المبحث الثاني
انتهاء المضاربة بالفسخ
قال الكاساني: كل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة (١).
[م- ١٤٠٦] إذا اتفق العامل ورب المال على الفسخ انفسخت المضاربة؛ لأن الحق لهما ولا يعدوهما، فإذا اتفقا على الفسخ، والمال موجود لا ربح فيه أخذه صاحبه، وإن كان فيه ربح قسماه على شرطهما.
وإن كان المال عرضًا فاتفقا على بيعه، أو قسمه بالقيمة جاز.
[م-١٤٠٧] وإن أراد أحدهما الفسخ وامتنع الآخر:
فذهب الجمهور إلى أن لكل واحد منهما فسخه متى شاء تصرف العامل في المال أو لم يتصرف إلا أن الحنفية اشترطوا علم صاحبه بالفسخ، وبه قال ابن عقيل من الحنابلة.
كما اشترط الحنفية أن يكون رأس المال عينًا وقت الفسخ دراهم أو دنانير.
جاء في فتح القدير: «رب المال إذا فسخ المضاربة، وقد صار مال المضاربة عروضًا لم ينفذ الفسخ للحال، بل يتوقف إلى أن يصير مال المضاربة دراهم ودنانير» (٢).
وإن كان المال عرضًا فإن المضارب يملك بيعه بعد الفسخ لتعلق حقه بربحه (٣).
стр. 7072
وذهب المالكية إلى أن لكل واحد منهما فسخه قبل الشروع في العمل.
وإذا شرع في العمل أو ظعن في السفر فليس لأحد منهما فسخه بل يكون لازمًا من الطرفين، ولا يفسخ إلا باتفاقهما أو بنضوض المال.
ولربه فقط حق الفسخ إذا تزود العامل من مال المضاربة ولم يشرع في السفر، وإنما كان العقد جائزًا لربه ولازمًا في جانب العامل؛ لأن التزود من مال القراض بالنسبة للعامل عمل، فيلزمه إتمامه إلا إذا التزم لرب المال بما اشترى به الزاد.
وللعامل فقط حق الفسخ إذا تزود العامل للسفر من ماله الخاص، ولم يشرع في السفر، ويكون العقد لازمًا لربه جائزًا في حق العامل إلا إذا دفع رب المال للعامل ما غرمه في شراء الزاد. وإذا اتفقا على نضوضه جاز كما لو اتفقا على قسمة العروض بالقيمة (١).
стр. 7073
المبحث الثالث
إذا طلب أحدهما البيع وأمتنع الآخر لغرض
[م-١٤٠٨] تكلمنا في المسألة السابقة فيما إذا طلب أحدهما الفسخ وامتنع الآخر، وفي هذه المسألة نبحث ما لو طلب أحدهما بيع السلع، وطلب الآخر الصبر طلبًا للربح، فقد اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن العامل إذا اشترى متاعًا، فأراد رب المال بيع المال، وأبى المضارب حتى يجد ربحًا، فإن المضارب لا يحق له إمساك المتاع من غير رضا رب المال.
فإن كان المال لا ربح فيه، أجبر المضارب إما على بيعه، وإما أن يدفع العروض لرب المال عوضًا عن رأس ماله؛ لأنه لا حق للمضارب في المال في الحال، فهو يريد أن يحول بين رب المال وبين ماله بحق موهوم قد يحصل، وقد لا يحصل، وفيه إضرار برب المال، والضرر مدفوع.
وقال بعض الحنفية: إن أرد العامل إمساك المتاع، ولم يكن فيه ربح، فليرد العامل رأس المال لربه، ويمسك المتاع.
فإن كان في المال فضل بأن كان رأس المال ألفًا، والمتاع يساوي ألفين، أجبر المضارب على بيعه، إلا أن يقول العامل لرب المال: أنا أعطيك رأس المال وحصتك من الربح، فليس لرب المال أن يأبى ذلك عليه؛ لأن الربح حق للعامل، والإنسان لا يجبر على بيع ملك نفسه لتحصيل مقصود شريكه، وكما يجب دفع الضرر عن رب المال، يجب دفعه عن المضارب في حصته.
стр. 7074
وإن لم يكن في المال ربح، لا يجبر على البيع، ويقال لرب المال: المتاع كله خالص ملك، فإما أن تأخذه برأس مالك، أو تبيعه حتى تصل إلى رأس مالك (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية بأنه إذا طلب أحدهما بيع السلع وطلب الآخر الصبر لغرض كزيادة ربح نظر الحاكم لهما فيما هو الأصلح.
القول الثالث:
وذهب الشافعية إلى أن العامل إن طلب البيع، وامتنع رب المال عن البيع أجبر على البيع؛ لأن حق العامل في الربح، وذلك لا يحصل إلا بالبيع.
فإن قال رب المال: أنا أعطيك نصيبك من الربح، وامتنع العامل:
فإن قلنا: إن العامل يملك حصته من الربح بالظهور لم يجبر العامل على أخذه، كما لو كان بينهما مال مشترك، وبذل أحدهما للآخر عوض حقه.
وإن قلنا إن العامل لا يملك نصيبه بالظهور ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر رب المال على بيعه؛ لأن البيع لحق العامل، وقد بذل رب المال له حقه.
والثاني: أنه يجبر رب المال على البيع؛ لأنه ربما زاد مزيد، أو رغب راغب، فزاد في قيمته.
وإن طلب رب المال البيع وامتنع العامل أجبر على بيعه؛ لأن حق رب المال في رأس المال، ولا يحصل ذلك إلا بالبيع، فإن قال العامل: أنا أترك حقي، ولا أبيع.
стр. 7075
فإن قلنا: إن العامل يملك حصته بالظهور لم يقبل منه؛ لأنه يريد أن يهب حقه، وقبول الهبات لا يجب.
وإن قلنا: إنه لا يملك بالظهور، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر العامل على بيعه؛ لأن البيع لحق العامل، وقد تركه، فسقط.
والثاني: يجبر العامل؛ لأن البيع لحقه ولحق رب المال في رأس ماله، فإذا رضي بترك حقه لم يرض رب المال بترك رأس ماله (١).
ونسب ابن المنذر للشافعي أنه يقول: أيهما دعا إلى البيع فالقول قوله، وبه قال أبو ثور: إذا لم يكن فيه ضرر (٢).
القول الرابع:
ذهب الحنابلة إلى أن المالك إن طلب البيع أجبر العامل مطلقًا.
وفيه وجه في المذهب: أنه لا يجبر على البيع إذا لم يكن في المال ربح، أو أسقط حقه من الربح؛ لأنه بالفسخ زال تصرفه، وصار أجنبيًا من المال.
وإن طلب العامل البيع أجبر المالك إن كان في المال ربح، قال في الإنصاف: بلا خلاف أعلمه. وعلل ابن قدامة: بأن حق العامل في الربح لا يظهر إلا بالبيع.
وإن لم يكن في المال ربح لم يجبر رب المال على بيع ماله؛ لأنه لا حق للعامل فيه، وقد رضيه مالكه كذلك، فلم يجبر على بيعه (٣).
стр. 7076
الراجح من الخلاف:
أنه إذا اختلف رب المال والعامل بأن طلب أحدهما البيع وامتنع الآخر لغرض فإن لم يكن فيه ضرر على أحدهما أجبر الآخر على البيع، وإن كان في البيع ضرر على أحدهما فإنه ينظر لهما الحاكم، أو أهل المعرفة، ويلزمهما الأخذ بالأصلح لهما، والله أعلم.
* * *
стр. 7077
المبحث الرابع
في انتهاء عقد المضاربة بالجنون
قال الكاساني: كل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة (١).
[م-١٤٠٩] ذهب الفقهاء إلى أن الجنون المطبق إذا اعترى أحد طرفي عقد المضاربة فإن العقد يبطل.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام:
«إذا كان جنونهما غير مطبق فلا تنفسخ» (٢).
وجاء في بدائع الصنائع: «وتبطل بجنون أحدهما إذا كان مطبقًا؛ لأنه يبطل أهلية الأمر للآمر، وأهلية التصرف للمأمور، وكل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة» (٣).
وجاء في نهاية المحتاج: «ولو مات أحدهما، أو جن .... انفسخ العقد كالوكالة .... » (٤).
زاد في مغني المحتاج: «وللعامل إذا مات المالك أو جن الاستيفاء بغير إذن الورثة في الأولى، والولي في الثانية اكتفاء بإذن العاقد» (٥).
стр. 7078
وجاء في كشاف القناع: «وإذا مات أحد المتقارضين أو جن جنونًا مطبقًا أو توسوس بحيث لا يحسن التصرف .... انفسخ القراض؛ لأنه عقد جائز من الطرفين فبطل بذلك كالوكالة» (١).
* * *
стр. 7079
المبحث الخامس
في انتهاء عقد المضاربة بالحجر
[م-١٤١٠] نص الحنفية والحنابلة على انتهاء عقد المضاربة بالحجر على أحد العاقدين سواء كان الحجر لمصلحته كالحجر عليه لسفه، أو كان الحجر لصالح الغير كما لو حجر عليه لفلس.
لأن الإنسان إذا حجر عليه في ماله كان المال لغرمائه، وبطل الإذن للعامل في التصرف.
وقد سبق أن نقلنا كلام الفقهاء بانتهاء عقد المضاربة بالجنون، وهو محجور عليه لمصلحته؛ لانعدام أهلية الأمر للآمر، وأهلية التصرف للمأمور.
جاء في الدر المختار: «وتبطل المضاربة بموت أحدهما .... وحجر يطرأ على أحدهما ... » (١).
قال في حاشية ابن عابدين: «وحجر يطرأ على أحدهما بجنون أو سفه، أو حجر مأذون» (٢).
أشار بهذا إلى أن الحجر نوعان: حجر لمصلحته، وحجر لمصلحة الدائنين، وهو ما سماه بالحجر المأذون.
وجاء في كشاف القناع: «وإذا مات أحد المتقارضين .... أو حجر عليه لسفه انفسخ القراض» (٣).
* * *
стр. 7080
المبحث السادس
انتهاء المضاربة بهلاك المال
الفرع الأول
أن يتلف المال قبل التصرف فيه
إذا تلف مال المضاربة قبل التصرف فيه فله حالان:
الحال الأول: أن يهلك جميع المال.
[م-١٤١١] فإذا تلف جميع مال المضاربة قبل التصرف فيه بطلت المضاربة؛ لأن مال المضاربة هو محل العقد، فإذا هلك فقد فات المحل.
جاء في الفتاوى الهندية: «إذا هلك مال المضاربة قبل التصرف فيه بطلت المضاربة، والقول في الهلاك قول المضارب مع يمينه» (١).
وقال ابن قدامة: «إذا تلف المال قبل الشراء انفسخت المضاربة؛ لزوال المال الذي تعلق العقد به» (٢).
الحال الثانية: أن يهلك بعض رأس المال قبل التصرف فيه.
إذا تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه، فللعامل أن يعمل بما بقي،
[م-١٤١٢] وهل يجبر التالف من الربح؟
стр. 7081
في ذلك خلاف بين العلماء على قولين:
القول الأول:
تنفسخ المضاربة بقدر ما تلف من رأس المال، ويكون رأس المال الباقي فقط، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة.
جاء في الإنصاف: «وإن تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه انفسخت فيه المضاربة بلا نزاع أعلمه، وكان رأس المال الباقي خاصة» (١).
وقال العمراني: «وإن دفع رجل إلى رجل آخر ألفي درهم قراضًا، فتلف أحدهما، نظرت فيه:
فإن تلف في يد العامل قبل أن يتصرف فيه انفسخ القراض فيها، وكان رأس المال الألف الأخرى لا غير وجهًا واحدًا؛ لأنها تلفت، وهي باقية بعينها، فهي كما لو تلفت قبل أن يقبضها العامل» (٢).
القول الثاني:
ذهب المالكية (٣)، وبعض الشافعية: أن التالف يجبر من الربح حتى ولو هلك بعضه قبل التصرف؛ لأن المال يصير قراضًا بالقبض، فلا فرق بين هلاكه قبل التصرف وبعده (٤).
стр. 7082
جاء في التاج والإكليل: «قال مالك: وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده، أو خسره، أو أخذه لص، أو العاشر ظلمًا لم يضمنه العامل إلا أنه إن عمل ببقية المال جبر بما ربح فيه أصل المال فما بقي بعد تمام رأس المال كان بينهما على ما شرطا» (١).
وقال خليل: «وجبر خسره وما تلف وإن قبل عمله إلا أن يقبض» (٢).
قال الخرشي في شرح هذه العبارة: يعني أن ربح المال يجبر خسره، وما تلف منه، وإن حصل التلف بأمر سماوي قبل العمل فيه ما دام المال تحت يد العامل بالعقد الأول» (٣).
стр. 7083
الفرع الثاني
في هلاك مال المضاربة بعد التصرف فيه
إذا هلك مال المضاربة بعد التصرف، فله حالان:
الحال الأول:
[م-١٤١٣] أن يهلك جميع مال المضاربة، فهنا ينفسخ عقد القراض؛ لفوات المحل، كما لو هلك قبل التصرف فيه؛ لأن يد العامل يد أمانة، فإذا تلف المال لم يضمنه، وانتهى عقد القراض، وسبق الكلام على ذلك.
الحال الثانية:
أن يهلك بعض رأس المال بعد التصرف، فاللعامل أن يضارب بالباقي،
[م-١٤١٤] وهل يجبر التالف من الربح؟ اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول:
يجبر التالف من ربح الباقي، ولا يستحق المضارب شيئًا إلا بعد كمال رأس المال، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (١)، والأصح عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢).
لأن هذا التلف حصل بعد أن دار المال في القراض وتصرف في المال
стр. 7084
بالتجارة فكان تلفه من الربح، ولأنه رأس مال واحد ومضاربة واحدة فلا يستحق المضارب ربحًا حتى يكمل رأس المال.
القول الثاني:
يتلف من رأس المال، وليس من الربح؛ لأنه لم يكن هناك ربح وقت التلف، وهو وجه في مذهب الشافعية (١).
* * *
стр. 7085
الفرع الثالث
إذا اشتري العامل فتلف المال قبل نقده للبائع
[م-١٤١٥] إذا اشترى العامل عروضًا، فتلف المال قبل أن ينقده للعامل، فإن كان العامل قد اشترى العروض بعين مال القراض بطل البيع، وانفسخ القراض؛ لأن تلف الثمن المعين قبل القبض يبطل البيع (١).
وإن اشترى العروض بثمن في الذمة:
فإما أن يكون التلف قبل الشراء أو بعده:
[م-١٤١٦] فإن كان تلف المال قبل الشراء فإن القراض ينفسخ، ويلزم العامل ثمن ما اشتراه؛ لأن المضاربة انفسخت قبل الشراء لتلف رأس المال، وزوال الإذن إلا أن يجيزه رب المال (٢).
[م-١٤١٧] وإن كان تلف المال بعد الشراء، فهل يكون الشراء للمضاربة، أو للعامل في ذلك خلاف بين العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
المضاربة باقية؛ لأن الموجب لفسخها هو التلف، ولم يوجد حين الشراء ولا قبله، والثمن على رب المال؛ لأن حقوق العقد متعلقة به كالموكل، ولأن
стр. 7086
الشراء كان بإذنه، ويصير رأس المال الثاني؛ لأن الأول تلف قبل تصرفه فيه، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (١).
القول الثاني:
يرى أن الشراء يقع على العامل، سواء تلف المال قبل الشراء أو بعده؛ لأن إذن رب المال إنما تضمن التصرف في قدر المال الذي دفعه إليه في قراضه، ولم يضمن أن يلزمه أكثر منه، وهذا القول وجه في مذهب الشافعية (٢).
القول الثالث:
يخير رب المال بين أن يدفع ثمن السلعة وتكون السلعة قراضًا، وبين أن يدفع العامل وتكون السلعة له، فإن لم يكن للعامل مال بيعت عليه، وكان عليه النقصان، وله الربح. وهذا مذهب المالكية.
جاء في المدونة: «قلت ـ القائل سحنون ـ أرأيت إن أخذت مالًا قراضًا على أن أعمل به على النصف، فاشتريت به عبدًا أو سلعة، فجئت لأنقد البائع، فوجدت المال قد ضاع، قال: يقال لرب المال: إن أحببت فادفع الثمن، وتكون السلعة قراضًا على حالها، وإن أبى لزم المقارض إذًا ثمنها، وكانت له، فإن لم يكن له مال بيعت عليه، وكان عليه النقصان، وله الربح» (٣).
هذه أحوال تلف مال المضاربة، وحكم كل حالة، والله أعلم.
* * *
стр. 7087
المبحث السابع
انتهاء المضاربة بانتهاء الوقت المحدد لها
[م-١٤١٨] إذا كانت المضاربة مؤقتة بوقت محدد كأن يقول رب المال: ضاربتك على هذه الدراهم لمدة عام، فإذا انتهى العام فإن المضاربة تنتهي عند من يقول: بجواز توقيت المضاربة، كالحنفية، والحنابلة (١)؛ لأن المضاربة توكيل، وهو يحتمل التخصيص بوقت دون وقت.
ولأن المضاربة تصرف يتقيد بنوع من المتاع فجاز تقييده بالوقت.
قال الكاساني: «ولو قال: خذ هذا المال مضاربة إلى سنة جازت المضاربة عندنا ... » (٢).
وأما من لا يرى جواز توقيت المضاربة كالمالكية، والشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة فلا يرون المضاربة تنتهي بالتوقيت؛ لأن العاقدين قادران على فسخ القراض متى أرادا، ولذلك لو قال: قارضتك ما شئت جاز؛ لأن ذلك شأن العقود الجائزة (٣).
إلا أن الشافعية صححوا أن يكون التوقيت بالمنع من الشراء دون البيع، فإذا عقدت المضاربة إلى مدة على ألا يشتري المضارب بعدها صح التوقيت، وله البيع بعدها (٤).
стр. 7088
وجه التفريق بين البيع والشراء:
أن رب المال يملك منع العامل من الشراء متى شاء، فإذا شرط المنع منه في وقت معين فقد شرط ما يملكه بمقتضى العقد، فلم يمنع صحته، بخلاف البيع فلا يملك منعه؛ لأن حصول الربح يتوقف على البيع، والربح ليس له وقت معلوم، فقد لا يربح في تلك المدة، ويربح في غيرها، فتقييد البيع بمدة يخل بمقصود العقد فلا يصح، ولأن المال إذا لم يكن ناضًا فلا بد من البيع، فلا يصح التوقيت.
وقد سبق أن استوفيت أدلة هذه المسألة تحت مسألة: توقيت الإيجاب والقبول في عقد المضاربة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والله أعلم.
* * *
стр. 7089
الباب السادس
في المشاركة المتناقصة
توطئة
في تعريف المشاركة المتناقصة
تعريف المشاركة المتناقصة:
عرفها مجمع الفقه الإسلامي بقوله:
«معاملة جديدة تتضمن شركة بين طرفين في مشروع ذي دخل، يتعهد فيها أحدهما بشراء حصة الطرف الآخر تدريجًا سواء كان الشراء من حصة الطرف المشتري في الدخل أم من موارد أخرى» (١).
خصائص الشركة المتناقصة:
(١) ـ في حال أسهم الشريكان في رأس المال مهما كان مقدار حصة كل منهما، فإن العقد يعتبر من عقود الشركة، وتنطبق عليها أحكام الشركة، على خلاف بين أهل العلم هل هي شركة ملك، أو شركة عقد؟
فإن قيل: إنها شركة ملك، كان الربح بينهما بحسب ملك كل واحد منهما.
وإن قيل: إنها شركة عقد فإن الربح بينهما سيكون على ما اشترطاه، والخسارة بينهما بقدر حصتهما من الشركة.
وفي حال قدم أحدهما المال، وقدم الآخر العمل، فهل يعتبر العقد من عقود المضاربة؟ بحيث إذا لم يوجد ربح فلا شيء للمضارب، والخسارة على رب
стр. 7090
المال وحده، ويخسر المضارب جهده فقط، وعند وجود الربح يقسم بينهما بحسب الاتفاق، إلا أن هذا العقد سريعًا ما يتحول من عقد مضاربة إلى عقد شركة، ذلك أن أحدهما قد التزم ببيع حصته من الشركة إما دفعة واحدة، أو على شكل أقساط، فإذا دفع العامل جزءًا من نصيب شريكه نقص نصيب رب المال، وامتلك العامل حصة في رأس المال، فانتقل العقد من مضاربة إلى مشاركة، والله أعلم.
(٢) تقوم المشاركة المتناقصة على وعد من الشريك، وغالبًا ما يكون بنكًا ببيع حصته لشريكه مقابل سداد ثمنها دوريًا من العائد الذي يؤول إليه، أو من أية موارد أخرى وذلك خلال فترة مناسبة يتفق عليها، وهذا الوعد له صفة الإلزام، وقد سبق لنا الخلاف في الوعد الملزم، هل يكون ملزمًا مطلقًا في التبرعات والمعاوضات؟ أو لا يكون ملزمًا فيهما؟ أو يكون وعدًا ملزمًا في التبرعات دون المعاوضات؟
وتعتبر جميع الوعود التي اشتمل عليها العقد وعودًا ملزمة للطرفين؛ لأن الشروط المبرمة في العقد لا تحتمل احتمال التحقيق، فالطرفان قد دخلا هذه المعاملة، وهما لا يريدان في واقع الأمر مشاركة بعضهما البعض، فغرض العميل البحث عن تمويل لمشروعه، وغرض البنك البحث عن عائد مربح نتيجة لهذا التمويل، والغرض من عقد الشركة منذ بداية تكوينها تمكين العميل من تملك المشروع.
(٣) ـ من خلال ممارسات المصارف الإسلامية فإن البيع يتم بالقيمة الاسمية، وليس بالقيمة السوقية.
وذلك أن عقد المشاركة المتناقصة غالبًا ما تكون عقوده في تمويل بناء العقارات، وهي بطبيعتها عقود طويلة الأجل، وقيمتها ترتفع وتنخفض، فإذا
стр. 7091
كان البيع المتدرج سيتم بطريق القيمة السوقية عند البيع، وتعرضت أسعار العقار للهبوط، فإن هبوط الأسعار سيكون مضاعفًا؛ لأن الأسعار قد تغيرت من جهة، ولأن العقار بعد استعماله سيختلف سعره عن العقار، وهو جديد كما في سنته الأولى، واستثمارات البنك لا تتحمل المخاطرة، لذلك يعمد البنك إلى إلزام عميله البيع إما بالقيمة الاسمية، وهذا فيه محذور؛ لأنه يعني ضمان أحد الشريكين لحصة شريكه، وهذا لا يجوز، فإن ضمان رأس مال الشريك يحوله إلى قرض، وأخذ الربح على ذلك يكون من القرض الذي جر نفعًا، وهو ما يؤول إلى الربا.
وأما بالاتفاق على ثمن محدد من اليوم الأول، وهذا فيه جهالة بالمبيع، إذ كيف يحدد سعر بيع العقار عند بداية عقد الشركة مع تأخر عقد البيع؟ لأن البيع سيتم من خلال صفقات تدريجية في المستقبل، مع أن العقار سيلحقه تغير لا يمكن الوقوف على مقداره بعد سنوات من استعماله، والعلم بالمبيع شرط لصحة البيع.
(٤) تجمع المشاركة المتناقصة عقودًا مركبة، فهي عقد يجمع بين الشركة، والوعد الملزم بالبيع، والبيع بعد ذلك، وأحيانًا يضاف إلى هذه عقد الإجارة، كما لو رغب أحد الشركاء أن يؤجر نصيبه للآخر لتصبح منفعة العين كلها تحت يده، بعضها باعتباره مالكًا لجزء من العين، وبعضها باعتباره مستأجرًا لنصيب شريكه فيها، وقد يكون التأجير لطرف ثالث أجنبي عن الشركاء، ويقتسمان الأجرة بحسب الشرط المتفق عليه.
(٥) في حالة وقوع تلف أو خسارة في محل الشركة المتناقصة قبل انتهائها فإن الخسارة تكون على الطرفين بحسب حصة كل واحد منهما.
* * *
стр. 7092
الفصل الأول
التوصيف الفقهي للمشاركة المتناقصة
اختلف الباحثون في توصيف الشركة المتناقصة، هل هي من شركة الأملاك أو من شركة العقود، والفرق بينهما:
أن شركة الأملاك: هي الاشتراك في الملك جبرًا كالإرث، واختلاط الأموال، أو اختيارًا كالهبة والوصية ونحوهما.
وهذه الشركة لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، بل ركنها اجتماع النصيبين جبرًا أو اختيارًا دون الحاجة إلى عقد بين طرفيها.
وحكمها: لا يترتب عليها أي حكم من أحكام الشركات المعروفة في الفقه الإسلامي بل يعتبر كل واحد من الشريكين أجنبيًا في نصيب صاحبه، فلا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه؛ لأن التصرف فرع الملك أو الولاية، ولا ملك ولا ولاية لأي واحد من الشريكين في نصيب صاحبه لا بالوكالة، ولا بالقرابة.
وشركة العقد: هي عقد بين اثنين فأكثر يقتضي إذن الجميع أو بعضهم في التصرف للجميع على أن يكون الربح بينهم جميعًا (١).
وهذه الشركة لا تقوم إلا بالتراضي بين الشركاء، وتحصل بالإيجاب
стр. 7093
والقبول، ويجوز للشريك أن يتصرف بنصيبه بمقتضى الملك، وفي نصيب صاحبه بمقتضى الوكالة، والوكالة مستفادة من الشركة بمقتضى العقد؛ ذلك أن الشركة عقد على التصرف، ولا تصرف في مال الغير إلا بتفويض من صاحبه، كما أن كل واحد من الشركاء كفيل عن الآخر، والمقصود من الشركة الحصول على الربح.
[ن-٢٣٢] إذا عرف الفرق بين شركة الملك وشركة العقد، نأتي إلى توصيف الشركة المتناقصة، فقد اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال:
القول الأول:
الشركة المتناقصة هي من شركة الأملاك، وإلى هذا ذهب الدكتور نزيه حماد، والدكتور حسن الشاذلي، والدكتور قطب مصطفى سانو (١).
وجه من قال: الشركة المتناقصة من شركة الأملاك:
الوجه الأول:
أن شركة العقد تقوم على وجود وكالة من الشريكين للآخر، فالشريك يتصرف بنصيبه بموجب الملك، وبنصيب شريكه بموجب الوكالة، وهذا لا يوجد في الشركة المتناقصة.
стр. 7094
الوجه الثاني:
أن الشركة المتناقصة لا تعطي للشريك حق التصرف في الشركة بموجب العقد وهذا يعني أنه لا ينطبق عليها أحكام شركة العقد.
الوجه الثالث:
أن الشركة المتناقصة مقصودها التمليك وليس الاستثمار، فهي تقوم على أساس اتفاق طرفين على إنشاء شركة ملك بينهما في مشروع أو عقار أو غير ذلك يشتريانه، فيكون مشاعًا بينهما فإن دفع كل منهما نصف الثمن كان البيت مشاعًا بينهما بالنصف، وإن دفع أحدهما الثلث والآخر الثلثين كان البيت بينهما أثلاثًا، وبمجرد قيام الشركة يبدأ العمل على إنهاء هذه الشركة، وذلك بانتقال حصة أحد الشريكين إلى الآخر تدريجيًا بعقود بيع مستقلة متعاقبة، فلو كان مقصودها الاستثمار لم يعمل على إنهاء الشركة منذ لحظة قيامها. فالشركة في حقيقتها صيغة تمويل تعتمد على اشتراك المصرف مع أحد عملائه في شراء أصل من الأصول المنتجة، ثم بيع حصته للعميل تدريجيًا، والغرض من الشركة أن تكون مخرجًا أو بديلًا عن القرض الربوي حيث يقدم المصرف بواسطتها التمويل لعملائه على غير أساس الفائدة، والهدف من عقد الشركة منذ بداية تكوينها تمكين العميل من تملك المشروع.
وكون العقار قد يؤجر بعد ذلك فهذا من باب إجارة المشاع، فإن كانت الإجارة من الشريك لشريكه، أو قام جميع الشركاء بتأجير المشاع لأجنبي فلا خلاف في جوازه (١)؛ لأن مدار الجواز على إمكانية استيفاء المنفعة، وهو ممكن
стр. 7095
هنا، وإنما وقع الخلاف فيما لو قام أحد الشركاء منفردًا بتأجير نصيبه المشاع لأجنبي دون أن يؤجر الآخر نصيبه المشاع، وقد سبق تحرير الخلاف فيها في عقد الإجارة فأغنى عن ذكره هنا، وهذه الصورة غير موجودة في عقد الشركة المتناقصة.
يقول الدكتور قطب سانو: « .... وإنما كانت هذه المشاركة من جنس شركة الملك الاختيارية؛ لأنها عقد يقوم على اتفاق طرفين فأكثر على شراء عين وتمليكها على أن تؤول ملكية العين إلى أحدهما عند شرائه حصة الطرف الآخر، ولأن مقصد الأجل من هذه المشاركة منذ بداية تكوينها هو تمكين العميل ـ في الغالب ـ من تملك عين أو مشروع ذي دخل معروف كالمصنع، والطائرة والباخرة، وسوى ذلك ... » (١).
القول الثاني:
الشركة المتناقصة هي من شركة العقود، وإلى هذا ذهب الدكتور وهبة زحيلي، والدكتور أحمد محيى الدين، والدكتور عبد الستار أبو غدة، والدكتور محمد عثمان شبير وغيرهم (٢).
стр. 7096
وجه من قال: إنها من شركة العقود:
يرى هذا الفريق أن الشركة المتناقصة في حقيقتها شركة عنان تتضمن وعدًا من أحد الشريكين للآخر ببيع حصته لشريكه إما كليًا أو جزئيًا دفعة واحدة، أو على دفعات.
ويرى هذا الفريق أن الغرض من قيام الشركة المتناقصة هو استثمار المال، وأن كل شريك فيها يعتبر وكيلًا عن شريكه، ويعطى الطرف العامل حريته الكاملة في سبيل إنجاح هذا المشروع، وإدخال أكبر قدر ممكن من الأرباح، وهذا على خلاف شركة الملك.
القول الثالث:
القول بأنها من العقود المستجدة، ولا تلحق بأي نوع من أنواع الشركات، اختار هذا الدكتور عجيل جاسم النشمي، والدكتور محمد النجيمي (١).
وجه من قال: إن هذه الشركة من العقود المستجدة:
يرى هذا الفريق أن شركة العنان والمضاربة لا تصلح توصيفًا للشركة المتناقصة المنتهية بالتمليك؛ ذلك أن الشركة المتناقصة ليست وكالة من الطرفين، وليس فيها إطلاق يد كل من الشريكين، وليست هي دفع مال لمن يعمل به حتى تكون مضاربة، اللهم إلا إذا اعتبرنا إدارة المشروع عملًا كعمل المضارب وليس هو كذلك، وأيضا فإن شركة العنان مقصودها التجر والاستثمار لا التمليك.
ومن هذا يتبين أن الشركة المتناقصة ليست هي شركة عنان، فلم يبق إلا أن
стр. 7097
تكون شركة جديدة مستجدة هي شركة تنتهي بتمليك الشريك بطريق البيع كالإجارة المنتهية بالتمليك بطريقة الإجارة (١).
ويرى الدكتور النجيمي بأن محاولة التلفيق عملية متعبة جدًا، وتضيع الأوقات والأوراق، فيجب أن تبحث هذه العقود على أنها عقود جديدة، ونرى هل تنطبق مع الضوابط العامة في المعاملات الشرعية، فإن انطبقت على هذه الشركة أو غيرها فهي صحيحة، وإلا فلا، أما محاولة التلفيق بين شركة العنان، أو عقد المضاربة، وبين شركة الملك وشركة العقد، وهل لها علاقة بالعينة، هذا ضياع للوقت، ولن نصل إلى نتيجة (٢).
القول الرابع:
المشاركة المتناقصة شركة عنان، أو مضاربة لا تلبث أن تتحول إلى عنان (٣).
وجه هذا القول:
يرى صاحب هذا القول بأن الشركة المتناقصة شركة عقد تتقلب بين صورتين اثنتين من صور شركة العقد:
ففي حين يكون رأس المال من طرف واحد فقط، والعمل من الطرف الآخر، فهي مضاربة لا تلبث أن تتغير إلى شركة عنان بعد تملك العامل جزءًا من المشروع بطريقة متناقصة، أما في بقية الصور فهي شركة عنان (٤).
стр. 7098
ويجاب عن ذلك:
بأن العمل في الشركة المتناقصة ليس عملًا بالمال بيعًا وشراء حتى يمكن أن يكون العقد عقد مضاربة، وإنما العمل هو إدارة مشروع مشترك كعقار، أو مصنع، أو نحو ذلك، وإدارة المصنع قد لا تعطيه الحق في التصرف في إيراد المشروع، وهذا ما يجعل العمل في المشروع يختلف عن عمل المضارب الذي تطلق يده في التصرف في المال.
القول الخامس:
الشركة المتناقصة قد تكون من شركة الأملاك، وقد تكون من شركة العقود، فإن كان مقصود الشركة تمويل المساكن والسيارات، فهي شركة ملك، وإن كان المقصود الاستثمار في المستغلات والمدخرات، أو في مشروع تجاري فهي شركة عقد، وبه قال الشيخ محمد تقي العثماني، والدكتور علي بن أحمد السالوس (١).
وجه هذا القول:
أن الشركة المتناقصة لا يمكن الحكم عليها هل هي شركة ملك أو شركة عقد إلا من خلال الوقوف على العقد بين البنك والعميل، ذلك أن تطبيقات المصارف للشركة المتناقصة يأخذ صورًا مختلفة، ففي بعض تطبيقاتها في المصارف تكون من شركة الملك، وفي عقود أخرى تكون من شركة العقد، والذي يحكم هذا أو ذاك طبيعة العقد.
فمثلًا لو كان للعميل قطعة أرض، وأراد البنك أن يتحمل تكاليف إقامة بناء على هذه الأرض، ويختص صاحب الأرض بملكه، وصاحب البناء بملكه،
стр. 7099
فهنا الشركة شركة ملك، وليست شركة عقد، فإذا أجرا هذا المشروع اختص صاحب الأرض بجزء من الأرباح بقدر قيمة أرضه، واختص صاحب البناء جزءًا من الأرباح بقدر قيمة بنائه، ولا يوجد في هذا العقد دائن ومدين، وإنما يوجد شركة ملك بين صاحب الأرض وصاحب البناء.
أما لو أراد العميل والبنك إنشاء شركة عقد، فإن الأرض يجب تقويمها بالدراهم عند قيام الشركة، ويقوم البناء بالدراهم أيضًا، ويصبح مجموع المال هو رأس مال الشركة، ويعملان على استثماره، ويصبح كل واحد منهما مالكًا للأرض والبناء بقدر نصيبه في الشركة، فشركة العقد رأس مالها من النقود، وأما العروض المقدمة فيجب تقويمها عند قيام الشركة بالنقود، ليصبح الشريكان شريكين في النقود، ويمكن التفاوت في نسبة الأرباح خلافًا لشركة الملك، والذي يكون الربح فيها تبعًا للملك، والله أعلم.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 7100
الفصل الثاني
في الحكم الفقهي للشركة المتناقصة
[ن-٢٣٣] اختلف الفقهاء في حكم الشركة المتناقصة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
الشركة المتناقصة لا تجوز مطلقًا، وبه قال فضيلة الدكتور حسين كامل فهمي (١)، والدكتور علي السالوس (٢)، والدكتور صالح المرزوقي (٣)، وغيرهم.
دليل القائلين بالمنع مطلقًا:
الدليل الأول:
أن الشركة المتناقصة هي في حقيقتها قرض بفائدة مستتر باسم الشركة؛ لأنه من الواضح أن البنك وعميله لا يريدان في واقع الأمر مشاركة بعضهما البعض، فالنية مبيتة فيه من البداية على أن يبدأ تخارج البنك من التعامل فور الانتهاء من قيام المشروع وتنتهي عملية المشاركة بأكملها بين الطرفين بمجرد حصول كل منهما على الغرض الأصلي المنشئ لهذا التعامل، وهو القرض بالنسبة للعميل، والعائد من هذا القرض (مع استرداد أصله) بالنسبة للبنك.
стр. 7101
يبين ذلك المثال التالي: لو أن أحد العملاء طلب من المصرف الإسلامي الدخول معه في تمويل إنشاء منزل صغير مكون من طابق واحد له ولأسرته، وهذا النوع من التعامل يستحوذ على نسبة كبيرة من أنشطة البنوك، فقبل البنك هذا العرض على أن يكون أسلوب التمويل المشاركة المتناقصة، فالسؤال هل نية البنك وعميله قامت أصلًا على إنشاء شركة غرضها المتاجرة في المنزل، وتحقيق الربح كما هو معلوم من الغرض الأساسي لقيام الشركات، أم أن النية مبيتة لمجرد حصول العميل على تمويل ائتماني يمكِّنه من شراء المنزل؟ أين الربح الذي سيحققه الشريكان من جراء قيام هذه الشركة؟ وهل يجوز شرعًا إمضاء عقد شركة يشترط فيه من البداية على أحد الشريكين شراء حصة شريكه الآخر سواء مرة واحدة، أو على دفعات متتالية؟ (١).
الدليل الثاني:
أن اشتراط أحد الشريكين على الشريك الآخر في العقد نفسه من البداية شراء حصته منه يعني اشتراط ضمان هذه الحصة في رأس المال بقيمتها الاسمية ولو لم يتعد أو يفرط، وفي هذا يقول الدكتور حسين كامل فهمي: «إذا أراد أحد الشركاء التخارج من الشركة فهو يبيع حصته الشائعة التي امتلكها إما للغير، وإما إلى باقي الشركاء المستمرين في الشركة، وهذا كله جائز في حالة ما إذا تم التخارج وبيع الحصة دون شرط مسبق، فعلى سبيل المثال يقول ابن قدامة ﵀: «وإن اشترى أحد الشريكين حصة شريكه منه جاز».
أما إذا اشترط أحد الشريكين على الشريك الآخر في العقد نفسه من البداية شراء حصته منه فكأنه اشترط ضمان هذه الحصة في رأس المال بقيمتها الاسمية
стр. 7102
دون تعد، فيفسد العقد عند من يقول: إن الشرط الفاسد يفسد الشركة، ويفسد الشرط عند من يقول بأن الشرط الفاسد لا يفسد العقد» (١).
الدليل الثالث:
الدخول في الوعد الملزم بالبيع في العقد، وقبل قيام الشركة يجعل الوعد من قبيل العقد؛ لأن الإلزام من طبيعة العقود، وليس من طبيعة الوعود، وإذا كان ذلك عقدًا فإن هذا يعني بيع ما لا يملك البائع، وكون الإلزام ليس من العاقدين بل من أحدهما لا يعني أننا بهذا أخرجنا الوعد الملزم عن طبيعة العقد، فالعقد الذي اشترط فيه الخيار من جانب واحد هو عقد، وإن كان لازمًا من طرف، وجائزًا من طرف، وكذا الشأن في الوعد الملزم إذا كان من أحدهما، فهو لازم من طرف، وجائز من طرف آخر، وإذا كان ذلك كذلك فإن الإلزام بالوعد في المعاوضات لم أقف فيه على قول للفقهاء المتقدمين يقولون: بأن له قوة الإلزام.
وأما الوعد بالتبرعات فقد اختلف فيه الفقهاء المتقدمون، هل فيه قوة الإلزام ديانة وقضاء، أو ليس فيه قوة الإلزام لا ديانة ولا قضاء، أو فيه قوة الإلزام ديانة لا قضاء، أو يلزم الوعد إذا ترتب عليه الدخول في التزامات ونفقات معينة، وسبق تحرير الخلاف في ذلك عند الكلام على بيع المرابحة، والحمد لله، فأغنى ذلك عن إعادته ..
ونوقش هذا:
أن الإلزام بالوعد هنا وإن كان في عقد من عقود المعاوضة إلا أن الإلزام في ذلك ليس فيه محذور شرعي كالإلزام في بيع المرابحة للآمر بالشراء، فإن
стр. 7103
المحذور من الإلزام في بيع المرابحة وقوع البنك في بيع السلعة قبل تملكها، بخلاف الإلزام بالوعد على الخروج من الشركة، أو على بيع نصيبه منها فلا يبدو أن هناك مانعًا من صدور المواعدة الملزمة في المشاركة المتناقصة (١).
ورد هذا الاعتراض:
بأن الوعد الملزم في بيع البنك نصيبه من الشركة لا يخلو من محذور.
فإن كان البيع أو الإجارة مشروطين في عقد قيام الشركة فإنه من قبيل بيع وإيجار ما لا يملك من الأعيان.
يقول الشيخ صالح المرزوقي: «إذا قلنا: الوعد ملزم حسب ما ذكره الباحث فهو حينئذ عقد، وهو بيع ما لا يملك بعد، وإجارة ما لا يملك بعد» (٢).
ويقول الدكتور نزيه حماد: «لو أبرمت ـ يعني عقود البيع والإجارة ـ دفعة واحدة عقب المفاهمة لأدى ذلك إلى الوقوع في محظورات متعددة منها: البيع المضاف للمستقبل، وتأجيره، وبيع الشخص ما لا يملك من الأعيان، والبيع بثمن مجهول» (٣).
وإن كان الوعد بالبيع سيحدث بعد قيام الشركة، وامتلاك كل واحد منهما لنصيبه، وما كان هناك من مفاهمة على البيع أو على الإجارة قبل قيام الشركة لا يأخذ صفة الإلزام، فإن كان الاتفاق على القيمة الاسمية فإن في هذا يعني ضمان أحد الشريكين لحصة شريكه، وهذا لا يجوز، فإن ضمان رأس مال الشريك
стр. 7104
يحوله إلى قرض، وأخذ الربح على ذلك يكون من القرض الذي جر نفعًا، وهو ما يؤول إلى الربا.
وإن كان الاتفاق على ثمن محدد من اليوم الأول لقيام الشركة لا يكون مرده إلى القيمة الاسمية، فإن في هذا جهالة بالمبيع، إذ كيف يحدد سعر بيع العقار عند بداية عقد الشركة مع تأخر عقد البيع؛ لأن البيع سيتم من خلال صفقات تدريجية في المستقبل، مع أن العقار سيلحقه تغير لا يمكن الوقوف على مقداره بعد سنوات من استعماله، والعلم بالمبيع شرط لصحة البيع.
وإن كان الوعد بالبيع ملزمًا، وسيتم من خلال سعر السوق عند الموعد المتفق عليه فإن العقد سيكون فاسدًا لغياب أحد أهم شروط الصحة، وهو العلم بالثمن.
وإن كان الوعد بالبيع ليس ملزمًا، وسيتم من خلال سعر السوق عند إرادة البيع فلا أظن أن أحدًا سيقول بمنعه. ولا أظن أن ذلك يحقق مراد البنك، والله أعلم.
الدليل الرابع:
يرى بعض المانعين أن عقد المشاركة المتناقصة هو أحد صور بيع العينة التي نهى عنها الفقهاء، وذلك للنص الصريح في عقد البيع على أن يعيد المشتري بيع الأصل الذي اشتراه إلى نفس البائع المالك الأصلي، وإذا كان الشافعي قد خالف الجمهور فأجاز بيع العينة بصفة عامة إلا أن الإجماع منعقد على تحريم بيع العينة إذا كان البيع الثاني مشروطًا في العقد الأول، ولم يخالف في ذلك أحد على تحريم العينة في هذه الصورة، وهذا هو المتحقق في عقد المشاركة المتناقصة.
стр. 7105
يوضح ذلك الفقيه السبكي في معرض كلامه على بيع العينة، فيقول: «فإن فرض الشرط مقارنًا للعقد بطل بلا خلاف، وليس محل الكلام، وإنما محل الكلام إذا لم يكن مشروطًا في العقد، وذلك من الواضحات» (١).
ونوقش هذا:
بأن العينة فيها بيعان أحدهما حال، والآخر مؤجل، وهذه المشاركة المتناقصة ليس فيها عقد بيع، وإنما فيها عقد مشاركة، ثم يحصل البيع بعدئذ، وهو يحصل أيضًا بالقيمة السوقية، أما بيع العينة فإن هناك زيادة في البيع المؤجل عن البيع الحال، وهي التي يوجد بها عنصر الفائدة، وكون أحد الطرفين يريد الحصول على الربح فأي مانع في الشرع من ذلك؟ إذا كان يريد الحصول على الربح، والآخر يريد الحصول على الملكية الكاملة بالتدريج، فليس هناك ما يمنع هذه الرغبات إذا كانت وفق أحكام الشريعة وعقودها وضوابطها (٢).
ويستبعد فضيلة الشيخ علي القره داغي شبه العينة، قائلًا: «ليس هناك علاقة بين موضوع الشركة المتناقصة وبيع العينة، فبيع العينة بين طرفين، وهذا بين عدة أطراف، وبيع العينة في نفس الوقت، وهذا بعد وقت طويل، وبيع العينة لا بد أن يكون السعر لم يتغير، وهنا في الغالب تتغير الأسعار، فلذلك لا تتوافر في عقد الشركة المتناقصة صور بيع العينة، فينبغي أن تستبعد هذه الشبهة (٣).
стр. 7106
الدليل الخامس:
يرى الشيخ علي السالوس أن بيع الوفاء (١)، متحقق في المشاركة المتناقصة إن لم تكن المشاركة المتناقصة أسوأ منه، ويبين ذلك بأن البنك إذا كان سوف يبيع بالقيمة الاسمية: أي بالمبلغ الذي دفعه البنك، فإن هذا يعني استرداد المبيع بالمبلغ الذي دفع، وهذا في حقيقته بيع الوفاء.
ويقول الشيخ محمد المختار السلامي «المشاركة المتناقصة أردت أن أقارنها بعقود أخرى معروفة في الفقه الإسلامي فوجدت أقرب العقود إليها هو بيع الوفاء، فإن بيع الوفاء أن يبيع على اشتراط أن يعود الملك إلى صاحبه» (٢).
ونوقش هذا:
بأن بيع الوفاء بيع مختلف فيه، والراجح تحريمه لأنه يعني إقراض الثمن إلى أجل مقابل الانتفاع بالمبيع، فصار قرضًا جر منفعة، وتسميته بالبيع لا تخرجه عن حقيقته، فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، وقد شبه المانعون المشاركة المتناقصة ببيع الوفاء حيث تصوروا أن البنك لا يملك حصة في الشركة، وإنما قصد التمويل مقابل أن يحصل على نسبة من الأرباح المستفادة من المشروع، وهناك فرق كبير بين المشاركة المتناقصة وبيع الوفاء فالشريك في المشاركة المتناقصة يشارك في الغنم والغرم، بخلاف بيع الوفاء، هذا من جهة
стр. 7107
ومن جهة أخرى فإن بيع الوفاء يتم من خلال مبيع معين تنتقل ملكيته كاملًا لأحد المتعاقدين، ثم تعود ملكيته إلى البائع السابق بخلاف المشاركة المتناقصة فإنها مشاركة يملك الطرفان فيها محل المشاركة، وليست موجودات المشاركة تبدأ بملكية واحد، ثم تنتقل إلى الآخر، ثم تعود إلى السابق كما هو الحال في بيع الوفاء.
القول الثاني:
الشركة المتناقصة جائزة مطلقًا، وإلى هذا ذهب الدكتور الشاذلي (١).
دليل من قال: الشركة المتناقصة جائزة مطلقًا:
الدليل الأول:
الأدلة العامة الدالة على جواز الشركات العامة في الفقه الإسلامي، وقد ذكرنا أدلتها في أول الكتاب، والشركة المتناقصة فرد منها.
الدليل الثاني:
أن هذه الشركة تعتبر من شركة العنان، اقترن بها شرط صحيح بالوعد بالبيع أو الإجارة وهذا غير مناف لمقتضى العقد، ولا مناف للشرع، ولم يرد في شأنه نص خاص يمنعه، أو يصادم قاعدة عامة قطعية، لأن الشريك حر التصرف في نصيبه، ولا يوجد في الشرع ما يمنع من تمليك الشريك حصته في المستقبل لشريكه سواء كان ذلك دفعة واحدة أو على دفعات؛ لأن الشركة عقد غير لازم، فله في أي وقت الخروج من الشركة.
стр. 7108
ونوقش هذا:
هناك فرق واضح بين أن تكون النية مبيتة من البداية للتخارج، ومرتب لها، ومنصوص عليها كشرط أساسي داخل العقد نفسه، وبين أن يعن لأحد الشركاء التخارج بعد بداية النشاط لوقوع أحداث جديدة لم يكن يتوقعها من قبل، فلا شك أن كلا الشريكين في عقد الشركة يحق لهما إبداء الرغبة في التخارج في أي وقت شاءا بعد بداية التعاقد، أما أن ينص على هذا التخارج، وعلى بيع حصة أحد الشريكين للشريك الآخر بنفس القيمة الاسمية كشرط مسبق داخل العقد نفسه، أو في إقرار أو في وعد ملزم مصاحب للعقد من البداية فهذا ضمان واضح من الشريك المشتري للشريك المتخارج، وهو ما يأباه عقد الشركة باتفاق العلماء في كل عصر ومصر» (١).
الدليل الثالث:
أن الأصل في المعاملات الصحة والإباحة، وكون الشركة تجمع بين عقود مختلفة كالشركة والبيع، والإجارة فلا يوجد ما يمنع من اجتماع هذه العقود في عقد واحد سواء أكانت هذه العقود متفقة الأحكام أم مختلفة الأحكام، طالما استوفى كل عقد منها أركانه وشرائطه الشرعية، وسواء أكانت هذه العقود من العقود الجائزة أم من العقود اللازمة أم منهما معًا، وإنما الممنوع من اجتماع هذه العقود إذا كان الشرع قد نهى عن هذا الاجتماع، أو كان في اجتماعها توصل إلى ما هو محرم شرعًا، وهذا لا يوجد في عقد الشركة المتناقصة، فلم يمنع الشرع من اجتماع البيع والشركة والإجارة (٢).
стр. 7109
القول الثالث:
الشركة المتناقصة تجوز بشروط، وبه قال جمع من العلماء المعاصرين، منهم الدكتور عبد الستار أبو غدة، والدكتور نزيه حماد، والدكتور قطب سانو (١)، وإلى هذا ذهب مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الخامسة عشرة (٢)، والأعضاء المؤتمرون في مؤتمر المصرف الإسلامي الأول بدبي (٣).
دليل من قال تجوز بشروط:
حاول هذا الفريق أن يجمع بين القولين السابقين فلا هو تبنى ا لقول بالجواز مطلقًا، ولا القول بالمنع مطلقًا وإنما استجاب للمحاذير الشرعية التي ساقها الفريق القائل بالمنع بإطلاق ووضع شروطًا تجنبه الوقوع في مثل تلك المحاذير، فأصبح قولًا جديدًا يختلف عن القول القائل بالجواز مطلقًا.
وكان أول من قال بالجواز بشروط هم أعضاء مؤتمر دبي، وقد وضعوا ثلاثة شروط في الحقيقة ليست شروطًا خاصة، بل يجب توفرها في جميع عقود المشاركات، وهذه الشروط هي:
(١) ـ ألا تكون المشاركة المتناقصة مجرد عملية تمويل بقرض، فلا بد من إيجاد الإرادة الفعلية للمشاركة، وتقاسم الربح بحسب الاتفاق، وأن يتحمل جميع الأطراف الخسارة.
стр. 7110
(٢) ـ أن يمتلك المصرف حصته في الشركة ملكًا تامًا، وأن يتمتع بحقه الكامل في الإدارة والتصرف، وفي حالة توكيل الشريك بالعمل يحق للبنك مراقبة الأداء ومتابعته.
(٣) ـ ألا يتضمن عقد المشاركة المتناقصة شرطًا يقضي بأن يرد الشريك إلى البنك كامل حصته في رأس المال بالإضافة إلى ما يخصه من أرباح لما في ذلك من شبهة الربا.
واشترط قرار مجمع الفقه الإسلامي الشروط التالية:
(١) ـ عدم التعهد بشراء أحد الطرفين حصة الطرف الآخر بمثل قيمة الحصة عند إنشاء الشركة لما في ذلك من ضمان الشريك حصة شريكه، بل ينبغي أن يتم تحديد ثمن بيع الحصة بالقيمة السوقية يوم البيع، أو بما يتم الاتفاق عليه عند البيع.
(٢) ـ عدم اشتراط تحمل أحد الطرفين مصروفات التأمين، أو الصيانة، وسائل المصروفات بل تحمل على وعاء المشاركة بقدر الحصص.
(٣) ـ تحديد أرباح أطراف المشاركة بنسب شائعة، ولا يجوز اشتراط مبلغ مقطوع من الأرباح أو نسبة من مبلغ المساهمة.
(٤) ـ الفصل بين العقود والالتزامات المتعلقة بالمشاركة.
(٥) ـ منع النص على حق أحد الطرفين في استرداد ما قدمه من مساهمة (تمويل) (١).