ولم ينص الشارع بأن وجوب الزكاة هو العلة، ولا يسوغ تخصيص النص بعلة مستنبطة، وإنما العلة هي قيام الحاجة إلى هذه المعاملة، وهي موجودة في الشجر كما هي موجودة في النخل والكرم.
قال السبكي، وهو من الشافعية: «وقد جوز الشافعي ﵁ المساقاة في الكرم، ولم يقل أحد من رواة الحديث: إن خيبر كان بها كرم وإن كان بعض الأصحاب أنه قاله نصًا والصحيح أنه قياس وقد أتقنت ذلك في شرح المنهاج والكرم لا يساوي النخل في جميع وجوهه، ولكن في بعضها وفي وجوب الزكاة، فكما جاز قياس الكرم على النخل في المساقاة، يمكن أن يجوز قياس المزارعة على المساقاة لو لم يرد فيها، فكيف وقد ورد فيما كان في خيبر من زرع» (١).
الوجه الرابع:
قال ابن قدامة: «قد جاء في لفظ بعض الأخبار أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر» (٢).
والشجر: اسم لكل شجرة مثمرة.
(ح-٩٢١) وهذا اللفظ قد أخرجه الدارقطني من طريق يوسف بن موسى القطان، أخبرنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر.
قال ابن صاعد: وهم ـ يعني يوسف بن موسى القطان ـ في ذكر الشجر، ولم يقله غيره (٣).
стр. 7177
الوجه الخامس:
أن التعليل بأن ثمرة النخل والكرم ظاهرة لا حائل دونها يمنع من الإحاطة بها ليس بصحيح؛ لأن الكمثرى والتين، وحب الملوك، وعيون البقر، والرمان، والأترج، والسفرجل، وما كان مثل ذلك كله يحاط بالنظر إليه كما يحاط بالنظر إلى النخل والعنب. قاله ابن عبد البر (١).
стр. 7178
القول الرابع:
لا يجوز إلا في النخل. وهو قول داود (١).
حجة داود الظاهري في قصر المساقاة على النخل:
أن النص ورد في النخل خاصة، فيختص الجواز بما ورد فيه النص.
ويجاب عنه:
بأن النص لم يرد في النخل خاصة، بل ورد في غير النخل ..
(ح-٩٢٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (٢).
فنص الحديث على الثمر والزرع، ولو كان النص واردًا في النخل خاصة لكان مقتضى القياس إلحاق غيره به؛ لأن المعنى المعتبر هو في صحة المعاملة، فإذا صحت المعاملة في النخل لم يكن هناك فرق بين النخل وبين سائر الأشجار مما له ثمر.
القول الخامس:
وقال أبو ثور: لا بأس بالمعاملة في كل أصل قائم، له ثمر أو لا ثمر له (٣).
وجه قول من قال: تجوز في كل أصل، ولو لم يكن له ثمر:
يمكن أن يستدل له بأن الشجر قد تكون منفعته في غير الثمر، كما لو كان
стр. 7179
الشجر مما يقصد لورقه، أو زهره، كالتوت والورد، قال ابن قدامة: «القياس يقتضي جواز المساقاة عليه؛ لأنه في معنى الثمر؛ لأنه نماء يتكرر كل عام، ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه، فيثبت له مثل حكمه» (١).
الراجح:
جواز المساقاة بكل شجر له منفعة، سواء أكانت المنفعة ثمرًا أم كانت ورقًا، وسواء أكان له ساق أم لا ساق له، لأن حقيقة المساقاة والمزارعة عمل على المال ببعض نمائه، وهذا النماء قد يكون ثمرًا، وقد يكون غيره، والله أعلم.
* * *
стр. 7180
المبحث الثاني
في المساقاة على أشجار البعل
[م-١٤٣١] هل يشترط لصحة المساقاة أن تكون الأشجار بحاجة إلى سقيا، أو تجوز المساقاة على أشجار البعل، وهي الذي يشرب بعروقه.
ذهب المالكية والحنابلة إلى جواز المساقاة على البعل.
جاء في كشاف القناع: «وتصح المساقاة على البعل الذي يشرب بعروقه» (١).
وأجاز المالكية المساقاة على شجر البعل إذا احتاج إلى العمل.
وأما المساقاة على زرع البعل فيجوز عند المالكية بشرط أن يعجز عنه، ويخاف عليه الهلاك، فإن لم يبق إلا حفظه، وحصاده، وتصفيته لم تجز مساقاته.
قال الحطاب: «قال في التوضيح: قال مالك في المدونة وغيرها: تجوز المساقاة على شجر البعل وكذلك ما يشرب بالسيح; لأنه قد يعجز عن الدواب، والأجراء. قيل لمالك: فزرع البعل كزرع إفريقية ومصر وهو لا يسقى؟ قال: إن احتاج من المؤنة إلى ما يحتاج إليه شجر البعل ويخاف هلاكه إن ترك جازت مساقاته وإن كان لا مؤنة فيه إلا حفظه وحصاده ودراسته لم تجز، وتصير إجارة فاسدة وليس زرع البعل كشجر البعل وإنما تجوز مساقاة زرعه على الضرورة والخوف عليه انتهى.
стр. 7181
قلت ـ القائل الحطاب ـ وقوله: قيل فزرع البعل الخ هو من كلامه في المدونة، قال ابن ناجي: معناه لا يشترط في شجر البعل خوف الهلاك كما يشترط في زرعه، بل مجرد الحاجة انتهى. والله أعلم» (١).
الراجح:
الراجح القول بالجواز مطلقًا من غير فرق بين شجر البعل وزرعه، وإن لم يكن العقد مساقاة فهو إجارة، ولا مانع من الإجارة على حفظ الزرع وحصاده بجزء منه، وسبق بحث هذه المسألة في كتاب الإجارة، فلله الحمد وحده.
* * *
стр. 7182
المبحث الثالث
في المساقاة على الودي وصغار الشجر
الودي: هو صغار النخل، ويسمى الفسيل.
[م-١٤٣٢] وقد اختلف العلماء في المساقاة على الودي وصغار الشجر على قولين:
القول الأول:
تصح المساقاة على الودي وصغار الشجر إن ساقاه إلى مدة يحمل فيها غالبًا وهو مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة.
جاء في المبسوط: «ولو دفع إلى رجل غراس شجر، أو كرم، أو نخل قد علق في الأرض ولم يبلغ الثمر، على أن يقوم عليه، ويسقيه، ويلقح نخله فما خرج من ذلك فهو بينهما نصفان - فهذه معاملة فاسدة إلا أن يسمي سنين معلومة; لأنه لا يدري في كم تحمل النخل، والشجر، والكرم والأشجار تتفاوت في ذلك بتفاوت مواضعها من الأرض بالقوة والضعف فإن بينا مدة معلومة صار مقدار المعقود عليه من عمل العامل معلومًا فيجوز وإن لم يبينا ذلك لا يجوز» (١).
وجاء في نهاية المحتاج: «ولو كان الودي مغروسًا، وساقاه عليه، وشرط له جزءًا من الثمر على العمل، فإن قدر له في عقدها عليه مدة يثمر الودي فيها غالبًا كخمس سنين صح العقد، وإن كان أكثرها لا ثمرة فيه؛ لأنها حينئذ بمنزلة الشهور من السنة الواحدة، فإن لم تثمر فلا شيء له» (٢).
стр. 7183
وقال ابن قدامة: «وإذا ساقاه على ودي النخل أو صغار الشجر إلى مدة يحمل فيها غالبًا ويكون له فيها جزء من الثمرة معلوم صح; لأنه ليس فيه أكثر من أن عمل العامل يكثر ونصيبه يقل وهذا لا يمنع صحتها كما لو جعل له سهمًا من ألف سهم. وفيه الأقسام التي ذكرنا في كبار النخل والشجر وهي أننا إن قلنا: المساقاة عقد جائز لم نحتج إلى ذكر مدة. وإن قلنا: هو لازم. ففيه ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يجعل المدة زمنا يحمل فيه غالبا فيصح فإن حمل فيها فله ما شرط له وإن لم يحمل فيها فلا شيء له.
والثاني: أن يجعلها إلى زمن لا يحمل فيه غالبًا فلا يصح وإن عمل فيها فهل يستحق الأجر؟ على وجهين، وإن حمل في المدة لم يستحق ما جعل له; لأن العقد وقع فاسدًا فلم يستحق ما شرط فيه.
والثالث: أن يجعل المدة زمنا يحتمل أن يحمل فيها ويحتمل ألا يحمل فهل يصح؟ على وجهين. فإن قلنا: لا يصح استحق الأجر. وإن قلنا: يصح، فحمل في المدة استحق ما شرط له وإن لم يحمل فيها لم يستحق شيئًا» (١).
القول الثاني:
لا تصح المساقاة على الودي وصغار الشجر مطلقًا، وهو قول في
стр. 7184
مذهب المالكية (١).
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت النخل التي لم تبلغ أو الشجر آخذها مساقاة عشر سنين أيجوز ذلك أم لا؟ قال: لا يجوز ذلك عندي. قلت: لم؟ قال; لأنه غرر. قلت: أرأيت النخل التي لم تبلغ أو الشجر آخذهما مساقاة خمس سنين وهي تبلغ إلى سنتين، أتجوز هذه المساقاة في قول مالك؟ قال: لا يجوز ذلك» (٢).
القول الثالث:
تصح المساقاة إن كان صغار الشجر تبعًا لشجر يثمر في عامه، وكان قليلًا، اختاره بعض المالكية (٣)، وقد يكون هذا القول هو عين القول الذي قبله؛ لأن القول السابق يحمل على الودي المعقود عليه أصالة، فهذا لا يجوز، ويحمل هذا القول على المعقود عليه تبعًا فهذا جائز.
جاء في الشرح الصغير: «(وكون الشجر) أي المساقى عليه (ذا ثمر): أي ويثمر في عام المساقاة لا إن كان لا ثمر له كالأثل أو لم يبلغ حد الإثمار كالودي فلا تصح المساقاة عليه إلا تبعًا» (٤).
وقال الحطاب: «فإن كان في الحائط ودي لم يبلغ حد الإطعام إلا أنه قليل، فهل تجوز المساقاة في الحائط جميعه، ويكون تبعًا؟ الذي يفهم من كلام الباجي في المنتقى الجواز» (٥).
стр. 7185
والراجح:
القول بالجواز مطلقًا بشرط أن يكون ذلك في مدة يثمر فيها غالبًا، والله أعلم.
* * *
стр. 7186
الفصل الخامس
في صور المزارعة الجائزة والممنوعة
[م-١٤٣٣] اختلف الفقهاء في صور المزارعة الجائزة والفاسدة:
القول الأول: مذهب الحنفية .
ذكر الحنفية ثلاث صور جائزة، وثلاث صور فاسدة، ومدار التقسيم على أن المزارعة عندهم تنعقد إجارة، وتتم شركة وانعقادها إجارة إنما هو على منفعة الأرض، أو منفعة العامل دون غيرهما من منفعة البقر والبذر، فما صح توصيفه على أنه من قبيل إجارة الأرض صح، وما صح توصيفه على أنه من قبيل استئجار العامل صح كذلك دون ما عداهما.
فالصور الجائزة عندهم:
الصورة الأولى:
أن تكون الأرض والبذر لواحد، والعمل والبقر وآلات العمل من الآخر.
فهذه جائزة، وتوصيفها: أن صاحب الأرض استأجره ليعمل بآلات نفسه، كما إذا استأجر خياطًا ليخيط بإبرة نفسه، أو صباغًا ليصبغ الثوب بصبغ من عنده.
الصورة الثانية:
أن تكون الأرض من أحدهما، والباقي من الآخر. وهذه الصورة جائزة أيضًا؛ لأن العامل، وهو صاحب البذر مستأجر للأرض ببعض الخارج.
стр. 7187
الصورة الثالثة:
أن تكون الأرض والبذر، وآلات العمل من أحدهما، والعمل من الآخر. وهذه الصورة جائزة؛ لأن صاحب الأرض استأجر العامل ببعض الخارج.
الصورة الرابعة:
أن يكون البذر من قبل العامل، والبقر من قبل الأرض، فهذه الصورة فاسدة عند الحنفية؛ لأن صاحب البذر قد استأجر الأرض، واشتراط البقر على صاحب الأرض مفسد للإجارة؛ لأن البقر لا يمكن أن يجعل تبعًا للأرض؛ لأن منفعة البقر ليست من جنس منفعة الأرض؛ لأن منفعتها الإنبات، ومنفعة البقر الشق، وبينهما اختلاف، وشرط التبعية الاتحاد، فصار شرطًا مفسدًا بخلاف ما إذا كان البقر من العامل حيث يجوز؛ لأن البقر أمكن جعله تبعًا لاتحاد منفعتهما؛ لأن منفعة البقر صلاحية يقام بها العمل كإبرة الخياط.
وعن أبي يوسف تجوز هذه الصورة للتعامل، والقياس يترك به (١).
الصورة الخامسة:
أن يكون البذر لواحد، والباقي لآخر: وهو العمل والبقر، والأرض. وهذه الصورة فاسدة أيضًا عند الحنفية، لأن العامل أجير، فلا يمكن أن تجعل الأرض تبعًا له؛ لاختلاف منفعتهما، فصار نظير البقر والأرض من واحد، والباقي من الآخر. وعن أبي يوسف أنه يجوز للتعامل.
стр. 7188
الصورة السادسة:
أن يكون البذر والبقر لواحد، والباقي للآخر، وهو العمل والأرض. فهذه صورة فاسدة أيضًا؛ لما سبق في الصورة الخامسة أن الأرض لا يمكن جعلها تبعًا للعامل؛ لاختلاف المنافع.
والحجة في جواز هذه الصور وفسادها:
ذكر الحنفية مبنى جواز هذه المسائل وفسادها على أن المزارعة تنعقد إجارة وتتم شركة وانعقادها إجارة إنما هو على منفعة الأرض، أو منفعة العامل دون غيرهما من منفعة البقر والبذر؛ لأنه استئجار ببعض الخارج. والقياس يقتضي ألا تجوز في الأرض والعامل أيضا لكنا جوزناها بالنص على خلاف القياس وإنما ورد النص فيهما دون البذر والبقر.
أما في الأرض فأثر عبد الله بن عمر ﵄ وتعامل الناس فإنهم تعاملوا اشتراط البذر على المزارع وحينئذ كان مستأجرا للأرض ببعض الخارج.
وأما في العامل ففعل رسول الله ﷺ مع أهل خيبر، فإنهم ربما كانوا يشترطون البذر على صاحب الأرض، فكان حينئذ مستأجرًا للعامل بذلك، فاقتصرنا على الجواز بالنص فيهما، وبقي غيرهما على أصل القياس فكل ما كان من صور الجواز فهو من قبيل استئجار الأرض أو العامل ببعض الخارج أو كان المشروط على أحدهما شيئين متجانسين ولكن المنظور فيه هو استئجار الأرض، أو العامل بذلك لكونه مورد الأثر وكل ما كان من صور المنع فهو من قبيل استئجار الآخرين أو كان المشروط على أحدهما شيئين غير متجانسين، ولكن المنظور إليه ذلك: والضابط في معرفة التجانس ما فهم من كلامه وهو أن
стр. 7189
ما صدر فعله عن القوة الحيوانية فهو جنس، وما صدر عن غيرها فهو جنس آخر .... الخ (١).
القول الثاني:
صور المزارعة الجائزة والفاسدة عند المالكية:
مدار التقسيم عند المالكية مختلف عنه عند الحنفية، فالجواز والفساد عند المالكية ألا تكون الأرض في مقابل البذر؛ لأنهم يمنعون كراء الأرض في مقابل الطعام مطلقًا، سواء كان مما ينبت فيها كالقمح، أو لا ينبت فيها كالعسل، والسمن، واللحم، ولا يجوز إجارة الأرض بما تنبت سواء كان طعامًا كالقمح، أو غير طعام كالكتان. فإذا كان البذر في مقابل الأرض أدى إلى كراء الأرض بما ينبت فيها، سواء كان طعامًا كالقمح، أو غير طعام كالقطن، والكتان، فإذا سلمت المزارعة من جعل الأرض أو جزء منها في مقابل البذر صحت المزارعة، وبناء على هذا تم تقسيم المزارعة عندهم إلى صور جائزة، وأخرى فاسدة: فالصور الجائزة:
الصورة الأولى:
تساوي الشريكين في جميع ما أخرجاه، من عمل وبذر وآلة، ونفقة وأرض كأن تكون الأرض بينهما بكراء أو ملك. وهذه يصدق عليها أنها شركة عنان.
الصورة الثانية:
أن تكون الأرض بينهما بملك أو كراء، أو كانت مباحة، ومن أحدهما البذر، ومن الآخر العمل.
стр. 7190
الصورة الثالثة:
أن تكون الأرض والبذر من أحدهما، ومن الآخر العمل بيد وبقر وآلة.
الصورة الرابعة:
أن تكون الأرض وبعض البذر من أحدهما، ومن الآخر العمل وبعض البذر، فهذه الصورة جائزة بشرط أن يأخذ العامل من الربح بقدر نسبة إسهامه في البذر أو أزيد حتى لا يقع جزء من البذر في مقابل الأرض. فلو أخرج أحدهما الأرض وثلث البذر، ومن الآخر العمل وثلثا البذر، فإن أخذ العامل من الربح بنسبة بذره، وهو الثلثان أو أزيد جاز لسلامة هذه الصورة من وقوع جزء من الأرض في مقابل البذر، وإن أخذ العامل ثلث الربح فقط، وقد أخرج من البذار مقدار الثلثين لم تصح لوقوع الجزء الزائد من البذر كراء للأرض، وهو ممنوع.
الصورة الخامسة:
أن يكون من أحدهما الجميع: الأرض والبذر، والبقر، ومن الآخر العمل فقط. وحاصل القول فيها: إن عقداها بلفظ الشركة جازت اتفاقًا. وإن عقداها بلفظ الإجارة لم تصح عند الجميع؛ لأنها إجارة بجزء مجهول. وإن أطلق العقد فحملها ابن القاسم على الإجارة فمنعها، وهو المشهور. وحمله سحنون على الشركة فأجازها. والمراد بالعمل: الحرث والسقي لا الحصاد والدراس؛ لأنه مجهول، فلا يجوز اشتراطه عند العقد؛ لأنه مجهول، فلا يدرى كيف يكون.
стр. 7191
صور المزارعة الممنوعة عند المالكية:
الصورة الأولى:
أن تكون الأرض من أحدهما، والبذر من عند الآخر، فلا تجوز بالاتفاق عند المالكية إن كان للأرض قيمة ولها بال، وإن كانت الأرض رخيصة قليلة القيمة، لا بال لها فهي ممنوعة على الصحيح.
الصورة الثانية:
إذا وقعت على التفاوت وعدم التساوي بين ما يخرج من يد الشريك، وما يعود عليه من الربح (١).
الصورة الثالثة:
إذا أدت الشركة في المزارعة إلى اشتراط السلف، كأن يكون من أحد الشريكين الأرض، ومن الآخر العمل، ويقول أحدهما: ادفع عني نصف البذر سلفًا، فإذا وقعت كان الزرع بينهما نصفين؛ لضمانهما البذر نصفين، وتكافئهما في غيره، وهو الأرض والعمل، ويرجع من قدم البذر على صاحبه بنصف البذر معجلًا. فإن لم يكن السلف مشروطًا في العقد، وتطوع به أحدهما بعد العقد جاز مراعاة لقول من يرى أن المزارعة تلزم بالعقد، لا بالبذر والعمل (٢).
القول الثالث:
الصورة الجائزة عند الشافعية:
المشهور من مذهب الشافعية منع المزارعة مطلقًا إلا في صورة واحدة، أن تكون المزارعة تبعًا للمساقاة، وألا يمكن سقي النخل إلا بسقي الأرض
стр. 7192
البيضاء، فإن كان البياض مستقلًا عن الشجر يمكن سقي النخل دون الحاجة إلى سقيه لم تصح المزارعة عليه مطلقًا، سواء كان البياض قليلًا أم كثيرًا، وسواء أفرده بالعقد، أو جعله تابعًا للمساقاة (١).
القول الرابع: صورة المزارعة عند الحنابلة:
ذكر الحنابلة الصور الفاسدة، فيكون ما عداها من الصور الجائزة.
الصورة الأولى:
الصورة المشهورة بالفساد عند الحنابلة أن يكون البذر من العامل، أو منهما، أو من أحدهما والأرض لهما، فلا بد أن يكون البذر من رب الأرض، والعمل من الآخر (٢).
جاء في مسائل أحمد رواية أبي الفضل: «قلت: رجل يدفع أرضه إلى الأكار (الحراث) على الثلث، والربع؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان البذر من رب الأرض، والبقر والحديد من الأكار، أذهب فيه مذهب المضاربة.
قلت: فإن كان البذر منهما جميعًا؟ قال: لا يعجبني» (٣).
وقال في المغني: لأن الشرط إذا فسد لزم كون الزرع لرب البذر؛ لكونه نماء ماله، فلا يحصل لرب الأرض شيء منه، ويستحق الأجر. وهذا معنى الفساد (٤).
стр. 7193
وجاء في المغني أيضًا: «ظاهر المذهب أن المزارعة إنما تصح إذا كان البذر من رب الأرض، والعمل من العامل، نص عليه أحمد في رواية الجماعة، واختاره عامة الأصحاب، وهو مذهب ابن سيرين، وإسحاق؛ لأنه عقد يشترك العامل ورب العمل في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما، كالمساقاة والمضاربة» (١).
وروي عن الإمام أحمد ما يدل على جواز أن يكون البذر من العامل، واختاره ابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم، وعليه عمل الناس.
جاء في الإقناع: «وعنه لا يشترط كون البذر من رب الأرض، واختاره الموفق، والمجد، والشارح، وابن رزين، وأبو محمد بن الجوزي، والشيخ، وابن القيم، وصاحب الفائق، والحاوي الصغير، وهو الصحيح، وعليه عمل الناس» (٢).
وجاء عن الأمام أحمد كما رواية مهنا: «يجوز لصاحب النخل والشجر دفعها إلى قوم يزرعون الأرض، ويقومون على الشجر على أن له النصف، ولهم النصف، وقد دفع النبي ﷺ خيبر على هذا من غير ذكر البذر، فعلى هذا أيهما أخرج البذر جاز» (٣).
وسبق مناقشة هذه المسألة مع ذكر أدلتها وبيان الراجح، والله أعلم.
الصورة الثانية:
أن يكون البذر من أحدهما، وتكون الأرض والعمل من الآخر.
стр. 7194
قال ابن قدامة: «وإن دفع رجل بذره إلى صاحب أرض ليزرعه في أرضه، ويكون ما يخرج بينهما، فهو فاسد أيضًا؛ لأن البذر ليس من رب الأرض، ولا من العامل، ويكون الزرع لصاحب البذر، وعليه أجر الأرض والعمل» (١).
الصورة الثالثة:
أن يكون الأرض والبذر، والعمل على صاحب الأرض، والماء من العامل.
قال ابن مفلح: «وإن كان من أحدهما الماء فقط فروايتان، واحتج للمنع بالنهي عن بيع الماء، فدل على أنه إن جوزه جاز بيعه. ونقل الأكثر الجواز، منهم حرب. وسأله: من له شرب في قناة، هل يبيع ذلك الماء، فلم يرخص فيه، وقال: لا يعجبني، واحتج بالنهي عن بيع الماء، وهي كمساقاة» (٢).
وقال في تصحيح الفروع: «قوله: وإن كان من أحدهما الماء فروايتان .....
أحدهما: لا يصح، وهو الصحيح، اختاره القاضي في المجرد، وغيره، وصححه في التصحيح، وتصحيح المحرر، قال الشيخ في المغني والشارح: هذا أصح، وقدمه في الخلاصة، والكافي، وشرح ابن رزين، والفائق وغيرهم.
والرواية الثانية: يصح، اختاره أبو بكر وابن عبدوس في تذكرته (٣).
قال المرداوي: «ثم وجدت الشارح صححه، وصححه في تصحيح المحرر، وقدمه في الخلاصة، والكافي، واختاره القاضي، قاله شارح المحرر» (٤).
стр. 7195
الصورة الرابعة:
أن يشترك ثلاثة، من أحدهم الأرض، ومن الآخر البذر، ومن الثالث البقر والعمل.
قال ابن قدامة: «فهذا عقد فاسد نص عليه في رواية أبي داود، ومهنا، وأحمد بن القاسم، وذكر حديث مجاهد: في أربعة اشتركوا في زرع على عهد رسول الله ﷺ فقال أحدهم: علي الفدان (١)، وقال الآخر: قبلي الأرض. وقال الآخر: قبلي البذر. وقال الآخر: قبلي العمل، فجعل النبي ﷺ الزرع لصاحب البذر، وألغى صاحب الأرض، وجعل لصاحب العمل كل يوم درهمًا، ولصاحب الفدان شيئًا معلومًا (٢).
وعلل الفساد ابن قدامة بقوله: «لأن موضوع المزارعة على أن البذر من رب الأرض أو من العامل، وليس هو هاهنا من واحد منهما، وليست شركة؛ لأن الشركة تكون بالأثمان، وإن كانت بالعروض اعتبر كونها معلومة، ولو يوجد
стр. 7196
شيء من ذلك هاهنا، وليست إجارة؛ لأن الإجارة تفتقر إلى مدة معلومة، وعوض معلوم» (١).
الصورة الخامسة:
من الصور الممنوعة أن يقول: أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك، وبنصف منفعتك، ومنفعة بقرك، وآلتك، وأخرج الزارع البذر كله لم يصح؛ لجهالة المنفعة ... والزرع كله لرب البذر، وعليه أجرة مثل الأرض، فإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا يختلف معه ومعرفة البذر جاز، وكان الزرع بينهما (٢).
الصورة السادسة:
أن يشترط رب الأرض أن يأخذ مثل بذره، ويقتسما الباقي (٣).
فهذه الصورة فاسدة أيضًا؛ وجه الفساد أن اشتراط أن يأخذ مثل بذره يعتبر كاشتراطه قفزانًا معلومة، وهذا باطل؛ لأن الأرض قد لا تخرج القدر المشروط، أو لا تخرج أكثر منه، فيكون ضررًا بالمزارع.
وهذا دليل على ضعف قول من اشترط البذر على رب الأرض قياسًا على وجوب المال على المالك في المضاربة؛ لأن البذر لو كان بمنزلة المال لوجب إعادته إلى ربه، كما وجب إعادة النخل والأرض إلى ربها. وقد سبق الإشارة إلى ذلك من كلام ابن تيمية ﵀.
стр. 7197
الراجح من هذه الصورة:
لا أرى مانعًا أن يكون البذر منهما أو من أحدهما، لكن إن كان المال (الأرض) من أحدهما، والعمل وأدواته من الآخر كانت مزارعة، لأن المزارعة هي الاشتراك في الخارج على أن يكون المال من أحدهما، والعمل من الآخر، والبذر لا يعتبر من المال، وإنما يعتبر سبيله سبيل المنافع؛ لأنه لا يرد إلى المالك بخلاف الأرض.
وإن اشترك في المال والعمل، فهي شركة عنان، فلا مانع من جوازه، ويكون رأس مال الشركة من العروض.
وإن اشتركا في المال، وكان العمل من أحدهما فهي شركة ومزارعة، ولا مانع من جوازها كما قلنا في شركة العنان عند الحنفية والحنابلة، أن يشترك اثنان في مالهما، ويكون العمل من أحدهما، وتم توصيفها على أنها اجتماع المشاركة والمضاربة، والله أعلم.
* * *
стр. 7198
الباب الثالث
في شروط المساقاة والمزارعة
الفصل الأول
في شروط المساقاة
الشرط الأول
أن تكون في أصل يثمر أو ما في معناه
المساقاة: اشتراك في الثمرة بين رب الأشجار وبين الساقي (العامل)، فالأصول من أرض وشجر ملك لرب الأرض مختص به، والسقي يختص بالعامل، والمشاركة إنما هي على الثمرة بحيث يقسم الثمر الحاصل بين المالك والساقي. فليست المساقاة من عقود البيع؛ لأن البيع عبارة عن تمليك العين، والعين ملك لصاحبها، وليست من عقود الإجارة؛ لأن العوض الذي هو الثمرة مجهول، ويجب أن تكون الأجرة معلومة، ففيها شبه بالمضاربة.
ولهذا لا تجوز المساقاة إلا على شجر يثمر، أو يكون مما يقصد ورقه وزهره، كالتوت والورد؛ لأنه في معنى الثمر.
قال ابن قدامة: «أما ما لا ثمر له من الشجر كالصفصاف، والجوز ونحوهما أو له ثمر غير مقصود كالصنوبر، والأرز فلا تجوز المساقاة عليه. وبه قال مالك والشافعي. ولا نعلم فيه خلافًا; لأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص ولأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة وهذا لا ثمرة له إلا أن يكون مما يقصد ورقه، أو زهره، كالتوت، والورد فالقياس يقتضي
стр. 7199
جواز المساقاة عليه; لأنه في معنى الثمر لأنه نماء يتكرر كل عام ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه فيثبت له مثل حكمه» (١).
وقال القاضي عياض: «من شروط المساقاة أنها لا تصح إلا في أصل يثمر، أو في معناه من ذوات الأزهار والأوراق المنتفع بها كالورد والياسمين» (٢).
* * *
стр. 7200
الشرط الثاني
أن تكون المساقاة قبل طيب الثمرة
[م-١٤٣٤] لم يختلف القائلون بالمساقاة أن المالك إذا ساقى على الشجر قبل ظهور الثمرة أن المساقاة جائزة.
ولا تصح المساقاة على الثمرة بعد أن طابت، ولم يبق فيها ما تزيد بالمساقاة، قال ابن قدامة: بغير خلاف (١).
وعللوا ذلك بأن هذه الثمرة يصح بيعها فلم تصح المساقاة عليها.
ولأن العامل لا يستحق إلا بالعمل، ولا أثر للعمل بعد التناهي، ولأن جواز المساقاة قبل التناهي للحاجة على خلاف القياس، ولا حاجة إلى مثله، فبقي على الأصل.
والصواب أن الخلاف محفوظ، وقد أجاز سحنون المساقاة على الثمرة بعد طيبها، وهو ظاهر كلام الشافعي حيث حكى جوازه من غير تفصيل (٢).
قال ابن جزي: «أن تعقد المساقاة قبل بدو صلاح الثمرة، وجواز بيعها، ولم يشترطه سحنون، ولا الشافعي» (٣).
[م-١٤٣٥] وإن ساقه على الثمرة بعد ظهورها، وقبل طيبها فقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
стр. 7201
القول الأول:
تصح مطلقًا، وهو مذهب ابن القاسم من المالكية، وهو المشهور (١).
وجه القول بالصحة:
أن الثمرة بعد ظهورها بحاجة إلى السقي.
ولأن المساقاة إذا جازت، والثمرة معدومة، فكونها تجوز بعد ظهورها من باب أولى.
جاء في المعونة: «تجوز المساقاة على ثمرة بعد ظهورها خلافًا للشافعي؛ لأن المساقاة تجوز لحاجة الثمرة إلى السقي والخدمة ... وهذا يستوي فيه المعدوم والموجود، ولأن ذلك إذا جاز قبل وجودها مع كثرة الخطر كان جوازه مع قلة الخطر أولى» (٢).
القول الثاني:
قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة: تصح بشرط أن تزيد الثمرة بسبب المساقاة.
وقال المزني: بشرط أن يكون ذلك قبل بدو الصلاح (٣).
وحكي عن الشافعي جوازه من غير تفصيل كما سبق الإشارة إليه (٤).
قال الكاساني: «ومنها ـ أي من الشروط ـ أن يكون المدفوع من الشجر الذي فيه ثمرة معاملة فيما يزيد ثمره بالعمل، فإن كان المدفوع نخلًا فيه طلع، أو
стр. 7202
بسر قد احمر، أو اخضر إلا أنه لم يتناه عظمه جازت المعاملة، وإن كان قد تناهى عظمه إلا أنه لم يرطب فالمعاملة فاسدة؛ لأنه إذا تناهى عظمه لا يؤثر فيه العمل بالزيادة عادة فلم يوجد العمل المشروط عليه، فلا يستحق الخارج بل يكون لصاحب النخل» (١).
وقال ابن قدامة: «إن ساقاه على ثمرة موجودة فذكر أبو الخطاب فيها روايتين.
إحداهما: تجوز. وهو اختيار أبي بكر وقول مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور وأحد قولي الشافعي; لأنها إذا جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فيها فمع وجودها وقلة الغرر فيها أولى. وإنما تصح إذا بقي من العمل ما يستزاد به الثمرة كالتأبير، والسقي وإصلاح الثمرة فإن بقي ما لا تزيد به الثمرة كالجذاذ ونحوه لم يجز بغير خلاف» (٢).
القول الثالث:
لا تصح المساقاة بعد ظهور الثمر مطلقًا، وهو قول آخر في مذهب الشافعية، وقول آخر في مذهب الحنابلة (٣).
ودليل المنع:
أن المساقاة عقد على غرر، وإنما أجيز على الثمرة المعدومة للحاجة إلى استخراجها بالعمل، فإذا ظهرت الثمرة زالت الحاجة، فلم تجز.
стр. 7203
الراجح:
إن صح الإجماع الذي حكاه ابن قدامة فهو حجة، وإن لم يصح كان القول بالجواز مطلقًا أولى حتى ولو وصل الأمر إلى وقت الجذاذ، فلو عاقده على جذاذ النخل بجزء مشاع من ثمرته صح على القول الصحيح، والله أعلم، وقد بحثت هذه المسألة في كتاب الإجارة، فأرجع إليه إن شئت.
* * *
стр. 7204
الشرط الثالث
أن يكون محل العمل معلومًا
[م-١٤٣٦] يشترط أن يكون محل العمل ـ وهو الشجر ـ معلومًا إما برؤية أو صفة، وهل يجوز أن يعقد المساقاة على بستان لم يره ولم يوصف له، ويكون له خيار الرؤية كالبيع؟ فيه بحث.
قال الكاساني: «وأما الشرائط المصححة لها على قول من يجيزها .....
منها: أن يكون محل العمل، وهو الشجر معلومًا ... » (١).
وجاء في مواهب الجليل: «تجوز المساقاة على الحائط ولو كان غائبًا، وظاهره سواء كان قريب الغيبة أو بعيدها وهو كذلك إذا حصل الشرطان المذكوران:
الأول: أن يوصف للعامل والمراد بالوصف أن يذكر جميع ما يحتاج إليه من العمل فيذكر ما فيه من الرقيق والدواب أو لا شيء فيه وهل هو بعل أو سقي بالعين أو بالغرب؟ وتوصف أرضه وما هي عليه من الصلابة أو غيرها ويذكر ما فيه من أجناس الأشجار، وعددها، والقدر المعتاد مما يوجد فيها .....
الشرط الثاني: أن يعقد المساقاة في زمن يمكن وصول العامل فيه قبل طيب الحائط وهذا معنى قول المصنف: ووصله قبل طيبه وأما إن كان لا يصل إليه إلا بعد طيبه فلا تجوز قاله الشيخ أبو محمد.
قال عبد الحق: هذا على أصل ابن القاسم وقال بعض شيوخنا: يجوز ذلك على قول سحنون وإن كان لا يصل إلا بعد الطيب» (٢).
стр. 7205
وقال الماوردي: «الشرط الأول: أن تكون النخل معلومة، فإن كانت مجهولة بأن قال: ساقيتك أحد حوائطي، أو على ما شئت من نخلي كان باطلًا؛ لأن النخل أصل في العقد، فبطل بالجهالة كالبيع» (١).
وجاء في كشاف القناع: «ولا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم للمالك والعامل بالرؤية، أو الصفة التي لا يختلف الشجر معها كالبيع ..... فإن ساقاه على بستان لم يره، ولم يوصف له، أو على أحد هذين الحائطين لم تصح المساقاة» (٢).
وقال الحطاب: «والظاهر أيضا: أن رؤية العامل للحائط قبل عقد المساقاة بمدة لا يتغير بعدها تقوم مقام الوصف. وانظر: هل يجوز أن تعقد المساقاة معه من غير وصف على أنه بالخيار إذا رآه كما في البيع؟ والظاهر: الجواز أيضا كما في البيع وقد يؤخذ ذلك من قوله في المدونة: ولا بأس بمساقاة الحائط الغائب ببلد بعيد إذا وصف كالبيع انتهى» (٣).
وقال الماوردي: «فلو ساقاه على نخل غائب بشرط خيار الرؤية، فقد اختلف أصحابنا: فخرجه بعضهم على قولين كالبيع.
وذهب آخرون منهم ـ وهو الأصح ـ إلى فساد العقد قولًا واحدًا، وفرقوا بين المساقاة والبيع بأن البيع عدي عن الغرر، فإذا دخل عليه غرر العين الغائبة بخيار الرؤية قوي على احتماله، فصح فيه، وعقد المساقاة غرر، فإذا دخل عليه غرر العين الغائبة ضعف على احتماله، فبطل فيه» (٤).
стр. 7206
وجاء في المهذب: «وهل يجوز ـ يعني عقد المساقاة ـ على حائط معين لم يره، فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين كالبيع.
والثاني: أنه لا يصح قولًا واحدًا؛ لأن المساقاة معقودة على الغرر، فلا يجوز أن يضاف إليها الغرر؛ لعدم الرؤية بخلاف البيع» (١).
* * *
стр. 7207
الشرط الرابع
أن يكون نصيب العامل معلومًا مشاعًا
كل شرط يوجب قطع الشركة في الربح، أو يوجب جهالة فيه فإنه يفسد الشركة (١).
قال ابن تيمية: مبنى المشاركات على العدل، فإذا خص أحدهما بربح دون الآخر لم يكن هذا عدلًا (٢).
[م-١٤٣٧] يشترط في المساقاة أن يكون نصيب كل واحد منهما من الثمرة معلوم المقدار، ولا يكفي ذلك، بل يشترط أيضًا مع العلم به أن يكون جزءًا شائعًا، فالعلم بالمقدار شرط، وكونه شائعًا شرط آخر، فلا بد أن يكون المشروط لكل من العامل ورب الشجر جزءًا شائعًا، نصفًا، أو ثلثًا، أو ربعًا، ولا أعلم خلافًا في اعتبار هذا الشرط بين الفقهاء؛ لأنه مورد السنة، حيث جاء في الحديث: عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
وقياسًا على المضاربة. فلا يجوز أن يشترط في المساقاة لأحد العاقدين نصيبًا معينًا معلومًا، كأن يشترط عشرة آصع مثلًا، أو دراهم معلومة (٣).
قال الباجي في المنتقى: «ولا يجوز أن ينعقد ـ يعني عقد المساقاة ـ على أوسق مقدرة، ولا خلاف في ذلك نعلمه» (٤).
стр. 7208
وقال الشافعي: «وإن ساقاه على أن له ثمر نخلات بعينها من الحائط لم يجز، وكذا لو اشترط أحدهما على صاحبه صاعًا من تمر لم يجز وكان له أجرة مثله فيما عمل» (١).
وقال ابن قدامة: «المساقاة لا تصح إلا على جزء معلوم من الثمرة مشاع، كالنصف والثلث، لحديث ابن عمر: عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، وسواء قل الجزء أو كثر ....... وإن شرط له ثمر نخلات بعينها لم يجز؛ لأنه قد لا تحمل، فتكون الثمرة كلها لرب المال، وقد لا تحمل غيرها، فتكون الثمرة كلها للعامل» (٢).
مستند الإجماع في النهي عن ذلك:
(ح-٩٢٣) ما رواه البخاري من طريق حنظلة الزرقي، قال:
سمعت رافع بن خديج ﵁ يقول كنا أكثر الأنصار حقلًا، فكنا نكري الأرض، فربما أخرجت هذه ولم تخرج ذه، فنهينا عن ذلك ولم ننه عن الورق (٣).
وفي رواية للبخاري: كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك (٤).
وفي رواية عن رافع بن خديج، قال: حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء، أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك .....
стр. 7209
وقال الليث: وكان الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة (١).
وإذا استأجر صاحب الأرض رجلًا ليعمل في نخله على أن أجرته ثمرة نخلة بعينها، فهذا عقد إجارة، وليس من عقود المساقاة بشيء؛ لأن عقد المساقاة من عقود المشاركة، ولا مشاركة هنا بين صاحب النخل وبين العامل، وهل تصح الإجارة والحالة هذه؟
تصح بشرط أن تكون الثمرة قد ظهرت وبدا صلاحها، فإن كانت الثمرة لم تظهر لم تصح مطلقًا، للجهل بالأجرة، وإن كانت الثمرة قد ظهرت، ولم يبد صلاحها صح بشرط القطع في الحال على الصحيح.
قال الماوردي: «رجل استأجر رجلًا ليعمل في نخله أو غير نخله، على أن أجرته ثمرة نخلة بعينها فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون الثمرة لم تخلق بعد، فالإجارة باطلة للجهل بقدر ما تحمل، وأنها ربما لم تحمل، والأجرة لا تصلح إلا معلومة في الذمة، أو عينًا مشاهدة.
والضرب الثاني: أن تكون الثمرة موجودة قد خلقت، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون بادية الصلاح، فالإجارة جائزة سواء شرط له جميعها، أو سهمًا شائعًا فيها؛ لأنها موجودة تصح المعاوضة عليها.
والضرب الثاني: أن تكون غير بادية الصلاح، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يشترط له جميعها، فينظر، فإن شرط فيه القطع صحت
стр. 7210
الإجارة؛ لأن المعاوضة على ما لم يبد صلاحه من الثمرة جائزة بشرط القطع. وإن لم يشرط فيها القطع لم يجز لفساد المعاوضة عليها.
والضرب الثاني: أن يشرط له سهمًا شائعًا فيها من نصف، أو ثلث، فتبطل الإجارة؛ لأن اشتراط قطع المشاع لا يمكن، والمعاوضة عليها بشرط القطع لا يجوز، فلذلك بطلت الإجارة، ويحكم للعامل بأجرة مثله إن عمل» (١). والله أعلم.
* * *
стр. 7211
الشرط الخامس
أن تكون المساقاة إلى أجل معلوم
العقود الجائزة يستغنى بجوازها عن توقيتها.
ما لزم من عقود المنافع تقدرت مدته كالإجارة (١).
اختلف العلماء في اشتراط المدة في المساقاة على قولين:
القول الأول:
تصح المساقاة مطلقة ولو لم تذكر المدة استحسانًا، وتقع على أول ثمرة تخرج. وهذا مذهب الجمهور خلافًا للشافعية (٢).
وعلل الحنفية الجواز بأمرين:
الأول: أن وقت إدراك الثمر معلوم، والتفاوت اليسير معفو عنه.
الثاني: الاعتبار بعمل الناس، فإنهم يتعاملون بذلك من غير بيان مدة.
قال في المبسوط: «ولو دفع إلى رجل نخلًا أو شجرًا، أو كرمًا معاملة بالنصف، ولم يسم الوقت جاز استحسانًا على أول ثمرة تخرج في أول سنته، وفي القياس: لا يجوز; لأن هذا استئجار للعامل، وبهذا لا يصير المعقود عليه معلوما إلا ببيان المدة فإذا لم يبينا لا يجوز العقد كما في المزارعة.
стр. 7212
ووجه الاستحسان: أن لإدراك الثمر أوانًا معلومًا في العادة ونحن نتيقن أن إيفاء العقد مقصود هنا إلى إدراك الثمار والثابت بالعادة كالثابت بالشرط فصارت المدة معلومة وإن تقدم أو تأخر فذلك يسير لا يقع بسببه منازعة بينهما في العادة» (١).
وجاء في الفتاوى الهندية: «فأما بيان المدة فليس بشرط لجواز المعاملة استحسانًا، ويقع على أول ثمرة تخرج في أول السنة، لتعامل الناس في ذلك من غير بيان مدة (٢).
والمشهور من مذهب المالكية وهو نص المدونة أن التوقيت ليس بشرط، وإذا أطلقت المساقاة ولم تحدد بزمن كانت صحيحة، وتحمل إلى الجذاذ، ويجوز تحديده بزمن معلوم، ولو كثر ما لم يكثر جدًا بلا حد (٣).
ويرى الحنابلة أن العقد جائز وليس بلازم، والعقد الجائز يستغنى بجوازه عن توقيته.
جاء في كشاف القناع: «ولا يفتقران ـ يعني المساقاة والمزارعة ـ إلى ضرب مدة يحصل الكمال فيها؛ لأنه ﷺ لم يضرب لأهل خيبر مدة، ولا خلفاؤه من بعده» (٤).
القول الثاني:
ذهب الشافعية وبعض المالكية إلى أن المساقاة لا تجوز إلا على مدة معلومة.
стр. 7213
جاء في القوانين الفقهية: «الثاني ـ يعني الشرط الثاني ـ أن تعقد إلى أجل معلوم، وتكره فيما طال من السنين» (١).
وجاء في المهذب «ولا تجوز إلا على مدة معلومة؛ لأنه عقد لازم، فلو جوزناه مطلقًا استبد العامل فصار كالمالك ... » (٢).
الراجح من الخلاف:
الراجح في عقد المساقاة أنه يجوز مقيدًا بوقت معين ومطلقًا من غير توقيت، وقضية خيبر تدل على عدم التوقيت، فإن عقداه بدون ذكر المدة انعقد صحيحًا لشبهه بالمضاربة، وحمل العقد إلى أوان جذاذ الثمرة التي عقدا عليها، وإن ذكرت المدة لزم العقد في تلك المدة، والمدة لا تحد بالشهور، وإنما تعتبر بوقت الجذاذ؛ لأنه هو المعقود عليه.
قال القرافي: «المساقاة إلى الجداد، وتمتنع إلى سنة أو شهر، فإن أطعمت في السنة مرتين فالجداد الأول حتى يشترط الثاني .... » (٣)، الله أعلم.
* * *
стр. 7214
المبحث الأول
في المساقاة إلى الجذاذ
ملكية العين لا تقبل التوقيت بخلاف ملكية المنفعة (١).
كل توقيت يفوت به غرض العقد ومقصوده فهو باطل.
ما لا يتوصل إلى المقصود إلا به يكون مقصودًا (٢).
[م-١٤٣٨] اختلف العلماء في توقيت المساقاة إلى الجذاذ على قولين.
القول الأول:
يصح التوقيت، وهو قول الجمهور، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣).
لأن المقصود من عقد المساقاة أن يشتركا في الثمرة، فإذا وقتت المساقاة بظهور الثمرة فقد وقتها بشيء مقصود لهما، ولأنه لما شرط المالك للعامل جزءًا من الثمرة كان ذلك دليلًا على أنه أراد مدة تحصل فيها الثمرة.
ولذلك لو ساقاه إلى مدة لا تظهر فيها الثمرة لم يصح العقد.
وعلل الحنفية الجواز بأن وقت إدراك الثمر معلوم، والتفاوت اليسير معفو عنه، ولأن الناس يتعاملون بذلك.
стр. 7215
وقال ابن عبد البر: «ولو ساقاه إلى أجل، فانقضى الأجل، وفي النخل ثمر لم يجز جذاذه، ولا يحل بيعه فهو على مساقاته حتى يجذ؛ لأنه حق وجب له، وإنما المساقاة إلى الجذاذ، وإلى القطاف لا إلى أجل» (١).
وقال الخرشي: «التوقيت بالجذاذ ليس شرطًا في صحتها، فالمراد أنها إذا أقتت لا تؤقت إلا بالجذاذ، وبالشهور العجمية؛ لأن كل ثمرة تجذ في وقتها، لا بالشهور العربية» (٢).
القول الثاني:
ذهب الشافعية في المشهور إلى أنه يجب التوقيت بالشهور، ولا يصح توقيت المساقاة بالجذاذ؛ لجهالته بالتقدم تارة، والتأخر أخرى، فإن أدركت الثمرة، والمدة باقية لزم العامل أن يعمل المدة الباقية ولا أجرة له. وإن انقضت المدة، وعلى الشجر طلع، أو بلح، فللعامل نصيبه منها، وعلى المالك السقي إلى إدراك الثمرة، ولا يلزم العامل أجرة لتبقية حصته على الشجر إلى حين الإدراك؛ لأنه يستحقها ثمرة مدركة بحكم العقد، فإن لم يحدث الطلع إلا بعد المدة فلا شيء للعامل (٣).
وقال في أسنى المطالب: «ولو قدر المدة بإدراك الثمرة لم يصح كالإجارة، فلا بد من تأقيتها بوقت معلوم ... » (٤).