← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ويناقش ابن حزم: بأنه ﵀ جعل الغرر هو في مجهول الصفة والمقدار فقط، وهذا فيه نظر، وقد بين القرافي في الفروق الفرق بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر، فقال: «اعلم أن العلماء قد يتوسعون في هاتين العبارتين فيستعملون إحداهما موضع الأخرى، وأصل الغرر هو الذي لا يدرى، هل يحصل أم لا، كالطير في الهواء والسمك في الماء؟ وأما ما علم حصوله، وجهلت صفته فهو المجهول، كبيعه ما في كمه، فهو يحصل قطعًا، لكن لا يدرى أي شيء هو، فالغرر والمجهول كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، أما وجود الغرر بدون الجهالة فكشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق، لا جهالة فيه، وهو غرر; لأنه لا يدري هل يحصل أم لا؟ والجهالة بدون الغرر كشراء حَجَرٍ يراه لا يدري، أزجاج هو أم ياقوت؟ مشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر وعدم معرفته تقتضي الجهالة به، وأما اجتماع الغرر والجهالة، فكالعبد الآبق المجهول الصفة قبل الإباق» (١). الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأقوال والحجج أرى أن القول بعدم صحة بيع ما لا يقدر على تسليمه أقوى دليلًا، وأحفظ لأموال الناس. وتطبيقات هذا الشرط كثيرة، منها: (١) بيع الآبق والشارد.

стр. 737

(٢) بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء. (٣) بيع المعدوم. (٤) بيع المغصوب. (٥) بيع الشيء قبل قبضه. (٦) بيع الدين (٧) بيع الرجل ما ليس عنده. وقد ذكرت هذه المسائل، ولله الحمد وحده في باب موانع البيع (في مبحث الغرر) فارجع إليها مشكورًا. * * *

стр. 738

الشرط الخامس أن يكون المعقود عليه مالًا [م - ١٣٧] المالية شرط عند الجميع، ويضيف الحنفية وصفًا آخر للمال، وهو أن يكون متقومًا بناء على تقسيمهم المال إلى متقوم وغير متقوم، فالخمر عندهم مال، ولكنه غير متقوم. يقول ابن عابدين في حاشيته: «المال أعم من المتقوم (١) ; لأن المال ما يمكن ادخاره، ولو غير مباح كالخمر والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة فالخمر مال لا متقوم ... » (٢). وقال أيضًا: «فما يباح بلا تمول لا يكون مالًا كحبة حنطة، وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدم .. » (٣). وأما بقية المذاهب فلم يذهبوا معهم إلى هذا التقسيم، فما ليس بمتقوم لا يعد عندهم مالًا وقد تكلمنا على أدلة الفريقين في باب تقسيم المال، فانظره هناك. * * *

стр. 739

الشرط السادس أن يكون المبيع مملوكًا في ذاته وليس مباحًا [م - ١٣٨] يشترط أن يكون المبيع مملوكًا في ذاته، ولو لغير البائع، فلا ينعقد بيع المباحات المعينة كالسمك، والكلأ، وحطب البوادي، والماء قبل حيازته. قال في تبيين الحقائق: «لا يجوز بيع الكلأ؛ لأنه ليس بمملوك، إذ لا يملكه بنباته في أرضه ما لم يحرزه، لقوله ﵇ (المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ والنار) .... (١)، وهو محمول على ما إذا لم يحرزه» (٢). فالمال غير المحرز من المباحات، كالسمك في الماء، والطير في الهواء، والأشجار في البراري، ومثله الذهب في مناجمه، والفضة في معادنها، لا يصح بيعها؛ لأنه غير مملوك قبل حيازته، ولو أتلفه متلف لم يضمنه؛ لأنه لا حماية له قبل حيازته. وقد استدل لعدم مشروعية بيع ما لا يملكه الإنسان بحديث حكيم بن حزام ﵁، وفيه: لا تبع ما ليس عندك. وقد تكلمت في بيع الكلأ وبيع الماء قبل حيازته في مباحث مستقلة، كما تكلمنا عند الكلام على أحكام العاقد في مسألة بيع الفضولي باعتباره غير مالك للمعقود عليه، ولا مأذون له في التصرف، فأغنى عن إعادته هنا. والحمد لله.

стр. 740

الشرط السابع هل يشترط وجود المبيع حال العقد [م - ١٣٩] هذه الشرط راجع إلى مسألة (حكم بيع المعدوم)، وقد اختلف الفقهاء في جواز بيعه على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن بيع المعدوم لا يجوز. مع اتفاقهم على جواز بيع السلم، وقد لا يكون موجودًا وقت العقد. قال ابن نجيم: «وأما شرائط المعقود عليه: فأن يكون موجودًا .... وأن يكون مقدور التسليم، فلم ينعقد بيع المعدوم» (١). ويقول الكاساني في الكلام على شروط انعقاد البيع: «وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع، منها أن يكون موجودًا فلا ينعقد بيع المعدوم .. » (٢). وفي الفتاوى الهندية: «وأما شرائط الانعقاد فأنواع، منها في العاقد ... ومنها في المبيع: وهو أن يكون موجودًا، فلا ينعقد بيع المعدوم .. » (٣). وقال القرافي الملكي في الفروق: «بيع المجهول الموجود باطل قطعًا، فيبطل بطريق الأولى بيع المعدوم» (٤). وقال الشيرازي في المهذب: «ولا يجوز بيع المعدوم، كالثمرة التي لم تخلق .. » (٥).

стр. 741

وقال النووي في المجموع: «بيع المعدوم باطل بالإجماع ... » (١). ويقول ابن قدامة في الكافي: «ولا يجوز بيع المعدوم؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر. رواه مسلم» (٢). القول الثاني: صحح ابن تيمية وابن القيم، بيع المعدوم إذا كان ذلك لا يتضمن محذورًا آخر من غرر ونحوه. وقد ذكرت أدلة القولين في باب البيوع المنهي عنها، في باب النهي عن بيع الغرر، فانظره هناك مشكورًا. * * *

стр. 742

الفصل الثالث في شروط الثمن المبحث الأول ما يشترط في المبيع يشترط في الثمن [م - ١٤٠] ذكرنا شروط الثمن ضمن شروط المبيع، وجمعنا ذلك تحت عنوان، شروط المعقود عليه، ليشمل المبيع والثمن، وقد وقع خلاف بين العلماء، هل الشروط التي يجب توفرها في المبيع تعتبر في الثمن أو لا؟ فذهب الحنفية إلى أن الشروط التي يجب توفرها في المبيع لا يشترط توفرها في الثمن، بل إن الحنفية لا يشترطون في الثمن إلا شرطًا واحدًا، وهو أن يكون مالًا .. جاء في البدائع: «وكون الثمن مالًا في الجملة شرط الانعقاد» (١). وقال الشيخ الزرقاء ﵀ «لا يشترط في الثمن لانعقاد البيع سوى شرط واحد، هو أن يكون مالًا بالمعنى الشرعي. أما التقوم فليس في الثمن شرط انعقاد، بل شرط صحة للعقد، في النظر الفقهي عند الحنفية» (٢). فهنا فرق الحنفية بين المبيع والثمن: فالتقوم في المبيع عندهم شرط لانعقاد البيع؛ لأنه هو المقصود الأصلي من

стр. 743

العقد، ولأن الانتفاع يكون بالأعيان لا بالأثمان، فلو كان المبيع خمرًا، أو خنزيرًا، كان البيع باطلًا. وأما التقوم في الثمن فليس شرطًا للانعقاد، وإنما شرط للصحة، فلو كان الثمن خمرًا، أو خنزيرًا، لم يبطل العقد، وإنما يكون العقد فاسدًا (١). وتقسيم المال إلى متقوم وغير متقوم، هو مما انفرد به الحنفية، كما أن التفريق بين الفاسد والباطل في العقود مما وقع فيه نزاع بين الفقهاء، وقد سبق بحثه. وجه التفريق بين المبيع والثمن: أن المبيع هو المقصود بالعقد، فإذا جعلت الخمر مبيعة تكون مقصودة، وفيه إعزاز لها، والشرع أمر بإهانتها. وأما الثمن فهو وسيلة إلى المقصود، فإذا كان الثمن مالًا غير متقوم، فالعقد فاسد، ويملكه بالقبض، وتجب فيه القيمة. وذهب الجمهور إلى أن ما يشترط في المبيع يشترط في الثمن؛ لأن كلًا منهما معقود عليه. قال الزنجاني: «معتقد الشافعي ﵁، أن موجب عقود المعاوضات التسوية بين العوض والمعوض، ذاتًا، ووصفًا، وحكمًا. أما ذاتًا، فبأن يكون كل واحد منهما مالًا. وأما وصفًا: فبأن يكون كل واحد منهما جائزًا أن يكون حالًا، ومؤجلًا، ودينًا، وعينًا.

стр. 744

وأما حكمًا: فبأن يكون كل واحد منهما ركنًا مقصودًا بالعقد» (١). وجاء في إعانة الطالبين: «وكما لا يصح جعل النجس مبيعًا، لا يصح أيضًا جعله ثمنًا؛ إذ الطهر شرط للمعقود عليه مطلقًا، ثمنًا كان أو مثمنًا، ومثله يقال في بقية الشروط» (٢). وجاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية: «يشترط في الثمن ما يشترط في المبيع» (٣). والراجح: عدم التفريق بين المبيع والثمن في هذه المسألة بخصوصها. * * *

стр. 745

المبحث الثاني في الجهالة بالثمن [م -١٤١] أخذنا في فصل سابق أنه يشترط لصحة البيع العلم بالمبيع، فهل يشترط ذلك في الثمن باعتبار أن الثمن هو أحد العوضين، وما يشترط في المبيع يشترط في الثمن، فلو أن رجلًا باع سلعته من غير أن يذكر الثمن، فهل يصح البيع مع الجهل بالثمن، أو لا يصح البيع؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: ينعقد البيع فاسدًا، ويثبت الملك إذا قبضه، وتجب به القيمة وهذا مذهب الحنفية (١).

стр. 746

القول الثاني: البيع باطل، وهو مذهب المالكية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثالث: اختار ابن تيمية صحة البيع (٤). دليل الجمهور على بطلان البيع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فاشترطت الآية الرضا، والرضا لا يتعلق إلا بمعلوم. ومنها: النهي عن بيع الغرر، وهو أصل متفق عليه في الجملة (ح-٧٢) لما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج. عن

стр. 747

أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١). وكون الثمن مجهولًا داخل في الغرر المنهي عنه. وإذا كان العلم بالمبيع شرط في صحة البيع، وسبق ذكر الأدلة على هذا في مسألة مستقلة فالثمن أحد العوضين، فما يشترط في المثمن يشترط في الثمن، ولا فرق (٢). أدلة ابن تيمية على صحة البيع: الدليل الأول: (ح-٧٣) ما رواه البخاري من طريق سفيان، حدثنا عمرو، عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر، ويرده، ثم يتقدم، فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعنيه. قال: هو لك يا رسول الله. قال: بعنيه، فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ اشترى من عمر بعيره، ووهبه لعبد الله بن عمر، دون ذكر للثمن. الدليل الثاني: إذا كان الشارع قد جوز النكاح بدون تسمية المهر، قال تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].

стр. 748

قال ابن العربي: «لما قسم الله تعالى حال المطلقة إلى قسمين: مطلقة سمي لها فرض، ومطلقة لم يسم لها فرض، دل على أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عُقِدَ من غير ذكر الصداق، ولا خلاف فيه» (١). ولها مهر مثلها، فكون البيع يجوز بثمن المثل من باب أولى؛ لأن المبيع يوجد مثله كثيرًا، بخلاف المرأة فإن وجود مثلها من نسائها في صفاتها المقصودة من كل وجه قد يتعذر. ويجاب: بأن النكاح لا يشبه البيوع، قال ابن حزم: «ما ندري في أي وجه يشبه النكاح البيوع، بل هو خلافه جملة؛ لأن البيع نقل ملك وليس في النكاح ملك أصلًا ... والخيار جائز عندهم في البيع مدة مسماة ولا يجوز في النكاح، والبيع بترك رؤية المبيع وترك وصفه باطل لا يجوز أصلًا، والنكاح بترك رؤية المنكوحة وترك وصفها جائز ... فبطل تشبيه النكاح بالبيع جملة» (٢). الدليل الثالث: القياس على الهبة بشرط الثواب، فهي عقد معاوضة عند الفقهاء، وقد قالوا بصحتها مع أنه لم يذكر فيها الثمن. وكذلك أجاز عامة الفقهاء أن يقول الرجل: اعتق عبدك عني، وعلي ثمنه، وهذه معاوضة بثمن المثل. كما أجاز كثير من الفقهاء عقد الإجارة بأجرة المثل، وهي بيع منافع.

стр. 749

الراجح: جواز البيع من غير ذكر الثمن؛ لأن البائع والمشتري حين تبايعا من غير ذكر للثمن كان لسان حالهما أنهما قد تراضيا في أخذ السلعة بثمن المثل، فإذا تراضيا على ذلك جاز، والثمن وإن لم يكن مقدرًا هنا لكنه قابل للتقدير، كما أن الأخذ بقيمة المثل أدعى للعدل مما لو شراها بثمن مسمى، فقد يبيعها عليه بأكثر من قيمتها، ولا يزال الناس يتعاملون بهذا إلى اليوم، فيأخذ الرجل حاجته من البقال، أو اللحام، أو الفاكهي، ولا يتفقان على ثمن وقت الأخذ، ثم يحاسبه في آخر الشهر، وكان هذا البيع صورة من صور بيع المعاطاة، وقد سبق الأدلة على جوازه، والله أعلم. * * *

стр. 750

المبحث الثالث إبهام الثمن على وجه التخيير [م - ١٤٢] إذا قال الرجل للرجل: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، وتفرقا دون القطع بأحد الثمنين فقد اختلف العلماء في حكم البيع على ثلاثة أقوال: القول الأول: البيع لا يصح، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: إن وقع البيع على وجه اللزوم، فالبيع باطل، وإن وقع على وجه الاختيار، فالبيع صحيح، وهذا مذهب مالك في المدونة (٤).

стр. 751

القول الثالث: البيع صحيح، وهو اختيار ابن القيم (١)، وخرجه بعضهم وجهًا في مذهب الحنابلة (٢). وبعضهم يمنع البيع من باب منع الزيادة مقابل التأجيل، وهي مسألة سوف أناقشها في بحث مستقل إن شاء الله تعالى (٣). دليل من قال: لا يصح البيع .

стр. 752

الدليل الأول: (ح-٧٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا محمد ابن عمرو، ثنا أبو سلمة. عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة (١). [إسناده حسن] (٢).

стр. 753

ونوقش هذا الاستدلال: القول بأن هذا البيع بيعتان في بيعة غير صحيح، وإنما هو بيعة واحدة في أحد الثمنين. فحديث نهى عن بيعتين في بيعة، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر: وهو الذي لعاقده أوكس البيعتين، أو الربا في الحديث الثالث، وذلك سد

стр. 754

لذريعة الربا، فإنه إذا باعه السلعة بمائتين مؤجلة، ثم اشتراها منه بمائة حالة فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ الثمن الزائد أخذ الربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا، وأبعد كل البعد من حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسين حالة (١). وسيأتي إن شاء الله الكلام على بيعتين في بيعة، وكلام السلف فيهما مقارنًا بكلام الفقهاء في مبحث مستقل، أسأل الله وحده العون والتوفيق. الدليل الثاني: علل بعضهم المنع بجهالة الثمن، لأننا لا ندري، هل الثمن هو النقد، أو الثمن هو النسيئة، فلم يعقد على ثمن بعينه (٢)،ولعدم وجود ما يصلح أن يكون إيجابًا. وعلل بعضهم المنع بتعليق البيع، وتعليق البيع عندهم غير جائز (٣). ونوقش هذا: بأن عدم تحديد أحد الثمنين في الإيجاب، لا يمنع من صحة البيع، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى صحة البيع بما ينقطع به السعر، وصحة البيع بسعر يومه، وبما يبيع به زيد، وكل ذلك ليس فيه تحديد للثمن. وأما القول بالبطلان بسبب تعليق البيع فهذا مذهب ضعيف، والصحيح جواز البيع بالتعليق، كما لو قلت: أبيعك إن رضي والدي، وسوف أناقش هذه المسألة في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.

стр. 755

الدليل الثالث: القياس على ما لو قال: بعتك أحد هذين العبدين، فإذا كانت هذه الصيغة غير صالحة للبيع، فلا يجوز بعتك بألف نقدًا، أو بألفين نسيئة. ويناقش: بأن هناك فرقًا بين الصيغتين، فالمبيع في قولك: (بعتك أحد هذين العبدين) لم يتحدد المبيع، وأما قولك: بعتك بألف نقدًا، أو بألفين نسيئة، فالمبيع واحد متعين، والتخيير بالثمن. دليل من قال: البيع باطل إن وقع لازما، وصحيح إن وقع على التخيير: ذكر ابن رشد الإجماع على بطلان العقد إن وقع على وجه اللزوم (١)، قال في بداية المجتهد « ... وهو أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدًا بكذا، أو نسيئة بكذا، فهذا إذا كان البيع فيه واجبًا، فلا خلاف في أنه لا يجوز، وأما إذا لم يكن البيع لازمًا في أحدهما فأجازه مالك .... وجعله مالك من باب الخيار؛ لأنه إذا كان عنده على الخيار لم يتصور فيه ندم يوجب تحويل أحد الثمنين في الآخر، وهذا عند مالك هو المانع ... فعلة امتناعه عند مالك سد الذريعة الموجبة للربا؛ لإمكان أن يكون الذي له الخيار قد اختار أولًا إنفاذ العقد بأحد الثمنين المؤجل أو المعجل، ثم بدا له، ولم يظهر ذلك، فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن الثاني، فكأنه باع أحد الثمنين بالثاني، فيدخله ثمن بثمن نسيئة، أو نسيئة و متفاضلًا، وهذا كله إذا كان الثمن نقدًا، وإن كان الثمن غير نقد، بل طعامًا، دخله وجه آخر، وهو بيع الطعام بالطعام متفاضلًا» (٢).

стр. 756

وهذا من مبالغة المالكية في سد باب الذرائع، فإن المشتري إذا اختار في نفسه أحد الثمنين لم يكن ذلك بيعًا حتى يتكلم به، ومجرد الاختيار النفسي لا يلزم الشخص أبدًا، لا في بيع، ولا في نكاح، ولا في طلاق، حتى يتلفظ بذلك. دليل من قال: البيع صحيح . الدليل الأول: (ث - ١٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى ابن سعيد، أن عمر أجلى أهل نجران: اليهود والنصارى، واشترى بياض أرضهم وكرومهم، فعامل عمر الناس: إن هم جاؤوا بالبقر والحديد من عندهم، فلهم الثلثان، ولعمر الثلث، وإن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر ... الأثر (١). [منقطع، يحيى لم يدرك عمر] (٢). الدليل الثاني: الأصل صحة البيع حتى يوجد دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع يبطل مثل هذا العقد، أو يتضمن محذورًا يدعو إلى إبطال العقد كالربا، والجهالة، والغرر، فلما لم يوجد مثل ذلك دل هذا على صحة مثل هذا العقد، غاية ما في الأمر أنه خيره بين أي الثمنين يريد، وهذا لا حرج فيه.

стр. 757

الدليل الثالث: استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص:٢٧]. قال ابن كثير: «وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، أنه يصح، ويختار المشتري، وبأيهما أخذه صح ... » (١). ولم يقبل ابن كثير هذا الاستدلال، واعتذر عن بيان وجه الضعف فيه بأن ليس هذا موضع بسطه، والله أعلم. وفيه فرق بين الصورتين، فإن إتمام العشر تبرع محض، والعقد إنما وقع على الثمان، بخلاف صورة المسألة حيث إن العقد في الصورتين عقد معاوضة، إما نقدًا، وإما نسيئة. الدليل الرابع: (ث -١٤) روى ابن أبي شيبة من طريق أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا بأس أن يقول للسلعة: هي بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا، ولكن لا يفترقان إلا عن رضا (٢).

стр. 758

[إسناده ضعيف] (١). الراجح من الخلاف: الذي أميل إليه صحة مثل هذا العقد، وأن التخيير للمشتري من باب التوسعة عليه من قبل البائع، فالعقد مصيره إلى العلم بالثمن، غاية ما فيه أن المشيئة جعلها البائع للمشتري إن شاء أخذه بهذا، وإن شاء أخذه بهذا، ولا ضير في ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 759

المبحث الرابع في اشتراط القدرة على تسليم الثمن [م - ١٤٣] اختلف الفقهاء في الثمن، هل يشترط أن يكون مقدورًا على تسلميه؟ فقيل: لا يشترط، وهو مذهب الحنفية (١)، واختيار ابن حزم (٢). وقيل: يشترط في الثمن أن يكون مقدورًا على تسليمه إن كان حالًا، وعند حلول الأجل إن كان مؤجلًا، أما ما لا يقدر على تسليمه فلا يصح جعله ثمنًا، وهو مذهب الجمهور (٣). وقد سبق لنا مناقشة هذه المسألة عند الكلام على شروط المعقود عليه (المبيع والثمن) هل يشترط القدرة على تسليمه، وذكرنا أدلة كل قول مع بيان الراجح، فأغنى عن إعادته هنا. * * *

стр. 760

الفصل الرابع فيما يختص به المبيع من الأحكام الحكم الأول في شمول المبيع وما يدخل فيه عند الإطلاق المبحث الأول الضوابط التي تحكم ما يدخل في المبيع وما لا يدخل فيه [م-١٤٤] قد يتنازع المتبايعان في بعض الأشياء التي لها صلة بالمبيع، هل ملحقة به، داخلة فيه؛ لأن اسم المبيع يشملها، فتكون من حق المشتري، أو ليست داخلة فيه؛ لأن اسم المبيع لا يشملها، فتكون باقية على ملك البائع؟ وأنواع المبيع التي تُتْبَع بشيء إذا وقع العقد عليها ثمانية أشياء كما ذكر ذلك القرافي في الفروق: ـ لفظ الأرض. ـ ولفظ الدار. ـ ولفظ الشجر. وتسمى عند الفقهاء (بالأصول) ـ ولفظ الثمار والزروع. وتسمى عند الفقهاء (بالثمار) ـ ولفظ الشركة. ـ ولفظ المرابحة.

стр. 761

ـ ولفظ العبد والحيوان. هذه أنواع المبيع التي يتبعها أشياء إذا وقع العقد عليها، وسوف يحتاج الأمر إلى وضع قواعد وضوابط تعالج هذا الأمر، وتسد باب النزاع الذي يؤدي إلى فساد العقد، ثم نأتي إلى بحث المسائل الفرعية على طريقة الفقهاء، من هذه الضوابط: الضابط الأول: كل ما جرى عرف البلد على أنه من مشتملات البيع يدخل في البيع من غير ذكر، والعكس صحيح: أن ما جرى العرف بعدم إدخاله لم يدخل وإن كان اسم المبيع يشمله (١). وهذا الضابط من أهم الضوابط، بل إن مدار الباب عليه تقريبًا. شرح هذا الضابط: قال ابن عابدين في حاشيته نقلًا من الذخيرة: «الأصل أن ما لا يكون من بناء الدار، ولا متصلًا بها لا يدخل إلا إذا جرى العرف في أن البائع لا يمنعه عن المشتري، فالمفتاح يدخل استحسانًا، لا قياسًا لعدم اتصاله، وقلنا بدخوله بحكم العرف» (٢). وقال الزيلعي: «وثياب الغلام، والجارية تدخل في البيع من غير شرط للعرف، إلا أن تكون ثيابًا مرتفعة تلبس للغرض فلا تدخل إلا بالشرط لعدم العرف» (٣).

стр. 762

وقال الدسوقي في حاشيته: «محل تناول العقد على البناء والشجر للأرض، وتناول العقد على الأرض ما فيها من بناء وشجر، كان ذلك العقد بيعًا أو غيره، إن لم يكن شرط أو عرف بخلافه، وإلا عمل بذلك الشرط أو العرف» (١). ويقول القرافي المالكي في الفرق بين قاعدة: ما يتبع العقد عرفًا وقاعدة: ما لا يتبعه - بعد أن سرد الأبواب في ذلك - قال: «جميع هذه المسائل وهذه الأبواب التي سردتها مبنية على العوائد غير مسألة الثمار المؤبرة، بسبب أن مدركها النص والقياس، وما عداها مدركة العرف والعادة فإذا تغيرت العادة، أو بطلت، بطلت هذه الفتاوى، وحرمت الفتوى بها لعدم مدركها فتأمل ذلك بل تتبع الفتاوى هذه العوائد كيفما تقلبت كما تتبع النقود في كل عصر وحين، وتعيين المنفعة من الأعيان المستأجرة إذا سكت عنها فتنصرف بالعادة للمنفعة المقصودة منها عادة، لعدم اللغة في البابين وكل ما صرح به في العقد، واقتضته اللغة فهذا هو الذي لا يختلف باختلاف العوائد، ولا يقال إن العرف اقتضاه فهذا تلخيص هذا الفرق» (٢). وفي مجلة الأحكام الشرعية، وهي مجلة حنبلية، جاء فيها: «كل ما يتعلق به حاجة المبيع، أو يعد من مصلحته عرفًا، يدخل في بيعه تبعًا، فيدخل في بيع الدابة لجامها، ومقودها، ونعلها، وفي بيع القن لبسه المعتاد، ولا تدخل الحلي، ولباس التجميل. كل منفصل عن المبيع، مما لا يشمله اسمه عرفًا، ولا يعد من مصلحته عادة، لا يدخل في البيع بلا تصريح، فلا يدخل الكنز والحجر المدفونان في بيع

стр. 763

الأرض، ولا السرر، والأقفال، والفرش، والغروس الموضوعة في الأواني التي تنقل في بيع الدور ونحوها» (١). وقال شيخ شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀: «إن كان العرف جاريًا بدخول المفاتيح دخلت بلا ريب؛ لأن العرف كالشرط» (٢). الضابط الثاني: يدخل في المبيع كل ما يتناوله اسم المبيع لغة بحيث يعد جزءًا حقيقيًا منه بحسب مدلول اسمه (٣). شرح هذا الضابط: ما يتناوله اسم المبيع شيئان: إما أنه يتناوله عرفًا، وهذا سبق بحثه. أو يتناوله لغة، فهذا هو القسم الثاني. فبيع الدار يدخل فيه غرفها، وبيع الخزانة يدخل فيه أدراجها؛ لأن اسم المبيع يتناوله لغة وعرفًا، وهي جزء حقيقي منه. ولا يستثنى من هذين الشيئين إلا ما استثناه نص شرعي، كالثمرة المؤبرة فإنها جزء من المبيع، ولا تدخل إلا بالشرط، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الضابط الثالث: يدخل في المبيع كل ما كان كالجزء من المبيع، أو كان مما لا يقبل الانفكاك عن المبيع نظرًا إلى غرض المشتري. فبيع القفل مثلًا يدخل معه المفتاح (٤).

стр. 764

شرح هذا الضابط: هناك أشياء من توابع المبيع قد لا تدخل في مدلول الاسم، وهي مستقلة بذاتها ليست متصلة بالمبيع، ولكن حصول المنفعة من المبيع، أو تمامها لا يتم إلا بها، فهذه تدخل في المبيع نظرًا إلى أن غرض العاقد من المبيع يتوقف عليها، وعلى إلحاقها، فهذه تدخل في المبيع، وإن لم تذكر في الاسم، وأظهر مثال له دخول المفتاح في بيع القفل. قال الشيخ الزرقاء ﵀: «المبنى الفقهي في ذلك: أن الانتفاع المقصود من المبيع بعقد البيع يتوقف تحققه على هذه الأشياء، وإن كانت مستقلة عنه في الوجود، فيكون عدم ذكرها اعتمادًا على أن دخولها مفهوم، كما يستغنى بذكر الكل عن ذكر الأجزاء التي يتألف منها» (١). وأما إذا كان الشيء منفصلًا مستقلًا، ولم تتوقف عليه حصول المنفعة، فلا يدخل إلا بالتصريح، فلا يدخل في بيع الفرس سرجها وركابها. وفي بيع الدار، لا تدخل الكراسي، والخزانات المنفصلة. وفي بيع المنضدة لا يدخل كساؤها. الضابط الرابع: يدخل في المبيع كل ما كان متصلًا بالمبيع اتصال قرار، وكان من مصلحته (٢).

стр. 765

شرح هذا الضابط: «ضابط اتصال القرار: أن يكون الشيء موضوعًا على وجه الدوام، لا ليرفع، ويحول» (١). فيدخل في بيع الأرض ما فيها من بناء، وشجر، دون الزرع، والثمار. كما يدخل في بيع الدار: الأبواب المنصوبة، والرفوف المسمرة، والأوتاد المغروزة، والسلالم المثبتة، بخلاف الخزائن، والسلالم المنقولة، وأحواض الأزهار المنقولة، فإنها لا تدخل في المبيع دون تصريح بها. الضابط لخامس: يدخل في المبيع كل ما كان من توابع المبيع التي يعبر عنها بالألفاظ العامة بالحقوق والمرافق. فلو قال البائع: بعتك هذه الدار بجميع حقوقها: دخل في البيع حق الشرب، وحق المسيل، وحق المرور، بشرط أن تكون موجودة وقت البيع، والألفاظ العامة أربعة: (١) بجميع حقوقه. (٢) بجميع مرافقه. (٣) بكل قليل وكثير فيه. (٤) بكل قليل وكثير منه (٢).

стр. 766

الضابط السادس: كل منفصل عن المبيع، مما لا يشمله اسمه عرفًا، ولا يعد من مصلحته عادة، لا يدخل في البيع بلا تصريح، فلا يدخل الكنز، والحجر المدفونان في بيع الأرض، ولا السرر، والأقفال، والفرش، والغروس الموضوعة في الأواني التي تنقل في بيع الدور ونحوها. الضابط السابع: إذا وجد تصريح بإدخال ما لا يدخل تبعًا، أو بإخراج ما يدخل تبعًا عمل به (١). هذا ما تمكنت من جمعه من الضوابط العامة، وهذا أوان ذكر الأمور على سبيل التفصيل. * * *

стр. 767

المبحث الثاني ما يدخل في بيع الأرض الفرع الأول البناء والشجر [م - ١٤٥] إذا باع أرضًا، وأطلق، فهل يدخل في ذلك ما عليها من بناء، وشجر؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يدخلان في البيع قال الكاساني: «عند عامة العلماء» دون الشجر المجذوذ واليابس، فلا يدخلان إلا بالشرط (١). القول الثاني: لا يدخل البناء، والشجر الأخضر في بيع الأرض؛ لأن اسم الأرض لا يتناولهما، وليس هناك عرف مطرد في دخولهما.

стр. 768

وهو قول في مذهب الشافعية (١)، رجحه الغزالي والنووي (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (٣). دليل دخول البناء والشجر في بيع الأرض: الدليل الأول: (ح-٧٥) ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله

стр. 769

إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول .... (١). وجه الاستدلال: قوله (أصبت أرضًا) مع قوله (على من وليها أن يأكل منها بالمعروف) فأطلق الأرض، وأراد بما فيها. الدليل الثاني: أن البناء والشجر متصلة بالأرض اتصال قرار، ومن مصلحة الأرض. «وضابط اتصال القرار: أن يكون الشيء موضوعًا على وجه الدوام، لا ليرفع ويحول» (٢). قال في البحر الرائق: «ويدخل البناء والشجر في بيع الأرض بلا ذكر لكونه متصلًا بها للقرار» (٣). الدليل الثالث: رأى بعضهم أن دخول البناء والشجر بمقتضى العرف، وبعضهم يرى أن ذلك بمقتضى الشرع، وإن لم يجر عرف بذلك التناول، ما لم يجر عرف بخلافه. ففي شرح الخرشي، قال: «العقد على الأرض يتناول البناء والشجر اللذين

стр. 770

فيها بحكم العرف والعادة لا بحسب اللغة، وهذا حيث لا شرط ولا عادة بخلافه» (١). وذكر الدسوقي في حاشيته أنه يتناولهما تناولًا شرعيًا، وإن لم يجر عرف بذلك التناول، ما لم يجر عرف بخلافه (٢). ورأى بعضهم أن الشرع والعرف يقتضي دخولهما كما في منح الجليل (٣). وقيدنا الشجر بالأخضر؛ لأن اليابس ليس متصلًا بالأرض على وجه الثبوت والدوام؛ ولأن الشجر اليابس أشرف على القطع، فشبهها بعضهم بالثمرة، والثمرة للبائع إلا بالشرط (٤). وشبهها بعضهم بالحطب الموضوع على الأرض (٥).: واستثنينا الشجر المجذوذ؛ لأن المجذوذ ليس متصلًا بالأرض، فهي تشبه المتاع المودع بالأرض (٦). الراجح من الخلاف: إن كان هناك عرف عمل به، وإن لم يكن هناك عرف فإن الشجر والبناء يدخلان، وإن لم يتناولهما اسم الأرض، كما يدخل الأبواب والرفوف المثبتة في مسمى الدار، وإن لم يتناولهما الاسم، والله أعلم. * * *

стр. 771

الفرع الثاني في معادن الأرض [م - ١٤٦] ذهب عامة الفقهاء إلى أن المعادن إن كانت جامدة، كالذهب، والفضة والنحاس، والرصاص، أنها تدخل في بيع الأرض؛ لأنها تعتبر جزءًا من الأرض (١). قال ابن قدامة: «فإن كان في الأرض معادن جامدة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ونحوها دخلت في البيع وملكت بملك الأرض التي هي فيها ; لأنها من أجزائها فهي كترابها، وأحجارها ولكن لا يباع معدن الذهب بذهب ولا معدن الفضة بفضة ويجوز بيعها بغير جنسها ... » (٢). وأما مذهب الحنفية، فإنه يمكن أن يستنبط الحكم عندهم من مسألة مشابهة، فإنهم نصوا على أن الإنسان لو اشترى سمكة، فوجد فيها لؤلؤة، فهي للمشتري؛ لأن السمك يأكل الصدف، والصدف فيه اللؤلؤ، فكان بمثابة ما لو اشترى سمكة، فوجد فيها سمكة أخرى. قلت: كذلك الأرض من شأنها أن يوجد فيها معادن جامدة (٣). وجاء في مختصر الإنصاف والشرح الكبير: «وإن ظهر في الأرض معدن، لا

стр. 772

يعلم به البائع، فله الخيار، وروي أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر ابن عبد العزيز أرضًا، فظهر فيها معدن، فقالوا: إنما بعنا الأرض، ولم نبع المعدن، وأتوا عمر بالكتاب الذي فيه، قطيعة النبي ﷺ لأبيهم، فأخذه، وقبله، ورد عليهم المعدن، وعن أحمد: إذا ظهر المعدن في ملكه ملكه، وظاهره أنه لم يجعله للبائع، ولا جعل له خيارًا» (١). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن ظهر ذلك في الأرض - يعني المعدن - ولم يعلم به بائع، فله الفسخ» (٢). ويرى أن ثبوت الخيار للبائع لا ينافي القول بأن المعدن من حق المشتري؛ لأنه لو كان للبائع مطلقًا للزم البيع في حق المشتري، ولوجب على المشتري تسليمه للبائع، وإنما ثبوت الخيار للجهل بالمبيع، ألا ترى أن الرجل لو اشترى نخلة قد أبرت، فثمرتها للبائع، ومع ذلك لو ادعى المشتري أنه يجهل الحكم، وأنه اشترى النخلة باعتبار أن الثمرة داخلة معها، ثبت له الخيار إن كان مثله يجهل. قال في الإنصاف: «لو اشترى أرضًا فيه زرع للبائع، أو شجرًا فيها ثمر للبائع، وظن دخوله في البيع، أو ادعى الجهل به، ومثله يجهله، فله الفسخ» (٣). وبهذا يفهم ما جاء عن الشوكاني في السيل الجرار. جاء فيه (ولا يدخل معدن) قال الشوكاني في شرح ذلك: «وجه هذا: أن البائع لو علم به لم تطب نفسه

стр. 773

بالثمن الذي تراضيا عليه، فقد كشف ذلك عن اختلال التراضي، الذي هو المناط في نقل الأملاك، وإذا اختل فلا بيع، فلا بد بعد انكشاف المعدن والدفين ونحوهما من التراضي عن البيع، بثمن تطيب به نفساهما، فإن وقع منهما ذلك كان بيعًا جديدًا، وهكذا الكلام فيما وجد في بطن الشاة أنه مستحق للبائع، وأما التفصيل بين كونه إسلاميًا، أو كفريًا، فلا دخل له في الباب، بل ذلك حكم آخر يعمل البائع فيه بما يقتضيه الشرع، وهكذا حكم العنبر في سمك ونحوه، والحاصل أن من عرف أن مناط أحكام البيع الشرعية هو التراضي لم يستبعد هذا، ومن خفي عليه فمن نفسه أتي» (١). * * *

стр. 774

الفرع الثالث الزرع الذي يحصد مرة واحدة [م - ١٤٧] ذهب عامة فقهاء المذاهب الأربعة على عدم دخول الزرع الذي يقلع، أو يقطع دفعة واحدة، كحنطة، وشعير، وسائر الزروع، كجزر، وفجل، ونحوهما في المبيع إلا إذا اشترطه المشتري (١). قال في المغني: «لا أعلم فيه خلافًا» (٢). وفي الإنصاف: «قال في المبهج: إن كان الزرع بدا صلاحه لم يتبع الأرض، وإن لم يبد صلاحه فعلى وجهين ... قال في القواعد: وهو غريب جدًا، مخالف لما عليه الأصحاب» (٣). وجه كونه لا يدخل في الأرض: الوجه الأول: أنه متصل بالأرض لا على سبيل الثبات والدوام، فلم يدخل.

стр. 775

قال في البحر الرائق: «ولا يدخل الزرع في بيع الأرض بلا تسمية؛ لأنه متصل بالأرض للفصل فشابه المتاع الذي هو فيها» (١). الوجه الثاني: أن الزرع الذي يحصد مرة واحدة يشبه الثمرة، بجامع أن كلًا منهما يراد به النقل، وليس البقاء. وسيأتي إن شاء الله تعالى في بحث مستقل حكم الثمرة، ومن تكون له إذا بيع شجر مثمر. وجه من قال: يتبع الأرض إذا لم يبد صلاحه: يظهر أن هذا القول قاسه على الثمرة المؤبرة، فقبل التأبير هي من حق المشتري، وبعده من حق البائع، فجعل بدو الصلاح في الزرع بمنزلة التأبير في الثمر. والراجح القول الأول، والله أعلم. * * *
следующие страницы →