وهذا مذهب المالكية (١).
واستدل المالكية على ذلك بأدلة، منها:
الدليل الأول:
استدل المالكية بأن البذر إذا كان في مقابل الأرض فإن ذلك لا يصح لنهي النبي ﷺ عن المحاقلة والمخابرة.
جاء في جامع التحصيل «قال ابن القاسم: قال مالك: من دفع أرضه إلى رجل يزرعها على أن ما أخرج إليه فيها من الزرع بين الزارع وبين صاحب الأرض فإن الزرع كله للذي زرعه، ويغرم الزارع لصاحب الأرض كراء أرضه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، ولا اختلاف في المذهب في أن ذلك لا يجوز؛ لنهي النبي ﷺ عن المحاقلة والمخابرة» (٢).
جاء في المنتقى: «قال ابن حبيب: قال مالك: فيما نهي عنه من المحاقلة: هو اكتراء الأرض بالحنطة.
стр. 7247
ووجه ذلك من جهة المعنى: أنه منفعة الأرض التي اكتريت لها، وهي المنفعة المقصودة منها إنما هو الطعام الخارج، فإذا اكتراها منه بطعام فهو طعام بطعام غير مقبوض ولا مقدر» (١).
(ح-٩٢٤) وقد روى الشيخان من طريق ابن جريج، عن عطاء،
سمع جابر بن عبد الله ﵄، نهى النبي ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه .... الحديث (٢).
(ح-٩٢٥) وروى الشيخان النهي عن المحاقلة من حديث أبي سعيد الخدري (٣).
وفي رواية مسلم زيادة: والمحاقلة: كراء الأرض.
وفي رواية مالك في الموطأ: والمحاقلة: كراء الأرض بالحنطة.
(ح-٩٢٦) وروى الإمام البخاري بإسناده عن ابن عباس ﵄، قال: نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة (٤).
(ح-٩٢٧) وروى البخاري أيضًا بإسناده عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة .... الحديث (٥).
(ح-٩٢٨) وروى مسلم النهي من مسند أبي هريرة، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عنه به (٦).
стр. 7248
وجه الاستدلال:
جاء في الأحاديث السابقة النهي عن المحاقلة والمخابرة. والمحاقلة لها تفسيران عند المالكية:
أحدهما: في معنى المزابنة، وذلك شراء الزرع الذي استحصد بحب من جنسه.
والثاني: كراء الأرض بما يخرج منها، وقد جاء في حديث أبي سعيد عند مسلم، والموطأ النهي عن المحاقلة، وفيه والمحاقلة كراء الأرض زاد مالك بالحنطة، قالوا: وفي معنى كراء الأرض بالحنطة كراؤها بجميع أنواع الطعام، سواء كان مما يخرج منها، أو من سائر صنوف الطعام (١).
(ح-٩٢٩) وقد روى مسلم بسنده عن ابن المسيب مرسلًا،
أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة: ثمر النخيل بالتمر، والمحاقلة: أن يباع الزرع بالقمح، واستكراء الأرض بالقمح (٢).
فذكر ابن المسيب التفسيرين معًا في تعريف المحاقلة.
والقولان في المحاقلة قيلا في تفسير المخابرة:
أحدهما: أن المخابرة هي كراء الأرض ببعض ما تخرجه مما يزرع فيها (٣).
وقيل: المخابرة هي على معنى المزابنة: بيع الزرع قائمًا بالحب من صنفه (٤).
стр. 7249
ونوقش هذا:
لم يرض الجمهور تفسير الإمام مالك المحاقلة بأنه كراء الأرض بالحنطة، وإنما فسروها كما فسرها جابر عند مسلم، المحاقلة في الزرع: بيع الزرع القائم بالحب كيلًا (١). أو هو بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية ومالك لا يمانع من أن هذا يطلق عليه محاقلة، ولكن لا يقصر المحاقلة على ذلك، بل يشمل هذا ويشمل كراء الأرض بالحنطة، كما ورد في حديث أبي سعيد عند مسلم والموطأ، ومرسل سعيد بن المسيب (٢).
وأجاب ابن قدامة عن حديث أبي سعيد بقوله:: «حديث أبي سعيد يحتمل المنع من كرائها بالحنطة إذا اكتراها لزرع الحنطة» (٣).
ولو سلم أن كراء الأرض بالحنطة من قبيل المحاقلة، فإن مالكًا يمنع كراء الأرض بالسمن والعسل واللحم، وليس في ذلك محاقلة.
الدليل الثاني:
(ح-٩٣٠) ما رواه مسلم من طريق يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار.
عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث، والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال:
стр. 7250
نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض، فنكريها على الثلث، والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها، أو يزرعها وكره كراءها وما سوى ذلك (١).
قال ابن رشد: «وعمدة من أجاز كراءها بكل شيء ما عدا الطعام ..... حديث يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث، ولا ربع، ولا بطعام معين، قالوا: وهذا هو معنى المحاقلة التي نهى رسول الله ﷺ عنها، وذكروا حديث سعيد بن المسيب مرفوعًا، وفيه: والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة .... » (٢).
وقد أجبنا على هذه الأحاديث في حكم المساقاة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
القول الثالث:
وقيل: يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وعليه جماهير الأصحاب (٣).
قال في الكافي: «وظاهر كلام أحمد ﵁ أنه يشترط كون البذر من رب الأرض؛ لأنه عقد يشترك رب المال والعامل في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال من رب المال كالمساقاة والمضاربة، فإن شرطه على العامل، أو شرط أن
стр. 7251
يأخذ رب الأرض مثل بذره، ويقتسما ما بقي فسدت المزاعة، ومتى فسدت المزارعة فالزرع لصاحب البذر؛ لأنه عين ماله، ولصاحبه عليه أجرة مثله» (١).
ويناقش:
قال ابن تيمية: «وأما من قال: يشترط أن يكون البذر من المالك فليس معهم بذلك حجة شرعية، ولا أثر عن الصحابة، ولكنهم قاسوا ذلك على المضاربة، قالوا: كما أنه في المضاربة يكون العمل من شخص، والمال من شخص، فكذلك المساقاة والمزارعة يكون العمل من واحد، والمال من واحد، والبذر من رب المال. وهذا قياس فاسد؛ لأن المال يرجع في المضاربة إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فنظيره الأرض أو الشجر يعود إلى صاحبه، ويقتسمان الثمر والزرع، وأما البذر فإنهم لا يعيدونه إلى صاحبه، بل يذهب بلا بدل، كما يذهب عمل العامل وعمل بقره بلا بدل، فكان من جنس النفع، لا من جنس المال، وكان اشتراط كونه من العامل أقرب في القياس مع موافقة هذا المنقول عن الصحابة ﵃، فإن منهم من كان يزارع، والبذر من العامل، وكان عمر ﵁ يزارع على أنه إن كان البذر من المالك فله كذا، وإن كان من العامل فله كذا. ذكره البخاري. وهذا هو الصواب» (٢).
وقال أيضًا: «ومن اشترط أن يكون البذر من المالك، ولا يعود فيه، فقوله في غاية الفساد؛ فإنه لو كان كرأس المال لوجب أن يرجع في نظيره كما يقول ذلك في المضاربة» (٣).
стр. 7252
القول الرابع:
يجوز أن يكون البذر من أحدهما، وهذا القول رواية في مذهب الإمام أحمد، واختاره ابن قدامة وابن تيمية، وقال في الإنصاف: هو الأقوى دليلًا (١).
وهل يصح أن يكون البذر منهما، روايتان في مذهب الإمام أحمد، أحدهما: الصحة. والمشهور عند المتأخرين الفساد (٢).
قال ابن قدامة: «وأيهما أخرج البذر جاز؛ لأن النبي ﷺ دفع خيبر معاملة، ولم يذكر البذر، وفي ترك ذكره دليل على جوازه من أيهما كان، وفي بعض لفظ الحديث ما يدل على أنه جعل البذر عليهم، لقول ابن عمر ﵄: دفع رسول الله ﷺ نخل خيبر وأرضها إليهم على أن يعمولها من أموالهم. رواه مسلم (٣).
وفي لفظ: على أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها (٤)» (٥).
وقال أيضًا: «فإن كان البذر منهما نصفين وشرطا أن الزرع بينهما نصفان فهو بينهما سواء قلنا بصحة المزارعة أو فسادها; لأنها إن كانت صحيحة فالزرع بينهما على ما شرطاه وإن كانت فاسدة، فلكل واحد منهما بقدر بذره لكن إن حكمنا بصحتها لم يرجع أحدهما على صاحبه بشيء.
стр. 7253
وإن قلنا: من شرط صحتها إخراج رب المال البذر. فهي فاسدة فعلى العامل نصف أجر الأرض وله على رب الأرض نصف أجر عمله فيتقاصان بقدر الأقل منهما ويرجع أحدهما على صاحبه بالفضل، وإن شرطا التفاضل في الزرع وقلنا بصحتها فالزرع بينهما على ما شرطاه ولا تراجع بينهما. وإن قلنا بفسادها فالزرع بينهما على قدر بذرهما ويتراجعان كما ذكرنا. وكذلك إن تفاضلا في البذر وشرطا التساوي في الزرع أو شرطا لأحدهما أكثر من قدر بذره، أو أقل» (١).
الراجح:
جواز أن يكون البذر من أحدهما، أو البذر من كليهما، والبذر يجري مجرى المنافع التي لا يرجع بمثلها، ومن قال: إن البذر يجب أن يكون من رب الأرض قياسًا على مال المضاربة فقد غلط؛ لأن البذر لا يعود إلى صاحبه كما في مال المضاربة، وإنما الذي يعود هو الأرض في المزارعة، والشجر والأرض في المساقاة، والله أعلم.
* * *
стр. 7254
الشرط الخامس
في اشتراط خلط البذر من العاقدين
[م-١٤٥٠] إذا اشترك صاحب الأرض والعامل بالبذر، فهل من شرط الصحة أن يخلطاه حتى لا يتميز، تكلم على هذه المسألة المالكية، ولهم فيها قولان:
الأول: ذهب مالك وابن القاسم إلى صحة الشركة وإن لم يخلطاه، بل تصح، ولو زرع أحدهما في ناحية، والآخر في ناحية، وكان زرع أحدهما متميزًا عن الآخر. وهو أيضًا أصلهما في الشركة في الدراهم والدنانير. وهذا أحد قولي سحنون (١).
قال في الشرح الصغير: «مذهب مالك وابن القاسم أنه لا يشترط خلط البذرين حقيقة ولا حكما، بل إذا خرج كل منهما ببذره، وبذره في جهة، فالشركة صحيحة وهو الراجح الذي به الفتوى وليس لابن القاسم قول باشتراطه خلافًا لما في بعض الشراح وإنما القولان لسحنون وقوله باشتراطه ضعيف لا يعول عليه، فكان على الشيخ تركه» (٢).
واختار سحنون في القول الآخر بأن لابد من خلطهما في المزارعة إما حقيقة وهو معروف، أو حكما بأن يخرجا البذر معًا، ويبذراه بدون تميز لأحدهما عن الآخر، فإن تميز بذر أحدهما من الآخر، بأن زرع هذا في فدان، أو في بعضه، وزرع الآخر في الناحية الأخرى فإن الشركة لا تنعقد، ولكل واحد منهما ما أنبت حبه، ويتراجعان في فضل الأكرية، ويتقاصان (٣).
стр. 7255
فإن قيل: لم كان الخلط من شروط الصحة في شركة الزرع، دون شركة الأموال، وما الفرق بينهما؟
أجاب بعض المالكية بأن شركة الزرع لما كانت تشبه الإجارة، وكان البذر فيها معينًا، أشبه الأجرة المعينة، وهي لا بد من تعجيلها في الجملة، فطلب هذا الخلط؛ لأنه بمثابة التعجيل (١).
* * *
стр. 7256
الشرط السادس
في تماثل البذرين جنسا
[م-١٤٥١] اشترط المالكية في أحد القولين تماثل البذرين، فإن أخرج أحدهما قمحًا، والآخر شعيرًا، أو سلتًا، أو صنفين من القطنية، فقال سحنون: لكل واحد ما أنبته بذره، ويتراجعان في الأكرية.
قال القرافي: «قال سحنون: لا يخرج أحدهما قمحًا، والآخر شعيرًا، أو صنفًا آخر؛ لأن التساوي في المخرج صفة ومقدارًا شرط، فإن نزل فلكل واحد ما أنبت بذره، ويتراجعان في الأكرية. وعنه جواز ذلك إذا استوت القيم» (١).
وقال بعض القرويين: من لم يجز الشركة بالدنانير والدراهم لم يجز المزارعة بطعامين مختلفين، ولو اعتدلت قيمتهما؛ لعدم حصول المناجزة لبقاء يد كل واحد على طعامه، ولكل واحد ما أنبته طعامه، ولا يكون التمكين قبضًا كالشركة الفاسدة بالعروض لا يضمن كل واحد سلعة صاحبه، وإنما يشتركان بأثمان السلع التي وقعت الشركة فيها فاسدة (٢).
وبعض المالكية لم يشترط تماثل البذرين (٣).
قلت: وهو الصواب، فلا يوجد دليل على تماثل البذرين، ولعل اشتراط تماثل البذرين راجع أيضًا مع ما سبق الإشارة إليه إلى اشتراط خلط البذر منهما، فمن رأى اشتراط الخلط اشترط التماثل حيث لا يمكن الخلط بين جنسين مختلفين، ومن لم يشترط الخلط فلا حاجة إلى اشتراط التماثل، والله أعلم.
* * *
стр. 7257
الشرط السابع
في اشتراط تعيين رب البذر
[م-١٤٥٢] هل يشترط تعيين رب البذر في عقد المزارعة؟
وللجواب على ذلك يقال: من قال: إن البذر يجب أن يكون من رب الأرض كالمشهور من مذهب الحنابلة فلا حاجة إلى تعيين رب البذر؛ لأنه معلوم.
وأما من جوز أن يكون البذر من رب الأرض أو من العامل كالحنفية فإنه يشترط تعيين رب البذر قطعًا للنزاع، وإعلامًا للمعقود عليه: وهو منافع الأرض، أو منافع العامل؛ لأن البذر إن كان من رب الأرض فالمعقود عليه هو العامل فهو أجير ليعمل في الأرض ببعض الخارج، وإن كان البذر من العامل فالمعقود عليه هي الأرض فهي مستأجرة ببعض الخارج.
وعن أئمة بلخ أنه إن كان هناك عرف ظاهر في تلك النواحي أن البذر على من يكون لا يشترط البيان (١).
وكذا يشترط بيان من عليه البذر عند المالكية؛ لأنهم يمنعون كراء الأرض في مقابل البذر حتى لا يقعون في كراء الأرض ببعض ما يخرج منها. وسبق تحرير مذهب المالكية في مسألة سابقة.
* * *
стр. 7258
الشرط الثامن
كون الخارج في المزارعة مشتركا بين الزارعين
[م-١٤٥٣] اختلف الفقهاء في اشتراط كون الخارج في المزارعة مشتركًا بين المالك والزارع على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى اشتراط أن يكون الخارج مشتركًا بين صاحب الأرض والمزارع؛ فإن اشترط أن يكون الخارج من الأرض لأحدهما فسد العقد؛ لأن معنى الشركة لازم لهذا العقد، وكل شرط يكون قاطعًا للشركة يكون مفسدًا للعقد (١).
جاء في كشاف القناع: «وإن شرط للعامل كل الثمرة فسدت أيضًا، وله أجرة مثله» (٢).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى التفريق بين أن يكون ذلك قبل لزوم العقد أو بعده فإن زارعه على أن الربح كله له قبل لزوم العقد لم يصح؛ لأن من شرط صحة المزارعة عندهم التساوي في الربح، كلٌّ بقدر ما أخرج. وإن كان ذلك بعد لزوم العقد صح؛ لأنه من قبيل التبرع (٣).
стр. 7259
جاء في حاشية الدسوقي: «فإن كان المُخْرَج منهما متساويًا فلا بد أن يكون الربح مناصفة، وإن كان الخارج من أحدهما أكثر من الخارج من الآخر فلا بد أن يكون له من الربح بقدر ما أخرج» (١).
قال في الشرح الكبير: «إلا لتبرع من أحدهما للآخر بشيء من الربح من غير وعد ولا عادة بعد لزوم العقد» (٢).
قال الدسوقي تعليقًا: «لأن التبرع لا يكون إلا بعد العقد، إذا ما كان فيه (يعني في العقد) لم يكن تبرعًا، ولو صرحوا بأنه تبرع؛ لأنه حينئذ مدخول عليه فهو مشترط» (٣).
وجاء في جامع الأمهات: «وأما لو تبرع أحدهما بعد العقد فجائز من غير شرط ولا عادة» (٤).
* * *
стр. 7260
الشرط التاسع
في اشتراط التخلية بين الأرض وبين العامل
[م-١٤٥٤] اشترط الحنفية لصحة المزارعة التخلية بين الأرض وبين العامل، حتى إذا شرط في العقد عمل رب الأرض مع العامل فسد العقد (١).
قال الزيلعي: «إذا شرط في العقد ما تفوت به التخلية، وهو عمل رب الأرض مع العامل لا يصح» (٢).
وجاء في الفتاوى الهندية: «ومنها أن تكون الأرض مسلمة إلى العاقد مخلاة: وهو أن يوجد من صاحب الأرض التخلية بين الأرض والعامل حتى لو شرط العمل على رب الأرض لا تصح المزارعة؛ لانعدام التخلية» (٣).
وقال ابن قدامة: «وإن ساقى أحدهما شريكه على أن يعملا معًا، فالمساقاة فاسدة، والثمرة بينهما على قدر ملكيهما، ويتقاصان العمل إن تساويا فيه» (٤).
وإذا كان هذا في المساقاة فالمزارعة مثلها في الحكم؛ لأنها تقوم على حاجة كل منهما إلى السقي.
وهذه المسألة لها علاقة بمسألة سبق بحثها في عقد المساقاة، وهو إذا اشترط العامل على رب المال ما يلزمه فهل يصح العقد؟
وفيها خلاف، والجمهور على أنه لا يصح، واستثنى بعضهم الجذاذ، وخرج
стр. 7261
بعضهم قولًا بالصحة في مذهب الإمام أحمد، فارجع إلى المسألة في باب المساقاة لأهميتها.
وقال ابن قدامة: «إن شرط ما لا يفضي إلى جهالة الربح، كعمل رب المال معه .... فهل تفسد المساقاة والمزارعة؟ يخرج على روايتين بناء على الشروط الفاسدة في البيع والمضاربة» (١).
فهذا نص من ابن قدامة على أن الخلاف في المسألة محفوظ، والله أعلم.
وصحح المالكية والحنابلة صحة المشاركة في العمل إذا اشتركوا في الأرض وتساووا في كل شيء، وحكى ابن قدامة الإجماع على جوازه.
فقد ذكر المالكية من صور المزارعة الجائزة أن يتساوى الشريكان في جميع ما أخرجاه من عمل وبذر وآلة ونفقة وأرض كأن تكون الأرض بينهما بكراء أو ملك (٢).
وقال ابن قدامة: «ولو كانت الأرض لثلاثة، فاشتركوا على أن يزرعوها ببذرهم، ودوابهم، وأعوانهم، على أن ما أخرج الله بينهم على قدر مالهم فهو جائز، وبهذا قال مالك والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأن أحدهم لا يفضل صاحبيه بشيء» (٣).
ولعل هذه شركة عنان، وليست من المزارعة في شيء.
* * *
стр. 7262
الشرط العاشر
أن يكون نصيب العامل جزءًا مشاعًا
[م-١٤٥٥] يشترط أن يكون نصيب العامل بالنسبة كالربع والثلث، فإن شرطا لأحدهما آصعًا مسماة، أو دراهم، أو أن يختص رب البذر بمثل بذره فسد العقد. وهذا بالإجماع (١).
قال في البحر الرائق: «لو شرط لأحدهما قفيزًا مسماة فسدت؛ لأنه يؤدي إلى قطع الشركة في البعض المسمى، أو في الكل، أو لم تخرج الأرض أكثر من ذلك، وكذا إذا شرط أن يدفع قدر بذره لما ذكرنا» (٢).
قال ابن قدامة: «وإن زارعه على أن لرب الأرض زرعًا بعينه، وللعامل زرعًا بعينه، مثل أن يشترط لأحدهما زرع ناحية، وللآخر زرع أخرى، أو يشترط أحدهما ما على السواقي والجدوال، إما منفردًا، أو مع نصيبه، فهو فاسد بإجماع العلماء؛ لأن الخبر صحيح في النهي عنه، غير معارض، ولا منسوخ، ولأنه يؤدي إلى تلف ما عين لأحدهما دون الآخر، فينفرد أحدهما بالغلة دون صاحبه» (٣).
стр. 7263
الشرط الحادي عشر
في اشتراط بيان نصيب من لا بذر منه
[م-١٤٥٦] ذهب الحنفية في القياس بأنه يشترط بيان نصيب من لا بذر منه لصحة المزارعة، وأما بيان نصيب صاحب البذر فلا يلزم إذا بين نصيب صاحبه.
وعللوا ذلك: بأن نصيب من لا بذر منه يأخذه أجرًا لعمله، أو لأرضه، فاشترط بيانه إعلامًا بالأجر.
وأما نصيب رب البذر فإنه يستحقه بحكم أنه نماء ملكه، لا بطريق الأجر فلم يشترط بيانه (١).
وذهب الحنابلة بأنه إذا بين نصيب أحدهما لزم أن يكون الباقي للآخر، وهو الصحيح، كما علم نصيب الأب من قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فكان الباقي نصيب الأب (٢).
* * *
стр. 7264
الباب الرابع
في أحكام المساقاة
الفصل الأول
في أحكام المساقاة
المبحث الأول
فيما يلزم العامل في عقدي المساقاة والمزارعة
[م-١٤٥٧] تكلم الفقهاء فيما يجب على العامل، وما يجب على المالك في عقدي المساقاة والمزارعة، فكان تقريرهم على النحو التالي:
الأول: مذهب الحنفية:
تكلم الحنفية فيما يلزم العامل وما يلزم المالك، وما يلزم كل واحد منهما:
فما قبل الإدراك كسقي، وتلقيح، وحفظ للثمار بالليل والنهار فعلى العامل حتى يطيب الثمر؛ لأن عقد المعاملة قائم بينهما ما لم يدرك الثمر، والحفظ من الأعمال التي تستحق على العامل بعقد المعاملة.
وما بعد الإدراك كجذاذ، وحصاد، وحفظ فعليهما على سبيل الاشتراك، لأن العقد قد انتهى بإدراك الثمر، وبقي الثمر مشتركًا بينهما، فكان الحفظ بعد ذلك والجذاذ عليهما بقدر ملكيهما، ولو شرط على العامل فسدت اتفاقًا عندهم.
وما بعد القسمة كالحمل إلى البيت، والطحن، وأشباههما ـ فهذه ليست من أعمال المساقاة ـ فعليهما، لكن فيما هو قبل القسمة على سبيل الاشتراك،
стр. 7265
وفيما هو بعدها على كل واحد منهما في نصيبه خاصة؛ لتميز ملك كل واحد منهما عن ملك الآخر (١). هذا ملخص مذهب الحنفية
الثاني: مذهب المالكية .
قال ابن جزي: «العمل بالحائط على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يتعلق بالثمرة فلا يلزم العامل بالعقد، ولا يجوز أن يشترط عليه.
الثاني: ما يتعلق بالثمرة، ويبقى بعدها كإنشاء حفر بئر، أو عين، أو ساقية، أو بناء بيت يخزن فيه التمر، أو غرس، فلا يلزمه أيضًا، ولا يجوز أن يشترط عليه.
الثالث: ما يتعلق بالثمرة، ولا يبقى فهو عليه بالعقد، كالحفر، والزبر، والتقليم، والسقي، والتذكير، والجذاذ، وشبه ذلك» (٢).
وقال ابن رشد الجد: «وعمل الحائط على وجهين: فمنه ما يتعلق بإصلاح الثمرة، ومنه ما لا يتعلق بإصلاحها.
فأما ما لا يتعلق بإصلاح الثمرة، فلا تجب على المساقي، ولا يصح أن يشترط عليه ذلك إلا الشيء اليسير كما تقدم (٣).
стр. 7266
وأما ما يتعلق بإصلاح الثمرة، فإنه ينقسم على ضربين:
ضرب منه ينقطع بانقطاعها، ويبقى بعده الشيء اليسير.
وضرب منه يتأبد، ويبقى أثره.
فأما ما ينقطع بانقطاع الثمرة، ويبقى بعده الشيء اليسير، هذا الذي يلزم المساقي، ويجب له به العوض، وذلك مثل الحفر، والسقي، وزبر الكرم، وتقليم الأشجار، والتسريب، وإصلاح مواضع السقي، والتذكير، والجداد، وما أشبه ذلك.
وأما ما يتأبد، ويبقى بعد الثمرة، مثل إنشاء حفر بئر، أو إنشاء ظفيرة الماء، أو إنشاء غراس، أو بناء بيت تجنى فيه الثمرة كالجرين، وما أشبه ذلك، فلا يلزم العامل، ولا يجوز اشتراطه عليه عند المساقاة؛ لأنه إذا اشترط ذلك عليه فقد وقع له حصة من الثمن، وهو لو استأجره عليه على انفراده بجزء من الثمرة لم يجز؛ لأنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فكذلك إذا اشترطه عليه في المساقاة؛ لأن العوض قد حصل عليه في الموضعين» (١).
هذا ما يلزم العامل في المذهب المالكي على وجه الإجمال، وأما على وجه التفصيل: قال في الشرح الكبير: «(وعمل العامل) وجوبًا (جميع ما يفتقر)
стр. 7267
الحائط (إليه) (عرفًا) ولو بقي بعد مدة المساقاة (كإبار) وهو تعليق طلع الذكر على الأنثى (وتنقية) لمنافع الشجر (ودواب وأجراء) ..... أي يلزمه الإتيان بهما إن لم يكونا في الحائط ..... وعلى العامل إقامة الأدوات، كالدلاء، والمساحي، والأجراء والدواب (وأنفق) العامل على من في الحائط من رقيق وأجراء ودواب (وكسا) من يحتاج للكسوة سواء كان لرب الحائط، أو للعامل» (١).
وأما أجرة الأجراء فإن كانوا للمالك فعليه أجرتهم، وعلى العامل نفقتهم وكسوتهم، وكذلك لا يلزم العامل الإتيان ببديل لمن يموت أو يمرض من الدواب والعمال، وإن كان الأجراء من العامل لزمته أجرتهم ونفقتهم، ويلزم العامل على الأصح خلف ما بَلي من الحبال والدلاء، وما أشبه ذلك؛ لأنه دخل على أن ينتفع بها حتى تهلك.
قال الخرشي: «حكم الأجرة مخالف لحكم النفقة والكسوة، فإنه إنما يلزم العامل أجرة من استأجره هو، وأما من كان في الحائط عند عقد المساقاة فأجرته على ربه، وكذلك لا يلزم العامل أن يخلف ما مات أو مرض من الرقيق والدواب التي في الحائط يوم عقد المساقاة، وخلف ذلك على رب الحائط» (٢).
هذا هو مذهب المالكية إجمالًا وتفصيلًا (٣).
الثالث: مذهب الشافعية:
تفصيل مذهب الشافعية ليس ببعيد عن التفاصيل السابقة، ويقسمون العمل إلى أقسام:
стр. 7268
الأول: ما يعود نفعه على الثمرة دون الشجر.
وهذا ينقسم عندهم ثلاثة أقسام:
(أ) ـ قسم يجب عليه فعله من غير شرط، وهو كل ما لا تحصل الثمرة إلا به، كالتلقيح، والإبار.
(ب) ـ وقسم لا يجب عليه فعله إلا بالشرط، وهو كل ما فيه مستزاد للثمرة، وقد تصلح بعدمه، كتصريف الجريد، وتدلية الثمرة.
(ج) ـ وقسم مختلف فيه، وهو كل ما تكاملت الثمرة قبله، كاللقاط، والجداد، وفيه وجهان في مذهب الشافعية:
أحدهما: أنه لا يجب على العامل إلا بشرط لأن ذلك إنما يحتاج إليه بعد تكامل النماء في الثمرة.
الوجه الثاني: أنه واجب على العامل بغير شرط؛ لأن ذلك من مصلحة الثمرة، ولا تستغني عنه، وإن تكاملت قبله.
قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: وعلى العامل إصلاح الجرين، وحمل الثمرة إلى الجرين، وتجفيفها إن كانت مما يجفف؛ لأن ذلك من مصلحة الثمرة.
وأما حفظ الثمرة على النخل وفي الجرين، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول الشيخ أبي حامد، والمسعودي أنه لا يجب على العامل، وهو المنصوص.
الوجه الثاني: وهو قول ابن الصباغ والصيرمي: أن ذلك يجب على العامل.
стр. 7269
الثاني: ما يعود نفعه على الأصل دون الثمرة.
وذلك مثل سد الحظار: وهي الحيطان التي تكون حول البستان ليمنع من الدخول إليها، وكذلك حفر الآبار وكري الأنهار، وشق السواقي،، فإن هذه الأشياء يحتاج إليها لحفظ الأصل، فلا يجوز اشتراط شيء من ذلك على العامل، فإن شرط شيء من ذلك على العامل فالمساقاة فاسدة، وقال بعض الشافعية: يبطل الشرط، وتصح المساقاة.
الثالث: ما يعود نفعه على الأصل والثمرة معًا.
كالسقي، وقطع الحشيش المضر بالنخل ونحو ذلك، وهذا على ضربين:
الأول: ما لا تصلح الثمرة إلا به، كالسقي فيما لا يشرب بعروقه، فهذا على العامل.
الثاني: ما تصلح الثمرة بدونه كقطع الحشيش المضر بالنخل، فهذا فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه واجب على العامل بنفس العقد.
الثاني: أنه واجب على رب النخل، واشتراطه على العامل مبطل للعقد؛ لأنه بصلاح الأصل أخص منه بصلاح الثمرة.
الثالث: أنه يجوز اشتراطه على العامل لما فيه من زيادة الثمرة، ويجوز اشتراطه على رب النخل لما فيه من صلاح النخل، فلم يتناف الشرطان فيه. فإن شرطه على العامل لزمه، وإن شرط على رب النخل لزمه، وإن أهمل لم يلزم واحدًا منهما؛ أما العامل فلأنه لا يلزمه إلا ما كان من موجبات العقد، أو من شروطه، وأما رب النخل فلأنه لا يجبر على تثمير ماله.
стр. 7270
أما الدولاب والبقر التي يدار عليها، والكش الذي يلقح به، فقيل: هذا على رب النخل؛ لأن هذه الأشياء يحتاج إليها لحفظ الأصل.
واختار القاضي أبو الطيب في المجرد أن ذلك على من شرط عليه.
هذا هو تفصيل مذهب الشافعية فيما يلزم العامل، وما لا يلزمه (١).
الرابع: مذهب الحنابلة .
قال ابن قدامة: «ويلزم العامل بإطلاق عقد المساقاة ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها مثل حرث الأرض تحت الشجر والبقر التي تحرث وآلة الحرث وسقي الشجر واستقاء الماء وإصلاح طرق الماء وتنقيتها وقطع الحشيش المضر، والشوك وقطع الشجر اليابس وزبار الكرم وقطع ما يحتاج إلى قطعه وتسوية الثمرة وإصلاح الأجاجين: وهي الحفر التي يجتمع فيها الماء على أصول النخل وإدارة الدولاب والحفظ للثمر في الشجر وبعده حتى يقسم وإن كان مما يشمس فعليه تشميسه.
وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل كسد الحيطان وإنشاء الأنهار وعمل الدولاب وحفر بئره وشراء ما يلقح به، وعبر بعض أهل العلم عن هذا بعبارة أخرى فقال: كل ما يتكرر كل عام فهو على العامل وما لا يتكرر فهو على رب المال. وهذا صحيح في العمل، فأما شراء ما يلقح به فهو على رب المال وإن تكرر; لأن هذا ليس من العمل.
فأما البقرة التي تدير الدولاب فقال أصحابنا: هي على رب المال; لأنها ليست من العمل فأشبهت ما يلقح به. والأولى أنها على العامل; لأنها تراد
стр. 7271
للعمل فأشبهت بقر الحرث ولأن استقاء الماء على العامل إذا لم يحتج إلى بهيمة فكان عليه وإن احتاج إلى بهيمة كغيره من الأعمال» (١).
وجاء في كشاف القناع: «ويلزم العامل في مساقاة ومزارعة ما فيه صلاح الثمرة والزرع وزيادتهما من السقي ... والاستقاء ... والحرث، وآلته، وبقره، والزبال» (٢).
بهذا نكون قد عرضنا مذاهب الأئمة وما بينها من اختلاف فيما يجب على العامل، والذي أجمعوا عليه أنه يلزم العامل هو السقي والتلقيح.
قال ابن رشد: «العلماء بالجملة أجمعوا على أن الذي يجب على العامل هو السقي والإبار ... » (٣).
والسقي على العامل سواء كان ذلك بماء حاصل لا يحتاج إلى حفر بئر ولا إدارة دولاب، أو كان الشجر يحتاج إلى الاستقاء، وهو إخراج الماء من بئر ونحوها. وليس على العامل حفر البئر، أو تحصيل الماء بنحو شراء ونحوه فهذا على المالك. هذا مما لم يختلف فيه الفقهاء.
واختلفوا فيما دون ذلك، فمن ذلك:
[م-١٤٥٨] المسألة الأولى: الحفظ.
فالحفظ منه ما هو على المالك باتفاق، ومنه ما هو محل خلاف:
فحفظ الأصل على المالك يكاد لا يختلفون في ذلك (٤).
стр. 7272
وأما حفظ الثمار فلهم في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: قيل: الحفظ لا يجب على العامل مطلقًا، وهو وجه في مذهب الشافعية، وهو المنصوص.
وقيل: يجب على العامل مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة.
وقيل: حفظ الثمار قبل أن تطيب على العامل، وبعد الإدراك عليهما جميعًا، وهو مذهب الحنفية، وقد سبق ذكر التعليل عند عرض أقوال المذاهب.
المسألة الثانية: اختلفوا في الحصاد والدراس والجداد.
فقيل عليهما، وهو مذهب الحنفية؛ لأن عقد المساقاة قد انتهى بإدراك الثمر، وبقي الثمر مشتركًا بينهما، فكان الجذاذ عليهما بقدر ملكيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
جاء في الكافي لابن قدامة: «وعنه أن الجذاذ عليهما؛ لأنه يوجد بعد تكامل النماء» (٢).
وقيل: على العامل، وهو مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية؛ لأن ذلك من مصلحة الثمرة، ولا تستغني عنه، وإن تكاملت قبله.
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن أخذت حائطًا مساقاة، على من جذاذ الثمرة في قول مالك؟ قال: على العامل» (٣).
стр. 7273
وقيل: على المالك وحده، إلا أن يشترط على العامل، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية؛ لأن ذلك إنما يحتاج إليه بعد تكامل النماء في الثمرة، وانتهاء عقد المساقاة.
قال الشيرازي: «واختلف أصحابنا في الجذاذ واللقاط، فمنهم من قال: لا يلزم العامل ذلك؛ لأن ذلك يحتاج إليه بعد تكامل النماء. ومنهم من قال: يلزمه؛ لأنه لا تستغني عنه الثمرة» (١).
المسألة الثالثة: اختلفوا فيما إذا شرط الجذاذ على أحدهما:
فقيل: لا يصح اشتراط الجذاذ على العامل، وهذا مذهب الحنفية، فإن شرط فسدت المساقاة.
جاء في الفتاوى الهندية: «وأما الشرائط المفسدة فأنواع ..... منها شرط الجذاذ والقطاف على العامل بلا خلاف» (٢)، يعني في المذهب.
وقيل: يصح اشتراط الجذاذ على أحدهما، وهذا مذهب المالكية والحنابلة واختيار أبي يوسف من الحنفية.
جاء في المدونة: «أرأيت المساقي إذا اشترط على رب النخل التلقيح أيجوز أم لا؟ قال: نعم وهو قول مالك. قلت: فإن لم يشترطه فعلى من يكون التلقيح؟ قال: التلقيح على العامل ; لأن مالكا قال: جميع عمل الحائط على العامل» (٣).
وجاء في الاستذكار: «وإن اشترط المساقي على رب المال جذاذ الثمر،
стр. 7274
وعصر الزيتون جاز، وإن لم يشترطه فهو على العامل، ومن اشترط عليه منهما جاز» (١).
وقال في الإنصاف: «لو شرط على أحدهما ما يلزم الآخر لم يجز، وفسد الشرط على الصحيح من المذهب إلا في الجداد .... اختاره القاضي، وأبو الخطاب، وغيرهما (٢).
وقال ابن قدامة: «روي عن أحمد .... أن الجذاذ عليهما، فإن شرطه على العامل جاز (٣).
وقال ابن الهمام في فتح القدير: «وعن أبي يوسف أنه يجوز إذا شرط ذلك على العامل ـ يعني الحصاد والجذاذ ـ اعتبارًا بالاستصناع، وهو اختيار مشايخ بلخ، قال شمس الأئمة السرخسي: هذا هو الأصح في ديارنا» (٤).
المسألة الرابعة: اختلفوا في آلات الحرث والدلاء والسقي، والبقر.
فقيل: على العامل؛ لأن هذه آلات العمل، وأسباب صلاح الثمرة، فتجب على العامل.
وقيل: على المالك؛ لأن ذلك لا يتكرر كل عام، ويحتاج إليه في حفظ الأصول.
وقيل: على العامل إلا أن تكون في الحائط عند العقد. وهذا مذهب المالكية، وسبق نقل النصوص عن كتب المذاهب.
стр. 7275
الخامسة: السماد على المالك، وتفريقه في الأرض على العامل قياسًا على التلقيح، حيث كان اللقاح على المالك، ووضعه في موضعه على العامل (١).
قال ابن قدامة: «فأما تسميد الأرض بالزبل إن احتاجت إليه فشراء ذلك على رب المال؛ لأنه ليس من العمل فجرى مجرى ما يلقح به، وتفريق ذلك في الأرض على العامل كالتلقيح» (٢).
وأرى أن المرجع فيما على العامل أو فيما على المالك يرجع إلى أمرين:
الأول: تحكيم العرف الجاري.
الثاني: أن الأصل فيما يرجع إلى صلاح الثمرة وحده أنه على العامل، وأن الأصل فيما يرجع إلى صلاح الأصل وحده أنه على المالك، وما يرجع إلى صلاحهما معًا، فإن كان يتكرر كل عام، فهو على العامل، وإن كان لا يتكرر فهو على المالك، والله أعلم.
* * *
стр. 7276
المبحث الثاني
المساقى أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط
المساقى أمين لا ضمان عليه فيما تلف بغير تعد.
إذن المالك بالتصرفات يسقط الضمان (١).
[م-١٤٥٩] المساقى أمين؛ لأنه يتصرف في المال بإذن صاحبه، فلا يضمن ما تلف إلا أن يكون هناك تعد أو تفريط، والقول قوله فيما يدعيه من هلاك؛ لأن رب المال ائتمنه بدفع ماله إليه كالمضارب. وهذا بالاتفاق.
قال الشيرازي: «والعامل أمين فيما يدعي من هلاك، وفيما يدعى عليه من خيانة؛ لأنه ائتمنه رب المال، فكان القول قوله» (٢).
وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «وعامل المساقاة أمين باتفاق الأصحاب» (٣).
فإذا ادعى المالك على العامل خيانة أو سرقة، فالقول قول العامل؛ لأنه أمين (٤).
فإن ثبتت خيانته بإقرار أو بينة، أو نكول كما لو حلف المدعي فنكل العامل، فقد اختلف العلماء في كون هذا سببًا يستحق به فسخ المساقاة إلى ثلاثة أقوال:
стр. 7277
القول الأول:
ذهب الحنفية أن هذا عذر تفسخ به المساقاة.
جاء في الهداية: «وتفسخ بالأعذار .... ومن جملتها أن يكون العامل سارقًا يخاف عليه سرقة السعف، والثمر قبل الإدراك؛ لأنه يلزم صاحب الأرض ضررًا لم يلتزمه، فتفسخ به» (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أنه يتحفظ منه إن خاف، وليس له أن يخرجه، ويفسخ العقد، فإن لم يقدر على التحفظ شكاه للحاكم ليجبره على أن يساقي أو يكري لأمين (٢).
جاء في المدونة: «أرأيت إن اكترى مني رجل دارًا، أو أخذ حائطي مساقاة، فإذا هو سارق مبرح، أخاف عليه أن يذهب بثمرة حائطي، أو يقطع جذوعي، أو يخرب داري، ويبيع أبوابها، أيكون لي أن أخرجه في قول مالك؟
قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، وأرى المساقاة والكراء لازمًا له، وليتحفظ منه إن خاف، وليس له أن يخرجه» (٣).
القول الثالث:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن للمالك أن يضم إليه من يشرف عليه إلى أن يتم العمل، ولا تزال يده؛ لأن العمل حق عليه، ويمكن استيفاؤه منه بهذا.
стр. 7278
وأجرة المشرف على العامل إن ثبتت خيانته، وإلا كان على المالك إن لم تثبت.
قال الغزالي: «إذا ادعى المالك عليه خيانة، أو سرقة، فالقول قوله، فإنه أمين، فإن أقام حجة نصب عليه مشرف إن أمكن أن يحفظ به، وألا تزال يده، ويستأجر عليه، ثم أجرة المشرف على العامل إن ثبتت خيانته بإقراره، أو ببينة، وإلا فعلى المالك» (١).
وقال ابن قدامة: «العامل أمين والقول قوله فيما يدعيه من هلاك وما يدعى عليه من خيانة; لأن رب المال ائتمنه بدفع ماله إليه فهو كالمضارب فإن اتهم حلف فإن ثبتت خيانته بإقرار، أو ببينة، أو نكوله ضم إليه من يشرف عليه فإن لم يمكن حفظه استؤجر من ماله من يعمل عمله. وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب مالك: لا يقام غيره مقامه بل يحفظ منه; لأن فسقه لا يمنع استيفاء المنافع المقصودة منه فأشبه ما لو فسق بغير الخيانة.
ولنا: أنه تعذر استيفاء المنافع المقصودة منه فاستوفيت بغيره كما لو هرب. ولا نسلم إمكان استيفاء المنافع منه; لأنه لا يؤمن منه تركها ولا يوثق منه بفعلها ولا نقول: إن له فسخ المساقاة وإنما لم يمكن حفظها من خيانتك أقم غيرك يعمل ذلك وارفع يدك عنها; لأن الأمانة قد تعذرت في حقك فلا يلزم رب المال ائتمانك، وفارق فسخه بغير الخيانة; فإنه لا ضرر على رب المال وها هنا يفوت ماله» (٢).
* * *
стр. 7279
المبحث الثالث
فيمن تجب عليه زكاة الحائط
وجوب الزكاة فرع عن ملك الثمرة.
[م-١٤٦٠] الزكاة واجبة في المال، والمال وقت وجوب الزكاة هل كان للمالك، وحده؟ أو كان العامل شريكًا للمالك في الثمرة؟ هذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى، متى يملك العامل الثمرة، هل يملكها بالظهور، أو بالقسمة؟
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يملك العامل الثمرة بالظهور، وعليه فالزكاة واجبة على العامل وعلى المالك كل بحسب نصيبه من الغلة بشرط أن يبلغ نصيب كل واحد منهما نصابًا.
ومن كان نصيبه أقل من نصاب فلا شيء عليه باعتبار أن الخلطة لا تؤثر في غير السائمة على الصحيح، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١).
جاء في روضة الطالبين: «ويملك العامل حصته من الثمرة بالظهور على المذهب. وقيل: قولان كالقراض» (٢).
وجاء في التنبيه: «ويملك العامل حصته من الثمرة بالظهور، وزكاته عليه. وقيل: فيها قولان: أحدهما هذا. والثاني: أنه لا يملك إلا بالتسليم» (٣).
стр. 7280
وجه القول بأن الثمرة تملك بالظهور:
أن الثمرة لما لم تكن وقاية لرأس المال كما في القراض ملكت بالظهور.
القول الثاني:
الزكاة لا تملك إلا بالقسمة، وعليه فالمال وقت وجوب الزكاة يملكه المالك، وهذا مذهب المالكية، ولهذا اشترطوا لوجوب الزكاة على المال أن يكون رب المال مسلمًا، فإن كان كافرًا لم تجب الزكاة عليه في حصته، ولا في حصة العامل، حتى لو كان العامل حرًا مسلمًا؛ لأن وقت وجوب الزكاة كانت الثمار على ملك صاحبها، وهو ليس من أهل الزكاة، ولا يملك العامل الثمرة إلا بعد بدو الصلاح، والزكاة قد وجبت في هذه الثمار قبل بدو الصلاح، وقبل قسمتها.
فإن كان رب المال مسلمًا وجبت الزكاة على المال، فيبدأ بها، ثم يكون ما بقي بينهما على شرطهما.
جاء في المدونة: «قلت: أيحل لرب النخل أن يشترط الزكاة على العامل في الحائط أو يشترط ذلك العامل على رب الحائط؟
قال: أما أن يشترطه رب الحائط على العامل فلا بأس به; لأنه إنما ساقاه على جزء معلوم، كأنه قال له: لك أربعة أجزاء ولي ستة. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم.
قلت: وإن اشترطه العامل على رب الحائط؟
قال: إن اشترط أن الصدقة في نصيب رب الحائط على أن للعامل خمسة أجزاء ولرب الحائط خمسة أجزاء وعلى أن الصدقة في جزء رب المال يخرجه من هذه الخمسة الأجزاء التي هي له فلا بأس بذلك. قال: وقال لي
стр. 7281
مالك في العامل: ما أخبرتك إذا اشترطه العامل على رب الحائط. وهذا عندي مثله إذا اشترطه في الثمرة بعينها.
قلت: فإن اشترطه في غير الثمرة في العروض أو الدراهم؟
قال: لا يحل شرطهما، وهو قول مالك.
قلت: أرأيت الزكاة في حصة من تكون؟ قال: يبدأ بالزكاة، فتخرج، ثم يكون ما بقي بينهما على شرطهما، وهذا قول مالك» (١).
القول الثالث:
ذهب بعض الحنابلة أن الغلة إذا بلغت نصابًا وجبت الزكاة عليهما وإن كان نصيب أحدهما لا يبلغ نصابًا باعتبار أن الخلطة مؤثرة في بلوغ النصاب، ولو لم يكن المال سائمة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
الراجح:
أن المال يملك بالظهور، والزكاة عليهما في نصيبهما إذا بلغ نصيب كل واحد منهما نصابًا، والله أعلم.
* * *
стр. 7282
المبحث الرابع
في نفقة عامل المساقاة
[م-١٤٦١] نفقة عامل المساقاة عليه، وليست على رب النخل، ولا يحق له أن يأكل من الثمرة شيئًا؛ لأنه مال مشترك.
جاء في المدونة: «أرأيت إن خرجت من المدينة أريد أن أعمل في الحائط الذي أخذته مساقاة، أين نفقتي، وعلى من هي؟ قال: عليك نفقتك، ولا يشبه هذا القراض؛ لأنه ليس من سنة العامل في الحائط أن تكون نفقته على رب الحائط» (١).
قلت: لم ينقل أن النبي ﷺ أعان أهل خيبر بشيء. قال ربيعة كما في المدونة: «لا يكون شيء من النفقة على رب العنب، وعلى ذلك كانت مساقاة الناس» (٢).
وقد قال مثله الليث وابن وهب (٣).
[م-١٤٦٢] وأما نفقة العمال ففيها خلاف بين أهل العلم:
القول الأول:
ذهب المالكية إلى أن نفقة العمال على العامل، وأما أجرتهم فعلى من استأجرهم سواء كان المستأجر المالك أو العامل، ولا يكون شيء من النفقة في ثمرة الحائط.
стр. 7283
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت نفقة العامل نفسه، أتكون من ثمرة الحائط أم لا؟ قال: على نفسه نفقته، ونفقة العمال، والدواب، ولا يكون شيء من النفقة في ثمرة الحائط. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم» (١).
وقد نص المالكية بأن العامل لا يأكل من الثمر شيئًا؛ لأنه مال مشترك (٢).
القول الثاني:
جوز الشافعية في الأصح أن يعمل مع العامل غلمان رب المال، وأما نفقتهم فإن اشترط على العامل صح؛ لأن في عملهم ما يرجع إلى صلاح الثمرة، وحفظها. وإن لم يشرط على العامل ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها على العامل؛ لأن العمل مستحق عليه، فكانت النفقة عليه.
الثاني: أنها على رب المال؛ لأنه شرط عملهم عليه، فكانت النفقة عليه.
الثالث: أنها من الثمرة؛ لأن عملهم على الثمرة، فكانت النفقة منها (٣).
ولم أقف على نص آخر عند الحنفية والحنابلة، والله أعلم.
* * *
стр. 7284
المبحث الخامس
في مساقاة العامل غيره
قال ابن قدامة: الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه (١).
[م-١٤٦٣] هل للمساقي أن يساقي غيره بدون أن يقول له المالك: اعمل فيه برأيك، وبدون إذن من رب الشجر؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ليس له أن يساقي غيره إلا بإذن رب الشجر، أو يعطيه تفويضًا عامًا بأن يقول له: اعمل فيه برأيك. وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (٢).
وجهه: أن الساقي عامل في المال بجزء من نمائه، فلم يجز أن يعامل غيره، فهو كالمضارب. ولأنه إنما أذن له في العمل فيه، فلم يجز أن يأذن لغيره كالوكيل لا يملك حق التوكيل، ولأنه قد لا يأتمنه، ولا يرضى بدخوله ملكه.
ولأن العامل ليس كالمستأجر الذي يملك المنفعة له أن يحل مكانه غيره، فمنافع الشجر ليست مستحقة للساقي، وإنما هو شريك في الثمرة بشرط عمله هو، فاختص به.
стр. 7285
القول الثاني:
إن اشترط رب الحائط عمل العامل بعينه لم يكن له أن يساقي غيره، وإن لم يشترط عليه ذلك فله يساقي غيره بمثل الجزء الذي سوقي عليه أو أقل، ولو بغير إذن رب الحائط بشرط أن يكون الثاني أمينًا، ولو كان أقل أمانة من الأول، ويلزم رب الحائط قبوله، فإن ساقى غير أمين ضمن، وليست المساقاة كالمضاربة لا يجوز للعامل أن يعطيه لغيره إلا بإذن المالك؛ لأن مال القراض مما يغاب عليه، ويمكن إخفاؤه، وادعاء ضياعه بخلاف الحائط. وهذا مذهب المالكية (١).
القول الثالث:
إن كان عقد المساقاة في الذمة، بأن قال: ألزمت ذمتك سقي هذه الأشجار وتعهدها، فللعامل أن يعامل غيره لينوب عنه، وإن كانت المساقاة على عين العامل لم يكن له أن يستنيب ويعامل غيره، فلو فعل انفسخت المساقاة وكانت الثمار كلها للمالك، ولا شيء للعامل الأول، وأما الثاني فإن علم فساد العقد فلا شيء له، وإلا ففي استحقاقه أجرة المثل قولان. وهذا مذهب الشافعية (٢).