أو نقول بالجمع، وهذا أقرب ويكون معنى (ما أقركم الله) ما قدر الله أن نترككم فيها فإذا شئنا أخرجناكم: أي أن الله قدر إخراجكم، والله أعلم (١).
أو يكون الإقرار عائدًا إلى مدة العهد، والمراد إنما نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا ثم نخرجكم إذا شئنا؛ لأنه كان عازمًا على إخراج الكفار من جزيرة العرب، كما أمر به في آخر عمره (٢).
جاء في شرح الزرقاني «ليس القصد بهذا الكلام عقد المساقاة، وإنما المقصود به أنها ليست مؤبدة، وأن لنا إخراجكم» (٣).
وقال الماوردي: «وإنما شرط ذلك في عقد الصلح، لا في عقد المساقاة» (٤).
وهذا أقوى من قول القرطبي: «ويحتمل أنه حد الأجل فلم يسمعه الراوي، فلم ينقله» (٥)، لأنه لو بين ﷺ أجلًا لكان ذلك من شريعته ﷺ ، وما كان من شريعته فقد تكفل الله لنا بحفظه، فلما لم ينقل علم أنه لم يصدر منه ﷺ .
وقد يؤخذ منه أن العقد اللازم إذا علق على مشيئة العاقدين أو أحدهما أصبح جائزًا، كما قال المالكية في مسألة مشابهة، إذا قال المؤجر: أجرتك داري كل شهر بكذا، فإن العقد غير لازم، ولكل منهما فسخه متى شاء، ويلزمه فيما سكن حصته من الكراء، وإن كان عقد الإجارة الأصل فيه اللزوم (٦).
стр. 7142
وجه ذلك:
لما حدد العاقدان مقدار الأجرة، ولم يحددا مدة الإجارة، وإنما عبر بكلمة (كل شهر بكذا) من غير تحديد، دل ذلك على أنهما أرادا بذلك عقد الإجارة على اعتبار خيار الفسخ لكل واحد منهما، فلا يملك المؤجر ولا المستأجر أن يلزم أحدهما الآخر مدة معينة لعدم الاتفاق عليها.
وكذا عقد المساقاة إذا علق على مشيئة العاقدين أو أحدهما أصبح عقدًا جائزًا، وصار الخيار لهما في إنهاء العقد، قلت ذلك من باب القياس على الإجارة، ثم وجدت ذلك صريحًا منقولًا عن المالكية، فالحمد لله. قال الحافظ في الفتح: «وعن مالك: إذا قال: ساقيتك كل سنة بكذا، جاز، ولو لم يذكر أمدًا، وحمل قصة خيبر على ذلك» (١)، والله أعلم.
وقد بوب البخاري لهذا الحديث: «باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله، ولم يذكر أجلًا معلومًا فهو على تراضيهما» (٢).
هذا جواب من قال: إن عقد المساقاة والمزارعة عقد لازم، والعقد اللازم لابد فيه من بيان المدة، وأما من قال: إن عقد المساقاة والمزارعة عقد جائز، وهو الصواب فلا يلزمه الجواب عن قوله ﷺ : (نقركم فيها ما شئنا) لأن العقد الجائز لا يحتاج إلى توقيت، وهو إلى مشيئة العاقد، ويستغنى بجوازه عن الحاجة إلى توقيته.
стр. 7143
الجواب الثاني للحنفية:
أن النبي ﷺ فتح أكثر خيبر عنوة، فثبت له حق الاسترقاق في رقابهم، فعقده معهم كعقد المولى مع عبده، فيجوز فيه ما لا يجوز في عقد الأحرار (١).
ورد هذا الجواب:
بأن القول بأن اليهود كانوا عبيدًا أرقاء لا يصح؛ لأنهم إما أن يكونوا عبيدًا للمسلمين، أو عبيدًا للمصطفى ﷺ ، ومن المحال أن يكونوا عبيدًا للمصطفى ﷺ ؛ لأنه ليس له من المغنم إلا خمس الخمس، وسهمه مع المسلمين، ولم يقل أحد من أهل العلم: إن جميع ما ملك عنوة عبيد له ﵇، فلو كانوا أرقاء للمسلمين فكيف صح للرسول ﷺ أنه أراد إجلاءهم أول الأمر فرغبوا في إقرارهم، فأقرهم على أن يخرجهم إذا شاء، فثبت أن النبي ﷺ لم يسترقهم، ولو استرقهم لما جاز لعمر ﵁ أن يجليهم ويسقط حق المسلمين في رقابهم، وفيهم حظ لليتامى والأرامل، فلا يصح أن ينسب هذا لعمر ﵁.
يقول ابن تيمية: «ومعلوم بالنقل المتواتر أن النبي ﷺ صالحهم، ولم يسترقهم حتى أجلاهم عمر، ولم يبعهم، ولا مكن أحدًا من المسلمين من استرقاق أحد منهم» (٢).
جواب ثالث للحنفية:
بأن خيبر فتحت صلحًا، وأقروا على أن الأرض ملكهم بشرط أن يعطوا نصف الثمرة، فكان ذلك يؤخذ بحق الجزية، فلا يدل على جواز المساقاة.
стр. 7144
وأجيب:
قال ابن حجر: «وتعقب بأن معظم خيبر فتح عنوة كما سيأتي في المغازي، وبأن كثيرًا منها قسم بين الغانمين كما سيأتي، وبأن عمر أجلاهم منها، فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها» (١).
جواب رابع:
أن هذه معاملة مع كفار، لا يلزم أن تجوز مع المسلمين.
وأجيب:
بأن خيبر قد أصبحت دار إسلام، وقد أجمع المسلمون أنه يحرم في دار الإسلام بين المسلمين وأهل العهد ما يحرم بين المسلمين من المعاملات الفاسدة، وقد عامل النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وأن معاذ بن جبل عامل على عهده أهل اليمن بعد إسلامهم، وأن الصحابة كانوا يعاملون بذلك (٢).
الدليل الثاني:
روى البخاري في صحيحه من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: قالت: الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. فقال: تكفونا المؤونة، ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا (٣).
الدليل الثالث:
أن المساقاة عقد على عمل في المال ببعض نمائه، فأشبه المضاربة؛ لأن
стр. 7145
المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، والربح وقت العقد معدوم ومجهول، وإذا كان الإجماع قد انعقد على جواز القراض فلا بد أن يكون حكمه مأخوذًا عن توقيف أو اجتهاد يرد إلى أصل، وليس في المضاربة توقيف نص عليها، فلم يبق إلا اجتهاد أدى إلى إلحاق الفرع بأصله، وليس في المضاربة في الشرع أصل ترد إليه إلا المساقاة، وإذا كانت المساقاة أصلًا لفرع مجمع عليه كانت أحق بالإجماع منه، والله أعلم.
الراجح:
لا شك أن القول بالجواز أقوى دليلًا، وقد أشار البخاري في تراجم صحيحه إلى آثار معلقة عن الصحابة لبيان أن الصحابة لم يختلفوا في جواز المزارعة، والمساقاة مثلها في الحكم أو أولى، وهي آثار علقها جازمًا بها، فتكون صالحة للحجة.
قال البخاري في صحيحه: باب المزارعة بالشطر ونحوه.
وقال قيس بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع.
وزارع علي وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين.
وقال عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا.
وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فينفقان جميعًا، فما خرج فهو بينهما، ورأى ذلك الزهري.
стр. 7146
وقال الحسن: لا بأس أن يجتنى القطن على النصف. وقال إبراهيم وابن سيرين وعطاء والحكم والزهري وقتادة: لا بأس أن يعطي الثوب بالثلث أو الربع ونحوه. وقال معمر: لا بأس أن تكون الماشية على الثلث والربع إلى أجل مسمى (١).
* * *
стр. 7147
الفصل الثاني
في جواز المزارعة
المزارعة عقد على عمل في المال ببعض نمائه أشبه المضاربة.
[م-١٤٢٥] اختلاف الفقهاء في المزارعة أكثر من اختلافهم في المساقاة، وقد اختلفوا في حكم المزارعة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا تجوز المزارعة ولا المساقاة، وهذا قول أبي حنفية، وزفر (١).
القول الثاني:
تجوز المزارعة والمساقاة، وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، واختاره بعض المالكية، وقال به من الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابي، والنووي، والسبكي، وهو مذهب الحنابلة، ورجحه ابن حزم (٢).
стр. 7148
القول الثالث:
تجوز المساقاة مطلقًا، ولا تجوز المزارعة إلا تبعًا للمساقاة، بشرط أن تكون الأرض البيضاء لا تزيد على الثلث. وهذا مذهب المالكية (١).
وأجاز الشافعية في أحد الوجهين جواز المزارعة تبعًا للمساقاة بشرط أن يكون بين النخل بياض لا يمكنه سقي الشجر إلا بسقيه، فإن كان البياض مستقلًا عن الشجر يمكن سقي النخل دون الحاجة إلى سقيه لم تصح المزارعة عليه مطلقًا، سواء كان البياض قليلًا أم كثيرًا، وسواء أفرده بالعقد، أو جعله تابعًا للمساقاة. وهذا مذهب الشافعية (٢).
стр. 7149
دليل من قال: لا تجوز المزارعة ولا المساقاة:
الدليل الأول:
(ح-٩١٣) ما رواه مسلم من طريق يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار.
عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث، والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض، فنكريها على الثلث، والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها، أو يزرعها وكره كراءها وما سوى ذلك (١).
الجواب على هذا الدليل:
سبق الجواب عنه بالتفصيل في أحكام المساقاة فانظره هناك.
الدليل الثاني للحنفية:
(ح-٩١٤) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب أخبرني عمرو، وهو ابن الحارث، أن بكيرًا حدثه، أن عبد الله بن أبي سلمة حدثه، عن النعمان ابن أبي عياش.
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض.
стр. 7150
قال بكير وحدثني نافع، أنه سمع ابن عمر يقول: كنا نكري أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج (١).
ورواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء،
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة، وعن بيع الثمرة حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم والدنانير إلا العرايا.
قال عطاء: فسر لنا جابر قال أما المخابرة فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها ثم يأخذ من الثمر .... الحديث.
وجه الاستدلال:
قال العيني: «المزارعة منسوخة بالنهي عن كراء الأرض بما يخرج منها، وهي إجارة مجهولة؛ لأنها قد لا تخرج الأرض شيئًا ... » (٢).
ويجاب:
بأن الجواب عن حديث جابر هو نفس الجواب عن حديث رافع ﵁، ولذلك جاء فيه عن ابن عمر: كنا نكري أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج، فالنهي عن كراء الأرض محمول على ما جاء مفسرًا في بعض ألفاظ حديث رافع بن خديج ﵁، وأما الاستدلال بحديث جابر ﵁ على أن المزارعة منسوخة فهذا قول ضعيف.
قال ابن القيم: «قد عمل به الرسول ﷺ حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم ولم يبق بالمدينة أهل بيت حتى عملوا به، وعمل به أزواج النبي ﷺ من بعده، ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخًا
стр. 7151
لاستمرار العمل به من النبي ﷺ إلى أن قبضه الله، وكذلك استمرار عمل الخلفاء الراشدين به، فنسخ هذا من أمحل المحال» (١).
ولو قدر أن أحاديث المنع معارضة لأحاديث الجواز لكان النسخ أولى بأحاديث المنع؛ لأنه لابد من الذهاب إلى القول بنسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل بها من النبي ﷺ إلى أن توفي، وعمل بها أبو بكر وعمر ﵄ من بعده.
الدليل الثالث:
أن المزارعة استئجار للأرض بأجرة مجهولة معدومة، فلا نعلم هل ينبت الزرع أو لا ينبت، وإذا نبت لا نعلم مقداره، هل هو كثير، أو يسير، وكل هذا ينطوي على غرر، وقد نهى الشارع عن الغرر.
وأجيب:
كل معنى يوجب رد المزارعة فهو موجود في المضاربة (القراض)، فإذا أجزتم القراض لزمكم القول بجواز المزارعة، فإن نصيب العامل في مال القراض معدوم وقت العقد، ومجهول المقدار، وقد يوجد، وقد لا يوجد فيذهب عمله بلا مقابل، ولم يمنع ذلك من القول بجواز المقارضة، والمزارعة مثله أو أولى، والله أعلم.
دليل من قال: بجواز المساقاة والمزارعة:
الدليل الأول:
(ح-٩١٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن
стр. 7152
عبد الله بن عمر ﵁ قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (١).
ورواه البخاري من طريق جويرية، عن نافع به، بلفظ:
أعطى النبي ﷺ خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.
فقوله: (أن يعملوها) يراد به المساقاة، حيث يطلق أهل المدينة على المساقة المعاملة.
وقوله: (ويزرعوها) يراد به المزارعة، فالحديث جمع بين عقدي المساقاة والمزارعة.
وقد اعترض الحنفية على هذا الدليل وأجبنا على الاعتراض عند الكلام على أحكام المساقاة فارجع إليه إن شئت.
الدليل الثاني:
قال البخاري في صحيحه: باب المزارعة بالشطر ونحوه.
(ث-١٦٧) وقال قيس بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع (٢).
стр. 7153
وزارع علي (١)،
وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود (٢)، وعمر ابن عبد العزيز (٣)،
والقاسم (٤)،
стр. 7154
وعروة (١)، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي (٢)، وابن سيرين (٣)، وقال عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع (٤)، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا (٥) .... (٦).
أراد البخاري ﵀ من إيراد هذه الآثار المعلقة عن الصحابة بيان أن الصحابة لم يختلفوا في جواز المزارعة، وهي آثار علقها جازمًا بها، فتكون صالحة للحجة.
стр. 7155
دليل من قال: تجوز تبعًا بشرط أن يكون البياض بمقدار الثلث:
استدلوا بأدلة أبي حنيفة في منع المزارعة، إلا أنهم استثنوا إذا كانت المزارعة تبعًا للشجر، وكان البياض بمقدار الثلث للقاعدة الفقهية التي تقول: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا.
وأن اليسير معفو عنه، وحد اليسير عندهم بالثلث لعموم قوله ﷺ : «الثلث والثلث كثير».
(ح-٩١٦) فقد روى البخاري من طريق عامر بن سعد.
عن سعد، قال: كان النبي ﷺ يعودني، وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ... الحديث، والحديث رواه مسلم (١).
وإذا كانت أدلة المنع لم تسلم لهم، وقد أجيب عنها لم نكن بحاجة إلى تقييد الجواز بالتبع واليسير، مع أن مذهب المالكية في تحديد القليل من الكثير بالثلث مذهب مدخول، فاليسير في كل شيء بحسبه، والعرف هو المرجع فيما لم يرد في تحديده توقيف، والله أعلم.
دليل الشافعية على جواز المزارعة إذا كان لا يمكنه سقي الشجر إلا به:
أخذوا بأحاديث النهي عن المزارعة كما في حديث رافع بن خديج، وحديث جابر، وقد سبق ذكرها والجواب عنها.
стр. 7156
(ح-٩١٧) كما أخذوا بما رواه مسلم في صحيحه من طريق عبد الله بن السائب، قال: سألت عبد الله بن معقل عن المزارعة، فقال:
أخبرني ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة (١).
(ح-٩١٨) وجاءت السنة بجواز المزارعة إذا كانت تبعًا بما رواه مسلم من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر، قال: لما افتتحت خيبر سألت يهود رسول الله ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع (٢).
فإذا كانت الأرض لا يمكن سقي النخيل إلا بسقيها، صحت للضرورة؛ ولأننا لو قلنا: لا تجوز المزارعة عليها للزم على العامل عمل لا يستحق به عوضًا.
ويجاب:
بأن رواية عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع بلفظ: بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
فالنص هذا على التخيير، وهو نص على جواز المزارعة والمساقاة على سبيل الانفراد.
* * *
стр. 7157
الفصل الثالث
في توصيف عقد المساقاة والمزارعة
المبحث الأول
في توصيف عقد المساقاة
المساقاة عقد على المال بجزء من نمائه أشبه المضاربة.
[م-١٤٢٦] اختلف الفقهاء في عقد المساقاة، هل هو من العقود اللازمة، أو من العقود الجائزة على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية وبعض الحنابلة إلى أن المساقاة عقد لازم من الطرفين ليس لأحدهما فسخه إلا برضى صاحبه كالبيع (١).
«لأنه عقد معاوضة، فكان لازمًا كالإجارة، ولأنه لو كان جائزًا جاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة، فيسقط حق العامل فيستضر» (٢).
стр. 7158
فلو هرب العامل قبل تمام العمل:
استأجر الحاكم عليه من يتم العمل، فإن لم يقدر على مراجعة الحاكم فليشهد المالك على الإنفاق إن أراد الرجوع، وإن أتمه المالك متبرعًا بقي استحقاق العامل في الثمرة تامًا (١).
القول الثاني:
أن المساقاة عقد جائز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
فإن فسخ أحدهما قبل ظهور الثمرة وبعد العمل:
فإن كان الفسخ من رب المال فعليه للعامل أجرة عمله؛ لأن رب المال هو الذي منعه من إتمام العمل، وفارق ذلك فسخ المالك لعقد المضاربة قبل ظهور الربح؛ لأن السقي هنا مفض إلى ظهور الثمر غالبًا بخلاف المضاربة فإنه لا يعلم إفضاؤها إلى الربح.
وإن كان الفسخ من العامل فلا شيء له؛ لإسقاطه حقه برضاه، وقياسًا على عامل المضاربة إذا فسخ العقد قبل ظهور الربح.
وإن كان الفسخ بعد ظهور الثمرة فالثمرة بينهما، ويلزم العامل بإتمام العمل (٢).
واستدل الحنابلة على مذهبهم بالآتي:
الدليل الأول:
(ح-٩١٩) ما رواه البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄ ..... لما ظهر رسول الله ﷺ على خيبر أراد أن يخرج اليهود منها، وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول ﷺ وللمسلمين، فسأل اليهود
стр. 7159
رسول الله ﷺ أن يتركهم على أن يكفوا العمل، ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله ﷺ : نقركم على ذلك ما شئنا، فأقروا حتى أجلاهم عمر ﵁ في إمارته إلى تيماء وأريحا (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن قدامة: «لو كان ـ يعني العقد ـ لازمًا لم يجز بغير مدة، ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم، ولأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه قدر لهم ذلك بمدة، ولو قدر لم يترك نقله؛ لأن هذا مما يحتاج إليه، فلا يجوز الإخلال بنقله، وعمر ﵁ أجلاهم من الأرض، وأخرجهم من خيبر، ولو كانت لهم مدة مقدرة لم يجز إخراجهم منها» (٢).
الدليل الثاني:
أن المساقاة عقد على المال بجزء من نمائه أشبه المضاربة، وفارق الإجارة؛ لأنها بيع، فكانت لازمة كبيع الأعيان، ولأن عوضها مقدر معلوم، فأشبهت البيع، وقياسهم ينتقض بالمضاربة، وهي أشبه بالمساقاة من الإجارة، فقياسها عليها أولى (٣).
الراجح:
الذي أميل إليه أن عقد المساقاة من عقود المشاركات، لا من جنس المعاوضات، فالاشتراك حاصل في الثمرة بين رب الأشجار وبين الساقي (العامل)، فالأصول من أرض، وشجر ملك لرب الأرض مختصان به، والسقي
стр. 7160
يختص بالعامل، والمشاركة إنما هو على الثمرة، بحيث يقسم الثمر الحاصل بين المالك والساقي. فليست المساقاة من عقود البيع؛ لأن البيع عبارة عن تمليك العين، والعين ملك لصاحبها، وليست من عقود الإجارة؛ لأن العوض الذي هو الثمرة مجهول، وقد يوجد، وقد لا يوجد، بينما العوض في الإجارة يجب أن يكون معلومًا، فعقد المساقاة فيها شبه بالمضاربة، والمضاربة من العقود الجائزة فكذلك المساقاة، إلا أن العقد الجائز متى تضمن فسخه ضررًا على أحد العاقدين تحول إلى اللزوم دفعًا للضرر، والله أعلم.
* * *
стр. 7161
المبحث الثاني
في توصيف عقد المزارعة
المزارعة عقد على المال بجزء من نمائه أشبه المضاربة.
[م-١٤٢٧] اختلف العلماء في عقد المزارعة، هل هو عقد لازم، أو جائز على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن عقد المزارعة لازم في جانب من لا بذر له، فلا يملك فسخها إلا برضا الآخر أو عذر يسوغ له الفسخ، وغير لازم ممن عليه البذر، فيملك فسخها بعذر وبدون عذر، فإذا ألقي البذر في الأرض أصبح لازمًا من الجانبين (١).
وجه التفريق بين صاحب البذر وغيره:
قالوا: إلزام العقد صاحب البذر قبل إلقاء البذر في الأرض إضرار به، لأن في إلزامه ذلك إتلافًا للبذر، وقد يحصل الخارج، وقد لا يحصل، وإلزامه بإتلاف ملكه لا يجوز، بخلاف صاحبه الذي ليس عليه البذر فإنه لا يلحقه بالوفاء بالعقد ضرر، فيكون العقد لازمًا في حقه بمنزلة الإجارة (٢).
القول الثاني: مذهب المالكية .
اختلف أصحاب الإمام مالك في عقد المزارعة على ثلاثة أقوال:
стр. 7162
فذهب ابن القاسم إلى أن عقد المزارعة عقد لازم بعد إلقاء البذر وإن لم يتقدمه عمل، ولا تلزم بالعقد، ولا بالعمل قبل البذر، ولو كثر كحرث، وتسوية أرض، وإجراء ماء ونحوه، وهو المشهور من المذهب (١).
وذهب ابن الماجشون، وسحنون، وابن كنانة، واختاره بعض الحنابلة إلى أن عقد المزارعة عقد لازم بمجرد العقد كالإجارة (٢).
وقيل: لا تلزم المزارعة إلا بالعمل، كالشركة، وبه جرت الفتيا بالأندلس (٣).
القول الثالث: مذهب الحنابلة .
قال ابن قدامة: «ظاهر كلام أحمد أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة» (٤).
وقد ذكرنا دليلهم في الفصل السابق فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
والراجح:
أن عقد المزارعة كسائر عقود المشاركات عقد جائز، ولو كانت لازمة لاشترط لها ما يشترط للإجارة، من بيان المدة، وكون الأجرة معلومة، ولو كانت المزارعة والمساقاة ملحقة بالإجارة لمنعت؛ لأن كلًا منهما عقد على عمل بأجرة معدومة، ومجهولة المقدار، لهذا كانت هذه العقود من جنس عقود المشاركات، وليست من جنس عقود المعاوضات، قال مالك: «المساقاة أصل
стр. 7163
في نفسها كالقراض، لا يقاس عليها شيء من الإجارات» (١)، إلا أن العقد الجائز متى تضمن فسخه ضررًا على أحد العاقدين تحول إلى اللزوم.، والله أعلم.
* * *
стр. 7164
المبحث الثالث
فيما تلزم به المساقاة
قال مالك: «المساقاة أصل في نفسها كالقراض، لا يقاس عليها شيء من الإجارات» (١)
[م-١٤٢٨] اختلف القائلون بأن المساقاة عقد لازم فيما تلزم به المساقاة؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب أكثر الفقهاء القائلون بأن عقد المساقاة من العقود اللازمة، أن المساقاة تلزم بالعقد، وإن لم يشرع في العمل كسائر العقود اللازمة.
القول الثاني:
تلزم المساقاة بالشروع في العمل، وهو قول في مذهب المالكية.
القول الثالث:
تلزم بالحوز، وهو قول آخر في مذهب المالكية.
جاء في البهجة في شرح التحفة: «المساقاة على القول المختار، وهو مذهب المدونة والأكثر لازمة بالعقد، وإن لم يشرع في العمل. وقيل: إنما تلزم بالشروع. وقيل: بالحوز» (٢).
وقال الحطاب: «المساقاة تلزم بالعقد وإن لم يعمل .... » (٣).
стр. 7165
«قال ابن عرفة وفيما يلزم به أربعة أقوال:
الأول: العقد وهو نقل الأكثر عن المذهب ومذهب المدونة.
والثاني: الشروع وهو قول أشهب والمتيطي والصقلي.
والثالث: حوز المساقى فيه وهو ما حكاه الباجي عن بعض القرويين من أنه لو مات قبل الحوز بطلت المساقاة وليس كالعقود اللازمة، وإن لم تقبض ...
والرابع: أولها لازم وآخرها كالجعل إذا عجز وترك قبل تمامها فلا شيء له وهو قول سحنون، كما حكاه عنه اللخمي لكن هذا حكم العجز على القول الأول لا قول غير الأول وإن كان هو مقتضى كلام اللخمي» (١).
وفرق المالكية بين المضاربة وبين المساقاة، فالمضاربة عندهم لا تلزم إلا بالشروع في العمل بخلاف المساقاة على المشهور.
جاء في حاشية الصاوي: «فليس لأحدهما فسخها ـ أي المساقاة ـ بعد العقد: أي قبل العمل، فليست كالقراض، بل كالإجارة» (٢).
وجاء في المنتقى للباجي: «إذا انعقدت المساقاة فليس لأحدهما رجوع، وإن لم يعمل كالإجارة، بخلاف القراض» (٣).
الراجح:
أن عقد المساقاة من العقود الجائزة، وليست من العقود اللازمة، وهي أشبه
стр. 7166
بعقد المضاربة منها بعقد الإجارة، قال مالك: «المساقاة أصل في نفسها كالقراض، لا يقاس عليها شيء من الإجارات» (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 7167
الفصل الثالث
في ثبوت الخيار في عقدي المساقاة والمزارعة
الخيار يثبت في العقود اللازمة دون الجائزة (١).
العقد الجائز صاحبه بالخيار أبدًا (٢).
[م-١٤٢٩] لم يقل بثبوت خيار المجلس في العقود إلا الشافعية والحنابلة، فلا يمكن بحث المسألة عند الحنفية والمالكية؛ لأنهم لا يقولون بخيار المجلس مطلقًا.
وأما الحنابلة فإنهم وإن كانوا يقولون بثبوت خيار المجلس إلا أنهم ذهبوا إلى أن عقد المساقاة من العقود الجائزة، وخيار المجلس إنما يدخل العقود اللازمة لأن العقد الجائز يتمكن العاقد فيه من فسخه بأصل وضعه فلا حاجة فيه إلى خيار المجلس.
فعلى هذا سيكون بحث المسألة محصورًا في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة يرى أن عقد المساقاة من العقود اللازمة.
قال الشيرازي: «ولا يثبت فيه خيار الشرط؛ لأنه إذا فسخ لم يمكن رد المعقود عليه، وفي خيار المجلس وجهان:
أحدهما: يثبت فيه؛ لأنه عقد لازم يقصد به المال، فيثبت فيه خيار المجلس كالبيع.
стр. 7168
والثاني: لا يثبت؛ لأنه عقد لا يعتبر فيه قبض العوض في المجلس، فلو ثبت فيه خيار المجلس لثبت فيه خيار الشرط كالبيع» (١).
وقال ابن قدامة: «الضرب الخامس: وهو متردد بين الجواز واللزوم كالمساقاة والمزارعة، والظاهر أنهما جائزان فلا يدخلهما خيار، وقد قيل: هما لازمان ففي ثبوت الخيار فيهما وجهان» (٢).
وقال أيضًا: «ولا يثبت في المساقاة خيار الشرط؛ لأنها إن كانت جائزة، فالجائز مستغن بنفسه عن الخيار فيه، وإن كانت لازمة لم يمكن رد المعقود عليه، وهو العمل فيها. وأما خيار المجلس فلا يثبت إن كانت جائزة لما تقدم، وإن كانت لازمة فعلى وجهين:
أحدهما: لا يثبت؛ لأنها عقد لا يشترط فيه قبض العوض، ولا يثبت فيه خيار الشرط، فلا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح.
والثاني: يثبت؛ لأنها عقد لازم يقصد به المال، أشبه البيع» (٣).
والصحيح أن خيار المجلس لا يدخل عقد المساقاة والمزارعة؛ لأنهما عقدان جائزان، فيستغنى بجوازهما عن الحاجة إلى ثبوت الخيار فيهما، لكن لو
стр. 7169
كان الراجح فيهما اللزوم لكان القول بثبوت خيار المجلس فيهما هو مقتضى القواعد؛ لأن الحكمة التي من أجلها شرع خيار المجلس، وهو التروي والنظر بعد العقد مدة المجلس موجود فيهما.
* * *
стр. 7170
الفصل الرابع
في محل المساقاة
المبحث الأول
فيما تجوز فيه المساقاة
قال ابن قدامة: العين التي تنمى بالعمل يصح العقد عليها ببعض نمائها (١).
[م-١٤٣٠] اختلف العلماء القائلون بجواز المساقاة على ما تجوز فيه إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تجوز المساقاة في كل أصل له ثمر، من نخل، أو كرم، أو زيتون، أو تين، أو رمان، ونحوها من الأصول.
وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ومذهب الحنابلة، والقول القديم للشافعي، واختيار ابن حزم. قال في المحلى: وبهذا يقول جمهور الناس (٢).
قال ابن قدامة: «المساقاة جائزة في جميع الشجر المثمر، هذا قول الخلفاء
стр. 7171
الراشدين ﵃، وبه قال سعيد بن المسيب، وسالم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور» (١).
دليل الجمهور على جواز المساقاة على جميع الأشجار المثمرة:
الدليل الأول:
ما رواه الشيخان من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (٢).
قوله: (من ثمر) عام في كل ثمر، فتقييده بالنخل، أو به وبالعنب تخصيص أو تقييد بلا مقيد ولا مخصص.
الدليل الثاني:
من المؤكد أن خيبر فيها شجر سوى النخل والكرم، ولم يرو عن النبي ﷺ أنه أفردها عن حكم النخل.
القول الثاني:
ما كان له أصل ثابت جازت المساقاة فيه مطلقًا، سواء أعجز عنه صاحبه أم لم يعجز، كالنخل والرمان والتين.
وأما ما كانت أصوله غير ثابتة كالمقاثئ والبطيخ ونحوها فلا تجوز المساقاة فيه إلا بشروط، منها: أن تنبت وتستقل، وأن يعجز عنها صاحبها، وأن يخاف هلاكها، وألا يبدو صلاحها، وأن يكون مما لا يخلف بعد قطعه.
ولا تجوز في شيء من البقول مطلقًا؛ لأن بيعها يحل إذا نبتت واستقلت.
стр. 7172
وهذا مذهب المالكية (١).
دليل المالكية على أن الأصول الثابتة لا يجوز المساقاة فيها إلا بشروط:
أما الأشجار التي لها أصول ثابتة فأدلة المالكية هي أدلة الجمهور على جواز المساقة عليها مطلقًا عجز عنها صاحبها أو لم يعجز.
وأما دليل المالكية على اشتراط الضرورة فيما كانت أصوله غير ثابتة، فقد رأى مالك أن السنة إنما وردت في الثمار، فجعل مالك الزرع وما معه أخفض رتبة من الثمار فلم يجزه إلا عند شدة الضرورة، وهو أن يعجز عن القيام به، وأن يخاف عليه الهلاك بأن يكون له مؤونة لو تركت لمات.
وأما الدليل على اشتراط أن ينبت ويستقل ويبرز من الأرض؛ فلأنه إذا نبت وبرز من الأرض أصبح مشابهًا للشجر.
وأما اشتراط أن يكون ذلك قبل بدو صلاحه؛ لأنه إذا بدا صلاحه فقد جاز بيعه، فليس مضطرًا للمساقاة (٢).
ويناقش:
بأن الرسول ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولم
стр. 7173
يشترط الحديث أن يكون الزرع تبعًا للأشجار، أو العكس، والأصل المساواة بينهما في الحكم كما ساوى بينهما الحديث، ومن فرق بينهما فقد فرق بغير حجة، وإذا جازت المساقاة على الزرع إذا عجز عنه صاحبه جازت المزارعة إذا عجز عنها صاحبها، والمزارعة عند الإمام مالك لا تجوز مطلقًا عجز عنها صاحبها أو لم يعجز، وسيأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى عند الكلام على حكم المزارعة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
القول الثالث:
تجوز في النخيل والعنب فقط، وهذا قول الشافعي في الجديد (١).
حجة الشافعي في قصر المساقاة على النخل والعنب:
لم يختلف أحد ممن قال بجواز المساقاة على جواز المساقاة في النخل، وأن خيبر كانت مشهورة بالنخيل، وأن الرسول ﷺ كان يبعث على أهل خيبر من يخرص عليهم حق المسلمين من التمر.
قال الماوردي: «واختلف أصحابنا في جواز المساقاة في الكرم، هل قال به الشافعي ﵁ نصًا، أو قياسًا؟
فقال بعضهم: بل قال به نصًا، وهو ما روي أن النبي ﷺ ساقى في النخل والكرم (٢).
стр. 7174
وقال آخرون: وهو الأشبه، أنه قال به قياسًا على النخل (١)، من وجهين ذكرهما:
أحدهما: اشتراكهما في وجوب الزكاة فيهما. والثاني: بروز ثمرهما، وإمكان خرصهما» (٢).
قال الشافعي في الأم «والمساقاة جائزة في النخل والكرم؛ لأن رسول الله ﷺ أخذ فيهما بالخرص، وساقى على النخل، وثمرها مجتمع لا حائل دونه، وليس هكذا شيء من الثمر كله دون حائل، وهو متفرق غير مجتمع» (٣).
فهذا النص من الشافعي جلي بأنه ألحق الكرم بالنخل ليس لوجود نص في ذلك، وإنما عمدته في ذلك أمران:
الأول: أن المساقاة عنده لا تجوز إلا فيما يجوز فيه الخرص، والخرص لا يجوز إلا فيما وردت فيه السنة فأخرجته عن المزابنة، كما أخرجت العرايا منها، وذلك النخل والعنب خاصة (٤).
стр. 7175
الثاني: أن ثمارهما ليس دونه حائل، وأما ثمر غيرهما فإنه متفرق بين أضعاف ورق شجره، ولا يحاط بالنظر إليه.
ويناقش قول الشافعي من وجوه:
الوجه الأول:
(ح-٩٢٠) قول الشافعي ﵀ مخالف لما ثبت في الصحيحين من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (١).
فقوله ﷺ (من ثمر) عام في كل ثمر، وتخصيصه بالنخل، أو به وبالكرم تقييد للمطلق بلا دليل، وقول الشافعي ﵀ أن الزرع جاز تبعًا للنخل ليس عليه دليل، لأن الحديث قال: (من ثمر أو زرع) ولم يقل: من ثمر وزرع بواو الجمع.
قال السبكي الشافعي: «لم يرد في حديث من الأحاديث أن ذلك إنما جاز لأجل التبعية والأصل إن ما جاز في الشيء يجوز فيه من حيث هو من غير شرط انضمام إلى غيره، فلا تثبت هذه الشرطية إلا بدليل» (٢).
الوجه الثاني:
أن الحاجة التي دعت إلى جواز المساقاة في النخل والكرم موجودة في سائر الأشجار المثمرة.
الوجه الثالث:
أن وجوب الزكاة ليس هو العلة المجوزة للمساقاة ولا أثر له في الحكم
стр. 7176
ولم ينص الشارع بأن وجوب الزكاة هو العلة، ولا يسوغ تخصيص النص بعلة مستنبطة، وإنما العلة هي قيام الحاجة إلى هذه المعاملة، وهي موجودة في الشجر كما هي موجودة في النخل والكرم.
قال السبكي، وهو من الشافعية: «وقد جوز الشافعي ﵁ المساقاة في الكرم، ولم يقل أحد من رواة الحديث: إن خيبر كان بها كرم وإن كان بعض الأصحاب أنه قاله نصًا والصحيح أنه قياس وقد أتقنت ذلك في شرح المنهاج والكرم لا يساوي النخل في جميع وجوهه، ولكن في بعضها وفي وجوب الزكاة، فكما جاز قياس الكرم على النخل في المساقاة، يمكن أن يجوز قياس المزارعة على المساقاة لو لم يرد فيها، فكيف وقد ورد فيما كان في خيبر من زرع» (١).
الوجه الرابع:
قال ابن قدامة: «قد جاء في لفظ بعض الأخبار أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر» (٢).
والشجر: اسم لكل شجرة مثمرة.
(ح-٩٢١) وهذا اللفظ قد أخرجه الدارقطني من طريق يوسف بن موسى القطان، أخبرنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر.
قال ابن صاعد: وهم ـ يعني يوسف بن موسى القطان ـ في ذكر الشجر، ولم يقله غيره (٣).
стр. 7177
الوجه الخامس:
أن التعليل بأن ثمرة النخل والكرم ظاهرة لا حائل دونها يمنع من الإحاطة بها ليس بصحيح؛ لأن الكمثرى والتين، وحب الملوك، وعيون البقر، والرمان، والأترج، والسفرجل، وما كان مثل ذلك كله يحاط بالنظر إليه كما يحاط بالنظر إلى النخل والعنب. قاله ابن عبد البر (١).
стр. 7178
القول الرابع:
لا يجوز إلا في النخل. وهو قول داود (١).
حجة داود الظاهري في قصر المساقاة على النخل:
أن النص ورد في النخل خاصة، فيختص الجواز بما ورد فيه النص.
ويجاب عنه:
بأن النص لم يرد في النخل خاصة، بل ورد في غير النخل ..
(ح-٩٢٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (٢).
فنص الحديث على الثمر والزرع، ولو كان النص واردًا في النخل خاصة لكان مقتضى القياس إلحاق غيره به؛ لأن المعنى المعتبر هو في صحة المعاملة، فإذا صحت المعاملة في النخل لم يكن هناك فرق بين النخل وبين سائر الأشجار مما له ثمر.
القول الخامس:
وقال أبو ثور: لا بأس بالمعاملة في كل أصل قائم، له ثمر أو لا ثمر له (٣).
وجه قول من قال: تجوز في كل أصل، ولو لم يكن له ثمر:
يمكن أن يستدل له بأن الشجر قد تكون منفعته في غير الثمر، كما لو كان
стр. 7179
الشجر مما يقصد لورقه، أو زهره، كالتوت والورد، قال ابن قدامة: «القياس يقتضي جواز المساقاة عليه؛ لأنه في معنى الثمر؛ لأنه نماء يتكرر كل عام، ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه، فيثبت له مثل حكمه» (١).
الراجح:
جواز المساقاة بكل شجر له منفعة، سواء أكانت المنفعة ثمرًا أم كانت ورقًا، وسواء أكان له ساق أم لا ساق له، لأن حقيقة المساقاة والمزارعة عمل على المال ببعض نمائه، وهذا النماء قد يكون ثمرًا، وقد يكون غيره، والله أعلم.
* * *
стр. 7180
المبحث الثاني
في المساقاة على أشجار البعل
[م-١٤٣١] هل يشترط لصحة المساقاة أن تكون الأشجار بحاجة إلى سقيا، أو تجوز المساقاة على أشجار البعل، وهي الذي يشرب بعروقه.
ذهب المالكية والحنابلة إلى جواز المساقاة على البعل.
جاء في كشاف القناع: «وتصح المساقاة على البعل الذي يشرب بعروقه» (١).
وأجاز المالكية المساقاة على شجر البعل إذا احتاج إلى العمل.
وأما المساقاة على زرع البعل فيجوز عند المالكية بشرط أن يعجز عنه، ويخاف عليه الهلاك، فإن لم يبق إلا حفظه، وحصاده، وتصفيته لم تجز مساقاته.
قال الحطاب: «قال في التوضيح: قال مالك في المدونة وغيرها: تجوز المساقاة على شجر البعل وكذلك ما يشرب بالسيح; لأنه قد يعجز عن الدواب، والأجراء. قيل لمالك: فزرع البعل كزرع إفريقية ومصر وهو لا يسقى؟ قال: إن احتاج من المؤنة إلى ما يحتاج إليه شجر البعل ويخاف هلاكه إن ترك جازت مساقاته وإن كان لا مؤنة فيه إلا حفظه وحصاده ودراسته لم تجز، وتصير إجارة فاسدة وليس زرع البعل كشجر البعل وإنما تجوز مساقاة زرعه على الضرورة والخوف عليه انتهى.