو يمسكوها مع حاجتهم إلى استعمالها فيضر ذلك بهم» (٣). »

стр. 7043

فإذا كان انفراد الأجير المشترك بالعمل في الشيء الذي استؤجر عليه، وترجيح جانب الهلاك نتيجة تفريطه المفترض هما من العوامل التي دعت المالكية لاعتباره ضامنًا، فإن المضارب المشترك لا يقل شبهًا في وضعه بالنسبة للمستثمرين عن الأجير المشترك حيث ينفرد المضارب المشترك بإدارة المال جريًا وراء الكسب السريع إلى الإقدام على إعطاء المال للمضاربين المقامرين دون تحفظ أو مراجعة للموازين» (١). وأجيب على هذا من أكثر من وجه: الجواب الأول: أن من أحد الشروط الأساسية لصحة القياس أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتًا بالنص أو بالإجماع، وهذا غير متوفر في مسألتنا هذه، فقد اختلف العلماء في تضمين الأجير المشترك: فهناك من العلماء من يرى: أن يد الأجير المشترك يد أمانة مطلقًا فلا يضمن ما تلف بعمله ما لم يتعد، وهو اختيار زفر من الحنفية والأظهر عند الشافعية، وصوبه صاحب الإنصاف من الحنابلة، والله أعلم (٢). كما ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الأجير لا يضمن ما يتلف بسبب يرجع إلى الحفظ، وإنما يضمن فقط ما تلف بسبب فعله (٣). وقد بسطت الأقوال وأدلتها في كتاب الإجارة، فأغنى ذلك عن إعادة الموضوع.

стр. 7044

فإذا كان الأصل المقيس عليه مختلفًا فيه فكيف يكون القياس عليه حجة يستدل به؟ الجواب الثاني: من شروط القياس أن تكون العلة متساوية في تحققها بين الفرع والأصل، وهذا غير متحقق في مسألتنا: فعلة الضمان في الأجير المشترك على القول به هو ما سبق أن نقلته عن الشاطبي: وهو أن الصناع يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فإذا لم يضمنوا حملهم ذلك على تضييع تلك الأعيان. ومحل الضمان في عقد الأجير المشترك أعيان يطلب من الأجير حفظها، وهذه الأعيان ليست عرضة للربح والخسارة، والأصل فيها أنها لا تهلك في يد الأجير أو الصانع المشترك إلا بسبب تعد أو تفريط، وهذه العلة غير موجودة في مال المضاربة، ذلك أن النقود في عقد المضاربة يقصد فيها النماء من خلال التصرف في تلك الأموال، وهذه الأموال عرضة للربح والخسارة بطبيعتها، وعامل المضاربة حريص على تحقيق الربح لوجود مصلحة مشتركة بينه وبين رب المال، وضياع المال يعني ضياع عمل العامل أيضًا، فتضمينه بما لم يثبت تعديه وتقصيره لا يجوز. الجواب الثالث: يرى الشيخ سامي حمود وفقه الله أن الأجير لما كان مشتركًا، وينفرد بالعمل الذي استؤجر عليه، هو السبب الذي دعا المالكية إلى القول بتحميله الضمان، ولما كان المضارب في المضاربة المشتركة مشتركًا وينفرد بإدارة المال كان هذا

стр. 7045

شبهًا كافيًا في تحميله الضمان قياسًا على الأجير. وهذا ليس صحيحًا، وإنما السبب في تضمين الصناع أن الصناع يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، وأما انفراد المضارب في إدارة المال فإنه الأصل في عقد المضاربة، بل إن بعض أهل العلم يشترط لصحة المضاربة انفراد المضارب بالتصرف، ولم يقل أحد من أهل العلم أن انفراده بالتصرف موجب لضمانه، ولو صح هذا القياس للزم أن يقال: إن الوديع والوكيل المشترك يضمن وإن لم يتعد أو يفرط؛ لكونه مشتركًا وينفرد بالحفظ والعمل، وهذا غير صحيح. والله أعلم (١). الدليل الخامس: قد صحح المالكية التطوع بالضمان بعد العقد وبعد الشروع فيه، ويصبح الوعد به ملزمًا للعامل؛ فإذا صح التطوع بالضمان بعد العقد، صح التطوع بالضمان في صلب العقد؛ لأن ما لا يجوز التزامه في العقد لا يجوز التطوع بالتزامه بعده. ويناقش: بأن مذهب المالكية أن عقد المضاربة عقد لازم، وليس عقدًا جائزًا خلافًا لمذهب الجمهور، وأن العقد لا يلزم إلا بالشروع فيه، وأن التطوع بالضمان عندهم إن كان قبل لزوم العقد لم يصح؛ لأن التطوع به يلحق بالعقد؛ لأن العقد قبل لزومه لم يستقر بعد فجميع ما يضاف إلى العقد قبل لزومه يلحق بأصل العقد، ويكون تعديلًا للعقد السابق، والضمان في هذه الحالة يكون كما لو

стр. 7046

اشترط في صلب العقد، تمامًا كما لو زيد في الثمن أو في المبيع قبل لزوم البيع أو في مدة الخيار فإنه يلحق بالثمن أو بالمبيع. وإن كان التطوع بالضمان بعد لزم العقد لم يلحق بالعقد على الصحيح، ويعتبر هبة محضة منفصلة عن العقد، وليست جزءًا منه، فلا تلحق بالعقد، وهذا هو السبب الذي جعل المالكية يفرقون بين أن يكون الضمان في صلب العقد فيكون فاسدًا مفسدًا، وبين التبرع به بعد لزوم العقد والشروع في العمل فلا يكون فاسدًا. ولو كان الإلزام بالضمان في هذه الحالة عند المالكية يرونه جزءًا من المعاوضة لم يلزموا به؛ لأن مذهب المالكية صريح في منع الإلزام بالوعد في باب المعاوضات، كما بينا مذهبهم في بيع المرابحة للآمر بالشراء (١)، وإنما تبنوا الإلزام بالوعد في باب التبرعات وما كان من قبيل المعروف المحض، إن خرج على سبب، ودخل الموعود له بسببه في كلفة، وهو مذهب لهم خلافًا لمذهب الجمهور (٢).

стр. 7047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7048

فإذا كان هذا هو التوصيف الفقهي عند المالكية للتبرع بالضمان، وأنهم إنما قبلوه وصححوه؛ لأنه من قبيل الوعد بالمعروف بعد لزوم العقد والشروع فيه لم يكن له صفة الإلزام على الصحيح، وقد قال فضيلة الشيخ نزيه حماد نفسه في المواعدة على الشراء: «لم ينقل عن أحد منهم - يعني من الفقهاء- قول بأن في المواعدة قوة ملزمة لأحد المتواعدين، أو لكليهما؛ لأن التواعد على إنشاء عقد في المستقبل ليس عقدًا» (١). وأما قولهم: إذا صح التطوع بالضمان بعد العقد، صح التطوع بالضمان في صلب العقد فهذا الكلام غير صحيح؛ لأن التطوع به في صلب العقد، وقبل

стр. 7049

لزومه يكون جزءًا من عقد المعاوضة بخلاف التبرع به بعد لزوم العقد، ولا يصح أن تقاس عقود المعاوضات على عقود التبرعات، وذلك أن عقود التبرعات يتسامح فيها ما لا يتسامح في عقود المعاوضات، حثًا للناس على التبرع، وترغيبًا لهم في ذلك، ألا ترى أن صورة القرض هي تمامًا صورة بيع النقد بالنقد نسيئة، لكن أبيح الأول؛ لأنه تبرع، ومنع الثاني؛ لأنه معاوضة، والغرر الكثير مؤثر في عقود المعاوضات بالاتفاق، أما في عقود التبرعات فالصحيح الذي عليه الجمهور أنه غير مؤثر (١). ولو أنه أقرضه بشرط أن يقضيه خيرًا مما أعطاه حرم بالاتفاق، ولو قضاه خيرًا مما أعطاه بلا شرط لم يحرم على الصحيح. (ح-٩٠٧) يدل لذلك ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء (٢). قال ابن عبد البر: «في حديث أبي رافع هذا ما يدل على أن المقرض إن أعطاه المستقرض أفضل مما أقرضه جنسًا، أو كيلًا، أو وزنًا، أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه ﷺ أثنى فيه على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك، ولم يقيده بصفة» (٣).

стр. 7050

قال الصنعاني: «ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعًا؛ لأنه لم يكن مشروطا من المقرض وإنما ذلك تبرع من المستقرض ... » (١). وعليه فلا يصح أن يقال: إذا صح أن يقضيه خيرًا مما أعطاه عند الوفاء وبعد القرض فلا مانع من اشتراطه في صلب العقد. وبالجواب عن هذا الدليل نكون قد عرضنا أدلة قول المالكية والجواب عنها ضمن هذا الدليل، والحمد لله. دليل من قال: يصح إن تطوع بالضمان طرف ثالث أجنبي: الدليل الأول: الأصل في العقود الصحة والجواز ما لم يرد دليل على المنع، والمنع إنما ورد في التزام الضمان من قبل العامل حتى لا تجتمع عليه خسارتان: خسارة ضمان النقص، وخسارة عمله بلا مردود، والطرف الثالث متبرع، وإذا كان التبرع بالمال جائزًا فإن التبرع بالضمان أولى بالجواز. وأجيب: أن الطرف الضامن الثالث يقصد به إما الحكومة، أو أن يضمن البنك صناديق الاستثمار التابعة له والذي يتولى إدارته على أساس المضاربة، فالأول غير مقبول؛ لأن الخزينة العامة ملك للجميع، فلا يصح أن تتحمل خسائر بعض الأفراد، والثاني لا يمكن اعتباره أجنبيًا؛ لأن البنك من أكبر المساهمين في الصندوق. وإذا تصور أن يوجد طرف ثالث خاص يتبرع بالضمان دون أن يكون له أي

стр. 7051

مردود بطريقة مباشرة كالأجر أو غير مباشرة كتبادل الضمان فيما بينها وبين الجهة المضمونة إذا تصور وجود مثل هذا فإن القول بجوازه متجه (١). الدليل الثاني: إذا صح عند المالكية أن يتبرع عامل المضاربة بالضمان بعد لزوم العقد والشروع فيه، وهو أحد طرفي العقد فكونه يتطوع بالضمان طرف ثالث مستقل أولى بالجواز خاصة أننا نشترط لهذا التبرع ألا يكون جزءًا من العقد بحيث لا يرجع المتبرع على العامل بما التزم به، ولا يعتبر قيام الواعد بما وعد شرطًا في نفاذ العقد، ولا امتناعه عن الوفاء بما وعد حجة لبطلان العقد. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: هذا الواعد بالتبرع لا يخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يكون مشروطًا في صلب العقد، أو معروفًا من طبيعة المعاملة أن طرفًا ثالثًا سوف يلتزم بالضمان؛ لأن المعروف كالمشروط، أو كان ذلك قبل لزوم العقد على القول بأن عقد المضاربة عقد لازم كما هو مذهب المالكية فإن ذلك لم يقل بجوازه أحد من أهل العلم. جاء في تبيين الحقائق: «الكفالة من شرط صحتها أن يكون المكفول به مضمونًا على الأصيل بحيث لا يمكنه أن يخرج عنه إلا بدفعه أو بدفع بدله؛ لأن الكفالة التزام المطالبة بما على الأصيل، فلا بد أن يكون واجبًا على الأصيل ومضمونًا عليه ........ فلا يمكن إيجاب الضمان على الكفيل وهو ليس بواجب

стр. 7052

على الأصيل، وكذا الأمانات ليست بمضمونة على الأصيل لا عينها، ولا تسليمها، وهي كالودائع والمضاربات، والشركات فلا يمكن جعلها مضمونة على الكفيل، فلا تصح الكفالة بها» (١). وجاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير: «إن دفع رب المال للعامل المال، واشترط عليه أن يأتيه بضامن يضمنه فيما يتعلق بتعديه فلا يفسد بذلك؛ لأن هذا شرط جائز، وأما إن شرط عليه أن يأتيه بضامن يضمنه مطلقًا تعدى في التلف أم لا فسد القراض، ولو كان الضمان بالوجه، ولا يلزم» (٢). وجاء في الأشباه والنظائر للسيوطي: «فأما الأعيان فإن لم تكن مضمونة على من هي في يده كالوديعة، والمال في يد الشريك، والوصي، والوكيل، فلا يصح ضمانها قطعًا، وإن كانت مضمونة صح ضمان ردها على المذهب» (٣). وجاء في كشاف القناع: «ولا يصح أيضًا ضمان الأمانات كالوديعة والعين المؤجرة، ومال الشركة، والمضاربة، والعين المدفوعة إلى الخياط والقصاب ونحوهما؛ لأنها غير مضمونة على من هي في يده فكذا على ضامنه ..... إلا أن يضمن التعدي فيها: أي الأمانات فيصح الضمان؛ لأنها إذن مضمونة على من هي في يده، فأشبهت الغصوب» (٤). الحال الثانية: أن يكون هذا الوعد ليس مشروطًا في صلب العقد، وإنما تطوع به طرف ثالث

стр. 7053

بعد الشروع في العمل، وهذا الذي يمكن تخريجه على قول المالكية فيما لو تطوع عامل المضاربة بالضمان بعد لزوم العقد وشروعه في العمل، وفي هذه الحالة نقول: إن كان التبرع ملزمًا لمن وعد به فإن الإلزام من طبيعة العقود، وليس من طبيعة الوعود على أصح أقوال أهل العلم، فيعتبر جزءًا من العقد فلا يصح؛ لأننا لو جعلنا الوعد ملزمًا صار ضمانًا لازمًا، وهذا لا يجوز. يقول فضيلة الشيخ يوسف الشبيلي: «إقحام الوعد الذي في أصله تبرع في مسائل المعاوضات يحول الأمور إلى مسائل شكلية تتغير فيها الأحكام بمجرد تغير الأسماء: فيصح لمن اقترض مالًا أن يعد برده وزيادة عليه تطوعًا، ويكون هذا من باب الوعد الملزم، وليس من باب الاقتراض بفائدة. ويصح لمن ابتاع سلعة قبل أن يملكها البائع أن نلزمه بالشراء؛ لأن هذا وعد ملزم، وليس من بيع ما لا يملك. وإذا جاز أن نلزم الطرف الثالث بالوعد فلم لا يجوز أن نلزم المضارب إذا وعد بذلك، ولا يعتبر ذلك مشروطًا. وهكذا ما لا يستباح بالعقد يمكن استباحته تحت مسمى الوعد الملزم، والنتيجة التي لا مفر منها أن يصبح جوهر عمليات المصارف الإسلامية هو جوهر عمليات المصارف الربوية، والفارق يكمن في طريقة الإخراج» (١). وإن كان الوعد غير ملزم، وكان هبة محضة، ولم يكن ثمة ثمن لهذا التبرع ولا فائدة مباشرة ولا غير مباشرة تعود إلى المتبرع فإن الوعد به صحيح، والوفاء به مستحب، ولا يلزم إلا بالقبض على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهذه الصورة غير موجودة في المعاملات المصرفية.

стр. 7054

يقول الشيخ يوسف الشبيلي: «القول بأن الطرف الثالث متبرع بهذا الضمان دعوى يكذبها الواقع، فإن المؤسسات المالية لم تفتح أبوابها لتتصدق على الناس، وتحسن إليهم، ولئن صدق ذلك في بعض الحالات النادرة فإنه لا يصح في معظمها، فهذه المؤسسات لا تقدم على أي خطوة إلا ولها مصلحة مادية منها، فهي وإن تبرعت بيدها اليمنى فإنها تأخذ أكثر بيدها اليسرى، فحري بالمفتي ألا يغتر بظواهر الألفاظ، وأن ينظر في عاقبة فتواه، لاسيما في مثل هذه البيئة الموبوءة بالربا، والتي تستحله بأدنى الحيل، فما الذي يمنع أن تتفق البنوك على تبادل الضمانات فيما بينها، وبذا يتحول معنى المشاركة في الربح والخسارة إلى صورة افتراضية لا وجود لها في الواقع. والخلاصة: إنه إذا تطوع طرف ثالث بالضمان فيصح تطوعه لكن لا يكون ملزمًا له، ولا يصح أن يطالب به قضاء، والله أعلم» (١). الراجح من الخلاف: اشتراط الضمان في مال المضاربة لا يصح مطلقًا، لا من عامل المضاربة، ولا من طرف ثالث أجنبي. وأما التبرع بالضمان من طرف ثالث غير مستفيد بعد الشروع في العمل فإنه يجوز بشرط ألا يكون هناك أي مصلحة للمتبرع مباشرة أو غير مباشرة، على أن يكون ذلك هبة لا تلزم إلا بالقبض، على أن تبرع البنك بضمان مال الصناديق أو تبرع البنك لبنك آخر يعتبر من تبرع المستفيد احتياطًا للسلامة، وسدًا لطرق الربا، والله أعلم. * * *

стр. 7055

الفصل الثامن في المضاربة الفاسدة العقود الجائزة لا يمنع فسادها نفوذ التصرف فيها (١). قال ابن تيمية: يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح (٢). العقد الفاسد يجب فسخه ما لم يفت بالعمل (٣). [م-١٤٠٢] إذا فسدت المضاربة لأي سبب من الأسباب جرى عليها الأحكام التالية: الحكم الأول: يجب فسخ العقد ورد المال إلى صاحبه. قال ابن رشد: «واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه، ورد المال إلى صاحبه، ما لم يفت بالعمل» (٤). الحكم الثاني: أن فساد عقد المضاربة لا يرجع إلى تصرف العامل بالبطلان فيما تصرف فيه قبل منعه من العمل، بل يعتبر تصرفًا نافذًا صحيحًا. جاء في المهذب: «وإن قارض قراضًا فاسدًا، وتصرف العامل نفذ تصرفه؛ لأن العقد بطل، وبقي الإذن فملك به التصرف» (٥). وجاء في مغني المحتاج: «وإذا فسد القراض نفذ تصرف العامل؛ للإذن فيه

стр. 7056

كما في الوكالة الفاسدة، وليس كما لو فسد البيع لا ينفذ تصرف المشتري؛ لأنه إنما يتصرف بالملك، ولا ملك في البيع الفاسد» (١). وقال ابن قدامة: «وفي المضاربة الفاسدة .... أنه إذا تصرف نفذ تصرفه؛ لأنه أذن له فيه، فإذا بطل العقد بقي الإذن، فملك به التصرف كالوكيل» (٢). الحكم الثالث: أن عامل المضاربة في العقد الفاسد لا يضمن ما تلف إلا أن يتعدى أو يفرط؛ لأن حكم القراض الفاسد كحكم الصحيح في باب الضمان (٣). جاء في الهداية شرح البداية: «والمال في المضاربة الفاسدة غير مضمون بالهلاك اعتبارًا بالصحيحة» (٤). وعلل ذلك الزيلعي في تبيين الحقائق بكون الفاسد من العقود يأخذ حكم الصحيح منها ـ يعني في باب الضمان (٥). وجاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: «لو تلف رأس المال في المضاربة الفاسدة في يد المضارب بلا تعد ولا تقصير فلا يلزم ضمان؛ لأن المضارب أمين فلا يضمن» (٦). وجاء في القواعد الفقهية: «فاسد كل عقد كصحيحه في باب الضمان وعدمه» (٧).

стр. 7057

وقال السيوطي: «قال الأصحاب: كل عقد اقتضى صحيحه الضمان فكذلك فاسده، وما لا يقتضي صحيحه ا لضمان فكذلك فاسده» (١). [م-١٤٠٣] الحكم الرابع: إذا فسدت المضاربة فإن ربح رأس المال يكون لربه؛ لأنه نماء ماله،

стр. 7058

والخسارة عليه كذلك، واختلفوا في حق العامل على ثلاثة أقوال. القول الأول: ذهب محمد بن الحسن من الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أن العامل يستحق أجرة المثل مطلقًا، ربح المال أو لم يربح (١). وجه اعتبار أجرة المثل: الوجه الأول: إذا فسدت المضاربة فإن ربح رأس المال يكون لربه؛ لأنه نماء ماله، والخسارة عليه كذلك، والعامل في هذا العقد الفاسد أصبح أجيرًا، وليس مضاربًا؛ والأجير إذا لم تكن الأجرة مسماة فإنه يستحق أجرة المثل. الوجه الثاني: أن العقد الفاسد لما فسد بطل المسمى؛ لأن المسمى إنما يستحق بالشرط، وقد فسد، فكان الرجوع إلى المسمى مع فساد العقد تصحيحًا للعقد، وهذا لا يصح، وإذا بطل المسمى لفساد العقد رجعنا إلى أجرة المثل؛ لأن العامل إنما بذل منافعه ليأخذ عوضه وذلك متعذر في العقد الفاسد فوجب له قيمته وهي أجر مثله. القول الثاني: ذهب أبو يوسف من الحنفية، وهو قول في مذهب الشافعية: أن العامل له أجرة المثل بشرط أن يربح، فإن لم يربح لم يستحق شيئًا (٢). وجه هذا القول: أن العقد الفاسد ليس فوق العقد الصحيح، فإذا كان العقد الصحيح لا يستحق العامل شيئًا مع عدم الربح فكذلك القراض الفاسد لا يستحق شيئًا عند عدم الربح. وأجيب: قال الماوردي: «الجواب عن قوله: إن العقد إذا فسد حمل على حكمه لو صح فهو: أنه يحمل على ذلك في وجوب الضمان وسقوطه، ولا يحمل على حكم الصحيح فيما سوى الضمان ...... ألا ترى أن من باع عبدًا بمائة بيعًا

стр. 7059

فاسدًا، وهو يساوي ألفًا ضمن المشتري بتلفه ألفًا، وإن رضي البائع أن يخرج عن يده بمائة؛ لأنه لو باعه بألف بيعًا فاسدًا، وهو يساوي مائة لم يضمن المشتري بتلفه إلا مائة، كذلك في القراض الفاسد» (١). القول الثالث: مذهب المالكية: اختلف قول مالك في المستحق في القراض الفاسد، فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: أن للعامل قراض المثل مطلقًا، وهو رواية ابن الماجشون عن مالك، وبه قال أشهب (٢). وجه اعتبار قراض المثل: أن الأصول موضوعة على أن كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه كالنكاح والبيع والإجارة، فكذلك القراض. والأخرى: أن للعامل أجرة المثل مطلقًا، وبه قال عبد العزيز بن أبي سلمة (٣). وجه اعتبار أجرة المثل: لما فسد العقد بطل المسمى؛ فوجب الرجوع إلى أجرة المثل قياسًا على الإجارة الفاسدة. وهناك من فصل فرأى أن بعض القراض الفاسد يرد إلى قراض المثل، وبعضه يرد إلى أجرة المثل على خلاف بينهم:

стр. 7060

فقيل: إن كان سبب الفساد اشتراط منفعة من أحد المتقارضين داخلة في أصل المال، ولمشترطها شبهة فيها، بمعنى أن التضييق ليس شديدًا، فيعطى العامل قراض مثله من الربح إن كان ثمة ربح، وإلا فلا شيء له، وحصروا ذلك في عشرة أمثلة من ذلك (١) أن يكون القراض بعرض. (٢) أو إلى أجل (٣) أو بجزء مبهم (٤) أو بدين. (٥) أو اشترط فيه الضمان. (٦) أو كان تحديده بسلعة قد لا توجد أحيانًا (٧) أو قال له: اشتر سلعة فلان ثم اتجر في ثمنها. (٨) أو اشترط عليه ألا يشتري إلا بدين (٩) أو أعطاه دنانير وشرط عليه أن يصرفها ثم يتجر في ثمنها. (١٠) أو اختلفا في الربح ولم يشبها. وإن كان سبب الفساد اشتراط منفعة من أحد المتقارضين خارجة عن أصل المال، وليس لمشترطها شبهة فيها، بمعنى أن التضييق بالشروط كان شديدًا، والغرر بين فيعطى العامل أجرة مثله. وهذا في كل قراض فاسد مما عدا الأمثلة العشرة السابقة، ومثلوا له: كأن يشترط يده مع العامل، أو يشترط مراجعته، أو يشترط أمينًا عليه، أو يشترط عليه أن يخيط ثياب التجارة، أو يخرز جلودها، أو يشرط عليه أن يشارك غيره

стр. 7061

في مال القراض، وهذا قول ابن القاسم في روايته عن مالك، وقول مطرف وابن نافع، وابن عبد الحكم وأصبغ (١). وقيل: إن كان الفساد في العقد فقراض المثل، وإن كان الفساد من جهة الزيادة زادها أحدهما على الآخر فأجرة المثل. وهذا القول رواية عن ابن القاسم (٢). وقيل: له الأقل من قراض المثل، أو مما سمي له من الربح، وهذا رواية ابن المواز عن مالك (٣). وجه هذا القول: إن كان قراض المثل هو الأقل فهو لا يستحق غيره؛ لأن العقد الفاسد مردود إلى صحيحه لا إلى صحيح غيره. وإن كان المسمى هو الأقل فقد رضي به العامل؛ فلا يوجب فساد العقد زيادة في العوض. ومنشأ الخلاف أمران: أحدهما: هل المستثنى من العقود إذا فسد يرد إلى صحيح نفسه كفاسد البيع، فإذا فسد القراض وجب قراض المثل.

стр. 7062

أو يرد المستثنى إلى صحيح أصله باعتبار أن القراض مستثنى من الإجارة، فيكون المستحق أجرة المثل؛ لأن الشرع إنما استثنى الصحيح لاشتماله على القوانين الشرعية، فإذا فسد المستثنى رجعنا إلى أصله؛ لأن الشرع لم يستثن الفاسد، فهو مبقى على العدم، وله أصل يرجع إليه. والفرق بين فاسد القراض وفاسد البيع: أن البيع ليس له أصل آخر يرجع إليه في ذلك بخلاف القراض. وثانيهما: أن أسباب الفساد إذا تأكدت بطلت حقيقة القراض بالكلية، فتتعين الإجارة، وإن لم تتأكد اعتبرنا القراض، ثم النظر بعد ذلك في المفسد، هل هو متأكد أم لا هو تحقيق مناط (١). والفرق بين قراض المثل وأجرة المثل: أحدها: أن قراض المثل يتعلق بالربح، فإن لم يكن في المال ربح فلا شيء للعامل، وأما أجرة المثل فإنها تتعلق بذمة رب المال سواء كان في المال ربح أم لا. الثاني: في حال الموت والفلس فإن أجرة المثل يحاصص بها الغرماء؛ لتعلقها بالذمة، وأما قراض المثل فهو أحق بما في يده من الغرماء؛ لتعلق حقه بالمال. الثالث: أن ما وجب فيه قراض المثل إذا عثر عليه في أثناء العمل لا يفسخ العقد ويتمادى العامل بخلاف ما وجب فيه أجرة المثل فإن العقد يفسخ متى عثر عليه، ولا يمكَّن من التمادي (٢).

стр. 7063

القول الرابع: أن المضاربة الفاسدة تجري مجرى الصحيحة في جميع أحكامها، فيقتسمان الربح على ما شرطاه، وهذا ما اختاره الشريف أبو جعفر من الحنابلة. واستدل له: بأنه عقد يصح مع الجهالة فيثبت المسمى في فاسده كالنكاح (١). الراجح: الذي أميل إليه أن يعطى العامل ربح المثل؛ لأن القول بإعطائه أجرة مثله يلزم عليها كون العامل يستحق الأجرة مطلقًا ربح أم لم يربح، وقد تزيد الأجرة على رأس المال. وقد يربح أرباحًا طائلة، وقد لا يربح فيعود ذلك بالضرر على أحد العاقدين، وقد يحاول العامل أن يفسد عقد المضاربة إذا لم يجد ربحًا ليأخذ أجرة المثل مطلقًا. يقول ابن تيمية: «الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل، لا أجرة المثل، فيعطى العامل ما جرت به العادة أن يعطاه مثله من الربح، إما نصفه، وإما ثلثه، وإما ثلثاه، فأما أن يعطى شيئًا مقدرًا مضمونًا في ذمة المالك كما يعطى في الإجارة والجعالة فهذا غلط ممن قاله، وسبب الغلط ظنه أن هذا إجارة، فأعطاه في فاسدها عوض المثل، كما يعطيه في المسمى الصحيح، ومما يبين غلط هذا القول أن العامل قد يعمل عشر سنين، فلو أعطي أجرة المثل لأعطي أضعاف رأس المال، وهو في الصحيحة لا يستحق إلا جزءًا من الربح إن كان هناك ربح، فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة» (٢). * * *

стр. 7064

الفصل التاسع في انتهاء المضاربة المبحث الأول في انتهاء المضاربة بالموت جاء في كشاف القناع: كل عقد جائز من الطرفين ..... يبطل بموت أحدهما، وعزله (١). [م-١٤٠٤] اختلف الفقهاء في انتهاء عقد المضاربة بالموت على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المضاربة تبطل بموت أحدهما. وعللوا ذلك بأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل والوكيل. فإن مات رب المال، وكان رأس المال ناضًا لم يجز للعامل التصرف فيه قولًا واحدًا. وإن كان عروضًا فذهب الحنفية والشافعية إلى أن للعامل أن يتولى بيعها لأن البيع من حقوق العقد الماضي يكفى فيه إذن العاقد حال الحياة، ولأن هذا البيع إتمام للقراض وليس ابتداء له (٢).

стр. 7065

وذهب الحنابلة إلى أن العامل لا يجوز له البيع إلا بإذن الورثة؛ لأن المال قد خرج من ملك رب المال إلى ملك الورثة، فلا يبيع إلا بإذنهم (١). جاء في المبدع: «إذا مات رب المال منع المضارب من البيع والشراء إلا بإذن الوارث نص عليه ... » (٢). وإن مات العامل، وكان المال عروضًا، فمن يتولى البيع؟ ذهب الحنفية إلى أن رب المال لا يحق له بيعها؛ لأنه في حال حياة المضارب كان ممنوعًا من بيعها، فكذلك في حال وفاته؛ لأن حق المضارب لا يبطل بموته. وأما الذي يتولى بيعها فللحنفية فيه قولان: أحدهما: يتولى بيع العروض وصي المضارب إن كان له وصي؛ لأنه قائم مقامه، فإن لم يكن له وصي جعل القاضي له وصيًا يتولى بيعها. والثاني: يتولى البيع رب المال ووصي المضارب، وهو الأصح؛ لأن رب المال إنما رضي بتصرف العامل ولم يرض بتصرف الوصي في ماله، والمال وإن

стр. 7066

كان فيه حق للمضارب إلا أن الملك لرب المال فيه ثابت، فلا ينفرد الوصي ببيعها، فصار بمنزلة مال مشترك بين اثنين، فيكون الأمر إليهما (١). وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن رب المال وورثة العامل لا يملكون البيع بدون إذن الآخر؛ لاشتراكهما فيه، ولأن المالك إنما رضي بتصرف مورثهم ولم يرض بتصرفهم. فإن امتنع المال من الإذن في البيع رفع إلى الحاكم ليتولى بيع العروض (٢). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن رب المال إن مات، فالعامل يبقى على قراضه ما دام رأس المال عروضًا حتى ينض. فإن كان المال قد نض فلا يعمل به إلا بعد أن يأذن الورثة لانتقال الحق إليهم، فإن عمل به ضمن. وإن مات العامل، فإن كان قبل العمل، أو كان المال قد نض فلربه أخذه، ولا مقال لورثة العامل، وليس لرب المال إلزامهم بالعمل؛ لأن العامل في هذه الحال لو كان حيًا لم يكن بإمكانه أن يمنع صاحبه من أخذه فكذلك ورثة العامل. وإن مات بعد الشروع في العمل وقبل نضوضه فإن كان الوارث أمينًا، أو أتى الوارث بأمين أجنبي بصير بالبيع لا يخدع قضي لهم بتكميله، وقيل لهم: تقاضوا الديون وبيعوا السلع، ويستحقون ما كان لمورثهم من الربح.

стр. 7067

وجه ذلك: أن العامل لما تصرف في المال فقد تعلق به حق الربح الذي يرجونه فيما ابتاعه مورثهم، فليس لرب المال إبطاله عليهم، والاستبداد به دونهم؛ ولأنه حق أوجبه عقد المعاوضة فجاز أن ينتقل إلى الورثة كخيار العيب. وإن لم يكن في الورثة أمين، ولم يأتوا بأمين أجنبي رد المال إلى صاحبه مجانًا، ولا شيء لهم في ربحه؛ لأن عمل المضاربة كالجعل لا يستحق العامل فيه شيئًا إلا بإتمام العمل، ولم يتم (١). الراجح: الذي تبين لي من خلال عرض الأقوال ما يلي: أن المضاربة تنتهي بالموت، وإذا مات أحدهما والمال ناض لم يجز التصرف في المال إلا بإذن الآخر، والإذن بالتصرف يعتبر قراضًا جديدًا. وإذا مات أحدهما والمضاربة عروض، بطلت المضاربة أيضًا، ويبيع العامل العروض بموافقة الورثة؛ لأن المال أصبح مشتركًا بينهما، ولا يحق للعامل أن يبيع بناء على إذن رب المال السابق، فقد انتهى إذنه بموته. وكذلك لا يحق لرب المال أن يبيع العروض لموت العامل إلا بموافقة الورثة، فإن اختلفا تولى الحاكم بيعه لهما. وإذا أراد ورثة العامل أن يعقدوا مضاربة جديدة مع رب المال جاز ذلك قولًا واحدًا إن كان المال ناضًا، وإن كان عروضًا جاز على الصحيح بشرط تقييم تلك

стр. 7068

العروض واعتبارها رأس مال المضاربة، فإن كان المضارب له نصيب من الربح كان العقد شركة ومضاربة، وإلا كان العقد مضاربة فقط، والله أعلم. * * *

стр. 7069

فرع إذا لم يعلم العامل بموت رب المال [م-١٤٠٥] إذا لم يعلم العامل بموت رب المال، فتصرف، فهل تصرفه صحيح عملًا بما يعتقده العامل، أو العبرة بما في نفس الأمر، لا في ظن العاقد؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب المالكية إلى أن العامل يبقى على قراضه حتى يعلم بموته (١). جاء في المدونة: «قلت ـ القائل سحنون ـ فإن لم يعلم العامل بموت رب المال حتى اشترى بالمال بعد موت رب المال؟ قال ـ ابن القاسم ـ هو على القراض حتى يعلم بموته» (٢). القول الثاني: تبطل حتى ولو لم يعلم المضارب بموت رب المال؛ لأنه عزل حكمي، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وبه قال ابن حزم (٣).

стр. 7070

ذلك أن المضارب بعد موت رب المال لا يكون كاسبًا لرب المال، لأن الملك قد انتقل لغيره، وتفويض العامل بالتصرف إنما ملكه عن طريق رب المال وقد انقطع ملكه بالموت، فكيف يكسب الإنسان بعد موته. * * *

стр. 7071

المبحث الثاني انتهاء المضاربة بالفسخ قال الكاساني: كل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة (١). [م- ١٤٠٦] إذا اتفق العامل ورب المال على الفسخ انفسخت المضاربة؛ لأن الحق لهما ولا يعدوهما، فإذا اتفقا على الفسخ، والمال موجود لا ربح فيه أخذه صاحبه، وإن كان فيه ربح قسماه على شرطهما. وإن كان المال عرضًا فاتفقا على بيعه، أو قسمه بالقيمة جاز. [م-١٤٠٧] وإن أراد أحدهما الفسخ وامتنع الآخر: فذهب الجمهور إلى أن لكل واحد منهما فسخه متى شاء تصرف العامل في المال أو لم يتصرف إلا أن الحنفية اشترطوا علم صاحبه بالفسخ، وبه قال ابن عقيل من الحنابلة. كما اشترط الحنفية أن يكون رأس المال عينًا وقت الفسخ دراهم أو دنانير. جاء في فتح القدير: «رب المال إذا فسخ المضاربة، وقد صار مال المضاربة عروضًا لم ينفذ الفسخ للحال، بل يتوقف إلى أن يصير مال المضاربة دراهم ودنانير» (٢). وإن كان المال عرضًا فإن المضارب يملك بيعه بعد الفسخ لتعلق حقه بربحه (٣).

стр. 7072

وذهب المالكية إلى أن لكل واحد منهما فسخه قبل الشروع في العمل. وإذا شرع في العمل أو ظعن في السفر فليس لأحد منهما فسخه بل يكون لازمًا من الطرفين، ولا يفسخ إلا باتفاقهما أو بنضوض المال. ولربه فقط حق الفسخ إذا تزود العامل من مال المضاربة ولم يشرع في السفر، وإنما كان العقد جائزًا لربه ولازمًا في جانب العامل؛ لأن التزود من مال القراض بالنسبة للعامل عمل، فيلزمه إتمامه إلا إذا التزم لرب المال بما اشترى به الزاد. وللعامل فقط حق الفسخ إذا تزود العامل للسفر من ماله الخاص، ولم يشرع في السفر، ويكون العقد لازمًا لربه جائزًا في حق العامل إلا إذا دفع رب المال للعامل ما غرمه في شراء الزاد. وإذا اتفقا على نضوضه جاز كما لو اتفقا على قسمة العروض بالقيمة (١).

стр. 7073

المبحث الثالث إذا طلب أحدهما البيع وأمتنع الآخر لغرض [م-١٤٠٨] تكلمنا في المسألة السابقة فيما إذا طلب أحدهما الفسخ وامتنع الآخر، وفي هذه المسألة نبحث ما لو طلب أحدهما بيع السلع، وطلب الآخر الصبر طلبًا للربح، فقد اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن العامل إذا اشترى متاعًا، فأراد رب المال بيع المال، وأبى المضارب حتى يجد ربحًا، فإن المضارب لا يحق له إمساك المتاع من غير رضا رب المال. فإن كان المال لا ربح فيه، أجبر المضارب إما على بيعه، وإما أن يدفع العروض لرب المال عوضًا عن رأس ماله؛ لأنه لا حق للمضارب في المال في الحال، فهو يريد أن يحول بين رب المال وبين ماله بحق موهوم قد يحصل، وقد لا يحصل، وفيه إضرار برب المال، والضرر مدفوع. وقال بعض الحنفية: إن أرد العامل إمساك المتاع، ولم يكن فيه ربح، فليرد العامل رأس المال لربه، ويمسك المتاع. فإن كان في المال فضل بأن كان رأس المال ألفًا، والمتاع يساوي ألفين، أجبر المضارب على بيعه، إلا أن يقول العامل لرب المال: أنا أعطيك رأس المال وحصتك من الربح، فليس لرب المال أن يأبى ذلك عليه؛ لأن الربح حق للعامل، والإنسان لا يجبر على بيع ملك نفسه لتحصيل مقصود شريكه، وكما يجب دفع الضرر عن رب المال، يجب دفعه عن المضارب في حصته.

стр. 7074

وإن لم يكن في المال ربح، لا يجبر على البيع، ويقال لرب المال: المتاع كله خالص ملك، فإما أن تأخذه برأس مالك، أو تبيعه حتى تصل إلى رأس مالك (١). القول الثاني: ذهب المالكية بأنه إذا طلب أحدهما بيع السلع وطلب الآخر الصبر لغرض كزيادة ربح نظر الحاكم لهما فيما هو الأصلح. القول الثالث: وذهب الشافعية إلى أن العامل إن طلب البيع، وامتنع رب المال عن البيع أجبر على البيع؛ لأن حق العامل في الربح، وذلك لا يحصل إلا بالبيع. فإن قال رب المال: أنا أعطيك نصيبك من الربح، وامتنع العامل: فإن قلنا: إن العامل يملك حصته من الربح بالظهور لم يجبر العامل على أخذه، كما لو كان بينهما مال مشترك، وبذل أحدهما للآخر عوض حقه. وإن قلنا إن العامل لا يملك نصيبه بالظهور ففيه وجهان: أحدهما: لا يجبر رب المال على بيعه؛ لأن البيع لحق العامل، وقد بذل رب المال له حقه. والثاني: أنه يجبر رب المال على البيع؛ لأنه ربما زاد مزيد، أو رغب راغب، فزاد في قيمته. وإن طلب رب المال البيع وامتنع العامل أجبر على بيعه؛ لأن حق رب المال في رأس المال، ولا يحصل ذلك إلا بالبيع، فإن قال العامل: أنا أترك حقي، ولا أبيع.

стр. 7075

فإن قلنا: إن العامل يملك حصته بالظهور لم يقبل منه؛ لأنه يريد أن يهب حقه، وقبول الهبات لا يجب. وإن قلنا: إنه لا يملك بالظهور، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجبر العامل على بيعه؛ لأن البيع لحق العامل، وقد تركه، فسقط. والثاني: يجبر العامل؛ لأن البيع لحقه ولحق رب المال في رأس ماله، فإذا رضي بترك حقه لم يرض رب المال بترك رأس ماله (١). ونسب ابن المنذر للشافعي أنه يقول: أيهما دعا إلى البيع فالقول قوله، وبه قال أبو ثور: إذا لم يكن فيه ضرر (٢). القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن المالك إن طلب البيع أجبر العامل مطلقًا. وفيه وجه في المذهب: أنه لا يجبر على البيع إذا لم يكن في المال ربح، أو أسقط حقه من الربح؛ لأنه بالفسخ زال تصرفه، وصار أجنبيًا من المال. وإن طلب العامل البيع أجبر المالك إن كان في المال ربح، قال في الإنصاف: بلا خلاف أعلمه. وعلل ابن قدامة: بأن حق العامل في الربح لا يظهر إلا بالبيع. وإن لم يكن في المال ربح لم يجبر رب المال على بيع ماله؛ لأنه لا حق للعامل فيه، وقد رضيه مالكه كذلك، فلم يجبر على بيعه (٣).
следующие страницы →