مالك في العامل: ما أخبرتك إذا اشترطه العامل على رب الحائط. وهذا عندي مثله إذا اشترطه في الثمرة بعينها.
قلت: فإن اشترطه في غير الثمرة في العروض أو الدراهم؟
قال: لا يحل شرطهما، وهو قول مالك.
قلت: أرأيت الزكاة في حصة من تكون؟ قال: يبدأ بالزكاة، فتخرج، ثم يكون ما بقي بينهما على شرطهما، وهذا قول مالك» (١).
القول الثالث:
ذهب بعض الحنابلة أن الغلة إذا بلغت نصابًا وجبت الزكاة عليهما وإن كان نصيب أحدهما لا يبلغ نصابًا باعتبار أن الخلطة مؤثرة في بلوغ النصاب، ولو لم يكن المال سائمة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
الراجح:
أن المال يملك بالظهور، والزكاة عليهما في نصيبهما إذا بلغ نصيب كل واحد منهما نصابًا، والله أعلم.
* * *
стр. 7282
المبحث الرابع
في نفقة عامل المساقاة
[م-١٤٦١] نفقة عامل المساقاة عليه، وليست على رب النخل، ولا يحق له أن يأكل من الثمرة شيئًا؛ لأنه مال مشترك.
جاء في المدونة: «أرأيت إن خرجت من المدينة أريد أن أعمل في الحائط الذي أخذته مساقاة، أين نفقتي، وعلى من هي؟ قال: عليك نفقتك، ولا يشبه هذا القراض؛ لأنه ليس من سنة العامل في الحائط أن تكون نفقته على رب الحائط» (١).
قلت: لم ينقل أن النبي ﷺ أعان أهل خيبر بشيء. قال ربيعة كما في المدونة: «لا يكون شيء من النفقة على رب العنب، وعلى ذلك كانت مساقاة الناس» (٢).
وقد قال مثله الليث وابن وهب (٣).
[م-١٤٦٢] وأما نفقة العمال ففيها خلاف بين أهل العلم:
القول الأول:
ذهب المالكية إلى أن نفقة العمال على العامل، وأما أجرتهم فعلى من استأجرهم سواء كان المستأجر المالك أو العامل، ولا يكون شيء من النفقة في ثمرة الحائط.
стр. 7283
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت نفقة العامل نفسه، أتكون من ثمرة الحائط أم لا؟ قال: على نفسه نفقته، ونفقة العمال، والدواب، ولا يكون شيء من النفقة في ثمرة الحائط. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم» (١).
وقد نص المالكية بأن العامل لا يأكل من الثمر شيئًا؛ لأنه مال مشترك (٢).
القول الثاني:
جوز الشافعية في الأصح أن يعمل مع العامل غلمان رب المال، وأما نفقتهم فإن اشترط على العامل صح؛ لأن في عملهم ما يرجع إلى صلاح الثمرة، وحفظها. وإن لم يشرط على العامل ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها على العامل؛ لأن العمل مستحق عليه، فكانت النفقة عليه.
الثاني: أنها على رب المال؛ لأنه شرط عملهم عليه، فكانت النفقة عليه.
الثالث: أنها من الثمرة؛ لأن عملهم على الثمرة، فكانت النفقة منها (٣).
ولم أقف على نص آخر عند الحنفية والحنابلة، والله أعلم.
* * *
стр. 7284
المبحث الخامس
في مساقاة العامل غيره
قال ابن قدامة: الإذن إذا اختص بشيء لم يتجاوزه (١).
[م-١٤٦٣] هل للمساقي أن يساقي غيره بدون أن يقول له المالك: اعمل فيه برأيك، وبدون إذن من رب الشجر؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ليس له أن يساقي غيره إلا بإذن رب الشجر، أو يعطيه تفويضًا عامًا بأن يقول له: اعمل فيه برأيك. وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (٢).
وجهه: أن الساقي عامل في المال بجزء من نمائه، فلم يجز أن يعامل غيره، فهو كالمضارب. ولأنه إنما أذن له في العمل فيه، فلم يجز أن يأذن لغيره كالوكيل لا يملك حق التوكيل، ولأنه قد لا يأتمنه، ولا يرضى بدخوله ملكه.
ولأن العامل ليس كالمستأجر الذي يملك المنفعة له أن يحل مكانه غيره، فمنافع الشجر ليست مستحقة للساقي، وإنما هو شريك في الثمرة بشرط عمله هو، فاختص به.
стр. 7285
القول الثاني:
إن اشترط رب الحائط عمل العامل بعينه لم يكن له أن يساقي غيره، وإن لم يشترط عليه ذلك فله يساقي غيره بمثل الجزء الذي سوقي عليه أو أقل، ولو بغير إذن رب الحائط بشرط أن يكون الثاني أمينًا، ولو كان أقل أمانة من الأول، ويلزم رب الحائط قبوله، فإن ساقى غير أمين ضمن، وليست المساقاة كالمضاربة لا يجوز للعامل أن يعطيه لغيره إلا بإذن المالك؛ لأن مال القراض مما يغاب عليه، ويمكن إخفاؤه، وادعاء ضياعه بخلاف الحائط. وهذا مذهب المالكية (١).
القول الثالث:
إن كان عقد المساقاة في الذمة، بأن قال: ألزمت ذمتك سقي هذه الأشجار وتعهدها، فللعامل أن يعامل غيره لينوب عنه، وإن كانت المساقاة على عين العامل لم يكن له أن يستنيب ويعامل غيره، فلو فعل انفسخت المساقاة وكانت الثمار كلها للمالك، ولا شيء للعامل الأول، وأما الثاني فإن علم فساد العقد فلا شيء له، وإلا ففي استحقاقه أجرة المثل قولان. وهذا مذهب الشافعية (٢).
стр. 7286
وجه التفريق بين المساقاة في الذمة والمساقاة على عين العامل:
أن المساقاة إذا كانت واردة على عين الساقي تعين على الساقي أن يقوم بذلك بنفسه؛ لأن العقد وقع على منافع نفسه، لا على عمل غيره.
وإن كان التزام المساقاة في ذمة الساقي لم يتعين عليه مباشرته بنفسه، فسواء قام بذلك بنفسه، أو قام بذلك غيره فقد حصل مقصود المالك.
فالشافعية جعلوا حكم الساقي حكم الأجير، والعمل إذا كان واردًا على عين الأجير تعين عليه أن يقوم بذلك بنفسه، وإن كان العمل واردًا على ذمته كالأجير المشترك جاز له أن يستأجر غيره بإنجاز ما استؤجر عليه إذا لم يشترط عليه أن يقوم بذلك بنفسه، وقد بينا أدلة ذلك في عقد الإجارة.
الراجح:
أن عقد المساقاة في الأحكام كعقد المضاربة، وليس كعقد الإجارة، ولو نزلنا أحكام الإجارة على عقد المساقاة لم تصح المساقاة أصلًا؛ لأن الأجرة وهي الثمرة مجهولة معدومة، وإذا كان المضارب لا يحق له أن يضارب غيره إلا بإذن رب المال فكذلك المساقى لا يحق له أن يساقي غيره إلا بإذن رب المال، لأن رب المال إنما رضي مشاركة هذا العامل، ولم يرض مشاركة غيره، والله أعلم.
* * *
стр. 7287
المبحث السادس
في مساقاة الشريك شريكه
الأصل جواز الجمع بين أكثر من عقد إذا لم يترتب على الجمع محذور شرعي.
[م-١٤٦٤] إذا كان النخل مشتركًا بين رجلين، فهل يصح أن يدفعه أحدهما إلى الآخر مساقاة؟
اختلف العلماء في هذا على قولين:
القول الأول:
لا يصح مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية.
جاء في البحر الرائق: «إذا كان النخل بين اثنين، فدفع أحدهما لصاحبه معاملة على أن يقوم عليه، ويسقيه، وماخرج بينهما أثلاثًا، ثلثه للدافع، وثلثاه للعامل فهذه المعاملة فاسدة» (١).
وجاء في الدر المختار: «دفع الشجر لشريكه مساقاة لم يجز، فلا أجر له؛ لأنه شريك، فيقع العمل لنفسه» (٢).
وفي تنقيح الفتاوى الحامدية: «لأنه لا يعمل شيئًا لشريكه إلا ويقع بعضه لنفسه، فلا يستحق الأجر» (٣).
стр. 7288
القول الثاني:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى صحة مساقاة الشريك لشريكه بشرطين:
أحدهما: أن يستقل بالعمل، فإن شرط على شريكه العمل فسدت المساقاة.
الثاني: أن يكون له من الثمرة زيادة على حصته.
فإن كان نصيب العامل بقدر حصته، فسدت المساقاة، وهل يستحق العامل شيئًا مقابل عمله؟
قيل: لا؛ لأنه متبرع، وهذا هو المشهور عند الحنابلة.
وقيل: يستحق أجرة المثل، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة.
جاء في مغني المحتاج: «وله مساقاة شريكه في الشجر إذا استقل الشريك بالعمل فيها، وشرط المالك له أي الشريك زيادة على حصته، كأن يكون الشجر بينهما نصفين، فيشرط له ثلثي الثمرة، ليكون السدس عوض عمله» (١).
وجاء في كشاف القناع: «وإن ساقى أحد الشريكين شريكه، وجعل له من الثمر أكثر من نصيبه، مثل أن يكون الأصل بينهما نصفين، فجعل له ثلثي الثمرة صح، وكان السدس حصته من المساقاة، كما لو ساقى أجنبيًا بذلك، وإن جعل الثمرة بينهما نصفين، أو جعل للعامل الثلث فسدت المساقاة؛ لأنه لم يجعل للعامل شيئًا في مقابلة عمله، ويكون الثمر بينهما بحكم الملك نصفين ... ولا يستحق العامل شيئًا في نظير عمله؛ لأنه متبرع به» (٢).
стр. 7289
قال ابن قدامة: «وذكر أصحابنا وجهًا آخر: أنه يستحق أجر مثله؛ لأن المساقاة تقتضي عوضًا، فلا تسقط برضاه بإسقاطه كالنكاح، ولم يسلم له العوض، فيكون له أجر مثله. ولنا أنه عمل في مال غيره متبرعًا، فلم يستحق عوضًا، كما لو لم يعقد المساقاة، ويفارق النكاح لوجهين: أن عقد النكاح صحيح، فوجب به العوض لصحته. وهذا فاسد لا يوجب شيئًا. الثاني: أن الأبضاع لا تستباح بالبذل والإباحة، والعمل هنا يستباح بذلك» (١).
وقال ابن قدامة: «وإن ساقى أحدهما شريكه على أن يعملا معًا، فالمساقاة فاسدة، والثمرة بينهما على قدر ملكيهما، ويتقاصان العمل إن تساويا فيه، وإن كان لأحدهما فضل، نظرت: فإن كان قد شرط له فضل ما في مقابلة عمله استحق ما فضل له من أجر المثل. وإن لم يشترط له شيئًا فلا شيء له إلا على الوجه الذي ذكره أصحابنًا وتكلمنا عليه» (٢).
الراجح:
أرى أن مساقاة الشريك لشريكه جائزة مطلقًا، غاية ما فيها أنها تجمع بين عقدي الشركة والمساقاة، وهذا لا محذور فيه، كما جاز ذلك في عقد المضاربة عند الحنفية والحنابلة بحيث يكون المال منهما، والعمل من أحدهما، واصطلح على تسمية العقد بأنه يجمع بين عقدي المشاركة والمضاربة، وإذا كان نصيب العامل أقل من نصيب شريكه، أو مساويًا له كان العامل متبرعًا بعمله وبجزء من نصيبه من الثمرة، فإذا رضي ذلك فهو محسن، ولا محذور في ذلك شرعًا، والله أعلم.
* * *
стр. 7290
المبحث السابع
في مساقاة حوائط عدة
[م-١٤٦٥] إذا ساقاه حوائط عدة في صفقات متعددة جاز مطلقًا سواء كان نصيب العمل متفقًا أو مختلفًا بشرط ألا يجعل أحد العقدين شرطًا في الآخر.
فإن قال: أساقيك على حائطي الغربي على النصف بشرط أن أساقيك على حائطي الشرقي على الثلث أو على النصف.
فهذه الصورة ممنوعة عند جمهور الفقهاء؛ لأنها عندهم في معنى بيعتين في بيعة (١).
وسبق بحث اشتراط عقد في عقد آخر في عقد البيع عند الكلام على شروط البيع، ورجحت الصحة بشرط ألا يتخذ حيلة على الربا.
وإن ساقاه حوائط عدة بصفقة واحدة، أو ساقاه حائطًا واحدًا فيه ثمار مختلفة، بعضها بالثلث، وبعضها بالنصف، وهما يعرفان كل صنف، كان كحوائط مختلفة.
فقيل: تصح المساقاة مطلقًا. وهو مذهب الجمهور (٢).
جاء في مختصر المزني: «فإن ساقاه أحدهما نصيبه على النصف، والآخر نصيبه على الثلث جاز، ولو ساقاه على حائط فيه أصناف من دقل، وعجوة، وصيحاني على أن له من الدقل النصف، ومن العجوة الثلث، ومن الصيحاني الربع، وهما يعرفان كل صنف كان كثلاثة حوائط معروفة، وإن جهلا أو
стр. 7291
أحدهما كل صنف لم يجز» (١).
وخالف في ذلك المالكية، فقالوا: إن كانت الصفقات متعددة جاز مطلقًا، وإن كانت الصفقة واحدة اشترط أن يكون النصيب متفقًا، ولا يجوز بجزء مختلف، وإن كان في الحائط أصناف من الثمر لم يجز أن يأخذ من صنف النصف، ومن صنف آخر الثلث، فلا بد أن يكون نصيب العامل متفقًا. وهذا مذهب المالكية (٢).
قال ابن جزي: «وتجوز مساقاة حوائط عدة في صفقات متعددة بجزء متفق أو مختلف، وأما في صفقة واحدة فبجزء متفق لا غير» (٣).
قال في المدونة: «أرأيت إن دفعت إليه نخلًا مساقاة حائطًا على النصف، وحائطًا على الثلث، أيجوز ذلك في قول مالك؟ قال: لا يجوز ذلك عند مالك. قلت: لم؟ قال: للخطار؛ لأنهما تخاطرا في الحائطين إن ذهب أحدهما غبن أحدهما صاحبه في الآخر. قلت: أرأيت إن دفع إليه حائطين له على أن يعملهما كل حائط منهما على النصف، أو الثلث، أو كل حائط منهما على الربع، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: ولا يكون للخطار هاهنا موضع. قال: ليس للخطار هاهنا موضع قال: وكذلك ساقى النبي ﷺ خيبر كلها على النصف، حيطانها كلها، وفيها الجيد والرديء» (٤).
وقول الجمهور أرجح، والله أعلم.
* * *
стр. 7292
المبحث الثامن
في التخيير في المساقاة إن كان سيحًا فبكذا أو كلفة فبكذا
[م-١٤٦٦] نص الشافعية والحنابلة في المشهور أنه لا تصح المساقاة على التخيير.
جاء في مختصر المزني: «ولو ساقاه على أنه إن سقاها بماء سماء أو نهر فله الثلث وإن سقاها بالنضح فله النصف كان هذا فاسدا; لأن عقد المساقاة كان والنصيب مجهول، والعمل غير معلوم كما لو قارضه بمال على أن ما ربح في البر فله الثلث وما ربح في البحر فله النصف، فإن عمل كان له أجر مثله، فإن اشترط الداخل أن أجرة الأجراء من الثمرة فسدت المساقاة» (١).
وقال ابن قدامة: «وإن ساقاه على أنه إن سقي سيحًا فله الثلث، وإن سقي بكلفة فله النصف لم يصح؛ لأن العمل مجهول، والنصيب مجهول، وهو في معنى بيعتين في بيعة. ويتخرج أن يصح قياسًا على الإجارة» (٢).
وهذا القول هو الصواب: والعمل ليس مجهولًا، وقد سبق بحث مسائل مشابهة لهذه المسألة في عقد البيع والإجارة، كما لو قال: هذه السلعة نقدًا بكذا ومؤجلة بكذا، وافترقا وقد أخذا بأحدهما.
ومثله لو قال: إن خطته بيومين فلك كذا، وإن خطته بيوم واحد فلك كذا وكذا. فارجع إلى أدلة هذه المسألة فإنها شبيهة لمسألتنا، والله أعلم.
стр. 7293
المبحث التاسع
في جواز اشتراط العامل غلمان رب المال
[م-١٤٦٧] اختلف الفقهاء في جواز اشتراط العامل غلمان رب المال:
فقيل: يجوز له أن يشترطهم، وهو مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
وجه القول بالجواز:
أن غلمان رب المال من ماله، فجاز أن تعمل تبعًا لماله، كثور الدولاب، وكما يجوز في القراض أن يدفع إلى العامل بهيمة يحمل عليها.
وقيل: ليس له أن يشترطهم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
وجهه: أن يد الغلام كيد مولاه، وعملهم كعمله، فإذا كان لا يجوز لرب النخل أن يعمل مع العامل لم يجز أن يعمل غلمانه معه.
قال ابن قدامة: «وإن شرط أن يعمل معه غلمان رب المال، فهو كشرط عمل رب المال؛ لأن عملهم كعمله، فإن يد الغلام كيد مولاه» (٢).
وقيل: إن كان الغلمان والدواب في الحائط يوم العقد لم يصح اشتراط إخراجهم إلا أن يخرجهم قبل العقد فلا بأس، وإن لم يكونوا في الحائط لم يجز اشتراطهم على رب الحائط، وجاز اشتراط الشيء اليسير كغلام أو دابة في
стр. 7294
الحائط الكبير، وبشرط الخلف إن كان كل منهما معينًا، وهذا مذهب المالكية (١).
وجه هذا القول:
أما اشتراط أن يكون الحائط كبيرًا فإن الحائط إذا كان صغيرًا ربما كفاه عمل الغلام، فيصير كأنه اشترط جميع العمل على ربه، وهذا لا يصح.
وأما اشتراط الخلف في الغلام المعين فلأن الغلام غير المعين يجب عليه إبداله إذا تخلف لموت ونحوه، لأن الواجب متعلق بالذمة، وأما الغلام المعين فلا يجب إبداله إذا تخلف، فوجب أن يشترط البدل في الغلام المعين إذا تخلف؛ لينضبط العمل مدة المساقاة، والله أعلم.
وجاء في المدونة: «كل شيء ليس في الحائط يوم أخذت الحائط مساقاة فلا يصلح أن يشترط على رب المال شيء من ذلك إلا أن يكون الشيء التافه اليسير مثل الغلام والدابة. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم. قلت: ولما كره مالك للعامل أن يشترط على رب المال ما ذكرت؟ قال: لأنها زيادة ازدادها عليه. قلت: أرأيت التافه اليسير لم جوزته؟ قال: لأن مالكًا جوز أيضًا لرب المال أن يشترط على المساقي خم العين، وسرو الشرب، وقطع الجريد، وإبار النخل، والشيء اليسير يكون في الضفيرة بينهما ولو عظمت نفقته في الضفيرة لم يصلح أن يشترطه على العامل، وقد بلغني أن مالكًا سهل في الدابة الواحدة، وهو عندي إذا كان الحائط له قدر يكون كبيرًا؛ لأن من الحوائط عندنا بالفسطاط من
стр. 7295
تجزئه الدابة الواحدة في عمله، فإذا كان الحائط هكذا له قدر كان قد اشترط على رب المال عمل الحائط ..... » (١).
وأما نفقة العمال والدواب:
فذهب المالكية إلى أن نفقة العمال على العامل مطلقًا، وأما أجرتهم فعلى ربهم، ولا يكون شيء من النفقة في ثمرة الحائط.
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت نفقة العامل نفسه، أتكون من ثمرة الحائط أم لا؟ قال: على نفسه نفقته، ونفقة العمال، والدواب، ولا يكون شيء من النفقة في ثمرة الحائط. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم» (٢).
وذهب الشافعية إلى أن النفقة إن اشترطت على العامل صح؛ لأن في عملهم ما يرجع إلى صلاح الثمرة، وحفظها. وإن لم تشترط على العامل ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها على العامل؛ لأن العمل مستحق عليه، فكانت النفقة عليه.
الثاني: أنها على رب المال؛ لأنه شرط عملهم عليه، فكانت النفقة عليه.
الثالث: أنها من الثمرة؛ لأن عملهم على الثمرة، فكانت النفقة منها (٣).
وقال ابن قدامة: «إذا شرط غلمانا يعملون معه فنفقتهم على ما يشترطان عليه. فإن أطلقا ولم يذكرا نفقتهم فهي على رب المال .... فإن شرطها على العامل جاز ولا يشترط تقديرها ..... وقال محمد بن الحسن: يشترط تقديرها; لأنه اشترط عليه ما لا يلزمه
стр. 7296
فوجب أن يكون معلومًا كسائر الشروط. ولنا أنه لو وجب تقديرها لوجب ذكر صفاتها ولا يجب ذكر صفاتها. فلم يجب تقديرها» (١).
* * *
стр. 7297
الفصل الثاني
في أحكام المساقاة الفاسدة
المبحث الأول
فيما تفسد به المساقاة
[م-١٤٦٨] ما تفسد به المساقاة منه ما هو محل اتفاق كما لو اشترط أحدهما ثمرة نخل معين، أو اشترط نصيبًا معينًا معلومًا كعشرة آصع، ومثله لو بان الحائط مستحقًا للغير.
ومنه ما هو فاسد عند جمهور الفقهاء، وهي مسائل متناثرة استعرضناها فيما سبق عند الكلام على شروط المساقاة، فإذا تخلف شرط منها عند من قال به فإن ذلك يعني فساد المساقاة عندهم.
وذلك مثل اشتراط الثمرة كلها لأحدهما، أو أن يشترط العامل عمل رب المال معه، أو أن يشترط أحدهما ما يلزم الآخر، أو أن يتعاقدا على مدة لا تظهر فيها الثمرة، أو أن يقوم الساقي بمساقاة غيره دون تفويض من رب النخل.
ومنه ما هو فاسد عند بعض الفقهاء دون جمهورهم، كاشتراط الجذاذ على أحدهما، فاشتراطه مفسد عند الحنفية، واشتراط إخراج رقيق البستان ودوابه فاشتراطه مفسد عند المالكية.
وقد سبق استعراض تلك المسائل السابقة وخلاف الفقهاء فيها، ومن قال منهم بفساد المساقاة بفواتها، وذكرنا أدلتهم مع بيان الراجح فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
* * *
стр. 7298
المبحث الثاني
في حكم المساقاة الفاسدة
العقود الجائزة لا يمنع فسادها نفوذ التصرف فيها (١).
قال ابن تيمية: يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح (٢).
العقد الفاسد يجب فسخه ما لم يفت بالعمل (٣).
[م-١٤٦٩] يجب فسخ المساقاة الفاسدة قبل الشروع في العمل.
قال ابن رشد: «واتفقوا على أن المساقاة إذا وقعت على غير الوجه الذي جوزها الشرع أنها تنفسخ ما لم تفت بالعمل» (٤).
واختلفوا إذا فاتت بالعمل ماذا يجب فيها إلى أقوال:
القول الأول:
قيل: الثمر لمالك الأصل، وللعامل أجرة المثل في كل أنواع الفساد، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن مالك، والمشهور من مذهب الحنابلة (٥).
стр. 7299
واستثنى الشافعية مسألتين:
إذا ساقاه على أن الثمرة كلها للمالك، فالمساقاة فاسدة ومع ذلك لا يستحق العامل أجرًا على الصحيح من المذهب؛ لأنه متبرع (١).
ومثله إذا ساقاه على ودي مغروس، وقدر مدة لا يثمر فيها في العادة (٢).
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ومتى فسدت المساقاة فله أجر مثله» (٣).
وقال السيوطي: «وصحيح المساقاة والقراض والإجارة، والمسابقة، والجعالة مضمون بالمسمى، وفاسدها بأجرة المثل» (٤).
وجه اعتبار أجرة المثل في المساقاة الفاسدة:
الوجه الأول:
إذا فسدت المساقاة فإن الثمرة تكون لمالكها؛ لأنه نماء ماله، والخسارة عليه كذلك، والعامل في هذا العقد الفاسد أصبح أجيرًا وليس مساقيًا؛ والأجير إذا لم تكن الأجرة مسماة فإنه يستحق أجرة المثل.
الوجه الثاني:
أن العقد الفاسد لما فسد بطل المسمى؛ لأن المسمى إنما يستحق بالشرط، وقد فسد، فكان الرجوع إلى المسمى مع فساد العقد تصحيحًا للعقد، وهذا لا يصح، وإذا بطل المسمى لفساد العقد رجعنا إلى أجرة المثل؛ لأن العامل إنما
стр. 7300
بذل منافعه ليأخذ عوضه وذلك متعذر في العقد الفاسد فوجب له قيمته وهي أجر مثله.
القول الثاني: مذهب المالكية.
حكم المساقاة الفاسدة لا يختلف عند المالكية عن المضاربة الفاسدة، والأقوال عندهم كالتالي:
أحدها: أن للعامل مساقاة المثل مطلقًا، وهو رواية ابن الماجشون عن مالك، وبه قال أشهب (١).
وجه اعتبار مساقاة المثل:
أن الأصول موضوعة على أن كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه كالنكاح والبيع والإجارة، فكذلك المساقاة.
الثاني: أن للعامل أجرة المثل مطلقًا، وبه قال عبد العزيز بن أبي سلمة (٢).
وجه اعتبار أجرة المثل:
لما فسد العقد بطل المسمى؛ فوجب الرجوع إلى أجرة المثل قياسًا على الإجارة الفاسدة.
الثالث: رأي ابن القاسم.
ذهب ابن القاسم أن بعض المساقاة ترد إلى مساقاة المثل، وبعضها ترد إلى أجرة المثل.
стр. 7301
وأما الضابط في رد المساقاة إلى إجارة المثل، أو مساقاة المثل:
فتجب إجارة المثل إذا خرج العاقدان بالمساقاة إلى الإجارة الفاسدة، أو إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، كأن يزداد أحدهما عينًا أو عرضًا.
وجه وجوب إجارة المثل:
أن الزيادة إن كانت من رب الحائط فقد خرجا عن المساقاة إلى الإجارة الفاسدة؛ فكأنه استأجره على أن يعمل له في حائطه بما أعطاه من عين أو عرض، وبجزء من ثمرته وذلك إجارة فاسدة توجب الرد إلى أجرة المثل، ويحسب منها تلك الزيادة، ولا شيء له من الثمرة.
وإن كانت الزيادة من العامل فقد خرجا عن المساقاة إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ فكأنه اشترى الجزء المسمى بما دفعه لرب الحائط وبأجرة عمله، فرجب أن يرد في هذه الحال إلى أجرة المثل، ولا شيء له من الثمرة.
وإن كانت المساقاة الفاسدة لم تخرج إلى الإجارة الفاسدة فالواجب مساقاة المثل كما لو كان فساد المساقاة يرجع إلى أن ساقاه في حائط وفيه ثمر قد أطعم، أو شرط على رب الشجر أن يعمل معه، أو ساقاه في حائطه سنة على الثلث، وسنة على النصف، أو جمع بين بيع ومساقاة (١).
ومنشأ الخلاف أمران:
أحدهما: أن المستثنيات من العقود إذا فسدت هل ترد إلى صحيح أنفسها، وهو الأصل كفاسد البيع، أو إلى صحيح أصلها.
стр. 7302
والمساقاة مستثناة من الإجارة، فيكون المستحق أجرة المثل؛ لأن الشرع إنما استثنى الصحيح لاشتماله على القوانين الشرعية، فإذا فسد المستثنى رجعنا إلى أصله؛ لأن الشرع لم يستثن الفاسد، فهو مبقى على العدم، وله أصل يرجع إليه، وهو الفرق بينها وبين البيع: أن البيع ليس له أصل آخر يرجع إليه في ذلك ...
وثانيهما: أن أسباب الفساد إذا تأكدت بطلت حقيقة المساقاة بالكلية، فتتعين الإجارة، وإن لم تتأكد اعتبرنا المساقاة، ثم النظر بعد ذلك في المفسد، هل هو متأكد أم لا هو تحقيق مناط (١).
والفرق بين مساقاة المثل وأجرة المثل من ثلاثة وجوه:
(أ): أن مساقاة المثل تترتب في عين الثمرة، فإن لم يكن في الشجر ثمر فلا شيء للعامل، وأما أجرة المثل فإنها تتعلق بذمة رب المال سواء كان في الشجر ثمر أم لا.
(ب): أن العامل في مساقاة المثل أحق من الغرماء بحصته من الثمرة في حال الموت والفلس؛ لأن حقه متعلق بعين الثمرة، وأما في حال كان الواجب للعامل أجرة المثل فإنه يكون أحق من الغرماء في الفلس فقط، وأما في حال الموت فإنه يكون أسوة الغرماء لتعلقها بالذمة.
(ج): أن ما وجب فيه مساقاة المثل إذا عثر عليه في أثناء العمل لا يفسخ العقد ويتمادى العامل بخلاف ما وجب فيه أجرة المثل فإن العقد يفسخ متى عثر عليه، ولا يمكَّن من التمادي (٢).
стр. 7303
الرابع في مذهب المالكية:
قالوا: يرد إلى الأقل من مساقاة المثل، أو الأجر المسمى (١).
وجه هذا القول:
أن مساقاة المثل إن كان هو الأقل فهو لا يستحق غيره؛ لأن العقد الفاسد مردود إلى صحيحه لا إلى صحيح غيره.
وإن كان المسمى هو الأقل فقد رضي به العامل.
القول الثالث: رأي ابن تيمية:
قال ابن تيمية: إذا فسدت وجب له نصيب المثل، لا أجرة المثل، فيجب له من النماء ما جرت به العادة، ولا يجب له أجرة مقدرة فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه (٢).
الراجح:
ما رجحناه في عقد المضاربة نرجحه هنا، وأن الصواب ما ذهب إليه ابن تيمية، لأن القول بإعطائه أجرة مثله يلزم عليها كون العامل يستحق الأجرة مطلقًا أثمرت الشجر أم لم تثمر، وقد تزيد الأجرة على قيمة الشجر، وليست المساقاة عقد إجارة حتى يعطى في فاسدها أجرة المثل كالصحيحة، ولأن العامل قد يعمل عشر سنين، فلو أعطي أجرة المثل لأعطي أضعاف قيمة الشجر، وهو في المساقاة الصحيحة لا يستحق إلا جزءًا من الثمر إن كان هناك ثمر، فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة.
* * *
стр. 7304
الباب الخامس
في انتهاء عقد المساقاة
الفصل الأول
في انتهاء عقد المساقاة بالفسخ
المبحث الأول
الفسخ لعجز العامل
[م-١٤٧٠] اختلف العلماء في العامل يعجز عن السقي على أربعة أقوال:
القول الأول:
الأصل أن العامل إذا أراد ترك العمل لا يمكن من ذلك، لكنه إذا عجز عن العمل بمرض ونحوه فإن هذا عذر يجيز له فسخ العقد؛ وهذا مذهب الحنفية؛ لأن إلزامه بالعمل مع عجزه زيادة ضرر عليه، كما أنه يلحقه ضرر بإلزامه استئجار الأجراء، وهو لم يلتزمه في العقد (١).
القول الثاني:
إذا عجز الساقي، وقد حل بيع الثمرة لم يجز أن يساقي غيره، ويستأجر من يعمل له.
стр. 7305
وإن كان قبل ذلك فالساقي بالخيار: إن شاء سلم الحائط لربه، ولا يستحق شيئًا مقابل عمله؛ لأن المساقاة كالجعل لا يستحق العامل شيئًا إلا بتمام العمل.
وله أن يدفع الحائط مساقاة لعامل آخر بمثل الجزء الذي سوقي عليه أو أقل، ولو بغير إذن رب الحائط، وهذا مذهب المالكية (١).
وقد تكلمنا عن حق العامل، وهل له أن يساقي غيره في مسألة سابقة، وذكرنا أدلة المالكية على هذه المسألة، وهذه منها.
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى تفصيل طويل، وألحقوا العجز بمرض ونحوه بالهرب.
قال النووي: «والعجز عن العمل بمرض ونحوه كالهرب» (٢).
وتفصيل مذهب الشافعية على النحو التالي:
إذا عجز العامل أو هرب، فإن المساقاة لا تنفسخ؛ لأنها عقد لازم.
فإن تبرع غيره بعمله، ولو كان المتبرع المالك بقي استحقاق العامل مجانًا.
وإلا رفع المالك الأمر إلى الحاكم، فإن وجد الحاكم له مالًا اكترى من ماله من يعمل عنه؛ لأن ذلك قد لزمه.
وإن لم يجد الحاكم له مالًا، فإن كان عجز العامل بعد بدو الصلاح في الثمار باع نصيب العامل كله، أو بعضه بحسب الحاجة واستأجر بثمنه.
وإن كان قبل بدو الصلاح فإن رضي رب المال أن يبيع نصيبه منها بيع الجميع
стр. 7306
بشرط القطع، وقسم الثمن بينهما، وحفظ نصيب العامل، وإن لم يرض رب النخيل بيع نصيبه منها لم يصح بيع نصيب العامل من غير رب النخل وجهًا واحدًا؛ لأنه لا يصح بيعه إلا بشرط القطع، وذلك لا يمكن مع الإشاعة، وهل يصح بيعه أو بيع بعضه من رب النخل فيه وجهان.
فإذا لم يشتر المالك نصيب العامل استقرض عليه الحاكم من مالك، أو من أجنبي، أو من بيت المال، ثم يقضيه من نصيبه من الثمرة بعد بدو الصلاح، أو الإدراك.
وإن وجد من يستأجره بأجرة مؤجلة استغنى عن الاستقراض، وحصل الغرض.
وإذا لم يجد الحاكم من يستقرض منه، ولا أقرضه رب النخل، وكان ذلك قبل ظهور الثمرة فلرب النخل أن يفسخ المساقاة؛ لأن العمل قد تعذر من جهة العامل، ومن جهة من يقوم مقامه، فكان ذلك كالعيب.
وإذا فسخ رب النخل المساقاة فإن كان العامل لم يعمل شيئًا فلا شيء له، وإن كان قد عمل استحق أجرة ما عمله على رب النخل، وكانت الثمرة إذا ظهرت لرب النخل.
وإن عمل المالك بنفسه، أو أنفق عليه ليرجع نظر:
فإن كان قادرًا على مراجعة الحاكم فلم يفعل فهو متبرع لا رجوع له، فإذا ظهرت الثمرة كانت مشتركة بينهما.
وإن كان غير قادر على الحاكم، فإن أنفق ولم يشهد على الإنفاق، أو أشهد ولم يشترط الرجوع لم يرجع بما أنفق؛ لأنه متطوع.
وإن أشهد على الإنفاق واشترط الرجوع ففيه وجهان:
стр. 7307
أحدهما: له الرجوع للضرورة وهذا أصح الوجهين وقيل: لا يرجع، وإلا صار حاكمًا لنفسه على غيره. هذا تفصيل مذهب الشافعية (١).
القول الرابع:
ذهب الحنابلة بأن العامل إذا عجز كان له أن يضم غيره إليه ليعينه، ولا ينزع من يده، وإن عجز بالكلية أقام مقامه من يعمل، والأجرة عليه في الموضعين؛ لأن عليه توفية العمل، وهذا من توفيته.
قال ابن قدامة: «فإن عجز مع العمل لضعفه مع أمانته، ضم إليه غيره، ولا ينزع من يده؛ لأن العمل مستحق عليه، ولا ضرر في بقاء يده عليه.
وإن عجز بالكلية قام مقامه من يعمل، والأجرة عليه في الموضعين؛ لأن عليه توفية العمل، وهذا من توفيته» (٢).
وهذا الكلام لعله تفريع على القول بلزوم العقد، وهو قول في المذهب خلاف المشهور، والمشهور في المذهب أن العقد جائز، وإذا كان ذلك كذلك فإذا عجز صاحبه عنه فله فسخه، ولو لم يرض صاحبه، والله أعلم.
الراجح:
أن عقد المساقاة من العقود الجائزة، فإن أراد الفسخ ولو بلا عجز لم يمنع من ذلك، لكن إن فسخه العامل فلا شيء له؛ لأنه أبطل حقه باختياره، وإن
стр. 7308
فسخه رب العمل استحق العامل قسطه من الثمرة، ويمكن للعاجز أن يقوم بالعمل بغيره، لكن هل يلزم المالك أن يقبل عمل الغير:
إن كان الغير أجيرًا يعمل تحت إدارة العامل فليس للمالك حق المنع؛ لأنه من المعلوم أن العامل لا يقوم بالعمل بنفسه، من حرث، وسقي، وتقليم، وجذاذ ونحو ذلك.
وإن كان ذلك عن طريق المساقاة، نظر: فإن كان عقد المساقاة على عين الساقي لم يلزم المالك قبول غيره، وإن كان عقد المساقاة بالذمة، وهي الأصل كان له أن يقوم غيره مقامه بأن يكري أو يساقي بنصيب مثل نصيب العامل أو أقل، والله أعلم.
* * *
стр. 7309
المبحث الثاني
فسخ العقد بالإقالة
الإقالة فرع اللزوم.
[م-١٤٧١] تكلمنا عن الإقالة في باب مستقل في عقد البيع، ونقلنا خلاف العلماء، هل هي بيع، أو فسخ للعقد، ورجحنا أن الإقالة فسخ بشرط أن تكون بمثل الثمن الأول، فإن كانت بأكثر منه، أو بأقل، أو بثمن مختلف عن الثمن الأول فإنها بيع.
إذا عرفنا ذلك، فهل تدخل الإقالة عقد المساقاة؟
أما من قال: إن المساقاة عقد جائز، كالمشهور من مذهب الحنابلة فلا يرى حاجة إلى الإقالة؛ لأن العاقد يستطيع أن يتحلل من العقد متى ما أراد ولو لم يرض صاحبه.
وأما من قال: إن المساقاة من العقود اللازمة كالجمهور، فهنا يتوجه البحث، هل تدخل الإقالة في هذا العقد أو لا تدخل؛ لأن الإقالة فرع اللزوم، فهي تعني رفع العقد اللازم، والعقد اللازم لا يمكن رفعه إلا برضا الطرفين. أما رفع العقد غير اللازم فعائد إلى صاحبه، ولا يشترط فيه رضا الآخر، ولا يقال لرفع هذا العقد إقالة، إذا علم ذلك فالعلماء القائلون بلزوم العقد يتفقون بينهم في دخول الإقالة عقد المساقاة على خلاف بينهم، هل قبول الإقالة مشروط، أو تجوز بلا شروط على النحو التالي:
القول الأول:
ذهب الحنفية والشافعية إلى دخول الإقالة عقد المساقاة، ولم يذكروا شروطًا
стр. 7310
للإقالة مما يعني جوازها مطلقًا قبل العمل وبعده، وسواء كان على جزء مسمى، أو كانت الإقالة بلا مقابل.
جاء في الفتاوى الهندية: «وأما التي تنفسخ بها المعاملة فالإقالة، وانقضاء المدة .... » (١).
وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «تنفسخ المساقاة ... بإقالة الطرفين عقد المساقاة؛ لأنهما في معنى الإجارة» (٢).
وجاء في مغني المحتاج: «وتصح الإقالة في المساقاة .... فإن كان هناك ثمرة لم يستحقها العامل» (٣).
وأجاز ابن القاسم في أحد قوليه الإقالة قبل العمل وبعده على جزء مسمى (٤).
القول الثاني:
صحح المالكية الإقالة في عقد المساقاة بشرط أن تكون بلا مقابل يأخذه أحدهما من الآخر.
قال القرافي: «تمتنع الإقالة على شيء يعطيك إياه، شرع في العمل أم لا؛ لأنه إن أثمرت النخل فهو بيع الثمرة قبل الطيب، وإلا فأكل المال بالباطل» (٥)، وهذا القول هو نص المدونة (٦).
стр. 7311
القول الثالث:
تجوز الإقالة على جزء مسمى إن كان ذلك قبل العمل على قول ابن رشد، ويعتبر المدفوع هبة من رب الحائط للعامل.
واختار أصبغ بأن الإقالة بعد العمل لا تجوز بعوض من الثمر معلوم؛ لاتهام رب الحائط على استئجار العامل تلك المدة بشيء من ثمر الحائط (١).
الراجح:
أن الإقالة لا حاجة لها في عقد المساقاة؛ لأنها عقد جائز، إلا أن الفسخ إذا تضمن ضررًا على أحدهما فإن العقد يتحول إلى اللزوم، وإذا لزم العقد دخلته الإقالة، والله أعلم.
* * *
стр. 7312
المبحث الثالث
انفساخ المساقاة بالموت
جاء في كشاف القناع: كل عقد جائز من الطرفين ..... يبطل بموت أحدهما، وعزله (١).
[م-١٤٧٢] اختلف الفقهاء في فسخ المساقاة بالموت إلى أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن المساقاة تبطل بالموت؛ لأنها في معنى الإجارة، فإن حدث الموت قبل الشروع في المساقاة انفسخ العقد، وإن حدث بعد طيب الثمار انفسخ أيضًا، وقسمت الثمرة بينهما بحسب الاتفاق.
وإن مات رب الأرض والخارج بسر فللعامل أن يقوم عليه كما كان يقوم قبل ذلك إلى أن يدرك الثمر، وإن كره ذلك ورثة رب الأرض استحسانًا، فيبقى العقد دفعًا للضرر عنه، ولا ضرر فيه على الآخر.
وإن التزم العامل الضرر تخير ورثة الآخر بين ثلاثة أمور:
(أ) ـ أن يقسموا البسر على الشرط.
(ب) ـ أو يعطوه قيمة نصيبه من البسر.
(ج) ـ أو ينفقوا على البسر حتى يدرك بأمر القاضي، ثم يرجعوا بذلك في حصة العامل من الثمر. هذا مذهب الحنفية؛ لأنه ليس له إلحاق الضرر بهم.
стр. 7313
ولو مات العامل فلورثته أن يقوموا عليه، وإن كره رب الأرض؛ لأن فيه النظر من الجانبين، فإن أرادوا أن يصرموه بسرًا كان صاحب الأرض بين الخيارات الثلاثة التي بيناها.
وإن ماتا جميعًا فالخيار لورثة العامل لقيامهم مقامه، فإن أبى ورثة العامل أن يقوموا مقامه كان الخيار في ذلك لورثة رب الأرض على ما وصفنا. والله أعلم (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن المساقاة لا تنفسخ بموت واحد منهما:
جاء في المدونة: «أرأيت العامل في النخل إذا مات، ما أنت قائل لورثته؟ قال: يقال لهم: اعملوا كما كان صاحبكم يعمل. فإن أبوا كان ذلك في مال الميت لازما لهم.
قلت: أفيسلم الحائط إليهم إذا كانوا غير أمناء؟ قال: لا أرى ذلك وأرى أن يأتوا بأمين. قلت: أرأيت إن مات رب النخل؟ قال: لا تنتقض المساقاة بموت واحد منهما وهو قول مالك» (٢).
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى أن المساقاة لا تنفسخ بموت المالك، وأما موت العامل فينظر: فإن كانت المساقاة على عين العامل فإنها تنفسخ بالموت لتعذرها بموته كالأجير المعين، وإن كانت المساقاة في ذمته فوجهان:
стр. 7314
أحدهما: تنفسخ؛ لأنه لا يرضى بيد غيره.
الثاني: وهو الصحيح، وعليه التفريع: لا تنفسخ بالموت، فإن خلف تركة أتم الوارث العمل منها؛ لأنه حق وجب على مورثه، فيؤدى من تركته كغيره، وفي معنى التركة نصيبه من الثمرة، وإن لم يخلف تركة لم يقترض على الميت، وللوراث أن يتم العمل بنفسه أو بماله، وإن أبى لم يجبر عليه (١).
وهذا القول قريب من قول عند الحنابلة مفرع على القول بلزومها، وهو قول مرجوح في المذهب (٢).
القول الرابع:
المشهور من مذهب الحنابلة أن عقد المساقاة عقد جائز، فإذا مات العامل أو رب المال انفسخت المساقاة، وكان الحكم فيها كما لو فسخها أحدهما.
فإن مات العامل قبل ظهور الثمرة وبعد العمل فله أجرة عمله؛ لاقتضاء العقد العوض المسمى، ولم يرض العامل بإسقاط حقه؛ لأن الموت لم يأته باختياره.
وإن مات أحدهما بعد ظهور الثمرة، فالثمرة بينهما على ما شرطاه، وعلى الوارث إتمام العمل كالمضارب يبيع العروض بعد فسخ المضاربة لينض المال، وإن باع وارث نصيبه لمن يقوم مقامه جاز بشرط أن يبدو صلاحه، أو كان البيع لمالك الأصل، كالمكاتب يباع على كتابته، فإن لم يعلم مشتر فله الخيار (٣).
стр. 7315
الراجح:
أرى أن مذهب الحنابلة هو القول الراجح؛ لأن المساقاة عقد جائز، والله أعلم.
* * *
стр. 7316
الفصل الثاني
انتهاء المساقاة بمضي المدة
[م-١٤٧٣] إذا انتهت المساقاة، ولم تظهر الثمرة، انفسخت المساقاة عند عامة الفقهاء، فإن ظهرت الثمرة ولم تنضج، فاختلف الفقهاء على أربعة أقوال:
القول الأول:
إذا انقضت مدة المساقاة، والثمر لم ينضج فالعامل مخير بين المضي في العمل حتى يدرك، وبين ترك العمل.
فإن اختار إتمام العمل فلا يحق للمالك منعه؛ لأن الأمر بالجز قبل الإدراك إضرار بهما، والضرر مدفوع، ولا أجر عليه بخلاف المزارعة؛ لأن الشجر لا يجوز استئجارها وأما الأرض في المزارعة فيجوز استئجارها، والعمل كله على العامل وفي المزارعة عليهما.
وإن اختار العامل الترك لم يجبر على العمل، لكنه لا يمكن من قطف الثمر قبل الإدراك دفعًا للضرر عن المالك، ويخير صاحب الشجر بين أمور ثلاثة:
(أ) ـ أن يقسم البسر على الشرط.
(ب) ـ أو يعطيه قيمة نصيبه من البسر.
(ج) ـ أو ينفق على البسر حتى يدرك بأمر القاضي، ثم يرجع بذلك في حصة العامل من الثمر. هذا مذهب الحنفية (١).
стр. 7317
القول الثاني: مذهب المالكية:
قال ابن عبد البر: «ولو ساقاه إلى أجل، فانقضى الأجل، وفي النخل ثمر لم يجز جذاذه، ولا يحل بيعه فهو على مساقاته حتى يجذ؛ لأنه حق وجب له، وإنما المساقاة إلى الجذاذ، وإلى القطاف لا إلى أجل» (١).
القول الثالث: مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية في المشهور بأن الثمر إذا لم يحدث إلا بعد انقضاء المدة، فلا شيء للعامل، لأنها حدثت بعد انقضاء مدته، وزوال عقده.
قال ابن الرفعة: وهو صحيح إن تأخر بلا سبب عارض، فإن كان بسبب عارض كبرد، ولولاه لطلع في المدة استحق حصته لقول الماوردي والروياني الصحيح أن العامل شريك (٢).
وإن انقضت المدة، وعلى النخيل طلع أو بلح فللعامل حصته منه، لحدوثها في مدته، وله إبقاؤها على النخل إلى بدو الصلاح وتناهي الثمرة؛ لأنه شريك، ولأنه يستحق الثمرة مدركة بحكم العقد. وعلى المالك تعهده إلى الإدراك؛ لانقضاء مدة العامل.
وقال صاحب المرشد: إن التعهد عليهما؛ لأن الثمرة مشتركة بينهما.
وإن أدرك الثمر قبل انقضاء المدة لزم العامل أن يعمل البقية بلا أجر (٣).
стр. 7318
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة إلى أن المالك إذا ساقى العامل إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبًا، فلم تحمل الثمرة تلك السنة، فلا شيء له في أصح الوجهين، لأنه عقد صحيح لم يظهر فيه النماء فلم يستحق شيئًا، كعامل المضاربة إذا لم يربح (١).
الراجح:
سبق لنا أن الراجح التوقيت إلى الجذاذ، ويحمل عليه المطلق من العقد، أو ما نص على أنه عام واحد، فإذا جاء أوان طلع الثمر، ولم يطلع الثمر، فإذا قطع بأن الثمر لن يطلع فله فسخ العقد بقية المدة؛ كالإجارة إذا فاتت المنفعة، وإذا طلعت الثمرة فعليه السقي إلى الجذاذ، ولو انتهت المدة، فإذا أخذ نصيبه منها انتهت المساقاة، ولا يلزمه العمل، وإن بقي في المدة بقية، والله أعلم.
* * *
стр. 7319
الفصل الثالث
انتهاء عقد المساقاة باستحقاق الحائط
[م-١٤٧٤] اختلف الفقهاء في عقد المساقاة إذا تبين أن الشجر مستحق من قبل مالك آخر إلى قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة بأن الشجر إذا ظهر مستحقًا، وفسخ المستحق المساقاة فإنها تنفسخ.
فإن كان الاستحقاق حصل قبل العمل فلا شيء له.
وإن حصل بعد العمل وقبل ظهور الثمرة فذهب الحنفية إلا أن العامل لا شيء له، كالمضاربة إذا فسخت قبل حصول الربح (١).
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن له أجر مثله على عمله وإن لم يخرج الشجر (٢).
وإن حصل الاستحقاق بعد ظهور الثمرة فله أجرة المثل عند الثلاثة جميعًا.
واشترط الشافعية والحنابلة: أن يكون جاهلًا بالحال، فإن كان عالمًا بالحال فلا شيء له (٣).
стр. 7320
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الحائط إذا ظهر مستحقًا للغير خير المالك بين إمضاء عقد المساقاة وبين فسخه لانكشاف الأمر أن العاقد ليس أهلًا للعقد لعدم ملكه، وإذا اختير الفسخ دُفِع للعامل كراء عمله (١).
وهذا القول أقوى، والله أعلم.
تم بحمد الله بحث المسائل المختارة من عقود المعاوضات، فلله الحمد من قبل ومن بعد.
* * *