← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

الدليل الخامس: يرى الشيخ علي السالوس أن بيع الوفاء (١)، متحقق في المشاركة المتناقصة إن لم تكن المشاركة المتناقصة أسوأ منه، ويبين ذلك بأن البنك إذا كان سوف يبيع بالقيمة الاسمية: أي بالمبلغ الذي دفعه البنك، فإن هذا يعني استرداد المبيع بالمبلغ الذي دفع، وهذا في حقيقته بيع الوفاء. ويقول الشيخ محمد المختار السلامي «المشاركة المتناقصة أردت أن أقارنها بعقود أخرى معروفة في الفقه الإسلامي فوجدت أقرب العقود إليها هو بيع الوفاء، فإن بيع الوفاء أن يبيع على اشتراط أن يعود الملك إلى صاحبه» (٢). ونوقش هذا: بأن بيع الوفاء بيع مختلف فيه، والراجح تحريمه لأنه يعني إقراض الثمن إلى أجل مقابل الانتفاع بالمبيع، فصار قرضًا جر منفعة، وتسميته بالبيع لا تخرجه عن حقيقته، فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، وقد شبه المانعون المشاركة المتناقصة ببيع الوفاء حيث تصوروا أن البنك لا يملك حصة في الشركة، وإنما قصد التمويل مقابل أن يحصل على نسبة من الأرباح المستفادة من المشروع، وهناك فرق كبير بين المشاركة المتناقصة وبيع الوفاء فالشريك في المشاركة المتناقصة يشارك في الغنم والغرم، بخلاف بيع الوفاء، هذا من جهة

стр. 7107

ومن جهة أخرى فإن بيع الوفاء يتم من خلال مبيع معين تنتقل ملكيته كاملًا لأحد المتعاقدين، ثم تعود ملكيته إلى البائع السابق بخلاف المشاركة المتناقصة فإنها مشاركة يملك الطرفان فيها محل المشاركة، وليست موجودات المشاركة تبدأ بملكية واحد، ثم تنتقل إلى الآخر، ثم تعود إلى السابق كما هو الحال في بيع الوفاء. القول الثاني: الشركة المتناقصة جائزة مطلقًا، وإلى هذا ذهب الدكتور الشاذلي (١). دليل من قال: الشركة المتناقصة جائزة مطلقًا: الدليل الأول: الأدلة العامة الدالة على جواز الشركات العامة في الفقه الإسلامي، وقد ذكرنا أدلتها في أول الكتاب، والشركة المتناقصة فرد منها. الدليل الثاني: أن هذه الشركة تعتبر من شركة العنان، اقترن بها شرط صحيح بالوعد بالبيع أو الإجارة وهذا غير مناف لمقتضى العقد، ولا مناف للشرع، ولم يرد في شأنه نص خاص يمنعه، أو يصادم قاعدة عامة قطعية، لأن الشريك حر التصرف في نصيبه، ولا يوجد في الشرع ما يمنع من تمليك الشريك حصته في المستقبل لشريكه سواء كان ذلك دفعة واحدة أو على دفعات؛ لأن الشركة عقد غير لازم، فله في أي وقت الخروج من الشركة.

стр. 7108

ونوقش هذا: هناك فرق واضح بين أن تكون النية مبيتة من البداية للتخارج، ومرتب لها، ومنصوص عليها كشرط أساسي داخل العقد نفسه، وبين أن يعن لأحد الشركاء التخارج بعد بداية النشاط لوقوع أحداث جديدة لم يكن يتوقعها من قبل، فلا شك أن كلا الشريكين في عقد الشركة يحق لهما إبداء الرغبة في التخارج في أي وقت شاءا بعد بداية التعاقد، أما أن ينص على هذا التخارج، وعلى بيع حصة أحد الشريكين للشريك الآخر بنفس القيمة الاسمية كشرط مسبق داخل العقد نفسه، أو في إقرار أو في وعد ملزم مصاحب للعقد من البداية فهذا ضمان واضح من الشريك المشتري للشريك المتخارج، وهو ما يأباه عقد الشركة باتفاق العلماء في كل عصر ومصر» (١). الدليل الثالث: أن الأصل في المعاملات الصحة والإباحة، وكون الشركة تجمع بين عقود مختلفة كالشركة والبيع، والإجارة فلا يوجد ما يمنع من اجتماع هذه العقود في عقد واحد سواء أكانت هذه العقود متفقة الأحكام أم مختلفة الأحكام، طالما استوفى كل عقد منها أركانه وشرائطه الشرعية، وسواء أكانت هذه العقود من العقود الجائزة أم من العقود اللازمة أم منهما معًا، وإنما الممنوع من اجتماع هذه العقود إذا كان الشرع قد نهى عن هذا الاجتماع، أو كان في اجتماعها توصل إلى ما هو محرم شرعًا، وهذا لا يوجد في عقد الشركة المتناقصة، فلم يمنع الشرع من اجتماع البيع والشركة والإجارة (٢).

стр. 7109

القول الثالث: الشركة المتناقصة تجوز بشروط، وبه قال جمع من العلماء المعاصرين، منهم الدكتور عبد الستار أبو غدة، والدكتور نزيه حماد، والدكتور قطب سانو (١)، وإلى هذا ذهب مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الخامسة عشرة (٢)، والأعضاء المؤتمرون في مؤتمر المصرف الإسلامي الأول بدبي (٣). دليل من قال تجوز بشروط: حاول هذا الفريق أن يجمع بين القولين السابقين فلا هو تبنى ا لقول بالجواز مطلقًا، ولا القول بالمنع مطلقًا وإنما استجاب للمحاذير الشرعية التي ساقها الفريق القائل بالمنع بإطلاق ووضع شروطًا تجنبه الوقوع في مثل تلك المحاذير، فأصبح قولًا جديدًا يختلف عن القول القائل بالجواز مطلقًا. وكان أول من قال بالجواز بشروط هم أعضاء مؤتمر دبي، وقد وضعوا ثلاثة شروط في الحقيقة ليست شروطًا خاصة، بل يجب توفرها في جميع عقود المشاركات، وهذه الشروط هي: (١) ـ ألا تكون المشاركة المتناقصة مجرد عملية تمويل بقرض، فلا بد من إيجاد الإرادة الفعلية للمشاركة، وتقاسم الربح بحسب الاتفاق، وأن يتحمل جميع الأطراف الخسارة.

стр. 7110

(٢) ـ أن يمتلك المصرف حصته في الشركة ملكًا تامًا، وأن يتمتع بحقه الكامل في الإدارة والتصرف، وفي حالة توكيل الشريك بالعمل يحق للبنك مراقبة الأداء ومتابعته. (٣) ـ ألا يتضمن عقد المشاركة المتناقصة شرطًا يقضي بأن يرد الشريك إلى البنك كامل حصته في رأس المال بالإضافة إلى ما يخصه من أرباح لما في ذلك من شبهة الربا. واشترط قرار مجمع الفقه الإسلامي الشروط التالية: (١) ـ عدم التعهد بشراء أحد الطرفين حصة الطرف الآخر بمثل قيمة الحصة عند إنشاء الشركة لما في ذلك من ضمان الشريك حصة شريكه، بل ينبغي أن يتم تحديد ثمن بيع الحصة بالقيمة السوقية يوم البيع، أو بما يتم الاتفاق عليه عند البيع. (٢) ـ عدم اشتراط تحمل أحد الطرفين مصروفات التأمين، أو الصيانة، وسائل المصروفات بل تحمل على وعاء المشاركة بقدر الحصص. (٣) ـ تحديد أرباح أطراف المشاركة بنسب شائعة، ولا يجوز اشتراط مبلغ مقطوع من الأرباح أو نسبة من مبلغ المساهمة. (٤) ـ الفصل بين العقود والالتزامات المتعلقة بالمشاركة. (٥) ـ منع النص على حق أحد الطرفين في استرداد ما قدمه من مساهمة (تمويل) (١).

стр. 7111

الراجح: الذي أميل إليه أن عقد الشركة المتناقصة جائز إذا خلا من الوعد الملزم في شراء نصيب الشريك، ومن اشتراط أن يكون السداد بالقيمة الاسمية، فإذا خلا العقد من هذين الشرطين فلا أرى محذورًا من المشاركة المتناقصة، فالتخارج من الشركة يجوز في أي وقت إذا لم يكن مشروطًا في عقد الشركة وكان بالقيمة السوقية، والله أعلم. * * *

стр. 7112

عقد المساقاة والمزارعة تمهيد المبحث الأول في تعريف المساقاة والمزارعة الفرع الأول في تعريف المساقاة تعريف المساقاة عند الفقهاء (١): عرفها بعض الحنفية: بأنها «عقد على دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره» (٢). وعرفها المالكية بقولهم: «العمل في الحائط بجزء من ثمره» (٣). وفي الشرح الكبير: «عقد على خدمة شجر وما ألحق به بجزء من غلته، أو بجميعها» (٤).

стр. 7113

قال في حاشية الدسوقي (وما ألحق به) كالنخل والزرع، والمقثأة ونحوها (١). والمساقاة عند الشافعية: «أن يعامل غيره على نخل أو شجر عنب ليتعهَّده بالسقي والتربية على أن الثمر لهما» (٢). فقصروا المساقاة على النخل وشجر العنب فقط، وسيأتي مزيد بحث إن شاء الله تعالى لهذه المسألة. وعرفها الحنابلة: بأنها دفع أرض وشجر له ثمر مأكول لمن يغرسه، أو مغروس معلوم لمن يعمل عليه، ويقوم بمصلحته بجزء مشاع معلوم من ثمرته (٣). فأدخل الحنابلة في تعريف المساقاة: المغارسة. وهي دفع أرض وشجر مثمر لمن يغرسه بجزء من ثمرته. فتبين من خلال هذه التعريفات ما يلي: (١) ـ أن المساقاة عقد من العقود، وهذا يعني أنه لا ينعقد إلا بإيجاب وقبول سواء أكان لفظيًا أم فعليًا كالمعاطاة، وشرطه الرضا كسائر العقود، فلا يصح مع الإكراه. (٢) ـ أن العقد في المساقاة على السقيا، وليس على حفظ المال أو الاتجار به. (٣) ـ تتفق جميع التعاريف على أن المساقاة مختصة بالشجر فلا يدخل فيها دفع الغنم أو الدجاج لمن يعمل عليها بجزء من نتاجها، فإن هذا العقد لا يسمى مساقاة.

стр. 7114

(٤) ـ أن الجزء المشترط للعامل ليس نقودًا، ولا شيئًا معينًا، وإنما يستحق العامل جزءًا مشاعًا من الثمرة كالثلث أو الربع، ونحو ذلك، فهو عقد على العمل في المال ببعض نمائه. (٥) المساقاة عقد من عقود المشاركة، والاشتراك حاصل في الثمرة بين رب الأشجار وبين الساقي، فالأصول من أرض وشجر ملك لرب الأرض يختص به، والعمل من سقي وحرث يختص بالساقي، والمشاركة إنما هو على الثمرة بحيث يقسم الثمر الحاصل بين المالك والساقي. فليست المساقاة من عقود البيع؛ لأن البيع عبارة عن تمليك العين، والعين ملك لصاحبها، وليست من عقود الإجارة؛ لأن العوض الذي هو الثمرة مجهول، ويجب أن تكون الأجرة معلومة، ففيها شبه بالمضاربة. يقول ابن القيم: «هذه العقود من جنس المشاركات، لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة» (١). وهناك شبه كبير بين المساقاة وبين المضاربة ذلك أن المضاربة: هي دفع المال لمن يعمل به بجزء شائع معلوم من الربح. والمساقاة: هي دفع الشجر للعمل به بجزء شائع من ثمرته. بل قاس الحنابلة عليهما دفع الدابة أو الآلة لمن يعمل به بجزء من كسبها، ومنعه الجمهور (٢).

стр. 7115

جاء في المغني: «وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما يرزق الله بينهما نصفين، أو أثلاثًا، أو كيفما شرط صح، نص عليه في رواية الأثرم، ومحمد ابن أبي حرب، وأحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعي ما يدل على هذا» (١). وجاء في الفروع: «لو دفع دابته إلى من يعمل بها بجزء من الأجرة جاز ذلك في مذهب الحنابلة. وعنه: لا، اختاره ابن عقيل» (٢). واستدل الحنابلة على الجواز بالقياس على المساقاة والمزارعة فإنه دفع لعين من المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها. وهذا هو القول الراجح بناء على أن الأصل في العقود الصحة والجواز، والله أعلم، وقد سبق بحث هذه المسألة، والحمد لله.

стр. 7116

والفرق بين المضاربة والمساقاة: ذكر الفقهاء بعض ا لفروق بين المضاربة والمساقاة، منها: (١) ـ أن المضاربة عقد جائز عند جماهير العلماء بخلاف المساقاة فهي عقد لازم عندهم خلافًا للحنابلة، وسيأتي بحث هذه المسألة في فصل مستقل إن شاء الله تعالى. (٢) ـ المساقاة عقد مؤقت بخلاف عقد المضاربة فإن جوازه يغني عن توقيته، وسبق بحث هذه المسألة في عقد المضاربة. (٣) ـ يشترط في المضاربة أن يكون رأس مال الشركة من النقود، ومن صحح المضاربة بالعروض اشترط أن تقوم عند العقد بالنقود، بخلاف المساقاة فإنها ليست بحاجة إلى ذلك. (٤) ـ من الفروق أن المضاربة تنعقد على التصرف في رأس المال بيعًا وشراء بخلاف المساقاة فإن العامل لا يحق له التصرف في الأشجار في البيع والشراء، وإنما العقد متوجه إلى العمل على سقي الأشجار وما يصلحها، وليس له الحق في التصرف في العين. (٥) من الفروق عند الحنابلة: أن المضاربة لو فسخها المالك قبل ظهور الربح لم يستحق العامل شيئًا، وأما المساقاة فلو فسخها رب الأشجار استحق العامل أجرة عمله؛ لأن الربح في المضاربة لا يتولد من المال بنفسه، وإنما يتولد من العمل، ولم يحصل بعمله ربح، والثمر متولد من عين الشجر، وقد عمل على الشجر عملًا مؤثرًا في الثمر، فكان لعمله تأثير في حصول الثمرة وظهوره بعد الفسخ (١). * * *

стр. 7117

الفرع الثاني في تعريف المزارعة تعريف المزارعة: المزارعة: طريقة لاستغلال الأراضي الزراعية باشتراك المالك والزارع في الاستغلال، ويقسم الناتج بينهما بنسبة يعينها العقد، أو العرف (١). فالمزارعة من عقود المشاركات وليست من عقود المعاوضات على الصحيح، والخلاف فيها كالخلاف في المساقاة من حيث التوصيف، وقد سبق بحث ذلك، فالأرض لربها لا يملكها العامل، والعمل يختص به الزارع، والمشاركة إنما هو في الزرع النابت، والذي هو بمثابة الثمرة من العمل بجزء مشاع كالثلث أو الربع بشرط أن يكون من ريعها، فلو أجرها بالدراهم أو الدنانير أو بطعام معلوم في الذمة لم يكن العقد عقد مزارعة، وإنما هو إجارة (٢). جاء في مجلة الأحكام العدلية: «المزارعة: نوع شركة على كون الأراضي

стр. 7118

من طرف، والعمل من طرف آخر يعني أن الأراضي تزرع والحاصلات تقسم بينهما» (١). * * *

стр. 7119

المبحث الثاني المساقاة والمزارعة على وفق القياس المساقاة من جنس عقود المشاركات لا من جنس المعاوضات (١). [م-١٤١٩] اختلف الفقهاء هل المساقاة جارية على وفق القياس على قولين: القول الأول: يرى أن جواز المساقاة على خلاف القياس، وهو قول الجمهور، وقول في مذهب الحنابلة (٢). قال ابن رشد: «والجمهور على أن القراض والمساقاة مستثنيان بالسنة فلا يقاس عليهما لخروجهما عن الأصول» (٣). وصرح أصحاب مالك أن المساقاة مستثناة من أصول أربعة كل واحد منها يدل على المنع: الأول: الإجارة بالمجهول؛ لأن نصف الثمرة مثلًا مجهول. الثاني: كراء الأرض بما يخرج منها فيما إذا جعل للعامل بعض البياض والبذر عليه. الثالث: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، بل قبل وجودها.

стр. 7120

الرابع: الغرر؛ لأن العامل لا يدري أتسلم الثمرة أم لا، وعلى تقدير سلامتها لا يدري كيف يكون مقدارها. وبعضهم زاد: بيع الطعام بالطعام نسيئة .... والدين بالدين لأن المنافع والثمار كلايهما غير مقبوض (١). وعمل الشافعية يدل على أن المساقاة على خلاف القياس؛ لأنهم قصروها على مورد النص، وهو المساقاة على النخل، وشجر العنب، ولو كانت واردة على وفق القياس لألحق الشافعية بالمنصوص غيره، فلما لم يلحقوا سائر الأشجار المثمرة بالنخل والعنب علم من مذهبهم أنهم يرون المساقاة على خلاف القياس. قال الشوكاني في نيل الأوطار: «والحاصل أن من قال: إنها ورادة على خلاف القياس قصرها على مورد النص. ومن قال: إنها واردة على القياس ألحق بالمنصوص غيره» (٢). وجاء في فتاوى السبكي: «وقال القاضي حسين: ههنا أربعة عقود متقاربة في الصورة مختلفة في الحكم: القراض، والمساقاة، جائزان، والمخابرة، والمزارعة باطلتان، فالمزارعة على صورة المساقاة غير أنا فرقنا بينهما بالسنة. قال الشافعي: ولم نرد إحدى سنتيه بالأخرى، أشار إلى أن القياس هو التسوية بينهما في الجواز والمنع؛ لأن كل واحد منهما عقد على العمل في الشيء ببعض ما يخرج منه، غير أنا اتبعنا فيها السنة، والسنة فرقت بينهما» (٣).

стр. 7121

وجاء في القواعد والفوائد الأصولية: «من الرخص ما هو مباح كالعرايا والمساقاة والمزارعة .... وغير ذلك من العقود الثابتة على خلاف القياس، هكذا ذكر أصحابنا وغيرهم» (١). القول الثاني: يرى أن المساقاة جارية على وفق القياس، وهو قول في مذهب الحنابلة، واختاره ابن تيمية وابن القيم. يقول ابن تيمية: «الذين قالوا: المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة؛ لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا العمل في هذه العقود غير معلوم، والربح فيها غير معلوم، قالوا: تخالف القياس، وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين والمشاركات جنس غير جنس المعاوضة وإن قيل: إن فيها شوب المعاوضة» (٢). وقال أيضًا: «قد تأملنا عامة المواضع التي قيل: إن القياس فيها عارض النص، وإن حكم النص فيها على خلاف القياس، فوجدنا ما خصه الشارع بحكم عن نظائره فإنما خصه به لاختصاصه بوصف أوجب اختصاصه بالحكم كما خص العرايا بجواز بيعها بمثلها خرصًا لتعذر الكيل مع الحاجة إلى البيع والحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل، فالخرص عند الحاجة قام مقام الكيل كما يقوم التراب مقام الماء والميتة مقام المذكى عند الحاجة.

стр. 7122

وكذلك قول من قال: القرض، أو الإجارة، أو القراض، أو المساقاة، أو المزارعة، ونحو ذلك على خلاف القياس: إن أراد به أن هذه الأفعال اختصت بصفات أوجبت أن يكون حكمها مخالفا لحكم ما ليس مثلها فقد صدق، وهذا هو مقتضى القياس. وإن أراد أن الفعلين المتماثلين حكم فيهما بحكمين مختلفين فهذا خطأ ينزه عنه من هو دون الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن هذه الأقيسة المعارضة هي الفاسدة كقياس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقياس الذين قالوا (أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟) يعنون الميتة وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ولعل من رزقه الله فهمًا وآتاه من لدنه علمًا يجد عامة الأحكام التي تعلم بقياس شرعي صحيح يدل عليها الخطاب الشرعي كما أن غاية ما يدل عليه الخطاب الشرعي هو موافق للعدل الذي هو مطلوب القياس الصحيح» (١). والخلاف في المزارعة في كونها جارية على وفق القياس كالخلاف في المساقاة، بل قد تكون المزارعة أولى من الخلاف من المساقاة باعتبار أن الأرض في المزارعة يمكن تأجيرها بالدراهم والدنانير، فالمالك ليس مضطرًا إليها، بخلاف المساقاة فإن الشجر لا يمكن تأجيره، والله أعلم. * * *

стр. 7123

الباب الأول في أركان المساقاة والمزارعة [م-١٤٢٠] الخلاف في أركان المساقاة والمزارعة كالخلاف في أركان العقد: فالخلاف بين الحنفية والجمهور: فالحنفية يرون أن الركن: هو الصيغة فقط (الإيجاب والقبول). قال الكاساني في بدائع الصنائع: «وأما ركنها فهو الإيجاب والقبول على نحو ما ذكرنا فيما تقدم من غير تفاوت» (١). وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «ركن المزارعة الإيجاب والقبول» (٢). ويرى الجمهور أن أركان المساقاة خمسة: صيغة، وعاقد، وشجر، وعمل، وثمر (٣). وزاد ابن رشد ذكر المدة. قال في بداية المجتهد عن أركان المساقاة: «وأركانها أربعة: المحل المخصوص بها، والجزء الذي تنعقد عليه، وصفة العمل الذي تنعقد عليه، والمدة التي تجوز فيها، وتنعقد عليها (٤). وأركان عقد المزارعة: عاقدان، وصيغة، وأرض، وبذر، وعمل (٥).

стр. 7124

وبعضهم يزيد البقر (١). وقد سبق أن ناقشت سبب الخلاف بين الحنفية والجمهور عند الكلام على أركان البيع، وأركان السلم، وأركان الإجارة فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله. * * *

стр. 7125

الفصل الأول في الصيغة التي تنعقد بها المساقاة والمزارعة تنعقد العقود بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل (١). [م-١٤٢١] تنعقد المساقاة عند عامة العلماء بكل لفظ يؤدي معناها، كقوله: ساقيتك، أو عاملتك، أو سلمت إليك نخيلي لتتعاهدها على كذا، أو اعمل على هذا النخيل (٢). واختار ابن القاسم من المالكية أن المساقاة لا تنعقد إلا بلفظها؛ لأن المساقاة أصل مستقل بنفسه، فلا تنعقد إلا بلفظها (٣). وهذا القول ضعيف؛ لأن المدار على الرضا، فإذا علم الرضا بأي لفظ صريح، أو كناية، من قول أو فعل صح العقد، وهكذا جميع العقود تنعقد بما يدل عليها من قول أو فعل. [م-١٤٢٢] واختلف الفقهاء في انعقاد المساقاة بالمعاطاة على قولين: القول الأول: اختار جمهور الفقهاء بأن القبول في المساقاة يصح بكل فعل يدل عليه، ولا يشترط اللفظ (٤).

стр. 7126

قال ابن شاس المالكي: «الركن الرابع: ما به تنعقد المساقاة، وهو إما الصيغة: فيقول: ساقيتك على هذا النخل بالنصف أو غيره، أو عاملتك. فيقول: قبلت، أو ما يقوم مقام ذلك من القول والفعل» (١). وجاء في كشاف القناع: «وتصح المساقاة بلفظ مساقاة؛ لأنه لفظها الموضوع لها وبلفظ معاملة، ومفالحة واعمل بستاني هذا حتى تكمل ثمرته وبكل لفظ يؤدي معناها; لأن القصد المعنى فإذا دل عليه بأي لفظ كان صح كالبيع وتقدم في الوكالة صفة القبول، وأنه يصح بما يدل عليه من قول وفعل فشروعه في العمل قبول» (٢). القول الثاني: اشترط الشافعية أن يكون القبول باللفظ من القادر على النطق. قال الرملي في نهاية المحتاج: «ويشترط القبول باللفظ متصلًا كما في البيع» (٣). وجاء في مغني المحتاج: «ويشترط فيها القبول لفظًا من الناطق للزومها كإجارة وغيرها» (٤). وقد تكلمنا عن حكم المعاطاة في عقد البيع، والخلاف بين الشافعية والجمهور، وذكرنا أدلة كل فريق بما يغني عن إعادتها هنا. وحكم المزارعة حكم المساقاة في كل ما تقدم. * * *

стр. 7127

مبحث في انعقاد المساقاة والمزارعة بلفظ الإجارة الاعتبار في العقود بمقاصدها ومعانيها، لا بألفاظها (١). [م-١٤٢٣] اختلف الفقهاء في انعقاد المساقاة والمزارعة بلفظ الإجارة على قولين: القول الأول: أن المساقاة لا تنعقد بلفظ الإجارة، وهذا ما اختاره ابن القاسم من المالكية، وهو الأصح في مذهب الشافعية. قال ابن رشد: «وأما هل اللفظ شرط في هذا العقد، فاختلفوا في ذلك: فذهب ابن القاسم إلى أن من شرط صحتها ألا تنعقد إلا بلفظ المساقاة، وأنه ليس تنعقد بلفظ الإجارة، وبه قال الشافعي» (٢). وقال العمراني في البيان: «وإن قال: استأجرتك على أن تعمل على هذه النخل بنصف ما يخرج من ثمرتها لم يصح؛ لأن الإجارة تفتقر إلى أن تكون الأجرة معلومة القدر، والأجرة هاهنا مجهولة القدر، فلم يصح» (٣). وقال في شرح الوجيز: «ولو تعاقدا بلفظ الإجارة، فقال المالك: استأجرتك لتعهد نخيلي بكذا من ثمارها فيه وجهان جاريان في الإجارة بلفظ المساقاة ....

стр. 7128

أظهرهما المنع؛ لأن لفظ الإجارة صريح في غير المساقاة، فإن أمكن تنفيذه في موضعه نفذ فيه، وإلا فهو إجارة فاسدة، والخلاف نازع إلى أن الاعتبار باللفظ أو المعنى» (١). القول الثاني: تنعقد المساقاة بلفظ الإجارة، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢). وقال ابن رشد: وهو قياس قول سحنون (٣). جاء في شرح الوجيز: «ولو تعاقدا بلفظ الإجارة، فقال المالك: استأجرتك لتعهد نخيلي بكذا من ثمارها فيه وجهان جاريان في الإجارة بلفظ المساقاة، أحدهما: الصحة لما بين العقدين من المشابهة، واحتمال كل واحد من اللفظين معنى الآخر ..... » (٤). وجاء في كشاف القناع: «وتصح هي أي المساقاة بلفظ إجارة .... فلو قال: استأجرتك لتعمل لي في هذا الحائط بنصف ثمرته أو زرعه صح; لأن القصد المعنى وقد وجد ما يدل على المراد منه» (٥). وجاء في الكافي لابن قدامة: «فإن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث الخارج منها، فقال أحمد ﵁: يصح.

стр. 7129

واختلف أصحابه، فقال أكثرهم: هي إجارة صحيحة، يشترط فيها شروط الإجارة. وقال أبو الخطاب: هذه مزارعة بلفظ الإجارة، فيشترط فيها شروط المزارعة، وحكمها حكمها؛ لأن النبي ﷺ قال: من كانت له أرض فليزرعها، أو فليزرعها أخاه، ولا يكاريها بثلث، ولا ربع، ولا بطعام مسمى. رواه أبو داود. ولأن هذا مجهول، فلم يجز أن يكون عوضًا في الإجارة كثلث نماء الأرض» (١). وجاء في المغني: «وإن قال: استأجرتك لتعمل لي في هذا الحائط حتى تكمل ثمرته بنصف ثمرته. ففيه وجهان: ..... الثاني: يصح. وهو أقيس; لأنه مؤد للمعنى فصح به العقد كسائر الألفاظ المتفق عليها. وقد ذكر أبو الخطاب أن معنى قول أحمد: تجوز إجارة الأرض ببعض الخارج منها المزارعة على أن البذر والعمل من العامل. وما ذكر من شروط الإجارة إنما يعتبر في الإجارة الحقيقية أما إذا أريد بالإجارة المزارعة فلا يشترط لها غير شرط المزارعة» (٢). وجاء في تصحيح الفروع: «وفي صحتهما يعني المساقاة والمزارعة بلفظ الإجارة وجهان: ...... أحدهما: يصح، وهو الصحيح، اختاره الشيخ الموفق، والشارح، وابن رزين في شرحه، وقالوا: هذا أقيس ..... والوجه الثاني: لا يصح .... » (٣). * * *

стр. 7130

الباب الثاني في حكم المساقاة والمزارعة الفصل الأول في جواز المساقاة قال ابن قدامة: العين التي تنمى بالعمل يصح العقد عليها ببعض نمائها (١). قال مالك: «المساقاة أصل في نفسها كالقراض لا يقاس عليها شيء من الإجارات» (٢). [م-١٤٢٤] أجمع العلماء على أن استئجار المالك رجلًا يقوم على سقي نخله والقيام بمصالح ثمره بأجرة معلومة من الذهب والفضة والعروض، أن ذلك جائز، وهو من باب الإجارة (٣). واختلفوا في دفع الشجر لمن يقوم بسقيه ومصالحه بجزء مما يخرج من ثمرته، وهو ما يسمى بعقد المساقاة على ثلاثة أقوال. القول الأول: ذهب أبو حنيفة وزفر إلى بطلانه (٤).

стр. 7131

القول الثاني: ذهب محمد بن الحسن وأبو يوسف وكافة العلماء إلى القول بجوازه (١). قال ابن رشد: «فأما جوازها ـ يعني المساقاة ـ فعليه جمهور العلماء مالك، والشافعي، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وداود» (٢). وقال الماوردي: «والمساقاة حكمها .... جائزة لا يعرف خلاف بين الصحابة والتابعين في جوازها، وهو قول كافة الفقهاء إلا أبا حنيفة دون أصحابه، فإنه تفرد بإبطالها» (٣). القول الثالث: تكره المساقاة، وهو قول النخعي (٤). دليل أبي حنيفة على بطلان المساقاة: استدل أبو حنيفة بأدلة على بطلان المزارعة، وكل دليل استدل به على بطلان المزارعة فهو دليل عنده على بطلان المساقاة، إذ لا فرق عنده بين المزارعة وبين المساقاة بجامع أن كلًا منها عقد على عمل بأجرة معدومة، ومجهولة المقدار، ومن هذه الأدلة.

стр. 7132

الدليل الأول: (ح-٩٠٨) ما رواه مسلم من طريق يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار. عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث، والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض، فنكريها على الثلث، والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها، أو يزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك (١). وأجيب عن هذا الحديث بعدة أجوبة: الجواب الأول: بأن رافعًا ﵁ قد أخبر بالنوع الذي حرم من المزارعة، والعلة التي من أجلها نهي عنها: (ح-٩٠٩) فقد روى البخاري من طريق حنظلة الزرقي، قال: سمعت رافع بن خديج ﵁ يقول كنا أكثر الأنصار حقلًا، فكنا نكري الأرض، فربما أخرجت هذه ولم تخرج ذه، فنهينا عن ذلك ولم ننه عن الورق (٢). وفي رواية للبخاري: كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك (٣). وفي رواية عن رافع بن خديج، قال: حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض

стр. 7133

على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء، أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك ..... وقال الليث: وكان الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة (١). فإذا نظرنا إلى مجموع هذه الروايات خرجنا منها بالآتي: أن النهي عن كراء الأرض إنما كان متوجهًا إلى كرائها بجزء معين معلوم مما يخرج منها، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج تلك، فلحق الأجرة جهالة، ولذلك قال الليث قوله السابق، وأما أجرتها بجزء مشاع غير معين فلم يتوجه له النهي. يقول ابن القيم: «إن من تأمل حديث رافع، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسرها، ومطلقها على مقيدها علم أن الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمر بين الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه قال: كنا نكري على الأرض، على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه. وفي لفظ له: كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذينات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع كما تقدم، وقوله: ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس، وهذا من أبين ما في حديث رافع، وأصحه، وما فيها من مجمل، أو مطلق، أو مختصر فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظًا وحكمًا، قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام

стр. 7134

علم أنه لا يجوز .... فلا تعارض إذن بين حديث رافع وأحاديث الجواز بوجه» (١). الجواب الثاني: ذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث رافع فيه اضطراب وذلك لوجود اختلاف كثير في ألفاظه (٢). «وكان أحمد بن حنبل يقول: أحاديث رافع في كراء الأرض مضطربة، وأحسنها حديث يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج» (٣). وقال الترمذي: «وحديث رافع فيه اضطراب، يروى هذا الحديث عن رافع بن خديج، عن عمومته، ويروى عن ظهير بن رافع، وهو أحد عمومته، وقد روي هذا الحديث عنه على روايات مختلفة» (٤). والجواب الأول أقوى، والله أعلم. الجواب الثالث: أن ابن عباس ﵁ قد أنكروا على رافع فهمه لكلام النبي ﷺ . (ح-٩١٠) روى الشيخان من طريق عمرو بن دينار، قال: قلت لطاووس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عنه ..... قال: إن أعلمهم أخبرني ـ يعني ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولكن قال: أنْ يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا (٥).

стр. 7135

وأخرجه مسلم من طريق ابن طاووس ومجاهد عن طاووس (١). وروى مسلم والترمذي من طريق شريك، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يحرم المزارعة، ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢). هذا لفظ الترمذي، وساق مسلم إسناده ولم يذكر لفظه، وقال: بنحو حديثهم يعني: حديث عمرو بن دينار وابن طاووس ومجاهد عن طاووس (٣). الدليل الثاني للحنفية: (ح-٩١١) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب أخبرني عمرو - وهو ابن الحارث - أن بكيرًا حدثه، أن عبد الله بن أبي سلمة حدثه، عن النعمان بن أبي عياش. عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض. قال بكير وحدثني نافع، أنه سمع ابن عمر يقول: كنا نكري أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج (٤). ورواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة، وعن بيع الثمرة حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم والدنانير إلا العرايا.

стр. 7136

قال عطاء: فسر لنا جابر قال أما المخابرة فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها ثم يأخذ من الثمر .... الحديث. وجه الاستدلال: فسر جابر المخابرة بمعنى المزارعة، وإذا ثبت النهي عن المزارعة فالمساقاة مثلها. قال في الهداية: «والمساقاة هي المعاملة في الأشجار والكلام فيها كالكلام في المزارعة» (١). وقال العيني: «المزارعة منسوخة بالنهي عن كراء الأرض بما يخرج منها، وهي إجارة مجهولة؛ لأنها قد لا تخرج الأرض شيئًا، وادعوا أن المساقاة منسوخة بالنهي عن المزابنة» (٢). ويجاب: بأن الجواب عن حديث جابر هو نفس الجواب عن حديث رافع ﵁، ولذلك جاء فيه عن ابن عمر: كنا نكري أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج، فالنهي عن كراء الأرض محمول على ما جاء مفسرًا في بعض ألفاظ حديث رافع بن خديج ﵁، وأما الاستدلال بحديث جابر ﵁ على أن المزارعة منسوخة فهذا قول ضعيف. قال ابن القيم: «قد عمل به الرسول ﷺ حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم ولم يبق بالمدينة أهل بيت حتى عملوا به، وعمل به أزواج النبي ﷺ من بعده، ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخًا

стр. 7137

لاستمرار العمل به من النبي ﷺ إلى أن قبضه الله، وكذلك استمرار عمل الخلفاء الراشدين به، فنسخ هذا من أمحل المحال» (١). ولو قدر أن أحاديث المنع معارضة لأحاديث الجواز لكان النسخ أولى بأحاديث المنع؛ لأنه لابد من الذهاب إلى القول بنسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل بها من النبي ﷺ إلى أن توفي، وعمل بها أبو بكر وعمر ﵄ من بعده. الدليل الثالث: المساقاة إجارة بثمرة لم تخلق بعد، وبثمرة مجهولة، فهو لا يدري هل تسلم الثمرة أو لا، وإذا سلمت فلا يعلم كيف تكون؟ وما مقدارها؟ وهذا كله ينطوي على غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن الغرر كما في حديث أبي هريرة في مسلم (٢). وأجيب: قال مالك: «المساقاة أصل في نفسها كالقراض لا يقاس عليها شيء من الإجارات» (٣). وجاء في شرح الزرقاني أيضًا: «والمساقاة والقراض أصلان مخالفان للبيوع، وكل أصل في نفسه يجب تسليمه» (٤). وكل معنى يوجب رد المساقاة فهو موجود في المضاربة (القراض)، فإذا

стр. 7138

أجزتم القراض لزمكم القول بجواز المساقاة، فإن نصيب العامل في مال القراض معدوم وقت العقد، ومجهول المقدار، وقد يوجد، وقد لا يوجد فيذهب عمله بلا مقابل، ولم يمنع ذلك من القول بجواز القراض، والمساقاة مثله أو أولى، والله أعلم. جاء في الحاوي: «لما جازت المضاربة إجماعًا، وكانت عملًا على عوض مظنون من ربح مجوز كانت المساقاة أولى بالجواز؛ لأنها عمل على عوض معتاد من ثمرة غالبة» (١). دليل الجمهور على جواز المساقاة: الدليل الأول: (ح-٩١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (٢). ورواه البخاري من طريق جويرية، عن نافع به، بلفظ: أعطى النبي ﷺ خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها. فقوله: (أن يعملوها) يراد بها المساقاة، حيث يطلق أهل المدينة على المساقاة المعاملة. وقوله: (ويزرعوها) يراد بها المزارعة، فالحديث جمع بين عقدي المساقاة والمزارعة.

стр. 7139

جواب الحنفية عن هذا الحديث: الجواب الأول: أن هذا لم يكن على طريق المساقاة بدلالة أنه لم يذكر مدة معلومة، والمساقاة لا تجوز إلا بمدة معلومة، فلما لم يذكر المدة، وقال ﷺ : نقركم فيها ما شئنا، وهذا لا يجوز شرطه بالاتفاق علم أن العقد لم يكن من عقود المساقاة (١). قال الكاساني: «والدليل على أنه لا يمكن حمله على المزارعة أنه ﵊ قال فيه: أقركم ما أقركم الله، وهذا منه ﵇ تجهيل المدة، وجهالة المدة تمنع صحة المزارعة بلا خلاف» (٢). ورد على هذا الجواب: بأن اشتراط المدة فيها خلاف، فالحنابلة يرون أن العقد جائز، والعقد الجائز يستغنى بجوازه عن توقيته، وأهل الظاهر يرون جواز المساقاة مدة مجهولة (٣)، فليس في المسألة إجماع على وجوب توقيت المساقاة كما حكى الحنفية. وأما الجواب عن قوله ﷺ : نقركم فيها ما شئنا، فقد روي بلفظين: اللفظ الأول: لفظ: (نقركم بها على ذلك ما شئنا) رواه البخاري من طريق موسى ابن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر به (٤).

стр. 7140

وتابعه أسامة بن زيد الليثي عن نافع عند مسلم (١). اللفظ الثاني: (نقركم ما أقركم الله) فقد رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع به. ورواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب مرسلًا (٢). ومرسلات سعيد بن المسيب من أصح المراسيل. وهذا اللفظ ليس فيه حجة للحنفية؛ لأن في قوله: أقركم ما أقركم الله دليلًا واضحًا على أن النبي ﷺ كان ينتظر في ذلك القضاء من ربه، وليس كذلك غيره (٣). قال القرطبي: «قال ﵇ لليهود: أقركم فيها ما أقركم الله. وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه، وليس كذلك غيره، وقد أحكمت الشريعة معنى الإجارات وسائر المعاملات، فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة، وقال به علماء الأمة» (٤). والموقف من الألفاظ المختلفة إما الجمع أو الترجيح: فالترجيح سبيله أن القصة واحدة، ولا تحتمل التعدد، ويكون التصرف من الرواة، ولا شك أن مالكًا لا يعدله أحد من الرواة، كيف وقد تقوى بمرسل سعيد بن المسيب.

стр. 7141

أو نقول بالجمع، وهذا أقرب ويكون معنى (ما أقركم الله) ما قدر الله أن نترككم فيها فإذا شئنا أخرجناكم: أي أن الله قدر إخراجكم، والله أعلم (١). أو يكون الإقرار عائدًا إلى مدة العهد، والمراد إنما نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا ثم نخرجكم إذا شئنا؛ لأنه كان عازمًا على إخراج الكفار من جزيرة العرب، كما أمر به في آخر عمره (٢). جاء في شرح الزرقاني «ليس القصد بهذا الكلام عقد المساقاة، وإنما المقصود به أنها ليست مؤبدة، وأن لنا إخراجكم» (٣). وقال الماوردي: «وإنما شرط ذلك في عقد الصلح، لا في عقد المساقاة» (٤). وهذا أقوى من قول القرطبي: «ويحتمل أنه حد الأجل فلم يسمعه الراوي، فلم ينقله» (٥)، لأنه لو بين ﷺ أجلًا لكان ذلك من شريعته ﷺ ، وما كان من شريعته فقد تكفل الله لنا بحفظه، فلما لم ينقل علم أنه لم يصدر منه ﷺ . وقد يؤخذ منه أن العقد اللازم إذا علق على مشيئة العاقدين أو أحدهما أصبح جائزًا، كما قال المالكية في مسألة مشابهة، إذا قال المؤجر: أجرتك داري كل شهر بكذا، فإن العقد غير لازم، ولكل منهما فسخه متى شاء، ويلزمه فيما سكن حصته من الكراء، وإن كان عقد الإجارة الأصل فيه اللزوم (٦).

стр. 7142

وجه ذلك: لما حدد العاقدان مقدار الأجرة، ولم يحددا مدة الإجارة، وإنما عبر بكلمة (كل شهر بكذا) من غير تحديد، دل ذلك على أنهما أرادا بذلك عقد الإجارة على اعتبار خيار الفسخ لكل واحد منهما، فلا يملك المؤجر ولا المستأجر أن يلزم أحدهما الآخر مدة معينة لعدم الاتفاق عليها. وكذا عقد المساقاة إذا علق على مشيئة العاقدين أو أحدهما أصبح عقدًا جائزًا، وصار الخيار لهما في إنهاء العقد، قلت ذلك من باب القياس على الإجارة، ثم وجدت ذلك صريحًا منقولًا عن المالكية، فالحمد لله. قال الحافظ في الفتح: «وعن مالك: إذا قال: ساقيتك كل سنة بكذا، جاز، ولو لم يذكر أمدًا، وحمل قصة خيبر على ذلك» (١)، والله أعلم. وقد بوب البخاري لهذا الحديث: «باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله، ولم يذكر أجلًا معلومًا فهو على تراضيهما» (٢). هذا جواب من قال: إن عقد المساقاة والمزارعة عقد لازم، والعقد اللازم لابد فيه من بيان المدة، وأما من قال: إن عقد المساقاة والمزارعة عقد جائز، وهو الصواب فلا يلزمه الجواب عن قوله ﷺ : (نقركم فيها ما شئنا) لأن العقد الجائز لا يحتاج إلى توقيت، وهو إلى مشيئة العاقد، ويستغنى بجوازه عن الحاجة إلى توقيته.

стр. 7143

الجواب الثاني للحنفية: أن النبي ﷺ فتح أكثر خيبر عنوة، فثبت له حق الاسترقاق في رقابهم، فعقده معهم كعقد المولى مع عبده، فيجوز فيه ما لا يجوز في عقد الأحرار (١). ورد هذا الجواب: بأن القول بأن اليهود كانوا عبيدًا أرقاء لا يصح؛ لأنهم إما أن يكونوا عبيدًا للمسلمين، أو عبيدًا للمصطفى ﷺ ، ومن المحال أن يكونوا عبيدًا للمصطفى ﷺ ؛ لأنه ليس له من المغنم إلا خمس الخمس، وسهمه مع المسلمين، ولم يقل أحد من أهل العلم: إن جميع ما ملك عنوة عبيد له ﵇، فلو كانوا أرقاء للمسلمين فكيف صح للرسول ﷺ أنه أراد إجلاءهم أول الأمر فرغبوا في إقرارهم، فأقرهم على أن يخرجهم إذا شاء، فثبت أن النبي ﷺ لم يسترقهم، ولو استرقهم لما جاز لعمر ﵁ أن يجليهم ويسقط حق المسلمين في رقابهم، وفيهم حظ لليتامى والأرامل، فلا يصح أن ينسب هذا لعمر ﵁. يقول ابن تيمية: «ومعلوم بالنقل المتواتر أن النبي ﷺ صالحهم، ولم يسترقهم حتى أجلاهم عمر، ولم يبعهم، ولا مكن أحدًا من المسلمين من استرقاق أحد منهم» (٢). جواب ثالث للحنفية: بأن خيبر فتحت صلحًا، وأقروا على أن الأرض ملكهم بشرط أن يعطوا نصف الثمرة، فكان ذلك يؤخذ بحق الجزية، فلا يدل على جواز المساقاة.

стр. 7144

وأجيب: قال ابن حجر: «وتعقب بأن معظم خيبر فتح عنوة كما سيأتي في المغازي، وبأن كثيرًا منها قسم بين الغانمين كما سيأتي، وبأن عمر أجلاهم منها، فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها» (١). جواب رابع: أن هذه معاملة مع كفار، لا يلزم أن تجوز مع المسلمين. وأجيب: بأن خيبر قد أصبحت دار إسلام، وقد أجمع المسلمون أنه يحرم في دار الإسلام بين المسلمين وأهل العهد ما يحرم بين المسلمين من المعاملات الفاسدة، وقد عامل النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وأن معاذ بن جبل عامل على عهده أهل اليمن بعد إسلامهم، وأن الصحابة كانوا يعاملون بذلك (٢). الدليل الثاني: روى البخاري في صحيحه من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: قالت: الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. فقال: تكفونا المؤونة، ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا (٣). الدليل الثالث: أن المساقاة عقد على عمل في المال ببعض نمائه، فأشبه المضاربة؛ لأن

стр. 7145

المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، والربح وقت العقد معدوم ومجهول، وإذا كان الإجماع قد انعقد على جواز القراض فلا بد أن يكون حكمه مأخوذًا عن توقيف أو اجتهاد يرد إلى أصل، وليس في المضاربة توقيف نص عليها، فلم يبق إلا اجتهاد أدى إلى إلحاق الفرع بأصله، وليس في المضاربة في الشرع أصل ترد إليه إلا المساقاة، وإذا كانت المساقاة أصلًا لفرع مجمع عليه كانت أحق بالإجماع منه، والله أعلم. الراجح: لا شك أن القول بالجواز أقوى دليلًا، وقد أشار البخاري في تراجم صحيحه إلى آثار معلقة عن الصحابة لبيان أن الصحابة لم يختلفوا في جواز المزارعة، والمساقاة مثلها في الحكم أو أولى، وهي آثار علقها جازمًا بها، فتكون صالحة للحجة. قال البخاري في صحيحه: باب المزارعة بالشطر ونحوه. وقال قيس بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع. وزارع علي وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين. وقال عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فينفقان جميعًا، فما خرج فهو بينهما، ورأى ذلك الزهري.
следующие страницы →