الشرط الخامس
أن تكون المساقاة إلى أجل معلوم
العقود الجائزة يستغنى بجوازها عن توقيتها.
ما لزم من عقود المنافع تقدرت مدته كالإجارة (١).
اختلف العلماء في اشتراط المدة في المساقاة على قولين:
القول الأول:
تصح المساقاة مطلقة ولو لم تذكر المدة استحسانًا، وتقع على أول ثمرة تخرج. وهذا مذهب الجمهور خلافًا للشافعية (٢).
وعلل الحنفية الجواز بأمرين:
الأول: أن وقت إدراك الثمر معلوم، والتفاوت اليسير معفو عنه.
الثاني: الاعتبار بعمل الناس، فإنهم يتعاملون بذلك من غير بيان مدة.
قال في المبسوط: «ولو دفع إلى رجل نخلًا أو شجرًا، أو كرمًا معاملة بالنصف، ولم يسم الوقت جاز استحسانًا على أول ثمرة تخرج في أول سنته، وفي القياس: لا يجوز; لأن هذا استئجار للعامل، وبهذا لا يصير المعقود عليه معلوما إلا ببيان المدة فإذا لم يبينا لا يجوز العقد كما في المزارعة.
стр. 7212
ووجه الاستحسان: أن لإدراك الثمر أوانًا معلومًا في العادة ونحن نتيقن أن إيفاء العقد مقصود هنا إلى إدراك الثمار والثابت بالعادة كالثابت بالشرط فصارت المدة معلومة وإن تقدم أو تأخر فذلك يسير لا يقع بسببه منازعة بينهما في العادة» (١).
وجاء في الفتاوى الهندية: «فأما بيان المدة فليس بشرط لجواز المعاملة استحسانًا، ويقع على أول ثمرة تخرج في أول السنة، لتعامل الناس في ذلك من غير بيان مدة (٢).
والمشهور من مذهب المالكية وهو نص المدونة أن التوقيت ليس بشرط، وإذا أطلقت المساقاة ولم تحدد بزمن كانت صحيحة، وتحمل إلى الجذاذ، ويجوز تحديده بزمن معلوم، ولو كثر ما لم يكثر جدًا بلا حد (٣).
ويرى الحنابلة أن العقد جائز وليس بلازم، والعقد الجائز يستغنى بجوازه عن توقيته.
جاء في كشاف القناع: «ولا يفتقران ـ يعني المساقاة والمزارعة ـ إلى ضرب مدة يحصل الكمال فيها؛ لأنه ﷺ لم يضرب لأهل خيبر مدة، ولا خلفاؤه من بعده» (٤).
القول الثاني:
ذهب الشافعية وبعض المالكية إلى أن المساقاة لا تجوز إلا على مدة معلومة.
стр. 7213
جاء في القوانين الفقهية: «الثاني ـ يعني الشرط الثاني ـ أن تعقد إلى أجل معلوم، وتكره فيما طال من السنين» (١).
وجاء في المهذب «ولا تجوز إلا على مدة معلومة؛ لأنه عقد لازم، فلو جوزناه مطلقًا استبد العامل فصار كالمالك ... » (٢).
الراجح من الخلاف:
الراجح في عقد المساقاة أنه يجوز مقيدًا بوقت معين ومطلقًا من غير توقيت، وقضية خيبر تدل على عدم التوقيت، فإن عقداه بدون ذكر المدة انعقد صحيحًا لشبهه بالمضاربة، وحمل العقد إلى أوان جذاذ الثمرة التي عقدا عليها، وإن ذكرت المدة لزم العقد في تلك المدة، والمدة لا تحد بالشهور، وإنما تعتبر بوقت الجذاذ؛ لأنه هو المعقود عليه.
قال القرافي: «المساقاة إلى الجداد، وتمتنع إلى سنة أو شهر، فإن أطعمت في السنة مرتين فالجداد الأول حتى يشترط الثاني .... » (٣)، الله أعلم.
* * *
стр. 7214
المبحث الأول
في المساقاة إلى الجذاذ
ملكية العين لا تقبل التوقيت بخلاف ملكية المنفعة (١).
كل توقيت يفوت به غرض العقد ومقصوده فهو باطل.
ما لا يتوصل إلى المقصود إلا به يكون مقصودًا (٢).
[م-١٤٣٨] اختلف العلماء في توقيت المساقاة إلى الجذاذ على قولين.
القول الأول:
يصح التوقيت، وهو قول الجمهور، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣).
لأن المقصود من عقد المساقاة أن يشتركا في الثمرة، فإذا وقتت المساقاة بظهور الثمرة فقد وقتها بشيء مقصود لهما، ولأنه لما شرط المالك للعامل جزءًا من الثمرة كان ذلك دليلًا على أنه أراد مدة تحصل فيها الثمرة.
ولذلك لو ساقاه إلى مدة لا تظهر فيها الثمرة لم يصح العقد.
وعلل الحنفية الجواز بأن وقت إدراك الثمر معلوم، والتفاوت اليسير معفو عنه، ولأن الناس يتعاملون بذلك.
стр. 7215
وقال ابن عبد البر: «ولو ساقاه إلى أجل، فانقضى الأجل، وفي النخل ثمر لم يجز جذاذه، ولا يحل بيعه فهو على مساقاته حتى يجذ؛ لأنه حق وجب له، وإنما المساقاة إلى الجذاذ، وإلى القطاف لا إلى أجل» (١).
وقال الخرشي: «التوقيت بالجذاذ ليس شرطًا في صحتها، فالمراد أنها إذا أقتت لا تؤقت إلا بالجذاذ، وبالشهور العجمية؛ لأن كل ثمرة تجذ في وقتها، لا بالشهور العربية» (٢).
القول الثاني:
ذهب الشافعية في المشهور إلى أنه يجب التوقيت بالشهور، ولا يصح توقيت المساقاة بالجذاذ؛ لجهالته بالتقدم تارة، والتأخر أخرى، فإن أدركت الثمرة، والمدة باقية لزم العامل أن يعمل المدة الباقية ولا أجرة له. وإن انقضت المدة، وعلى الشجر طلع، أو بلح، فللعامل نصيبه منها، وعلى المالك السقي إلى إدراك الثمرة، ولا يلزم العامل أجرة لتبقية حصته على الشجر إلى حين الإدراك؛ لأنه يستحقها ثمرة مدركة بحكم العقد، فإن لم يحدث الطلع إلا بعد المدة فلا شيء للعامل (٣).
وقال في أسنى المطالب: «ولو قدر المدة بإدراك الثمرة لم يصح كالإجارة، فلا بد من تأقيتها بوقت معلوم ... » (٤).
стр. 7216
وقال الماوردي: «إذا كانت المدة المعلومة شرطًا فيها فأقلها مدة تطلع فيها الثمرة، وتستغني عن العمل، ولا يجوز أن يقدرها بذلك حتى يقدرها بالشهور التي قد أجرى الله تعالى العادة بأن الثمار تطلع فيها اطلاعًا متناهيًا» (١).
وقال في روضة الطالبين: «وإن وقت بإدراك الثمرة، فهل يبطل كالإجارة، أم يصح؛ لأنه المقصود وجهان، أصحهما عند الجمهور أولهما، وبه قطع البغوي، وصحح الغزالي الثاني ...... فإن قلنا بالأول، أو وقت بالزمان، فأدركت الثمرة، والمدة باقية لزم العامل أن يعمل في تلك البقية، ولا أجرة له، وإن انقضت المدة وعلى الشجر طلع، أو بلح فللعامل نصيبه منها، وعلى المالك التعهد إلى الإدراك، وإن حدث الطلع بعد المدة فلا حق للعامل فيها» (٢).
الراجح:
أرى أن التوقيت بالجذاذ هو المعتبر حتى لو وقت بالشهور، فإن المعتبر هو الجذاذ، فالتوقيت بالسنة محمول على أوان الجذاذ مرة واحدة، فإذا بلغت الثمرة وقت الجذاذ والقطاف فقد أدى العامل ما عليه، وكان عليهما قسمة الثمرة ليأخذ العامل نصيبه منها، وبعد أن يأخذ العامل نصيبه من الثمرة لا يلزمه تعاهد الأشجار ولو بقي في المدة بقية، والله أعلم.
* * *
стр. 7217
المبحث الثاني
أكثر مدة المساقاة
[م-١٤٣٩] اختلف العلماء في أكثر مدة المساقاة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح عقد المساقاة سنين عديدة، وليس لذلك حد إلا أنه لا يطول جدًا. وهذا مذهب الجمهور، وقول في مذهب الحنابلة (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «ولو دفع أرضًا معاملة خمسمائة سنة لا تجوز، وإن شرط مائة سنة، وهو ابن عشرين سنة جاز، وإن كان أكثر من عشرين لم يجز، كذا في التتارخانية» (٢).
وجاء في التاج والإكليل: «قال مالك: يجوز أن يساقيه سنين ما لم تكثر جدًا» (٣).
وفي الشرح الكبير: «وجاز مساقاة عامل في حائط سنين، ولو كثرت، ما لم تكثر جدًا بلا حد» (٤).
قال الدسوقي: «قوله: (بلا حد) أي أنه لم يثبت عن الإمام تحديد بشيء من السنين في الكثرة ا لجائزة، ولا في غير الجائزة؛ لأنه رأى أن ذلك تختلف
стр. 7218
باختلاف الحوائط؛ إذ الجديد ليس كالقديم فلو حدد لفهم الاقتصار على ذلك» (١).
قال ابن قدامة: «لا تتقدر أكثر المدة، بل يجوز ما يتفقان عليه من المدة التي يبقى الشجر فيها وإن طالت. وقد قيل: لا يجوز أكثر من ثلاثين سنة، وهذا تحكم وتوقيت لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع» (٢).
القول الثاني:
اختلف الشافعية في أكثر مدة المساقاة، فقيل: لا تجوز بأكثر من سنة.
وقيل:: تجوز ما بقيت العين.
وقيل: تجوز ثلاثين سنة.
واختلف أصحاب الشافعية هل ذكر الثلاثين حد، لا يجوز الزيادة عليها، فيكون قولًا ثالثًا في المذهب. قال إمام الحرمين: وهذا أضعف الأقوال (٣).
أو أن ذلك ليس بحد، بل تجوز الإجارة على أكثر منها على ما يشاء العاقدان، وجاء ذكر الثلاثين على سبيل التكثير، فيرجع هذا القول إلى القول المشهور السابق (٤).
قال الشيرازي: «واختلف قوله في أكثر مدة الإجارة والمساقاة، فقال في موضع: سنة وقال في موضع: يجوز ما شاء.
стр. 7219
وقال في موضع: يجوز ثلاثين سنة.
فمن أصحابنا من قال فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: لا تجوز بأكثر من سنة؛ لأنه عقد على غرر أجيز للحاجة، ولا تدعو الحاجة إلى أكثر من سنة؛ لأن منافع الأعيان تتكامل في سنة
والثاني: تجوز ما بقيت العين؛ لأن كل عقد جاز إلى سنة جاز إلى أكثر منها كالكتابة والبيع إلى أجل.
والثالث: أنه لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة لأن الثلاثين شطر العمر، ولا تبقى الأعيان على صفة أكثر من ذلك.
ومنهم من قال: هي على القولين الأولين، وأما الثلاثون فإنما ذكره على سبيل التكثير لا على سبيل التحديد وهو الصحيح» (١).
القول الثالث:
ذهب الحنابلة في المشهور إلى أن المساقاة عقد جائز، فلا حاجة إلى توقيتها بمدة معينة؛ لأنه ﵇ لم يضرب لأهل خيبر مدة، ولا خلفاؤه من بعده، ولأن التوقيت بمدة معينة يحتاج إليه في العقود اللازمة بخلاف العقود الجائزة إذ لا فائدة من التوقيت مع كون كل واحد من العاقدين يملك فسخها متى شاء (٢).
والراجح:
أن المساقاة من العقود الجائزة، وتصح مؤقتة، ومطلقة، فإذا أطلقت لم تشمل إلا وقت إدراك الثمرة، فإن احتاجا إلى تجديد العقد لزمهما عقده من
стр. 7220
جديد، وإن أقتت المساقاة جاز، وليس لذلك حد في الشرع، وإنما في المدة التي يغلب على الظن أن يبقى فيها العاقدان والمعقود عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 7221
المبحث الثالث
في أقل مدة المساقاة
كل توقيت يفوت به غرض العقد ومقصوده فهو باطل.
[م-١٤٤٠] عرفنا في البحث السابق خلاف العلماء في أكثر مدة المساقاة، وهل لذلك حد أم لا؟
ونريد أن نقف على أقل مدة المساقاة.
ذهب عامة العلماء إلى أنه لا يجوز عقد المساقاة إلى مدة لا تكتمل فيها الثمرة؛ لأن المقصود أن يشتركا في الثمرة، فلا يجوز على مدة أقل منها.
وذهب المالكية إلى أنه لا يجوز توقيتها بالشهور أو السنين العربية، وإن عقداها لسنة أو سنتين حملت على الجذاذ.
وقال ابن الحاجب من المالكية: ويشترط تأقيتها وأقله إلى الجذاذ (١).
قال العيني في البناية: «أقل المدة ما يمكن إدراك الثمر فيه» (٢).
وقال في الاختيار لتعليل المختار: «وإن سميا مدة لا تخرج الثمرة في مثلها فهي فاسدة؛ لفوات المقصود، وهي الشركة في الخارج» (٣).
وقال في المبسوط: «ولو دفع إليه نخلًا، أو شجرًا، أو كرمًا معاملة أشهرًا
стр. 7222
معلومة يعلم أنها لا تخرج ثمرة في تلك المدة بأن دفعها أول الشتاء إلى أول الربيع فهذا فاسد; لأن المقصود بالمعاملة الشركة في الخارج وهذا الشرط يمنع ما هو المقصود فيكون مفسدًا للعقد» (١).
وقال ابن قدامة: «فأما أقل المدة فيتقدر بمدة تكمل الثمرة فيها، فلا يجوز على أقل منها؛ لأن المقصود أن يشتركا في الثمرة، ولا يوجد في أقل من هذه المدة، فإن ساقاه على مدة لا تكمل فيها الثمرة فالمساقاة فاسدة» (٢).
وقال الخرشي: «إذا أقتت لا تؤقت إلا بالجذاذ، وبالشهور العجمية؛ لأن كل ثمرة تجذ في وقتها، لا بالشهور العربية؛ لأنها تدور» (٣).
وقال في جامع الأمهات «ويشترط تأقيتها، وأقله إلى الجداد» (٤).
* * *
стр. 7223
الشرط السادس
أن يكون العمل كله على العامل
ما كان مباحًا بدون شرط فالشرط يوجبه (١).
الأصل في الشروط اعتبارها (٢).
[م-١٤٤١] اختلف العلماء في اشتراط العمل عليهما على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يصح، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
جاء في بدائع الصنائع: «ومنها ـ أي من الشروط ـ التسليم إلى العامل، وهو التخلية حتى لو شرطا العمل عليهما فسدت؛ لانعدام التخلية» (٣).
وقال المزني: «لو ساقاه على نخل سنين معلومة على أن يعملا فيها جميعًا لم يجز في معنى قوله قياسًا على شرط المضاربة يعملان في المال جميعا، فمعنى ذلك أنه أعانه معونة مجهولة الغاية بأجرة مجهولة» (٤).
وجاء في شرح منتهى الإرادات «ولا يصح أن يشترط على أحدهما ما على الآخر كله أو بعضه، ويفسد العقد به؛ لمخالفته مقتضى العقد كالمضاربة إذا شرط فيهما العمل على رب المال» (٥).
стр. 7224
وجاء في كشاف القناع: «فإن شرط في مساقاة أو مزارعة على أحدهما: أي المالك أو العامل ما يلزم الآخر أو بعضه فسد الشرط والعقد؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، فأفسده كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال» (١).
وقال ابن رجب: «ومنها اشتراط أحد المتعاقدين في المساقاة والمزارعة على الآخر ما لم يلزمه بمقتضى العقد، فلا يصح، وفي فساد العقد به خلاف، ويتخرج صحة هذه الشروط أيضًا من الشروط في النكاح وغيرها، وهو ظاهر كلام أكثر المتأخرين» (٢).
القول الثاني:
لا يصح أن يشترط على أحدهما ما يلزم الآخر عمله إلا في التلقيح والجذاذ، وهذا مذهب المالكية، ووافقهم الحنابلة في قول بصحة اشتراط الجذاذ على رب المال.
جاء في مواهب الجليل: «ولا يجوز أن يشترط العامل أن يعمل معه رب الحائط بنفسه» (٣).
وقال أيضًا: «وسئل عن رب الحائط يقول لرجل: تعال أسق أنا وأنت حائطي هذا ولك نصف الثمرة قال: لا يصلح هذا وإنما المساقاة أن يسلم الحائط إلى الداخل. قال ابن رشد: هذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه أن ذلك لا يصلح فإن
стр. 7225
وقع وفات بالعمل كان العامل فيه أجيرًا; لأن رب الحائط اشترط أن يعمل معه فكأنه لم يسلمه إليه وإنما أعطاه جزءًا من الثمرة على أن يعمل معه» (١).
وجاء في الاستذكار: «وإن اشترط المساقي على رب المال جذاذ الثمر، وعصر الزيتون جاز، وإن لم يشترطه فهو على العامل، ومن اشترط عليه منهما جاز» (٢).
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت المساقي إن اشترط على رب النخل التلقيح، أيجوز أم لا؟ قال: نعم، وهو قول مالك. قلت: فإن لم يشترطه فعلى من يكون التلقيح؟ قال: التلقيح على العامل؛ لأن مالكًا قال: جميع عمل الحائط على العامل» (٣).
فمجموع هذه النصوص أنه لا يجوز اشتراط العمل على رب المال إلا في التلقيح والجداد.
وقال المرداوي في الإنصاف: «لو شرط على أحدهما ما يلزم الآخر لم يجز، وفسد الشرط على الصحيح من المذهب إلا في الجداد .... اختاره القاضي، وأبو الخطاب، وغيرهما (٤).
ولا أعرف دليلًا يستثني الجداد والتلقيح دون سائر العمل، فإذا كان هذا على العامل، وصح اشتراطه على رب المال، صح اشتراط غيره من الأعمال؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، والله أعلم.
стр. 7226
القول الثالث:
ذهب ابن قدامة إلى صحة اشتراط العمل على رب المال، وخرجه من كلام الإمام أحمد بصحة اشتراط الجذاذ على رب المال، ولم ير ابن قدامة معنى لاستثناء الجداد دون سائر الأعمال، وقد اشترط ابن قدامة للجواز شرطين:
أحدهما: أن يكون ما يلزم كل واحد منهما معلومًا، وهذا الشرط لا بد منه قطعًا للنزاع.
الشرط الثاني: أن يكون أكثر العمل على العامل.
جاء في المغني: «وإن شرطا على أحدهما شيئًا مما يلزم الآخر:
فقال القاضي وأبو الخطاب: لا يجوز ذلك، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، فأفسده كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال.
وقد روي عن أحمد ما يدل على صحة ذلك، فإنه ذكر أن الجذاذ عليهما، فإن شرطه على العامل جاز، وهذا مقتضى كلام الخرقي في المضاربة؛ لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد، ولا مفسدة فيه فصح، كتأجيل الثمن في المبيع، وشرط الرهن، والضمين، والخيار فيه، لكن يشترط أن يكون ما يلزم كل واحد من العمل معلومًا؛ لئلا يفضي إلى التنازع والتواكل، فيختل العمل، وألا يكون ما على رب المال أكثر العمل؛ لأن العامل يستحق بعمله، فإذا لم يعمل أكثر العمل كان وجود عمله كعدمه، فلا يستحق شيئًا» (١).
وأرى أن تخريج ابن قدامة صحيح؛ لأنه لا معنى لاستثناء الجذاذ دون غيره،
стр. 7227
بل الصواب جواز اشتراط أحدهما ما يلزم الآخر، وقد اشترط ابن قدامة أن يكون أكثر العمل على العامل، ولم يتبين لي دليل هذا الاشتراط، لأنه قد يراعى في قلة العمل مقدار نصيب العامل من الثمرة، فلا يلزم أن يكون العامل عليه أكثر العمل، والله أعلم.
* * *
стр. 7228
الشرط السابع
في اشتراط أن تكون الثمرة مشتركة بين العامل والمالك
[م -١٤٤٢] اختلف الفقهاء فيما إذا قال المالك: ساقيتك على أن الثمرة كلها لي، أو كلها لك:
القول الأول:
أن ذلك لا يصح، وهذا قول الجمهور.
قال في البدائع: «ومنها أن يكون الخارج لهما، فلو شرط أن يكون لأحدهما فسدت» (١).
وقال النووي: «الركن الثالث: الثمار، فيشترط اختصاصها بالعاقدين مشتركة بينهما .... فلو شرطا بعض الثمار لثالث، أو كلها لأحدهما فسدت المساقاة، وفي استحقاق الأجرة عند شرط الكل للمالك وجهان كالقراض، أصحهما المنع؛ لأنه عمل مجانًا» (٢).
وقال العمراني في البيان: «وإن قال: ساقيتك على هذه النخيل على أن الثمرة كلها لي لم يستحق العامل شيئًا من الثمرة؛ لأنه لم يشترط له منها شيئًا، فإن عمل الأجير فهل يستحق أجرة على الوجهين.
وإن قال: ساقيتك على أن الثمرة كلها لك لم يصح؛ لأن هذا شرط ينافي مقتضى المساقاة، فإن عمل الأجير استحق أجرة المثل وجهًا واحدًا؛ لأنه لم يرض بغير عوض» (٣).
стр. 7229
و قول الحنابلة قريب من قول الشافعية، لأن أحكام المساقاة عند الحنابلة هي أحكام المضاربة، جاء في المبدع: «وحكم العامل حكم المضارب» (١).
وقد قال الحنابلة في الرجل إذا قال: ضارب به والربح كله لك، أو كله لي لم يصح قرضًا، وكان قراضًا فاسدًا؛ لأن عقد المضاربة يقتضي المشاركة بالربح، فإذا شرط اختصاص أحدهما بالربح فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد (٢).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى صحة أن تكون الثمرة كلها للعامل، أو كلها للمالك (٣).
جاء في المدونة: «قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أرأيت إن أخذت نخلًا مساقاة على أن لي جميع ما أخرج الله منها؟ قال: قال مالك: لا بأس بذلك. قلت: لم أجازه مالك؟ قال: لأنه بمنزلة المال يدفعه إليك مقارضة على أن لك ربحه؛ ولأنه إذا جاز أن يترك لك النصف في الحائط جاز أن يترك لك الثمرة كلها» (٤).
جاء في مواهب الجليل: «وتجوز المساقاة على أن تكون الثمرة كلها للعامل بعمله، وقد قيل فيه: إنه منحة، فيفتقر إلى الحيازة، ويبطل بالموت. وهو
стр. 7230
بعيد ... قلت: وأما عكس هذا، فظاهر جوازه، وهو أن تكون الثمرة كلها لرب المال؛ لأن العامل هنا متبرع بعمله» (١).
* * *
стр. 7231
الشرط الثامن
في اشتراط إسلام الساقي والمالك
الأصل جواز مشاركة الكافر، والنص ورد في يهود خيبر.
[م-١٤٤٣] كره مالك أن يعمل المسلم في حائط الذمي مساقاة، وأجاز العكس بلا كراهة بأن يدفع المسلم حائطه إلى ذمي يعمل فيه مساقاة بشرط أن يأمن أن هذا الذمي لن يعصر حصته خمرًا، وإلا لم يجز، لما فيه من إعانتهم على المعصية (١).
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت حائط الذمي، أيجوز لي أن آخذه مساقاة. قال: كره مالك أن يأخذ المسلم من النصراني مالًا قراضًا، فكذلك المساقاة عندي. قال: ولو أخذه لم أره حرامًا. قلت: أرأيت الحائط يكون للمسلم، أيجوز له أن يعطيه النصراني مساقاة. قال: قال مالك: لا بأس بذلك، يريد إذا كان النصراني ممن لا يعصره خمرًا» (٢).
ويناقش:
أرى جواز مشاركة الذمي مطلقًا سواء كان المسلم هو العامل أو العكس.
لأن المسلم إن كان هو العامل، فإن عمله ليس من قبيل الإجارة الخاصة التي كرهها بعض الفقهاء، وإنما هو من قبيل المشاركة، ومشاركة الكافر ليس فيها إذلال للمسلم، وعلى التنزل أن يكون أجيرًا فإنه من قبيل الأجير المشترك، وليس من قبيل الأجير الخاص الذي يعمل تحت يد المستأجر وسلطته، ولذلك لا يشاركه الكافر في العمل، ولا يتلقى المسلم الأوامر منه.
стр. 7232
وقد سبق بحث مشاركة المسلم للكافر في عقد الشركات، كما سبق بحث إجارة المسلم للكافر سواء كان أجيرًا خاصًا، أو مشتركًا في عقد الإجارة فانظر أدلة المسألتين فيما سبق.
وإن كان الكافر هو العامل فإنه جائز من باب أولى، وأرى جواز العقد حتى ولو علم رب المال أن الكافر يعصر حصته خمرًا، لأن عصره خمرًا كان بعد تملكه لحصته، وهو قد تملكها بعقد صحيح، وعمله ذلك لا يسأل عنه رب الأشجار، وإذا عصره الذمي إن كان يشربه، أو يبيعه لمثله لم يكن ذلك حرامًا عليه، ولا يحق لنا منعه في الإسلام إذا كان لا يجاهر بذلك، وإذا كان فعله مأذونًا فيه فكيف يكون فعله سببًا في تحريم العقد معه، وإن كان يفعل العصر ليبيعه على المسلمين كان حرامًا سواء كان تملكه للمعصور في عقد مساقاة أو في غيره، ولا يمكن من ذلك مطلقًا.
(ث-١٦٨) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن إبراهيم ابن عبد الأعلى،
عن سويد بن غفلة، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن عماله يأخذون الجزية من الخمر، فناشدهم ثلاثًا، فقال بلال: إنهم ليفعلون ذلك، قال: فلا تفعلوا، ولكن ولوهم بيعها، فإن اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها (١).
ورواه أبو عبيد من طريق إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،
عن سويد بن غفلة، أن بلالًا قال لعمر بن الخطاب: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن (٢).
стр. 7233
[إسناده صحيح] (١).
وجه الاستدلال:
فهذا الأثر يدل على أن الخمر مال بالنسبة للذمي من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أمر الإمام العادل بالبيع يدل على أن البيع صحيح.
وثانيها: إيجاب العشر في ثمنها، ولا يجب إلا في كسب صحيح.
وثالثها: تسمية ما يقابلها ثمنًا، وهو لا يكون إلا في بيع صحيح عند الإطلاق (٢).
قال ابن عبد البر: «ولا بأس بمساقاة الذمي في مساقاة، أو في شيء من الإجارات والأعمال» (٣).
* * *
стр. 7234
الفصل الثاني
في شروط المزارعة
الشرط الأول
أهلية العاقدين
[م-١٤٤٤] يشترط لصحة عقد المزارعة في حق العاقدين ما يشترط في سائر عقود المعاوضات.
وقد تكلمنا في عقد البيع عن اشتراط أهلية العاقد، وأن هناك من الشروط ما هو متفق عليه بين الفقهاء، وما هو مختلف فيه بينهم:
فالمتفق عليه: اشتراط العقل: فلا تصح مزارعة مجنون، وصبي غير مميز؛ لأن العقل شرط أهلية التصرف، وهؤلاء ليس لهم قصد صحيح.
وأما المختلف فيه بين الفقهاء فمزارعة الصبي المميز.
فالشافعية يشترطون البلوغ والرشد لصحة العقد (١).
جاء في مغني المحتاج: «تصح من جائز التصرف لنفسه؛ لأنها معاملة على المال كالقراض .... ولصبي ومجنون وسفيه بالولاية عليهم عند المصلحة» (٢).
والجمهور يصححون عقد الصبي المميز إذا كان مأذونًا له فيه، وقد تكلمنا عن أدلة الفريقين في عقد البيع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بأن الصبي المميز إذا أذن له وليه بالتصرف صحت مزارعته.
стр. 7235
قال الكاساني: «الأول أن يكون عاقلًا، فلا تصح مزارعة المجنون، والصبي الذي لا يعقل المزارعة دفعًا واحدًا; لأن العقل شرط أهلية التصرفات. وأما البلوغ فليس بشرط لجواز المزارعة، حتى تجوز مزارعة الصبي المأذون دفعًا واحدًا; لأن المزارعة استئجار ببعض الخارج والصبي المأذون له يملك الإجارة; لأنها تجارة فيملك المزارعة وكذلك الحرية ليست بشرط لصحة المزارعة فتصح المزارعة من العبد المأذون دفعًا واحدًا لما ذكرنا في الصبي المأذون» (١).
وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «يشترط أن يكون العاقدان في المزارعة عاقلين، ولا يشترط بلوغهما، فلذلك يجوز للمأذون عقد المزارعة» (٢).
هذا هو المعروف من مذهب الجمهور أن عقد الصبي المميز يصح بإذن الولي، ومع ذلك فقد عبر بعض المالكية وبعض الحنابلة باشتراط البلوغ.
جاء في كفاية الطالب الرباني «ولجوازها شروط ـ يعني المزارعة ـ أحدها: المتعاقدان: ويشترط فيهما أهلية الشركة والإجارة». وهذا النص لا إشكال فيه؛ لأنه متفق مع الجمهور، لكن قال العدوي في حاشيته شارحًا هذا النص:
«قوله: (أهلية الشركة والإجارة) أي لأنها مركبة منهما كما أفاده في التحقيق، فأهلية الشركة بأن يكونا من أهل التوكيل والتوكل، فلا يصح بين صبيين، ولا سفيهين، ولا بين صبي ورشيد، إلا أن قوله: (والإجارة) لعل الأولى إسقاطه فإن اشتراط شروط الإجارة يقتضي صحة ما ذكر فتدبر» (٣).
стр. 7236
قلت: بل الأولى عدم الإسقاط ليتسق مع سائر العقود بأن تصرف الصبي المميز يصح بإذن الولي، والله أعلم.
وجاء في شرح منتهى الإرادات «ويعتبر لمساقاة ومناصبة، ومزارعة كون عاقد كل منهما نافذ التصرف، بأن يكون حرًا بالغًا رشيدًا؛ لأنها عقود معاوضة أشبهت البيع» (١).
وهذا غلط كسابقه، فإن عقد المزارعة إذا كان يشبه البيع، فإن عقد البيع عند الحنابلة يصح من المميز إذا أذن له الولي، فلا حاجة لاشتراط البلوغ، والله أعلم.
واشترط الشافعية في عاقد المزارعة اتحاد العاقد، بأن يكون العامل في المزارعة هو نفس العامل في المساقاة لتتحقق تبعية المزارعة للمساقاة.
قال الغزالي في الوسيط: «أن يكون العامل على النخيل والزرع واحدًا» (٢).
وقال في مغني المحتاج «وإنما يجوز ذلك بشرط اتحاد العامل فيهما، فلا يصح أن يساقي واحدًا، ويزارع آخر؛ لأن الاختلاف يزيل التبعية، وليس المراد باتحاده اشتراط كونه واحدًا، بل ألا يكون من ساقاه غير من زارعه، فلو ساقى جماعة وزارعهم بعقد واحد صح» (٣).
ذكر الحنفية في شروط العاقد ألا يكون مرتدًا وقت العقد على قياس قول أبي حنيفة ﵀ في قياس قول من أجاز المزارعة، فلا تنفذ مزارعته للحال، بل
стр. 7237
هي موقوفة فإن أسلم نفذت، وإن مات على ردته بطلت، خلافًا لأبي يوسف ومحمد حيث اعتبرا مزارعة المرتد نافذة للحال (١).
وأما المرتدة فتصح مزارعتها دفعًا واحدًا بالإجماع؛ لأن تصرفاتها نافذة بمنزلة تصرفات المسلمة (٢).
وقولهم (وقت العقد) يخرج بذلك ما لو كانت المزارعة وقت العقد بين مسلمين ثم ارتدا، أو ارتد أحدهما فالخارج على الشرط بلا خلاف؛ لأنه لما كان مسلمًا وقت العقد صح التصرف، فاعتراض الردة بعد ذلك لا تبطله.
قال السرخسي: «وإذا دفع المرتد أرضه وبذره إلى رجل مزارعة بالنصف فعمل على ذلك، وخرج الزرع: فإن أسلم فهو على ما اشترطا وإن قتل على ردته فالخارج للعامل، وعليه ضمان البذر، ونقصان الأرض للدافع في قياس قول أبي حنيفة ﵀ على قول من أجاز المزارعة أخرجت الأرض شيئًا أو لم تخرج وعلى قولهما: هذه المزارعة صحيحة، والخارج بينهما على الشرط وهو بناء على اختلافهم في تصرفات المرتد. عندهما تنفذ تصرفاته كما تنفذ من المسلم وعند أبي حنيفة يوقف لحق ورثته فإن أسلم نفذ عقد المزارعة بينهما فكان الخارج على الشرط وإن قتل على ردته بطل العقد، وبطل أيضا إذنه للعامل في إلقاء البذر في الأرض; لأن الحق في ماله لورثته، ولم يوجد منهم الرضا بذلك فيصير العامل بمنزلة الغاصب للأرض والبذر فيكون عليه ضمان البذر ونقصان الأرض أخرجت الأرض شيئًا أو لم تخرج والخارج كله له; لأنه ملك البذر بالضمان.
стр. 7238
وإن كان البذر على العامل وقتل المرتد على ردته: فإن كان في الأرض نقصان غرم العامل نقصان الأرض; لأن إجارة الأرض بطلت حين قتل على ردته. وكذلك الإذن الثابت في ضمنه فيكون العامل كالغاصب للأرض والزرع كله له. وإن لم يكن في الأرض نقصان فالقياس أن يكون الخارج له ولا شيء عليه; لأنه بمنزلة الغاصب والغاصب للأرض لا يضمن شيئا إلا إذا تمكن فيها نقصان، وفي الاستحسان يكون الخارج على الشرط بين العامل وورثة المرتد; لأن إبطال عقده كان لحق ورثته في ماله والنظر للورثة هنا في تنفيذ العقد ; لأنه إذا نفذ العقد سلم لهم نصف الخارج وإذا بطل العقد لم يكن لهم شيء فنفذ عقده استحسانا بخلاف الأول» (١).
وجاء في بدائع الصنائع: «فأما إذا كانت بين مسلمين ثم ارتدا أو ارتد أحدهما فالخارج على الشرط بلا خلاف؛ لأنه لما كان مسلمًا وقت العقد صح التصرف فاعتراض الردة بعد ذلك لا تبطله» (٢).
والصواب قول أبي يوسف ومحمد أن عقد المزارعة مع المرتد صحيح، ونافذ في الحال، ولا أعلم وجهًا صحيحًا في التفريق بين الرجل والمرأة في الردة، فإذا كان عقد الرجل المرتد لا يصح لم يصح من المرأة، وإذا كان يصح من المرأة فهو دليل على صحته من الرجل، والله أعلم.
* * *
стр. 7239
الشرط الثاني
في بيان جنس البذر
[م-١٤٤٥] إذا عين صاحب الأرض نوعًا من الزرع كالقطن أو القمح وجب على المزارع أن يلتزم بذلك وفاء للشرط، فإن خالف العامل كان للمالك الخيار بين الفسخ وبين إمضاء العقد (١).
[م-١٤٤٦] كما نص الحنفية والحنابلة على أن صاحب الأرض إذا قال: ازرع فيها ما شئت جاز للعامل أن يزرع فيها ما شاء؛ لأنه لما فوض الأمر إليه فقد رضي بالضرر الذي قد ينجم عن الزراعة، ورضي بأن تكون حصته النسبة المتفق عليها من أي محصول تنتجه الأرض.
قال ابن قدامة: «وإن قال: ما زرعتها من شيء فلي نصفه صح؛ لأن النبي ﷺ ساقى أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» (٢).
[م-١٤٤٧] أما إذا لم يفوض الأمر إليه فقد نص الحنفية والشافعية والحنابلة على أنه يشترط بيان ما يزرعه؛ لأن الشركة بينهما في الزرع، والعلم به شرط، وهي بمثابة الأجرة للعامل، فلا بد من العلم بها، ولأنه ربما يختار بذرًا تتضرر به الأرض، أو يحتاج إلى زيادة كلفة، أو يتأثر مقدار الخارج .... إلى غير ذلك من المصالح.
إلا أن الحنفية نصوا على أنه إذا لم يبين فإن كان البذر من رب الأرض جاز؛ لأن العقد لا يكون لازمًا في حقه قبل إلقائه (٣)، وعند الإلقاء يصير معلومًا.
стр. 7240
وإن كان البذر من العامل لا يجوز إذا لم يبين إلا إذا عمم بأن قال: ازرع ما بدا لك؛ لأن العقد لازم في حق صاحب الأرض، فإن زرعها انقلبت صحيحة؛ لأنه خلى بينه وبين الأرض وتركها في يده حتى ألقى البذر، فقد تحمل الضرر، فيزول المفسد كغيره من العقود الفاسدة يفيد الملك إذا أذن له بالقبض (١).
هذا الكلام في مذهب الحنفية وجه القياس، وفي الاستحسان بيان ما يزرع في الأرض ليس بشرط، فوض الرأي إلى المزارع أو لم يفوض بعد أن ينص على المزارعة، فإنه مفوض إليه (٢).
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «يشترط أن يكون المزروع معلومًا، أي يشترط تعيين الزرع: أي ما سيزرع، أو تعميمه على أن يزرع الزارع ما يشاء; لأن الأجرة في المزارعة هي بعض الحاصلات، وبيان الأجرة شرط في صحة العقد، كما أن بعض الزرع يضر الأرض ضررًا بليغًا، فلذلك إذا لم يبين في العقد جنس البذر، فينظر فإذا كان البذر مشروطا إعطاؤه من قبل صاحب الأرض فيكون جائزًا; لأنه في هذه الصورة لا تتحقق المزارعة قبل الزرع ......... ويعلم البذر والأجرة بعد الزرع .... إذ الإعلام عند التأكيد بمنزلة الإعلام وقت العقد. وإذا كان البذر من طرف العامل: أي الزارع، ولم يعين كما أنه لم يعمم فتفسد المزارعة; لأنها لازمة في حق صاحب الأرض قبل إلقاء البذر، فلا تجوز، وإذا لم يعين البذر، ولم يعمم أيضا إلا أن الأرض زرعت فتنقلب المزارعة إلى الصحة، حيث قد أصبح البذر معلومًا; لأنه خلى بينه وبين
стр. 7241
الأرض، وتركها في يده حتى ألقى بذره، فقد تحمل الضرر فيزول المفسد فيجوز» (١). هذا مذهب الحنفية.
وأما مذهب الشافعية فقد جاء في مغني المحتاج: «قال الدارمي: ويشترط أيضًا بيان ما يزرعه بخلاف إجارة الأرض للزراعة؛ لأنه هناك شريك، فلا بد من علمه به بخلاف الآخر إذا لا حق له في الزرع» (٢).
وفي مذهب الحنابلة، جاء في مطالب أولي النهى: «وشُرِطَ في عقد مزارعة عِلْمُ جنس بذر ... برؤية أو صفة لا يختلف معها» (٣).
وخالف في ذلك ابن حزم، فقال: إن اتفقا على شيء تطوعًا في الأرض فحسن، وإن لم يذكر شيئًا فحسن، وإن شرط شيء من ذلك في العقد فهو شرط فاسد، وعقد فاسد بناء على مذهبه في الشروط وهو أن الأصل في الشروط البطلان إلا ما نص الشارع على صحته بعينه.
يقول في المحلى: «فإن اتفقا تطوعا على شيء يزرع في الأرض فحسن وإن لم يذكرا شيئا فحسن؛ لأن رسول الله ﷺ لم يذكر لهم شيئًا من ذلك، ولا نهى عن ذكره فهو مباح ولا بد من أن يزرع فيها شيء ما فلا بد من ذكره إلا أنه إن شرط شيء من ذلك في العقد فهو شرط فاسد وعقد فاسد; لأنه ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل إلا أن يشترط صاحب الأرض ألا يزرع فيها ما يضر بأرضه أو شجره - إن كان له فيها شجر - فهذا واجب ولا بد لأن خلافه فساد وإهلاك للحرث.
стр. 7242
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]. فإهلاك الحرث بغير الحق لا يحل» (١).
الراجح:
أن بيان ما يزرع شرط في صحة العقد؛ ليعلم كل واحد من المتعاقدين جنس الخارج للتفاوت في قيمة المزروع، والتفاوت في الكلفة التي تلحق العامل من سقيا، ودراسة، وحصاد، ووقت، وحاجته إلى الماء إلى غير ذلك مما تعد جهالته مؤثرة في العقد، ويؤدي إلى التنازع، والله أعلم.
стр. 7243
الشرط الثالث
في تحديد مقدار البذر
[م-١٤٤٨] اختلف الفقهاء في اشتراط تحديد مقدار البذر على قولين:
القول الأول:
لا يشترط؛ لأن مثل هذا يصير معلومًا بإعلام الأرض. وهذا مذهب الحنفية (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «ولا يشترط بيان مقدار البذر؛ لأن ذلك يصير معلومًا بإعلام الأرض» (٢).
ومقتضى التعليل أن مقدار البذر ليس شرطًا إن علمت الأرض، وإلا فهو شرط، وبه يحصل التوفيق بين ما في الخانية وما في الاختيار (٣).
القول الثاني:
ذهب الحنابلة إلى أن معرفة مقدار البذر شرط كمعرفة جنسه، ويغني عن ذلك تقدير المكان وتعيينه.
جاء في كشاف القناع: «ويعتبر في مزارعة معرفة جنس البذر، ولو تعدد البذر، ومعرفة قدره أي البذر، كالشجر في المساقاة؛ ولأنها معاقدة على عمل، فلم تجز على غير معلوم الجنس والقدر كالإجارة» (٤).
стр. 7244
وجاء في الفروع: «ويعتبر معرفة جنس البذر، ولو تعدد، وقدره، وفي المغني: أو تقدير المكان وتعيينه» (١).
وقال ابن قدامة: «ولو جعل له في المزارعة ثلث الحنطة، ونصف الشعير، وثلثي الباقلا وبينا قدر ما يزرع من كل واحد من هذه الأنواع إما بتقدير البذر، وإما بتقدير المكان وتعيينه، أو بمساحته، مثل أن قال: تزرع هذه المكان حنطة، وهذا شعير، أو تزرع مدين حنطة، ومدين شعير، أو تزرع قفيرًا حنطة، وقفيزين شعيرًا جاز؛ لأن كل واحد من هذه طريق إلى العلم به، فاكتفي به» (٢).
الراجح:
الصحيح أن معرفة مقدار البذر ليس بشرط، فيكفي عنه معرفة المكان، والله أعلم.
* * *
стр. 7245
الشرط الرابع
في اشتراط أن يكون البذر من أحدهما
[م-١٤٤٩] اختلف الفقهاء في الطرف الذي يكون عليه البذر على أربعة أقوال:
القول الأول:
يجوز أن يكون البذر من المزارع، ويجوز أن يكون من صاحب الأرض، ولكن لا يجوز أن يكون منهما معًا. وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
وجه القول بالصحة:
أن البذر إن كان من رب الأرض فهو مستأجر للعامل ليعمل في أرضه ببعض الخارج، أو كان البذر من العامل فهو مستأجر للأرض ببعض الخارج (٢).
القول الثاني:
يجوز أن يكون البذر من أحدهما، أو منهما معًا بشرط ألا يكون البذر في مقابل الأرض. لئلا يؤدي إلى كراء الأرض بممنوع، وهو مقابلة الأرض بطعام سواء كان مما تنبته كالقمح، أو مما لا تنبته كالعسل، أو بما تنبته، ولو لم يكن طعامًا، كالقطن والكتان.
стр. 7246
وهذا مذهب المالكية (١).
واستدل المالكية على ذلك بأدلة، منها:
الدليل الأول:
استدل المالكية بأن البذر إذا كان في مقابل الأرض فإن ذلك لا يصح لنهي النبي ﷺ عن المحاقلة والمخابرة.
جاء في جامع التحصيل «قال ابن القاسم: قال مالك: من دفع أرضه إلى رجل يزرعها على أن ما أخرج إليه فيها من الزرع بين الزارع وبين صاحب الأرض فإن الزرع كله للذي زرعه، ويغرم الزارع لصاحب الأرض كراء أرضه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، ولا اختلاف في المذهب في أن ذلك لا يجوز؛ لنهي النبي ﷺ عن المحاقلة والمخابرة» (٢).
جاء في المنتقى: «قال ابن حبيب: قال مالك: فيما نهي عنه من المحاقلة: هو اكتراء الأرض بالحنطة.
стр. 7247
ووجه ذلك من جهة المعنى: أنه منفعة الأرض التي اكتريت لها، وهي المنفعة المقصودة منها إنما هو الطعام الخارج، فإذا اكتراها منه بطعام فهو طعام بطعام غير مقبوض ولا مقدر» (١).
(ح-٩٢٤) وقد روى الشيخان من طريق ابن جريج، عن عطاء،
سمع جابر بن عبد الله ﵄، نهى النبي ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه .... الحديث (٢).
(ح-٩٢٥) وروى الشيخان النهي عن المحاقلة من حديث أبي سعيد الخدري (٣).
وفي رواية مسلم زيادة: والمحاقلة: كراء الأرض.
وفي رواية مالك في الموطأ: والمحاقلة: كراء الأرض بالحنطة.
(ح-٩٢٦) وروى الإمام البخاري بإسناده عن ابن عباس ﵄، قال: نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة (٤).
(ح-٩٢٧) وروى البخاري أيضًا بإسناده عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة .... الحديث (٥).
(ح-٩٢٨) وروى مسلم النهي من مسند أبي هريرة، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عنه به (٦).
стр. 7248
وجه الاستدلال:
جاء في الأحاديث السابقة النهي عن المحاقلة والمخابرة. والمحاقلة لها تفسيران عند المالكية:
أحدهما: في معنى المزابنة، وذلك شراء الزرع الذي استحصد بحب من جنسه.
والثاني: كراء الأرض بما يخرج منها، وقد جاء في حديث أبي سعيد عند مسلم، والموطأ النهي عن المحاقلة، وفيه والمحاقلة كراء الأرض زاد مالك بالحنطة، قالوا: وفي معنى كراء الأرض بالحنطة كراؤها بجميع أنواع الطعام، سواء كان مما يخرج منها، أو من سائر صنوف الطعام (١).
(ح-٩٢٩) وقد روى مسلم بسنده عن ابن المسيب مرسلًا،
أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة: ثمر النخيل بالتمر، والمحاقلة: أن يباع الزرع بالقمح، واستكراء الأرض بالقمح (٢).
فذكر ابن المسيب التفسيرين معًا في تعريف المحاقلة.
والقولان في المحاقلة قيلا في تفسير المخابرة:
أحدهما: أن المخابرة هي كراء الأرض ببعض ما تخرجه مما يزرع فيها (٣).
وقيل: المخابرة هي على معنى المزابنة: بيع الزرع قائمًا بالحب من صنفه (٤).
стр. 7249
ونوقش هذا:
لم يرض الجمهور تفسير الإمام مالك المحاقلة بأنه كراء الأرض بالحنطة، وإنما فسروها كما فسرها جابر عند مسلم، المحاقلة في الزرع: بيع الزرع القائم بالحب كيلًا (١). أو هو بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية ومالك لا يمانع من أن هذا يطلق عليه محاقلة، ولكن لا يقصر المحاقلة على ذلك، بل يشمل هذا ويشمل كراء الأرض بالحنطة، كما ورد في حديث أبي سعيد عند مسلم والموطأ، ومرسل سعيد بن المسيب (٢).
وأجاب ابن قدامة عن حديث أبي سعيد بقوله:: «حديث أبي سعيد يحتمل المنع من كرائها بالحنطة إذا اكتراها لزرع الحنطة» (٣).
ولو سلم أن كراء الأرض بالحنطة من قبيل المحاقلة، فإن مالكًا يمنع كراء الأرض بالسمن والعسل واللحم، وليس في ذلك محاقلة.
الدليل الثاني:
(ح-٩٣٠) ما رواه مسلم من طريق يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار.
عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث، والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال:
стр. 7250
نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض، فنكريها على الثلث، والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها، أو يزرعها وكره كراءها وما سوى ذلك (١).
قال ابن رشد: «وعمدة من أجاز كراءها بكل شيء ما عدا الطعام ..... حديث يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث، ولا ربع، ولا بطعام معين، قالوا: وهذا هو معنى المحاقلة التي نهى رسول الله ﷺ عنها، وذكروا حديث سعيد بن المسيب مرفوعًا، وفيه: والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة .... » (٢).
وقد أجبنا على هذه الأحاديث في حكم المساقاة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
القول الثالث:
وقيل: يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وعليه جماهير الأصحاب (٣).
قال في الكافي: «وظاهر كلام أحمد ﵁ أنه يشترط كون البذر من رب الأرض؛ لأنه عقد يشترك رب المال والعامل في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال من رب المال كالمساقاة والمضاربة، فإن شرطه على العامل، أو شرط أن